سورة القرآن surah-quran.com

سورة الليل

سورة الليل، الآية 17

الجزء 30، الصفحة 596.

وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلْأَتْقَى ﴿١٧﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

يشمل هذا التفسير الآيات 17 إلى 21

وسيُزحزَح عنها شديد التقوى، الذي يبذل ماله ابتغاء المزيد من الخير. وليس إنفاقه ذاك مكافأة لمن أسدى إليه معروفًا، لكنه يبتغي بذلك وجه ربه الأعلى ورضاه، ولسوف يعطيه الله في الجنة ما يرضى به.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 21

وهي مكية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

{1 ـ 2} هذا قسمٌ من الله بالزمان الذي تقع فيه أفعال العباد على تفاوت أحوالهم، فقال:{والليلِ إذا يغشى}؛ أي: يعمُّ الخلق بظلامه، فيسكنُ كلٌّ إلى مأواه ومسكنه، ويستريحُ العباد من الكدِّ والتعب، {والنَّهار إذا تجلَّى}: للخلق، فاستضاؤوا بنوره، وانتشروا في مصالحهم.

الآية 3:{وما خلقَ الذَّكَرَ والأنثى}: إن كانت {ما} موصولةً؛ كان إقساماً بنفسه الكريمة الموصوفة بكونه خالق الذُّكور والإناث، وإن كانت مصدريَّة؛ كان قسماً بخلقه للذَّكر والأنثى، وكمال حكمته في ذلك؛ أن خلق من كلِّ صنفٍ من الحيوانات التي يريد إبقاءها ذكراً وأنثى؛ ليبقى النوع ولا يضمحلَّ، وقاد كلًّا منهما إلى الآخر بسلسلة الشهوة، وجعل كلًّا منهما مناسباً للآخر؛ فتبارك الله أحسن الخالقين.

الآية 4: وقوله: {إنَّ سعيَكُم لشتًّى}: هذا هو المقسم عليه؛ أي: إن سعيكم أيُّها المكلَّفون لمتفاوتٌ تفاوتاً كثيراً، وذلك بحسب تفاوت نفس الأعمال ومقدارها والنشاط فيها، وبحسب الغاية المقصودة بتلك الأعمال؛ هل هو وجه الله الأعلى الباقي، فيبقى العمل له ببقائه، وينتفع به صاحبه؟ أم هي غايةٌ مضمحلَّةٌ فانيةٌ؛ فيبطل السعي ببطلانها ويضمحلُّ باضمحلالها؟ وهذا كلُّ عملٍ يقصَد به غير وجه الله [تعالى] بهذا الوصف.

{5 ـ 7} ولهذا فصَّل الله العاملين ووصف أعمالهم، فقال:{فأمَّا من أعطى}؛ أي: ما أمر به من العبادات الماليَّة كالزَّكوات والنَّفقات والكفَّارات والصَّدقات والإنفاق في وجوه الخير، والعبادات البدنيَّة كالصَّلاة والصوم وغيرهما ، والمركَّبة من ذلك كالحجِّ والعمرة ونحوهما، {واتَّقى}: ما نُهِي عنه من المحرَّمات والمعاصي على اختلاف أجناسها، {وصدَّق بالحُسنى}؛ أي: صدَّق بلا إله إلاَّ الله، وما دلَّت عليه من [جميع] العقائد الدينيَّة وما ترتَّب عليها من الجزاء [الأخروي]، {فسنيسِّره لليُسرى}؛ أي: نيسِّر له أمره ونجعله مسهَّلاً عليه كلُّ خيرٍ، ميسَّراً له ترك كلِّ شرٍّ؛ لأنَّه أتى بأسباب التيسير، فيسَّر الله له ذلك.

