سورة القرآن surah-quran.com

سورة المائدة

سورة المائدة، الآية 62

الجزء 6، الصفحة 118.

وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿٦٢﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

وترى -أيها الرسول- كثيرًا من اليهود يبادرون إلى المعاصي من قول الكذب والزور، والاعتداء على أحكام الله، وأكْل أموال الناس بالباطل، لقد ساء عملهم واعتداؤهم.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 59 إلى 63

الآية 59: أي: {قل} يا أيُّها الرسول: {يا أهل الكتاب}؛ ملزماً لهم: إن دين الإسلام هو الدين الحق، وإن قدحهم فيه قدحٌ بأمر ينبغي المدح عليه، {هل تَنقِمونَ منَّا إلَّا أن آمنَّا بالله وما أُنزِلَ إلينا وما أُنزِلَ من قبلُ وأنَّ أكثركم فاسقونَ}؛ أي: هل لنا من العيب إلاَّ إيماننا بالله وبكتبه السابقة واللاحقة وبأنبيائه المتقدِّمين والمتأخِّرين؟! وبأننا نجزم أنَّ من لم يؤمن كهذا الإيمان؛ فإنه كافر فاسق؛ فهل تنقِمون منَّا بهذا الذي هو أوجب الواجبات على جميع المكلفين؟! ومع هذا؛ فأكثركم {فاسقونَ}؛ أي: خارجون عن طاعة الله متجرِّئون على معاصيه؛ فأولى لكم أيُّها الفاسقون السكوت؛ فلو كان عيبكم وأنتم سالمون من الفسق وهيهات ذلك؛ لكان الشرُّ أخف من قدحكم فينا مع فسقكم.

الآية 60: ولما كان قدحهم في المؤمنين يقتضي أنهم يعتقدون أنهم على شرٍّ؛ قال تعالى:{قل} لهم مخبراً عن شناعة ما كانوا عليه: {هل أنبِّئُكم بشرٍّ من ذلك}: الذي نقمتُم فيه علينا مع التنزُّل معكم، {مَن لَعَنَهُ الله}؛ أي: أبعده عن رحمته، {وغضِبَ عليه}: وعاقبه في الدُّنيا والآخرة، {وجعل منهم القِردةَ والخنازير و}[مَنْ]{عَبَدَ الطاغوت}: وهو الشيطانُ، وكلُّ ما عُبِدَ من دون الله فهو طاغوت. {أولئك} المذكورون بهذه الخصال القبيحة {شرٌّ مكاناً}: من المؤمنين الذين رحمة الله قريبٌ منهم، ورضي الله عنهم، وأثابهم في الدُّنيا والآخرة؛ لأنهم أخلصوا له الدين، وهذا النوع من باب استعمال أفعل التفضيل في غير بابه، وكذلك قوله:{وأضلُّ عن سواءِ السبيل}؛ أي: وأبعد عن قصد السبيل.

الآية 61:{وإذا جاؤوكم قالوا آمنَّا}: نفاقاً ومكراً، {و} هم {قد دخلوا} مشتملينَ على الكفرِ {وهم قد خرجوا به}؛ فمدخلُهم ومخرجُهم بالكفر، وهم يزعُمون أنهم مؤمنون؛ فهل أشرُّ من هؤلاء وأقبحُ حالاً منهم؟! {والله أعلم بما كانوا يكتُمون}: فيُجازيهم بأعمالهم خيرِها وشرِّها.

الآية 62: ثم استمرَّ تعالى يعدِّد معايِبَهم انتصاراً لِقَدْحِهِم في عباده المؤمنين، فقال:{وترى كثيراً منهم}؛ أي: من اليهود، {يُسارِعون في الإثم والعُدوان}؛ أي: يحرصون ويبادرون المعاصي المتعلِّقة في حقِّ الخالق والعدوان على المخلوقين. {وأكلهم السُّحۡتَ}: الذي هو الحرام، فلم يكتفِ بمجرَّد الإخبار أنهم يفعلون ذلك، حتى أخبر أنهم يُسارعون، وهذا يدلُّ على خبثهم وشرِّهم وأنَّ أنفسهم مجبولةٌ على حبِّ المعاصي والظُّلم، هذا وهم يدَّعون لأنفسهم المقامات العالية، {لبئس ما كانوا يعملون}: وهذا في غاية الذمِّ لهم والقدح فيهم.

