سورة القرآن surah-quran.com

سورة الكهف

سورة الكهف، الآية 82

الجزء 16، الصفحة 302.

وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَـٰمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِى ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُۥ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَـٰلِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُۥ عَنْ أَمْرِى ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ﴿٨٢﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

وأما الحائط الذي عدَّلتُ مَيْلَه حتى استوى فإنه كان لغلامين يتيمين في القرية التي فيها الجدار، وكان تحته كنز لهما من الذهب والفضة، وكان أبوهما رجلًا صالحًا، فأراد ربك أن يكْبَرا ويبلغا قوتهما، ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك بهما، وما فعلتُ يا موسى جميع الذي رأيتَني فعلتُه عن أمري ومن تلقاء نفسي، وإنما فعلته عن أمر الله، ذلك الذي بَيَّنْتُ لك أسبابه هو عاقبة الأمور التي لم تستطع صبرًا على ترك السؤال عنها والإنكار عليَّ فيها.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 60 إلى 82

الآية 60: يخبر تعالى عن نبيِّه موسى عليه السلام وشدَّة رغبته في الخير وطلب العلم أنَّه قال لفتاه؛ أي: خادمه الذي يلازمه في حضره وسفره، وهو يُوشَعُ بن نون، الذي نبَّأه الّله بعد ذلك:{لا أبۡرَحُ حتى أبۡلُغَ مجمع البحرين}؛ أي: لا أزال مسافراً وإن طالت عليَّ الشُّقة ولحقتني المشقَّة حتى أصل إلى مجمع البحرين، وهو المكان الذي أوحي إليه أنَّك سَتَجِد فيه عبداً من عباد الله العالمين، عنده من العلم ما ليس عندك، {أو أمضيَ حُقُباً}؛ أي: مسافة طويلة. المعنى أنَّ الشوق والرغبة حَمَلَ موسى أن قال لفتاه هذه المقالة.

الآية 61: وهذا عزمٌ منه جازم، فلذلك أمضاه، {فلما بلغا}؛ أي: هو وفتاه {مَجۡمَعَ بينهما نسيا حوتَهما}: وكان معهما حوتٌ يتزوَّدان منه ويأكلان، وقد وُعِدَ أنَّه متى فقد الحوت؛ فثمَّ ذلك العبد الذي قصدته. {فاتَّخذ}: ذلك الحوت {سبيلَه}؛ أي: طريقه {في البحر سَرَباً}. وهذا من الآيات، قال المفسرون: إنَّ ذلك الحوت الذي كانا يتزوَّدان منه لما وصلا إلى ذلك المكان أصابه بللُ البحر، فانسرب بإذن الله في البحر، وصار مع حيواناته حيًّا.

الآية 62: فلما جاوز موسى وفتاه مجمعَ البحرين؛ قال موسى لفتاه:{آتِنا غداءنا لقد لَقينا مِنۡ سَفَرِنا هذا نَصَباً}؛ أي: لقد تعبنا من هذا السفر المجاوز فقط، وإلاَّ؛ فالسفر الطويل الذي وصلا به إلى مجمع البحرين لم يجدا من التعب فيه، وهذا من الآيات والعلامات الدالَّة لموسى على وجود مطلبِهِ، وأيضاً؛ فإنَّ الشوق المتعلِّق بالوصول إلى ذلك المكان سهَّل لهما الطريق، فلمَّا تجاوزا غايتهما؛ وجدا مسَّ التعب.

الآية 63: فلما قال موسى لفتاه هذه المقالة؛ قال له فتاه:{أرأيتَ إذۡ أوَيۡنا إلى الصخرة فإنِّي نسيتُ الحوتَ}[أي: ألم تعلم حين آوانا الليل إلى تلك الصخرة المعروفة بينهما فإني نسيت الحوت]، {وما أنسانيهُ إلاَّ الشيطانُ}: لأنَّه السببُ في ذلك، {واتَّخذ سبيلَه في البحر عَجَباً}؛ أي: لما انسرب في البحر ودخل فيه؛ كان ذلك من العجائب. قال المفسرون: كان ذلك المسلك للحوت سرباً ولموسى وفتاه عجباً.

الآية 64: فلما قال له الفتى هذا القول، وكان عند موسى وعدٌ من الله أنَّه إذا فَقَدَ الحوت؛ وَجَدَ الخَضِرَ، فقال موسى:{ذلك ما كُنَّا نَبۡغ}؛ أي: نطلب. {فارۡتَدَّا}؛ أي: رجعا {على آثارِهما قصصاً}؛ أي: رجعا يَقُصَّان أثرهما [إلى المكان] الذي نسيا فيه الحوت.

الآية 65: فلما وصلا إليه؛ {وجدا عبداً من عبادنا}: وهو الخضر، وكان عبداً صالحاً لا نبيًّا على الصحيح. {آتيۡناه رحمةً من عندنا}؛ أي: أعطاه الله رحمةً خاصَّة، بها زاد علمه وحسن عمله، {وعلَّمناه من لَدُنَّا}؛ أي: من عندنا {عِلۡماً}: وكان قد أُعطي من العلم ما لم يعطَ موسى، وإنْ كان موسى عليه السلام أعلمَ منه بأكثر الأشياء وخصوصاً في العلوم الإيمانيَّة والأصوليَّة؛ لأنَّه من أولي العزم من المرسلين، الذين فضَّلهم الله على سائر الخلق بالعلم والعمل وغير ذلك.

الآية 66: فلما اجتمع به موسى؛ قال له على وجه الأدب والمشاورة والإخبار عن مطلبه:{هل أتَّبعُك على أن تُعَلِّمنَي مما عُلِّمۡتَ رُشداً}؛ أي: هل أتَّبِعك على أن تُعَلِّمني مما علَّمك الله ما به أسترشدُ وأهتدي وأعرف به الحقَّ في تلك القضايا، وكان الخضر قد أعطاه الله من الإلهام والكرامة ما به يحصُلُ له الاطلاع على بواطن كثيرٍ من الأشياء التي خَفِيَتْ حتى على موسى عليه السلام.

الآية 67: فقال الخضر لموسى: لا أمتنع من ذلك، ولكنَّك {لَنۡ تَسۡتطيعَ معيَ صبراً}؛ أي: لا تقدر على اتِّباعي وملازمتي؛ لأنَّك ترى ما لا تقدر على الصبر عليه من الأمور، التي ظاهرها المنكَر وباطنها غيرُ ذلك.

الآية 68: ولهذا قال: {وكيفَ تصبر على ما لم تُحِطۡ به خُبۡراً}؛ أي: كيف تصبر على أمرٍ ما أحطتَ بباطنه وظاهره وعلمتَ المقصودَ منه ومآله.