{8 ـ 10}{وأمَّا مَن بَخِلَ}: بما أمِرَ به، فترك الإنفاق الواجب والمستحبَّ، ولم تسمح نفسه بأداء ما وجب لله، {واستغنى}: عن الله، فترك عبوديَّته جانباً، ولم ير نفسه مفتقرةً غاية الافتقار إلى ربِّها، الذي لا نجاة لها ولا فوز ولا فلاح إلاَّ بأن يكون هو محبوبها ومعبودها الذي تقصده وتتوجَّه إليه، {وكذَّب بالحُسنى}؛ أي: بما أوجب الله على العباد التصديق به من العقائد الحسنة، {فسنيسِّرهُ للعُسۡرى}؛ أي: للحالة العسرة والخصال الذَّميمة؛ بأن يكون ميسَّراً للشرِّ أينما كان ومقيَّضاً له أفعالُ المعاصي. نسأل الله العافية.

الآية 11:{وما يُغني عنه مالُه}: الذي أطغاه واستغنى به وبخل به إذا هلك ومات؛ فإنَّه لا يصحب الإنسان إلاَّ عمله الصالح. وأمَّا ماله الذي لم يخرج منه الواجب؛ فإنَّه يكون وبالاً عليه؛ إذ لم يقدِّم منه لآخرته شيئاً.

الآية 12:{إنَّ علينا لَلهُدى}؛ أي: إنَّ الهدى المستقيم طريقه يوصل إلى الله ويدني من رضاه، وأمَّا الضَّلال؛ فطرقه مسدودةٌ عن الله، لا توصل صاحبها إلاَّ للعذاب الشديد.

الآية 13:{وإنَّ لنا للآخرةَ والأولى}: ملكاً وتصرُّفاً، ليس له فيهما مشاركٌ، فليرغب الراغبون إليه في الطلب، ولينقطع رجاؤهم عن المخلوقين.

{14 ـ 16}{فأنذرتُكم ناراً تلظَّى}؛ أي: تستعر وتتوقَّد، {لا يصۡلاها إلاَّ الأشقى. الذي كذَّب}: بالخبر، {وتولَّى}: عن الأمر.

{17 ـ 21}{وسيجنبها الأتقى. الذي يؤتي مالَه يتزكَّى}: بأن يكون قصده به تزكية نفسه وتطهيرها من الذُّنوب والأدناس ، قاصداً به وجه الله تعالى. فدلَّ هذا على أنَّه إذا تضمَّن الإنفاق المستحبُّ ترك واجبٍ كدينٍ ونفقةٍ ونحوهما؛ فإنَّه غير مشروع، بل تكون عطيَّتُه مردودةً عند كثيرٍ من العلماء؛ لأنَّه لا يتزكَّى بفعلٍ مستحبٍّ يفوِّتُ عليه الواجبَ، {وما لأحدٍ عنده من نعمةٍ تُجۡزى}؛ أي: ليس لأحدٍ من الخلق على هذا الأتقى نعمةٌ تُجزى؛ إلاَّ وقد كافأه عليها ، وربَّما بقي له الفضل والمنَّة على الناس، فتمحَّض عبداً للَّه؛ لأنه رقيق إحسانه وحده، وأما من بقيت عليه نعمةُ الناس فلم يجزِها ويكافئْها؛ فإنَّه لا بدَّ أن يترك للناس ويفعل لهم ما ينقص إخلاصه. وهذه الآية وإن كانت متناولةً لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، بل قد قيل: إنها نزلت بسببه ؛ فإنَّه رضي الله عنه ما لأحدٍ عنده من نعمةٍ تُجْزى، حتى ولا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ إلاَّ نعمة الرسول، التي لا يمكن جزاؤها، وهي نعمة الدعوة إلى دين الإسلام وتعليم الهدى ودين الحقِّ؛ فإنَّ لله ورسولهِ المنَّة على كلِّ أحدٍ، منةً لا يمكنُ لها جزاء ولا مقابلة؛ فإنَّها متناولةٌ لكلِّ من اتَّصف بهذا الوصف الفاضل، فلم يبقَ لأحدٍ عليه من الخلق نعمةٌ تُجْزى، فبقيت أعمالُه خالصةً لوجه الله تعالى، ولهذا قال:{إلاَّ ابتغاءَ وجهِ ربِّه الأعلى. ولَسوفَ يرضى}: هذا الأتقى بما يعطيه الله من أنواع الكرامات والمثوبات.

والحمد لله رب العالمين.

* * *

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿وسَيُجَنَّبُها﴾ يُبْعَد عَنْها ﴿الأَتْقى﴾ بِمَعْنى التَّقِيّ

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 12 إلى 21

قَالَ قَتَادَةُ: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ أَيْ: نُبَيِّنُ الحلالَ والحرامَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَنْ سَلك طَرِيقَ الْهُدَى وَصَل إِلَى اللَّهِ. وَجَعَلَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النَّحْلِ: ٩] . حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأولَى﴾ أَيِ: الْجَمِيعُ مِلْكُنَا [[في م: "ملكا".]] وَأَنَا الْمُتَصَرِّفُ فِيهِمَا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ تَوَهَّجُ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حدثنا شعبة، عن سِماك بْنِ حَرْبٍ، سمعتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَخْطُبُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ يَقُولُ: "أُنْذِرُكُمُ النَّارَ [أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ، أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ] [[زيادة من م، أ، والمسند.]] حَتَّى لَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ بِالسُّوقِ لَسَمِعَهُ مِنْ مَقَامِي هَذَا. قَالَ: حَتَّى وَقَعَتْ خَميصة كَانَتْ عَلَى عَاتِقِهِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ [[المسند (٤/٢٧٢) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ: سَمِعْتُ النعمان ابن بَشِيرٍ يَخْطُبُ وَيَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ رجلٌ تُوضَعُ فِي أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَتَانِ يَغْلِي مِنْهَا دِمَاغُهُ".

رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [[المسند (٤/٢٧٤) وصحيح البخاري برقم (٦٥٦١،٦٥٦٢) .]]

وَقَالَ مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ يَغلي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلي المِرْجَل، مَا يَرَى أَنَّ أَحَدًا أَشَدَّ مِنْهُ عَذَابًا، وَإِنَّهُ لَأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا" [[صحيح مسلم برقم (٢١٣) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يَصْلاهَا إِلا الأشْقَى﴾ أَيْ: لَا يَدْخُلُهَا دُخُولًا يُحِيطُ بِهِ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ إِلَّا الْأَشْقَى. ثُمَّ فَسَّرَهُ فَقَالَ: ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ أَيْ: بِقَلْبِهِ، ﴿وَتَوَلَّى﴾ أَيْ: عَنِ الْعَمَلِ بِجَوَارِحِهِ وأركانه.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنَا عَبْدُ رَبِّهِ [[في أ: "حدثنا عبد الله".]] بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِلَّا شَقِيٌّ". قِيلَ: وَمَنِ الشَّقِيُّ؟ قَالَ: "الَّذِي لَا يَعْمَلُ بِطَاعَةٍ، وَلَا يَتْرُكُ لِلَّهِ مَعْصِيَةً" [[المسند (٢/٣٤٩) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يُونُسُ وسُريج قَالَا حَدَّثَنَا فُلَيح، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُلُّ أُمَّتِي تَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَنْ أَبَى". قَالُوا: وَمَنْ يَأْبَى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى".

وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ فُلَيح، بِهِ [[المسند (٢/٣٦١) وصحيح البخاري برقم (٧٢٨٠) .]]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى﴾ أَيْ: وسَيُزَحزح عَنِ النَّارِ التَّقِيُّ النَّقِيُّ الْأَتْقَى.

ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ أَيْ: يَصْرِفُ مَالَهُ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ؛ لِيُزَكِّيَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ وَمَا وَهَبَهُ اللَّهُ مِنْ دِينٍ وَدُنْيَا.