الآية 69: فقال موسى: {سَتَجِدُني إن شاء اللهُ صابراً ولا أعصي لك أمراً}: وهذا عزمٌ منه قبل أن يوجد الشيء الممتَحَن به، والعزمُ شيء ووجودُ الصبر شيء آخر؛ فلذلك ما صَبَرَ موسى عليه السلام حين وقع الأمر.

الآية 70: فحينئذٍ قال له الخضر: {فإنِ اتَّبَعۡتَني فلا تَسۡألۡني عن شيءٍ حتَّى أحدِثَ لك منه ذِكۡراً}؛ أي: لا تبتدئني بسؤال منك وإنكارٍ حتى أكون أنا الذي أخبرك بحالِهِ في الوقت الذي ينبغي إخبارُك به، فنهاه عن سؤالِهِ، ووعَدَه أن يوقفه على حقيقة الأمر.

الآية 71:{فانطلقا حتى إذا رَكِبا في السفينةِ خَرَقَها}؛ أي: اقتلع الخضِرُ منها لوحاً، وكان له مقصودٌ في ذلك سيبيِّنه، فلم يصبرْ موسى عليه السلام؛ لأنَّ ظاهره أنه منكرٌ؛ لأنَّه عَيْبٌ للسفينة وسببٌ لغرق أهلها، ولهذا قال موسى:{أخَرَقۡتَها لِتُغۡرِقَ أهلها لقد جئتَ شيئاً إمۡراً}؛ أي: عظيماً شنيعاً، وهذا من عدم صبره عليه السلام.

الآية 72: فقال له الخضر: {ألم أقُلۡ إنَّك لن تستطيعَ معي صبراً}؛ أي: فوقع كما أخبرتك.

الآية 73: وكان هذا من موسى نسياناً، فقال:{لا تؤاخِذۡني بما نسيتُ ولا تُرۡهِقۡني من أمري عُسراً}؛ أي: لا تُعَسِّرْ عليَّ الأمر، واسمح لي؛ فإنَّ ذلك وقع على وجه النسيان، فلا تؤاخِذْني في أول مرة، فجمع بين الإقرار به والعذر منه، وأنَّه ما ينبغي لك أيُّها الخضر الشدَّة على صاحبك، فسمح عنه الخضر.

الآية 74:{فانطلقا حتَّى إذا لقيا غُلاماً}؛ أي: صغيراً، {فقَتَلَه}: الخضر، فاشتدَّ بموسى الغضب، وأخذتْه الحميَّة الدينيَّة حين قتل غلاماً صغيراً لم يُذْنِبْ. {قال أقتلتَ نفساً زكِيَّةً بغير نفسٍ لقد جئتَ شيئاً نُكۡراً}: وأيُّ نُكْرٍ مثل قتل الصغير الذي ليس عليه ذنبٌ ولم يقتلْ أحدا؟! وكان الأول من موسى نسياناً، وهذه غير نسيانٍ، ولكن عدم صبرٍ.

الآية 75: فقال له الخضرُ معاتباً ومذكِّراً: {ألم أقُلۡ لكَ إنكَ لن تستطيعَ معيَ صبراً}؟

الآية 76: فَـ {قال} له موسى: {إن سألتُكَ عن شيءٍ} بعد هذه المرة؛ {فلا تصاحِبۡني}؛ أي: فأنت معذور بذلك وبترك صحبتي، {قد بَلَغۡتَ من لَدُنِّي عُذۡراً}؛ أي: أعذرت مني، ولم تقصر.

الآية 77:{فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قريةٍ استطعما أهلها}؛ أي: استضافاهم فلم يُضَيِّفوهُما، {فوجدا فيها جداراً يريدُ أن ينقضَّ}؛ أي:[قد] عاب واستهدم، {فأقامَهُ}: الخضرُ؛ أي بناه وأعاده جديداً، فَـ {قال} له موسى: {لو شئتَ لاتَّخَذۡتَ عليه أجراً}؛ أي: أهل هذه القرية لم يضيفونا مع وجوب ذلك عليهم، وأنت تبنيه من دون أجرةٍ، وأنت تقدِرُ عليها؟!

الآية 78: فحينئذٍ لم يفِ موسى عليه السلام بما قال، واستعذر الخضرُ منه، فَـ {قال} له: {هذا فراقُ بيني وبينكَ}: فإنَّك شرطتَ ذلك على نفسك، فلم يبقَ الآن عذرٌ ولا موضعٌ للصُّحبة. {سأنبِّئك بتأويل ما لم تستطِعۡ عليه صبراً}؛ أي: سأخبرك بما أنكرتَ عليَّ وأنبِّئك بأنَّ لي في ذلك من المآرب وما يؤول إليه الأمر.

الآية 79:{أما السفينة}: التي خرقتها، {فكانتۡ لمساكينَ يعملون في البحر}: يقتضي ذلك الرِّقَّة عليهم والرأفة بهم، {فأردتُ أن أَعِيبها وكان وراءَهُم مَلِكٌ يأخذ كلَّ سفينة غَصۡباً}؛ أي: كان مرورهم على ذلك الملك الظالم؛ فكلُّ سفينة صالحةٍ تمرُّ عليه ما فيها عيبٌ غَصَبها وأخَذَها ظلماً، فأردتُ أن أخْرِقها ليكونَ فيها عيبٌ فتسلم من ذلك الظالم.

الآية 80:{وأما الغلامُ}: الذي قتلتُه؛ {فكان أبواه مؤمِنَيۡنِ فخشينا أن يُرهِقَهما طغياناً وكفراً}: وكان ذلك الغلام قد قُدِّر عليه أنَّه لو بَلَغَ لأرهق أبويه طغياناً وكفراً؛ أي: لحملهما على الطغيان والكفر: إمَّا لأجل محبَّتهما إيَّاه، أو للحاجة إليه؛ أو يحملهما على ذلك؛ أي: فقتلته؛ لاطِّلاعي على ذلك؛ سلامةً لدين أبويه المؤمِنَيْنِ، وأيُّ فائدة أعظمُ من هذه الفائدة الجليلة؟!

الآية 81: وهو وإن كان فيه إساءةٌ إليهما وقطعٌ لذُرِّيَّتهما؛ فإنَّ الله تعالى سيعطيهما من الذُّرِّيَّة ما هو خيرٌ منه، ولهذا قال:{فأرَدۡنا أن يُبۡدِلهَما ربُّهما خيراً منه زكاةً وأقربَ رُحۡماً}؛ أي: ولداً صالحاً زكيًّا واصلاً لرحِمِهِ؛ فإنَّ الغلام الذي قُتِلَ لو بلغ لَعَقَّهما أشدَّ العقوق بحملهما على الكفر والطغيان.

الآية 82:{وأمَّا الجدارُ}: الذي أقمته؛ {فكان لِغُلامين يتيمينِ في المدينةِ وكان تحتهَ كنزٌ لهما وكان أبوهما صالحاً}؛ أي: حالهما تقتضي الرأفة بهما ورحمتهما؛ لكونِهِما صغيرين، عدما أباهما، وحفظهما الله أيضاً بصلاح والدهما. {فأراد ربُّك أن يَبۡلُغا أشدَّهما ويستخۡرِجا كَنۡزَهُما}؛ أي: فلهذا هدمتُ الجدار واستخرجتُ ما تحتَهُ من كنزِهِما ورددتُهُ وأعدتُه مجاناً؛ {رحمةً من ربِّك}؛ أي: هذا الذي فعلتُه رحمةٌ من الله آتاها الله عبدَه الخضر. {وما فعلتُهُ عن أمري}؛ أي: ما أتيت شيئاً من قِبَلِ نفسي ومجرَّد إرادتي، وإنَّما ذلك من رحمةِ الله وأمره. {ذلك}: الذي فسَّرتُه لك {تأويلُ ما لم تَسۡطِعۡ عليه صبراً}. وفي هذه القصة العجيبة الجليلة من الفوائد والأحكام والقواعد شيءٌ كثيرٌ ننبِّه على بعضه بعون الله: فمنها: فضيلة العلم والرِّحلة في طلبه، وأنَّه أهمُّ الأمورِ؛ فإنَّ موسى عليه السلام رحل مسافةً طويلةً، ولقي النَّصب في طلبه، وترك القعود عند بني إسرائيل لتعليمهم وإرشادهم، واختار السفر لزيادة العلم على ذلك. ومنها: البداءةُ بالأهمِّ فالأهمِّ؛ فإنَّ زيادة العلم وعلم الإنسان أهمُّ من تَرْكِ ذلك والاشتغال بالتعليم من دون تزوُّد من العلم، والجمعُ بين الأمرين أكمل. ومنها: جواز أخذِ الخادم في الحضَرِ والسفر؛ لكفاية المؤن وطلب الراحة؛ كما فعل موسى. ومنها: أنَّ المسافر لطلب علم أو جهادٍ أو نحوه، إذا اقتضتِ المصلحةُ الإخبار بمطلبه وأين يريدُه؛ فإنَّه أكمل من كتمه؛ فإنَّ في إظهاره فوائدَ من الاستعداد له عدَّته وإتيان الأمر على بصيرةٍ وإظهار الشوق لهذه العبادة الجليلة؛ كما قال موسى:{لا أبرحُ حتى أبلغَ مجمع البحرين أو أمضيَ حُقُباً}، وكما أخبر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أصحابه حين غزا تبوك بوجهه مع أنَّ عادته التَّورية، وذلك تَبَعٌ للمصلحة. ومنها: إضافةُ الشرِّ وأسبابه إلى الشيطان على وجه التسويل والتزيين، وإنْ كان الكلُّ بقضاء الله وقدره؛ لقول فتى موسى:{وما أنسانيهُ إلاَّ الشيطانُ أنۡ أذۡكُرَهُ}. ومنها: جواز إخبار الإنسان عمَّا هو من مقتضى طبيعة النفس من نَصَبٍ أو جوع أو عطش إذا لم يكنْ على وجه التسخُّط وكان صدقاً؛ لقول موسى:{لقد لقينا من سَفَرِنا هذا نَصَباً}. ومنها: استحبابُ كون خادم الإنسان ذكيًّا فطناً كيِّساً؛ ليتمَّ له أمره الذي يريده. ومنها: استحباب إطعام الإنسان خادمه من مأكله وأكلهما جميعاً؛ لأنَّ ظاهر قوله:{آتنا غداءنا}: إضافة إلى الجميع: أنَّه أكل هو وهو جميعاً. ومنها: أنَّ المعونة تنزل على العبد على حسب قيامه بالمأمور به، وأنَّ الموافق لأمر الله يُعان ما لا يُعان غيره؛ لقوله:{لقد لَقينا من سَفَرِنا هذا نَصَباً}، والإشارة إلى السفر المجاوز لمجمع البحرين، وأما الأول؛ فلم يَشْتكِ منه التعب مع طولِهِ؛ لأنَّه هو السفر على الحقيقة، وأما الأخير؛ فالظاهر أنه بعض يوم؛ لأنَّهم فقدوا الحوتَ حين أووا إلى الصخرة؛ فالظاهر أنَّهم باتوا عندها، ثم ساروا من الغد، حتى إذا جاء وقتُ الغداء؛ قال موسى لفتاه: آتنا غداءنا؛ فحينئذٍ تذكَّرَ أنَّه نَسِيَهُ في الموضع الذي إليه منتهى قصده. ومنها: أنَّ ذلك العبد الذي لقياه ليس نبيًّا، بل عبداً صالحاً؛ لأنَّه وصفه بالعبوديَّة، وذكر منَّة الله عليه بالرحمة والعلم، ولم يَذْكُر رسالته ولا نبوَّته، ولو كان نبيًّا؛ لذكر ذلك كما ذكر غيره. وأما قوله في آخر القصة:{وما فعلتُهُ عن أمري}؛ فإنَّه لا يدلُّ على أنَّه نبيٌّ، وإنَّما يدلُّ على الإلهام والتحديث؛ كما يكون لغير الأنبياء؛ كما قال تعالى:{وأوۡحَيۡنا إلى أمِّ موسى أنۡ أرۡضِعيه}، {وأوۡحى ربُّك إلى النَّحۡل أنِ اتَّخِذي من الجبال بيوتاً}. ومنها: أنَّ العلم الذي يعلِّمه الله لعبادِهِ نوعان: علمٌ مكتسبٌ يدرِكُه العبد بجدِّه واجتهاده، ونوعٌ: علمٌ لَدُنِّيٌّ يهبُه الله لمن يمنُّ عليه من عباده؛ لقوله:{وعلَّمۡناه من لَدُنَّا علماً}. ومنها: التأدب مع المعلِّم وخطاب المتعلِّم إيَّاه ألطف خطاب؛ لقول موسى عليه السلام:{هل أتَّبِعُك على أن تُعَلِّمني مما عُلِّمۡتَ رُشۡداً}: فأخرج الكلام بصورة الملاطفة والمشاورة، وأنَّك هل تأذنُ لي في ذلك أم لا؟ وإقرارُهُ بأنَّه يتعلَّم منه؛ بخلاف ما عليه أهل الجفاء أو الكِبْر، الذي لا يُظْهِر للمعلِّم افتقاره إلى علمه، بل يدَّعي أنَّه يتعاون هو وإيَّاه، بل ربَّما ظنَّ أنه يعلِّم معلِّمه وهو جاهلٌ جدًّا؛ فالذُّلُّ للمعلم وإظهارُ الحاجة إلى تعليمه من أنفع شيء للمتعلم. ومنها: تواضع الفاضل للتعلُّم ممَّن دونه؛ فإنَّ موسى بلا شكٍّ أفضل من الخضر. ومنها: تعلُّم العالم الفاضل للعلم الذي لم يتمهَّر فيه ممَّن مَهَرَ فيه، وإنْ كان دونَه في العلم بدرجاتٍ كثيرةٍ؛ فإنَّ موسى عليه السلام من أولي العزم من المرسلين، الذين منحهم الله وأعطاهم من العلم ما لم يعطِ سواهم، ولكن في هذا العلم الخاصِّ كان عند الخضر ما ليس عنده؛ فلهذا حرص على التعلُّم منه؛ فعلى هذا لا ينبغي للفقيه المحدِّث إذا كان قاصراً في علم النحو أو الصرف أو نحوه من العلوم أن لا يتعلَّمه ممَّن مَهَرَ فيه، وإنْ لم يكنْ محدِّثاً ولا فقيهاً. ومنها: إضافة العلم وغيره من الفضائل لله تعالى، والإقرار بذلك، وشكر الله عليها؛ لقوله:{تُعَلِّمَني مما عُلِّمۡتَ}؛ أي: مما علمك الله تعالى. ومنها: أن العلم النافع هو العلم المرشد إلى الخير، فكلُّ علم يكون فيه رشد وهداية لطريق الخير وتحذيرٌ عن طريق الشرِّ أو وسيلة لذلك؛ فإنَّه من العلم النافع، وما سوى ذلك؛ فإمَّا أن يكون ضارًّا أو ليس فيه فائدةٌ؛ لقوله:{أن