﴿وَمَا لأحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ أَيْ: لَيْسَ بَذْله حَالَهُ [[في أ: "ماله".]] فِي مُكَافَأَةِ مَنْ أَسْدَى إِلَيْهِ مَعْرُوفًا، فَهُوَ يُعْطِي فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا دَفَعَهُ ذَلِكَ ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى﴾ أَيْ: طَمَعًا فِي أَنْ يَحْصُلَ لَهُ رُؤْيَتُهُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ أَيْ: وَلَسَوْفَ يَرْضَى مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ.

وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ حَكَى الْإِجْمَاعَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى ذَلِكَ. وَلَا شَكَّ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِيهَا، وَأَوْلَى الْأُمَّةِ [[في أ: "الآية".]] بِعُمُومِهَا، فَإِنَّ لَفْظَهَا لَفْظُ الْعُمُومِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لأحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ وَلَكِنَّهُ مُقَدَّمُ الْأُمَّةِ وَسَابِقُهُمْ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ وَسَائِرِ الْأَوْصَافِ الْحَمِيدَةِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا تَقِيًا كَرِيمًا جَوَادًا بَذَّالًا لِأَمْوَالِهِ فِي طَاعَةِ مَوْلَاهُ، وَنُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ، فَكَمْ مِنْ دَرَاهِمَ [[في م، أ: "من درهم".]] وَدَنَانِيرَ [[في أ: "ودينار".]] بَذَلَهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْكَرِيمِ، وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ عِنْدَهُ منّةٌ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُكَافِئَهُ بِهَا، وَلَكِنْ كَانَ فَضْلُهُ وَإِحْسَانُهُ عَلَى السَّادَاتِ وَالرُّؤَسَاءِ مِنْ سَائِرِ الْقَبَائِلِ؛ وَلِهَذَا قَالَ لَهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ -وَهُوَ سَيِّدُ ثَقِيفٍ، يَوْمَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ-: أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا يَدٌ لَكَ كَانَتْ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لَأَجَبْتُكَ. وَكَانَ الصِّدِّيقُ قَدْ أَغْلَظَ لَهُ فِي الْمَقَالَةِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا حَالُهُ مَعَ سَادَاتِ الْعَرَبِ وَرُؤَسَاءِ الْقَبَائِلِ، فَكَيْفَ بِمَنْ عَدَاهُمْ؟ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَا لأحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ دَعَته خَزَنَةُ الْجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا خَيْرٌ"، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَلَى مَنْ يُدعى مِنْهَا ضَرُورَةٌ فَهَلْ يُدْعَى مِنْهَا كُلِّهَا أَحَدٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ" [[صحيح البخاري برقم (٢٨٤١) وصحيح مسلم برقم (١٠٢٧) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]] .

آخِرُ تَفْسِيرِ سورة "الليل" ولله الحمد والمنة [[في أ: "ولله الحمد والمنة والثناء الحسن الجميل".]]

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 15 إلى 18

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا يَصْلاهَا إِلا الأشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) ﴾ .

يعني جلّ ثناؤه بقوله: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ﴾ : أي شيء يدفع عن هذا الذي بخل بماله، واستغنى عن ربه، ماله يوم القيامة ﴿إِذًا﴾ هو ﴿تَرَدَّى﴾ .

ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾ فقال بعضهم: تأويله: إذا تردّى في جهنم: أي سقط فيها فَهَوى.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا الأشجعيّ، عن ابن أبي خالد، عن أبي صالح ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ قال: في جهنم. قال أبو كُرَيب: قد سمع الأشجعيّ من إسماعيل ذلك.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله: ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾ قال: إذا تردّى في النار.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا مات.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ قال: إذا مات.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾ قال: إذا مات

⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا الأشجعيّ، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، قال: إذا مات.