تُعَلِّمَني مما عُلِّمۡتَ رُشۡداً}. ومنها: أن من ليس له قوَّة الصبر على صحبة العالم والعلم وحسن الثَّبات على ذلك؛ أنَّه [يفوته بحسب عدم صبره كثير من] العلم؛ فمن لا صبر له؛ لا يدرِكُ العلم، ومن استعمل الصبر ولازمه؛ أدرك به كل أمرٍ سعى فيه؛ لقول الخضر يتعذر من موسى بذكر المانع لموسى من الأخذ عنه: إنَّه لا يصبر معه. ومنها: أن السبب الكبير لحصول الصبر إحاطةُ الإنسان علماً وخبرةً بذلك الأمر الذي أمِرَ بالصبر عليه، وإلاَّ؛ فالذي لا يدريه أو لا يدري غايته ولا نتيجته ولا فائدته وثمرته ليس عنده سببُ الصبر؛ لقوله:{وكيف تصبِرُ على ما لم تُحِطۡ به خُبۡراً}؛ فجعل الموجب لعدم صبرِهِ عدم إحاطته خُبراً بالأمر. ومنها: الأمر بالتأنِّي والتثبُّت وعدم المبادرة إلى الحكم على الشيء حتى يعرفَ ما يُراد منه وما هو المقصود. ومنها: تعليقُ الأمور المستقبلة التي من أفعال العباد بالمشيئة، وأن لا يقولَ الإنسان للشيء: إني فاعل ذلك في المستقبل إلاَّ أن يقول إن شاء الله. ومنها: أن العزم على فعل الشيء ليس بمنزلة فعله؛ فإنَّ موسى قال:{سَتَجِدُني إن شاء الله صابراً}: فوطَّن نفسه على الصبر ولم يفعل. ومنها: أنَّ المعلِّم إذا رأى المصلحة في إيزاعه للمتعلِّم أن يترك الابتداء في السؤال عن بعض الأشياء حتى يكون المعلِّم هو الذي يوقفه عليها؛ فإنَّ المصلحة تتَّبع؛ كما إذا كان فهمه قاصراً، أو نهاه عن الدقيق في سؤال الأشياء التي غيرها أهمُّ منها أو لا يدرِكُها ذهنُه، أو يسأل سؤالاً لا يتعلَّق في موضع البحث. ومنها: جواز ركوب البحر في غير الحالة التي يخاف منها. ومنها: أنَّ الناسي غير مؤاخذٍ بنسيانه؛ لا في حقِّ الله، ولا في حقوق العبادِ؛ لقوله:{لا تؤاخِذۡني بما نسيتُ}. ومنها: أنَّه ينبغي للإنسان أن يأخُذَ من أخلاق الناس ومعاملاتهم العفوَ منها وما سمحتْ به أنفسُهم، ولا ينبغي له أن يكلِّفَهم ما لا يطيقون أو يشقَّ عليهم ويرهِقَهم؛ فإنَّ هذا مدعاةٌ إلى النفور منه والسآمة، بل يأخذ المتيسِّر ليتيسر له الأمر. ومنها: أنَّ الأمور تجري أحكامها على ظاهرها، وتُعَلَّقُ بها الأحكام الدنيويَّة في الأموال والدماء وغيرها؛ فإنَّ موسى عليه السلام أنكر على الخضِرِ خرقَه السفينة وقتلَ الغلام، وأنَّ هذه الأمور ظاهرها أنَّها من المنكر، وموسى عليه السلام لا يَسَعُهُ السكوتُ عنها في غير هذه الحال التي صَحِبَ عليها الخضر، فاستعجل عليه السلام، وبادَرَ إلى الحكم في حالتها العامَّة، ولم يلتفتْ إلى هذا العارض الذي يوجب عليه الصبر وعدم المبادرةِ إلى الإنكار. ومنها: القاعدة الكبيرة الجليلة، وهو أنَّه يُدْفَعُ الشرُّ الكبير بارتكاب الشرِّ الصغير، ويُراعى أكبر المصلحتين بتفويت أدناهما؛ فإنَّ قتل الغلام شرٌّ، ولكنَّ بقاءه حتى يفتن أبويه عن دينهما أعظمُ شرًّا منه، وبقاء الغلام من دون قتل وعصمته وإن كان يظنُّ أنه خيرٌ؛ فالخير ببقاء دين أبويه وإيمانهما خيرٌ من ذلك؛ فلذلك قَتَلَهُ الخضر. وتحت هذه القاعدة من الفروع والفوائد ما لا يدخُلُ تحت الحصر، فتزاحُمُ المصالح والمفاسدِ كلِّها داخلٌ في هذا. ومنها: القاعدة الكبيرة أيضاً، وهي أنَّ عمل الإنسان في مال غيره إذا كان على وجه المصلحة وإزالةِ المفسدةِ أنَّه يجوزُ، ولو بلا إذنٍ، حتى ولو ترتَّب على عمله إتلافُ بعض مال الغير؛ كما خَرَقَ الخضر السفينةَ لتعيبَ فتسلمَ من غَصْب الملك الظالم؛ فعلى هذا: لو وقع حرقٌ أو غرق أو نحوهما في دار إنسانٍ أو ماله، وكان إتلافُ بعض المال أو هدمُ بعض الدار فيه سلامةٌ للباقي؛ جاز للإنسان، بل شُرِعَ له ذلك؛ حفظاً لمال الغير. وكذلك لو أراد ظالمٌ أخذَ مال الغير، ودفع إليه إنسانٌ بعض المال افتداءً للباقي؛ جاز، ولو من غير إذن. ومنها: أن العمل يجوز في البحر كما يجوز في البرِّ؛ لقوله:{يعملون في البحر}، ولم ينكر عليهم عملهم. ومنها: أنَّ المسكين قد يكون له مالٌ لا يبلُغ كفايته ولا يخرجُ بذلك عن اسم المسكنة؛ لأنَّ الله أخبر أنَّ هؤلاء المساكين لهم سفينة. ومنها: أنَّ القتل من أكبر الذنوب؛ لقوله في قتل الغلام:{لقد جئتَ شيئا نُكۡراً}. ومنها: أنَّ القتل قصاصاً غير مُنْكَرٍ؛ لقوله:{بغيرِ نفسٍ}. ومنها: أنَّ العبد الصالح يحفظُهُ الله في نفسه وفي ذُرِّيَّتِهِ. ومنها: أن خدمة الصالحين أو مَنْ يتعلَّق بهم أفضل من غيرها؛ لأنَّه علَّل استخراج كنزهما وإقامة جدارهما بأنَّ أباهما صالح. ومنها: استعمال الأدب مع الله تعالى في الألفاظ؛ فإنَّ الخضر أضاف عَيْبَ السفينة إلى نفسه؛ بقوله:{فأردتُ أن أعيبها}، وأما الخيرُ؛ فأضافه إلى الله تعالى؛ لقوله:{فأراد ربُّك أن يَبۡلُغا أشدَّهما ويستخرِجا كَنزَهما رحمةً من ربِّك}؛ كما قال إبراهيم عليه السلام:{وإذا مرضۡتُ فهو يشفينِ}، وقالت الجنُّ:{وأنَّا لا ندري أشرٌّ أريدَ بِمَن في الأرض أم أرادَ بهم ربُّهم رَشَداً}؛ مع أنَّ الكلَّ بقضاء الله وقدره. ومنها: أنَّه ينبغي للصاحب أن لا يفارِقَ صاحبه في حالةٍ من الأحوال ويترك صحبتَهُ حتى يُعْتِبَه ويُعْذِرَ منه؛ كما فعل الخضر مع موسى. ومنها: أن موافقة الصاحب لصاحبه في غير الأمور المحذورة مدعاةٌ وسببٌ لبقاء الصحبة وتأكُّدها؛ كما أنَّ عدم الموافقة سببٌ لقطع المرافقة. [ومنها: أن هذه القضايا التي أجراها الخضر هي قدر محض، أجراها اللَّه وجعلها على يد هذا العبد الصالح ليستدل العباد بذلك على ألطافه في أقضيته، وأنه يقدر على العبد أموراً يكرهها جداً وهي صلاح دينه، كما في قضية الغلام، أو وهي صلاح دنياه كما في قضية السفينة، فأراهم نموذجاً من لطفه وكرمه ليعرفوه، ويرضوا غاية الرضا بأقداره الكريهة].