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: إذا تردّى في جهنم، لأن ذلك هو المعروف من التردّي، فأما إذا أُريد معنى الموت، فإنه يقال: رَدِيَ فلان، وقلما يقال: تردّى.

* *

وقوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾

يقول تعالى ذكره: إن علينا لبيانَ الحقّ من الباطل، والطاعة من المعصية.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ يقول: على الله البيان، بيانُ حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته.

وكان بعض أهل العربية يتأوّله بمعنى: أنه من سلك الهدى فعلى الله سبيله، ويقول وهو مثل قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ ويقول: معنى ذلك: من أراد الله فهو على السبيل القاصد، وقال: يقال معناه: إن علينا للهدى والإضلال، كما قال: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ وهي تقي الحرّ والبرد.

* *

وقوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأولَى﴾

يقول: وإن لنا ملك ما في الدنيا والآخرة، نعطي منهما من أردنا من خلقنا، ونحرمه من شئنا.

وإنما عَنَى بذلك جلّ ثناؤه أنه يوفق لطاعته من أحبّ من خلقه، فيكرمه بها في الدنيا، ويهيئ له الكرامة والثواب في الآخرة، ويخذُل من يشاء خذلانه من خلقه عن طاعته، فيهينه بمعصيته في الدنيا، ويخزيه بعقوبته عليها في الآخرة.

ثم قال جل ثناؤه: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ يقول تعالى ذكره: فأنذرتكم أيها الناس نارا تتوهَّج، وهي نار جهنم، يقول: احذروا أن تعصوا ربكم في الدنيا، وتكفروا به، فَتصْلَونها في الآخرة. وقيل: تلظَّى، وإنما هي تتلظَّى، وهي في موضع رفع، لأنه فعل مستقبل، ولو كان فعلا ماضيا لقيل: فأنذرتكم نارًا تلظَّت.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ قال: تَوَهَّج.

* *

وقوله: ﴿لا يَصْلاهَا إِلا الأشْقَى﴾

يقول جلّ ثناؤه: لا يدخلها فيصلى بسعيرها إلا الأشقى، ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ يقول: الذي كذّب بآيات ربه، وأعرض عنها، ولم يصدق بها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا هشام بن الغاز، عن مكحول، عن أبي هريرة، قال: لتدخلن الجنة إلا من يأبى، قالوا: يا أبا هريرة: ومن يأبى أن يدخل الجنة؟ قال: فقرأ: ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ .

⁕ حدثني الحسن بن ناصح، قال: ثنا الحسن بن حبيب ومعاذ بن معاذ، قالا ثنا الأشعث، عن الحسن في قوله: ﴿لا يَصْلاهَا إِلا الأشْقَى﴾ قال معاذ: الذي كذّب وتولى، ولم يقله الحسن، قال: المشرك.

وكان بعض أهل العربية يقول: لم يكن كذب بردّ ظاهر، ولكن قصر عما أمر به من الطاعة، فجُعِل تكذيبا، كما تقول: لقي فلان العدوّ، فكذب إذا نكل ورجع، وذُكر أنه سمع بعض العرب يقول: ليس لحدّهم مكذوبة، بمعنى: أنهم إذا لقوا صدقوا القتال، ولم يرجعوا؛ قال: وكذلك قول الله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ .

* *

وقوله: ﴿وَسَيَتَجَنَّبُهَا الأشْقَى﴾

يقول: وسيوقَّى صِلِيَّ النار التي تلظَّى التقيُّ، ووضع أفعل موضع فعيل، كما قال طرَفة:

تَمَنَّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وَإنْ أَمُتْ ... فَتِلكَ سَبيلٌ لَسْتُ فيها بأَوْحَدِ [[انظر ص: ١٦٢ التعليق رقم ٢.]]

* *

وقوله: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾

يقول: الذي يعطي ماله في الدنيا في حقوق الله التي ألزمه إياها، ﴿يَتَزَكَّى﴾ : يعني: يتطهر بإعطائه ذلك من ذنوبه.