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿وأَمّا الجِدار فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي المَدِينَة وكانَ تَحْته كَنْز﴾ مال مَدْفُون مِن ذَهَب وفِضَّة ﴿لَهُما وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ فَحُفِظا بِصَلاحِهِ فِي أنْفُسهما ومالهما ﴿فَأَرادَ رَبّك أنْ يَبْلُغا أشَدّهما﴾ أيْ إيناس رُشْدهما ﴿ويَسْتَخْرِجا كَنْزهما رَحْمَة مِن رَبّك﴾ مَفْعُول لَهُ عامِله أرادَ ﴿وما فَعَلْته﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِن خَرْق السَّفِينَةِ وقَتْل الغُلام وإقامَة الجِدار ﴿عَنْ أمْرِي﴾ أيْ اخْتِيارِي بَلْ بِأَمْرِ إلْهام. مِن اللَّه ﴿ذَلِكَ تَأْوِيل ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ يُقال اسْطاعَ واسْتَطاعَ بِمَعْنى أطاقَ فَفِي هَذا وما قَبْله جَمْع بَيْن اللُّغَتَيْنِ ونُوِّعَتْ العِبارَة فِي: فَأَرَدْت فَأَرَدْنا فَأَرادَ رَبّك

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى إِطْلَاقِ الْقَرْيَةِ عَلَى الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ أَوَّلًا ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ [الْكَهْفِ:٧٧] وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [مُحَمَّدٍ:١٣] ، ﴿وَقَالُوا لَوْلا نزلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ:٣١] يَعْنِي: مَكَّةَ وَالطَّائِفَ.

وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّ هَذَا الْجِدَارَ [[في ت: "الجار".]] إِنَّمَا أُصْلِحُهُ [[في ف: "أصلحته".]] لِأَنَّهُ كَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا.

قَالَ عِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: كَانَ تَحْتَهُ مَالٌ مَدْفُونٌ لَهُمَا. وَهَذَا ظَاهِرُ السِّيَاقِ مِنَ الْآيَةِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ.

وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْن عَبَّاسٍ: كَانَ تَحْتَهُ كَنْزُ عِلْمٍ. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: صُحُفٌ فِيهَا عِلْمٌ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ مَا يُقَوِّي ذَلِكَ، قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ الْمَشْهُورِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَحْصَبيّ عَنْ عَيَّاشِ [[في ت، ف، أ: "عباس".]] بْنِ عَبَّاسٍ الْقَتْبَانِيِّ [[في أ: "الغسانى".]] عَنِ ابن حُجَيرة [[في هـ: "أبي حجيرة" والصواب ما أثبتناه من مسند البزار.]] ، عن أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، [رَفَعَهُ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] قَالَ: "إِنَّ الْكَنْزَ الَّذِي ذَكَرَ [[في ف، أ: "ذكره".]] اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: لَوْحٌ مِنْ ذَهَبٍ مُصْمَتٍ مَكْتُوبٍ فِيهِ: عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْقَدْرِ لِمَ نَصِبَ [[في ف، أ: "ينصب".]] ؟ وَعَجِبْتُ لِمَنْ ذَكَرَ النَّارَ لِمَ ضَحِك [[في ت، ف: "يضحك"، وفي أ: "ضحك".]] ؟ وَعَجِبَتْ لِمَنْ ذَكَرَ الْمَوْتَ لِمَ غَفَلَ؟ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ" [[مسند البزار برقم (٢٢٢٩) "كشف الأستار" وقد روى موقوفا من طرق عن ابن عباس وعلى، رضي الله عنهما، لكن أسانيدها ضعيفة.]] .

بِشْرُ بْنُ الْمُنْذِرِ هَذَا يُقَالُ لَهُ: قَاضِي الْمِصِّيصَةِ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ: فِي حَدِيثِهِ وَهْمٌ [[ميزان الاعتدال (٢/٣٢٥) .]] .

وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا آثَارٌ عَنِ السَّلَفِ، فَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثْنَا الْحَسَنُ بْنُ حَبِيبِ بْنِ نُدْبَةَ [[في ف، أ::بدنة".]] حَدَّثَنَا سَلَمَةُ [[في ت: "مسلم".]] ، عَنْ نُعَيْمٍ الْعَنْبَرِيِّ -وَكَانَ مِنْ جُلَسَاءِ الْحَسَنِ-قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ -يَعْنِي الْبَصْرِيَّ-يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنز لَهُمَا﴾ قَالَ: لَوْحٌ مِنْ ذَهَبٍ مَكْتُوبٍ فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، عَجِبْتُ لِمَنْ يُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ كَيْفَ يَحْزَنُ؟ وَعَجِبْتُ لِمَنْ يُوقِنُ [[في ت، ف: "يؤمن".]] بِالْمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ؟ وَعَجِبْتُ لِمَنْ يَعْرِفَ الدُّنْيَا وَتَقَلُّبَهَا بِأَهْلِهَا كَيْفَ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا؟ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.

وَحَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ [[في أ، ف: "بن عباس".]] عَنْ عُمَر [[في ف: "عن عمرو".]] مَوْلَى غُفْرَة [[في ف: "عفرة".]] قَالَ: إِنَّ الْكَنْزَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِي السُّورَةِ الَّتِي يَذْكُرُ فِيهَا الْكَهْفَ: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنز لَهُمَا﴾ قَالَ: كَانَ لَوْحًا مِنْ ذَهَبٍ مُصْمَت مَكْتُوبًا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، عجبٌ لِمَنْ عَرَفَ النَّارَ [[في ت: "عجبت لمن عرف الموت".]] ثُمَّ ضَحِكَ! عجبٌ [[في ت: "عجبت".]] لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْقَدَرِ ثُمَّ نَصِبَ! عَجَبٌ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ ثُمَّ أَمِنَ! أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ الْغِفَارِيُّ، حَدَّثْنَا هَنَّادَة بِنْتُ مَالِكٍ الْشَيْبَانِيَّةُ قَالَتْ: سَمِعَتْ صَاحِبِي حَمَّادَ بْنَ الْوَلِيدِ الثَّقَفِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى [[في ف: "عز وجل".]] ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنز لَهُمَا﴾ قَالَ: سَطْرَانِ وَنِصْفٌ لَمْ يَتِمَّ الثَّالِثُ: عَجِبْتُ لِلْمُوقِنِ بِالرِّزْقِ كَيْفَ يَتْعَبُ وَعَجِبْتُ لِلْمُوقِنِ [[في ت: "للموقف".]] بِالْحِسَابِ كَيْفَ يَغْفَلُ؟ وَعَجِبْتُ لِلْمُوقِنِ [[في ت: "للموتى".]] بِالْمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ؟ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ:٤٧] قَالَتْ: وَذُكِرَ أَنَّهُمَا حُفِظَا بِصَلَاحِ أَبِيهِمَا، وَلَمْ يُذْكَرْ مِنْهُمَا صَلَاحٌ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْأَبِ الَّذِي حُفِظَا بِهِ سَبْعَةُ آبَاءٍ، وَكَانَ نَسَّاجًا.

وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ، وَوَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ وَإِنْ صَحَّ، لَا يُنَافِي قَوْلَ عِكْرِمَةَ: أَنَّهُ كَانَ مَالًا لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ لَوْحًا مِنْ ذَهَبٍ، وَفِيهِ مَالٌ جَزِيلٌ، أَكْثَرُ مَا زَادُوا أَنَّهُ كَانَ مُودَعًا فِيهِ عِلْمٌ [[في ف: "علما".]] ، وَهُوَ حِكَمٌ وَمَوَاعِظُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ الصَّالِحَ يحفظ في ذريته، وتشمل بركة عِبَادَتِهِ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، بِشَفَاعَتِهِ فِيهِمْ وَرَفْعِ دَرَجَتِهِمْ إِلَى أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ لِتَقَرَّ عَيْنُهُ بِهِمْ، كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ وَوَرَدَتِ السُّنَّةُ بِهِ [[في ف: "به السنة".]] . قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: حُفِظَا بِصَلَاحِ أَبِيهِمَا، وَلَمْ يُذْكَرْ لَهُمَا صَلَاحٌ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ الْأَبُ السَّابِعُ. [فَاللَّهُ أَعْلَمُ] [[زيادة من ف، أ.]]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزهُمَا﴾ : هَاهُنَا أَسْنَدَ الْإِرَادَةَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ بُلُوغَهُمَا الْحُلُمَ [[في ت: "الحكم".]] لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ؛ وَقَالَ فِي الْغُلَامِ: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ﴾ وَقَالَ فِي السَّفِينَةِ: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي فَعَلْتُهُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ، إِنَّمَا هُوَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِمَنْ ذَكَرْنَا مِنْ أَصْحَابِ السَّفِينَةِ، وَوَالِدَيِ الْغُلَامِ، وَوَلَدَيِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ، ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ لَكِنِّي أُمِرْتُ بِهِ وَوُقِفْتُ عَلَيْهِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِمَنْ قَالَ بِنُبُوَّةِ الْخَضِرِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ [[في ف: "في".]] قَوْلِهِ: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ .

وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ رَسُولًا. وَقِيلَ بَلْ كَانَ مَلِكًا. نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ.

وَذَهَبَ كَثِيرُونَ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا. بَلْ كَانَ وَلِيًّا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي الْمَعَارِفِ أَنَّ اسْمَ الْخَضِرِ بَلْيَا بْنُ مَلْكان بْنِ فَالِغَ بْنِ عَامِرِ بْنِ شَالِخِ بْنِ أَرْفَخْشَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ [[المعارف (ص٤٢) .]]

قَالُوا: وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا الْعَبَّاسِ، وَيُلَقَّبُ بِالْخَضِرِ، وَكَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ، وَحَكَى هُوَ وَغَيْرُهُ فِي كَوْنِهِ بَاقِيًا إِلَى الْآنِ ثُمَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَوْلَيْنِ، وَمَالَ هُوَ وَابْنُ الصَّلَاحِ إِلَى بَقَائِهِ، وَذَكَرُوا فِي ذَلِكَ حِكَايَاتٍ وَآثَارًا عَنِ السَّلَفِ وَغَيْرِهِمْ وَجَاءَ ذِكْرُهُ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ. وَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَأَشْهَرُهَا أَحَادِيثُ [[في ت: "حديث".]] التَّعْزِيَةِ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.

وَرَجَّحَ آخَرُونَ مِنَ الْمُحْدَثِينَ وَغَيْرِهِمْ خِلَافَ ذَلِكَ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ:٣٤] وَبِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: "اللَّهُمَّ إِنَّ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ" [[رواه مسلم في صحيحه برقم (١٧٦٣) من حديث عمر، رضي الله عنه.]] ، وَبِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [وَلَا حَضَرَ عِنْدَهُ، وَلَا قَاتَلَ مَعَهُ. وَلَوْ كَانَ حَيًّا لَكَانَ مِنْ أَتْبَاعِ النَّبِيِّ ﷺ] [[زيادة من ف، أ.]] وَأَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ [[في أ: "صلى الله عليه وسلم".]] كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى جَمِيعِ الثَّقْلَيْنِ: الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَقَدْ قَالَ: "لَوْ كَانَ مُوسَى وَعِيسَى حَيَّيْن مَا [[في ت، ف: "لما".]] وَسِعَهُمَا إِلَّا اتِّبَاعِي" [[ذكره ابن أبي العز في شرح الطحاوية في سياقه وعلق عليه الشيخ ناصر الألباني في تخريج الطحاوية بقوله: "كذا الأصل، وكأنه يشير إلى الحديث الذي ذكره شيخه ابن كثير في تفسير سورة الكهف بلفظ: "لَوْ كَانَ مُوسَى وَعِيسَى حَيَّيْنِ لَمَا وَسِعَهُمَا إلا اتباعى". وهو حديث محفوظ، دون ذكر "عيسى" فيه، فإنه منكر عندى لم أره في شيء من طرقه، وهي مخرجة في إراواء الغليل برقم (١٥٨٩) ".]] وَأَخْبَرَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِقَلِيلٍ: أَنَّهُ لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ إِلَى مِائَةِ سَنَةٍ مِنْ لَيْلَتِهِ تِلْكَ عَيْنٌ تَطْرفُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ من الدلائل.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ [فِي الخَضر قَالَ] [[زيادة من ف، أ، والمسند.]] إِنَّمَا سُمِّيَ "خَضِرًا"؛ لِأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ، فَإِذَا هِيَ تَحْتَهُ [تَهْتَزُّ] [[زيادة من ف، أ، والمسند.]] خَضْرَاءَ" [[المسند (٢/٣١٢) .]] .

وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. وَقَدْ ثَبَتَ أَيْضًا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا سُمِّي الخضِر؛ لِأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَة، فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ [مِنْ خَلْفِهِ] [[زيادة من ف، أ، والبخاري.]] خَضْرَاءَ" [[صحيح البخاري برقم (٣٤٠٢) .]]

وَالْمُرَادُ بِالْفَرْوَةِ هَاهُنَا [[في ت: "ههنا بالفروة".]] الْحَشِيشُ الْيَابِسُ، وَهُوَ الْهَشِيمُ مِنَ النَّبَاتِ، قَالَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ وَجْهُ الْأَرْضِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ أَيْ: هَذَا تَفْسِيرُ مَا ضِقْتَ بِهِ ذَرْعًا، وَلَمْ تَصْبِرْ حَتَّى أُخْبِرَكَ بِهِ ابْتِدَاءً، وَلَمَّا أَنْ فَسَّرَهُ لَهُ وَبَيَّنَهُ وَوَضَّحَهُ وَأَزَالَ الْمُشْكَلَ قَالَ: ﴿ [مَا لَمْ] تَسْطِعْ﴾ [[زيادة من ف.]] وَقَبْلَ ذَلِكَ كَانَ الْإِشْكَالُ قَوِيًّا ثَقِيلًا فَقَالَ: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ فَقَابَلَ الْأَثْقَلَ بِالْأَثْقَلِ، وَالْأَخَفَّ بِالْأَخَفِّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ وَهُوَ الصُّعُودُ إِلَى أَعْلَاهُ، ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الْكَهْفِ:٩٧] ، وَهُوَ أَشَقُّ مِنْ ذَلِكَ، فَقَابَلَ كُلًّا بِمَا يُنَاسِبُهُ لَفْظًا وَمَعْنَى وَاللَّه أَعْلَمُ.

فَإِنْ قِيلَ: فَمَا بَالُ فَتَى مُوسَى ذُكِرَ فِي أَوَّلِ الْقِصَّةِ ثُمَّ لَمْ يُذْكَرْ بَعْدَ ذَلِكَ؟

فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالسِّيَاقِ إِنَّمَا هُوَ قِصَّةُ مُوسَى مَعَ الْخَضِرِ وَذِكْرُ مَا كَانَ بَيْنَهُمَا، وَفَتَى مُوسَى مَعَهُ تَبَعٌ، وَقَدْ صُرِّحَ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَلِي بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ مُوسَى، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حَمِيْدٍ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ [[في ف: "مسلم".]] ، حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ نَسْمَعْ لِفَتَى مُوسَى بِذِكْرٍ مِنْ حَدِيثٍ وَقَدْ كَانَ مَعَهُ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاس فِيمَا يُذْكَرُ مِنْ حَدِيثِ الْفَتَى قَالَ: شَرِبَ الْفَتَى مِنَ الْمَاءِ [فَخَلَدَ، فَأَخَذَهُ] [[زيادة من ف، أ، والطبري، وفي هـ: "فحار".]] الْعَالِمُ، فَطَابَقَ بِهِ سَفِينَةً ثُمَّ أَرْسَلَهُ فِي الْبَحْرِ، فَإِنَّهَا تَمُوجُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ فَشَرِبَ [[تفسير الطبري (١٥/١٨٢) .]]

إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ، والحسن متروك، وأبوه غير معروف.

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنز لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢) ﴾

يقول تعالى ذكره مخبرا عن قول صاحب موسى: وأما الحائط الذي أقمته، فإنه كان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنز لهما.

اختلف أهل التأويل في ذلك الكنز فقال بعضهم: كان صُحُفا فيها علم مدفونة.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن ابيه، عن ابن عباس ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنز لَهُمَا﴾ قال: كان تحته كنز علم.

⁕ حدثنا يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن سعيد بن جبير: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنز لَهُمَا﴾ قال: كان كنز علم.

⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال ثنا عبد الرحمن، قال ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنز لَهُمَا﴾ قال: علم.

⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنز لَهُمَا﴾ قال: علم.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنز لَهُمَا﴾ قال: صحف لغلامين فيها علم.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: صحف علم.

⁕ حدثني أحمد بن حازم الغِفاريّ، قال: ثنا هنادة ابنة مالك الشيبانية، قالت: سمعت صاحبي حماد بن الوليد الثقفي يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول في قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنز لَهُمَا﴾ قال سطران ونصف، لم يتم الثالث: "عجبت للموقن بالرزق كيف يتعب، عجبت للموقن بالحساب كيف يغفل، وعجبت للموقن بالموت كيف يفرح" وقد قال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ قالت: وذكر أنهما حُفِظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاح، وكان بينهما وبين الأب الذي حُفظا به سبعة آباء، وكان نساجا.

⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا بن حبيب بن ندبة، قال: ثنا سلمة بن محمد، عن نعيم العنبريّ، وكان من جُلساء الحسن، قال: سمعت الحسن يقول في قوله: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنز لَهُمَا﴾ قال: لوح من ذهب مكتوب فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم: عجبت لمن يؤمن كيف يحزن، وعجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها، كيف يطمئنّ إليها، لا إله إلا الله، محمد رسول الله".

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق، عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه كان يقول: ما كان الكنز إلا عِلْما.

⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن حميد، عن مجاهد، في قوله ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنز لَهُمَا﴾ قال: صُحُف من علم.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الله بن عياش، عن عمر مولى غُفْرة [[عمر بن عبد الله المدني، مولى غفرة، بضم المعجمة، قيل: هي أخت بلال بن رباح. توفي سنة ١٤٥ هـ (الخزرجي) .]] ، قال: إن الكنز الذي قال الله في السورة التي يذكر فيها الكهف ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنز لَهُمَا﴾ قال: كان لوحا من ذهب مصمت، مكتوبا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عَجَبٌ من عرف الموت ثم ضحك، عجب من أيقن بالقدر ثم نصب، عجب من أيقن بالموت، ثم أمن، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله.

وقال آخرون: بل كان مالا مكنوزا.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن عكرمة ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنز لَهُمَا﴾ قال: كنز مال.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن عكرمة، مثله.

⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو داود، عن شعبة، قال: أخبرني أبو حُصَين، عن عكرمة، مثله، قال شعبة: ولم نسمعه منه.

⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنز لَهُمَا﴾ قال: مال لهما، قال قتادة: أحلّ الكنز لمن كان قبلنا، وحرّم علينا، فإن الله يحلّ من أمره ما يشاء، ويحرّم، وهي السنن والفرائض، ويحلّ لأمة، ويحرّم على أخرى، لكنّ الله لا يقبل من أحد مضى إلا الإخلاص والتوحيد له.

وأولى التأولين في ذلك بالصواب: القول الذي قاله عكرمة، لأن المعروف من كلام العرب أن الكنز اسم لما يكنز من مال، وإن كلّ ما كنز فقد وقع عليه اسم كنز فإن التأويل مصروف إلى الأغلب من استعمال المخاطبين بالتنزيل، ما لم يأت دليل يجب من أجله صرفه إلى غير ذلك، لعلل قد بيَّناها في غير موضع.

* *

وقوله: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾

يقول: فأراد ربك أن يدركا ويبلغا قوتهما وشدّتهما، ويستخرجا حينئذ كنزهما المكنوز تحت الجدار الذي أقمته رحمة من ربك بهما، يقول: فعلت فعل هذا بالجدار، رحمة من ربك لليتيمين.

وكان ابن عباس يقول في ذلك ما:-

⁕ حدثني موسى بن عبد الرحمن، قال: ثنا أبو أسامة، عن مسعر، عن عبد الملك بن ميسره، عن سعيد بن جبير، قال: قال ابن عباس، في قوله ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ قال: حفظا بصلاح أبيهما، وما ذكر منهما صلاح.

⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا سفيان، عن مسعر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بمثله.

* *

وقوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾

يقول: وما فعلت يا موسى جميع الذي رأيتني فعلته عن رأيي، ومن تلقاء نفسي، وإنما فعلته عن أمر الله إياي به.

كما:-

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثا سعيد، عن قتادة ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ : كان عبدا مأمورا، فمضى لأمر الله.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ ما رأيت أجمع ما فعلته عن نفسي.

* *

وقوله: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾

يقول: هذا الذي ذكرت لك من الأسباب التي من أجلها فعلت الأفعال التي استنكرتها مني، تأويل: يقول: ما تئول إليه وترجع الأفعال التي لم تسطع على ترك مسألتك إياي عنها، وإنكارك لها صبرا.

وهذه القصص التي أخبر الله عزّ وجلّ نبيه محمدا ﷺ بها عن موسى وصاحبه، تأديب منه له، وتقدّم إليه بترك الإستعجال بعقوبة المشركين الذين كذّبوه واستهزءوا به وبكتابه، وإعلام منه له أن أفعاله بهم وإن جرت فيما ترى الأعين بما قد يجري مثله أحيانا لأوليائه، فإن تأويله صائر بهم إلى أحوال أعدائه فيها، كما كانت أفعال صاحب موسى واقعة بخلاف الصحة في الظاهر عند موسى، إذ لم يكن عالما بعواقبها، وهي ماضية على الصحة في الحقيقة وآئلة إلى الصواب في العاقبة، ينبئ عن صحة ذلك قوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُالْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا﴾ . ثم عقب ذلك بقصة موسى وصاحبه، يعلم نبيه أن تركه جلّ جلاله تعجيل العذاب لهؤلاء المشركين، بغير نظر منه لهم، وإن كان ذلك فيما يحسب من لا علم له بما الله مدبر فيهم نظرا منه لهم، لأن تأويل ذلك صائر إلى هلاكهم وبوارهم بالسيف في الدنيا واستحقاقهم من الله في الآخرة الخزي الدائم.