الآية 63:{لولا ينهاهم الربَّانيُّونَ والأحبار عن قولهم الإثم وأكۡلِهِم السُّحۡتَ}؛ أي: هلاَّ ينهاهم العلماء المتصدون لنفع الناس الذين منَّ الله عليهم بالعلم والحكمة عن المعاصي، التي تصدر منهم، ليزول ما عندهم من الجهل، وتقوم حجة الله عليهم، فإن العلماء عليهم أمر الناس ونهيهم، وأن يبيِّنُوا لهم الطريق الشرعي، ويرغبوهم في الخير، ويرهبوهم من الشر. {لبئس ما كانوا يصنعون}.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ أيْ اليَهُود ﴿يُسارِعُونَ﴾ يَقَعُونَ سَرِيعًا ﴿فِي الإثْم﴾ الكَذِب ﴿والعُدْوان﴾ الظُّلْم ﴿وأَكْلهمْ السُّحْت﴾ الحَرام كالرِّشا ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ عَمَلهمْ هَذا

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 59 إلى 63

يَقُولُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ، لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ [[في ر: "دينهم".]] هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: هَلْ لَكَمَ عَلَيْنَا مَطْعَنٌ أَوْ عَيْبٌ إِلَّا هَذَا؟ وَهَذَا لَيْسَ بِعَيْبٍ وَلَا مَذَمَّةٍ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا [[في د: "منقطع".]] كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [الْبُرُوجِ:٨] وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التَّوْبَةِ:٧٤] وَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: "مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَميل إِلَّا أَنْ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (١٤٦٨) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٩٨٣) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَى ﴿أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: وَآمَنَّا بِأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ، أَيْ: خَارِجُونَ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ.

ثُمَّ قَالَ: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أَيْ: هَلْ أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ جَزَاءٍ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِمَّا تَظُنُّونَهُ بِنَا؟ وَهُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ هُمْ مُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْقَصِيرَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أَيْ: أَبْعَدَهُ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ أَيْ: غَضَبًا لَا يَرْضَى بَعْدَهُ أَبَدًا، ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَكَمَا سَيَأْتِي إِيضَاحُهُ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى] [[زيادة من أ.]]

وَقَدْ قَالَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: عَنْ عَلْقَمَة بْنِ مَرْثَد، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْد، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، أَهِيَ مِمَّا مَسَخَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ؟ فَقَالَ [[في ر: "قال".]] إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا -أَوْ قَالَ: لَمْ يَمْسَخْ قَوْمًا-فَيَجْعَلْ لَهُمْ نَسْلا وَلَا عَقِبًا [[في أ: "عاقبة".]] وَإِنَّ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ كانت قبل ذلك".

وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ومِسْعَر كِلَاهُمَا، عَنْ مُغِيرة بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيِّ، بِهِ. [[صحيح مسلم برقم (٢٦٦٣) .]]

وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْأَعْيَنِ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، أَهِيَ مِنْ نَسْلِ الْيَهُودِ؟ فَقَالَ: "لَا إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَلْعَنْ قَوْمًا [[في ر، أ: "قوما قط".]] فَيَمْسَخُهُمْ [[في ر، أ: "فمسخهم".]] فَكَانَ لَهُمْ نَسْلٌ، وَلَكِنْ هَذَا خَلْقٌ كَانَ، فَلَمَّا غَضِبَ اللَّهُ عَلَى الْيَهُودِ فَمَسَخَهُمْ، جَعَلَهُمْ [[في أ: "فجعلهم".]] مِثْلَهُمْ".

وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي الْفُرَاتِ، بِهِ. [[مسند الطيالسي برقم (٣٠٧) ومسند أحمد (١/٣٩٥) وفي إسناده محمد بن زيد الكندي وهو مجهول، وأبو الأعين العبدي ضعيف.]]

وَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ [[في أ: "حدثنا أحمد بن إسحاق بن صالح".]] حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مَحْبُوبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْحَيَّاتُ مَسْخ الْجِنِّ، كَمَا مُسِخَتِ الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ". هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا [[ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١٠٨٠) "موارد" والطبراني في المعجم الكبير (١١/٣٤١) والبزار في مسنده برقم (١٢٣٢) "كشف الأستار" وابن أبي حاتم في العلل (٢/٢٩٠) من طرق عن عبد العزيز بن المختار به.

وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة يقول: "هذا الحديث هو موقوف لا يرفعه إلا عبد العزيز بن المختار ولا بأس في حديثه".

ولم يتبين لي وجه غرابته عند الحافظ ابن كثير إلا أن يكون قصد أن عبد العزيز بن المختار قد خالفه فيه معمر، فرواه عن أيوب عن عكرمة به موقوفاً.

رواه الطبراني فى المعجم الكبير (١١/٣٤١) . فهذا بعيد وهو محتمل، وقد صحح هذا الحديث الحافظ المقدسى في المختارة، كما في السلسلة الصحيحة للشيخ ناصر الألباني (٤/٤٣٩) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ وَقُرِئَ ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ، "وَالطَّاغُوتَ" مَنْصُوبٌ بِهِ، أَيْ: وَجُعِلَ مِنْهُمْ مَنْ عَبَدَ الطَّاغُوتَ. وَقُرِئَ: ﴿وَعَبْدَ الطَّاغُوتَ﴾ بِالْإِضَافَةِ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى: وَجَعَلَ مِنْهُمْ خَدَمَ الطَّاغُوتِ، أَيْ: خُدَّامَهُ وَعَبِيدَهُ. وَقُرِئَ ﴿وَعُبُدَ الطَّاغُوتَ﴾ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ الْجَمْعِ: عَبْدُ وعَبيد وعُبُد، مِثْلَ ثِمَارٍ وثُمُر. حَكَاهَا ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ. وَحُكِيَ عَنْ بُرَيْدةَ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا: "وعَابد الطَّاغُوتِ"، وَعَنْ أُبَيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ: "وَعَبَدُوا"، وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَارِئِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا: ﴿وَعُبِدَ الطَّاغُوتَ﴾ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، ثُمَّ اسْتَبْعَدَ مَعْنَاهَا. وَالظَّاهِرُ [[في أ: "والظاهر على".]] أَنَّهُ لَا بُعْدَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ التَّعْرِيضِ بِهِمْ، أَيْ: وَقَدْ عُبِدَتِ الطَّاغُوتُ فِيكُمْ، وَكُنْتُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَعَاطَوْا ذَلِكَ.

وَكُلُّ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ يَرْجِعُ مَعْنَاهَا إِلَى أَنَّكُمْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ الطَّاعِنِينَ فِي دِينِنَا، وَالَّذِي [[في ر: "الذي".]] هُوَ تَوْحِيدُ اللَّهِ وَإِفْرَادُهُ بِالْعِبَادَاتِ دُونَ [مَا] [[زيادة من ر، أ.]] سِوَاهُ، كَيْفَ يَصْدُرُ مِنْكُمْ هَذَا وَأَنْتُمْ قَدْ وُجِدَ مِنْكُمْ [[في أ: "فيكم".]] جَمِيعُ مَا ذُكِرَ؟ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ أَيْ: مِمَّا تَظُنُّونَ بِنَا ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾

وَهَذَا مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ أَفَعَلَ التَّفْضِيلِ فِيمَا لَيْسَ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ مُشَارَكَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا﴾ [الفرقان: ٢٤]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ وَهَذِهِ صِفَةُ الْمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ، أَنَّهُمْ يُصَانِعُونَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الظَّاهِرِ وَقُلُوبُهُمْ مُنْطَوِيَةٌ عَلَى الْكُفْرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا [بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ] ﴾ [[زيادة من أ.]] أَيْ [[في ر، أ: "إلى".]] عِنْدِكَ يَا مُحَمَّدُ ﴿بِالْكُفْرِ﴾ أَيْ: مُسْتَصْحِبِينَ الْكُفْرَ فِي قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ خَرَجُوا وَهُوَ كَامِنٌ فِيهَا، لَمْ يَنْتَفِعُوا بِمَا قَدْ سَمِعُوا مِنْكَ مِنَ الْعِلْمِ، وَلَا نَجَعَتْ فِيهِمُ الْمَوَاعِظُ وَلَا الزَّوَاجِرُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَهُمْ [قَدْ] خَرَجُوا بِهِ﴾ [[زيادة من ر، أ، وهو الصواب".]] فَخَصَّهُمْ بِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ أَيْ: وَاللَّهُ عَالِمٌ بِسَرَائِرِهِمْ وَمَا تَنْطَوِي عَلَيْهِمْ ضَمَائِرُهُمْ [[في ر: "ضمائركم".]] وَإِنْ أَظْهَرُوا لِخَلْقِهِ خِلَافَ ذَلِكَ، وَتَزَيَّنُوا بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ، فَإِنَّ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْهُمْ، وَسَيَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ أَتَمَّ الْجَزَاءِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ أَيْ: يُبَادِرُونَ إِلَى ذَلِكَ مِنْ تَعَاطِي الْمَآثِمِ وَالْمَحَارِمِ وَالِاعْتِدَاءِ عَلَى النَّاسِ، وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَهُمْ بِالْبَاطِلِ ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: لَبِئْسَ [[في ر: "أي بئس".]] الْعَمَلُ كَانَ عَمَلُهُمْ وَبِئْسَ الِاعْتِدَاءُ اعْتِدَاؤُهُمْ. [[في ر، أ: "وبئس الاعتماد اعتمادهم".]]

قَوْلُهُ: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ يَعْنِي: هَلَّا كَانَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ تَعَاطِي ذَلِكَ. وَالرَّبَّانِيُّونَ وَهُمُ: الْعُلَمَاءُ الْعُمَّالُ أَرْبَابُ الْوِلَايَاتِ عَلَيْهِمْ، وَالْأَحْبَارُ: وَهُمُ الْعُلَمَاءُ فَقَطْ.

﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الرَّبَّانِيِّينَ، أَنَّهُمْ: بِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ. يَعْنِي: فِي تَرْكِهِمْ ذَلِكَ.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: قَالَ لِهَؤُلَاءِ حِينَ لَمْ يَنْهُوا، وَلِهَؤُلَاءِ حِينَ عَلِمُوا. قَالَ: وذلك الأركان. قال: "ويعملون"و "ويصنعون" وَاحِدٌ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا ابْنُ عَطِيَّةَ، حَدَّثَنَا قَيْس، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَشَدُّ تَوْبِيخًا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ قَالَ: كَذَا قَرَأَ.

وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَخْوَفُ عِنْدِي مِنْهَا: إِنَّا لَا نَنْهَى. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذَكَرَهُ [[في أ: "يذكر".]] يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الْوَضَّاحِ، حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ سَعِيدٍ الهمذاني، قَالَ: رَأَيْتُهُ [[في ر، أ: "لقيته".]] بالرِّيِّ فَحَدَّثَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَر قَالَ: خَطَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا الناس، إنما هلك من كان [[في ر: إنما هلك من هلك".]] قبلكم بِرُكُوبِهِمُ الْمَعَاصِي، وَلَمْ يَنْهَهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ، فَلَمَّا تَمَادَوْا فِي الْمَعَاصِي وَلَمْ يَنْهَهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ أَخَذَتْهُمُ الْعُقُوبَاتُ. فَمُروا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهُوا عَنِ الْمُنْكَرِ، قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمْ مِثْلُ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ لَا يَقْطَعُ رِزْقًا وَلَا يُقَرِّبُ أَجَلًا.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا، شَرِيك، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْ قَوْمٍ يَكُونُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ مَنْ يَعْمَلُ بِالْمَعَاصِي هُمْ أَعَزُّ مِنْهُ وَأَمْنَعُ، لَمْ يُغَيِّرُوا، إِلَّا أَصَابَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعَذَابٍ".

تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. [[المسند (٤/٣٦٣) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/٣٣١) من طريق يزيد بن هارون به.]]

وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ مَسَدَّد، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ فِي قَوْمٍ يَعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، يَقْدِرُونَ أَنْ يُغِّيرُوا عَلَيْهِ، فَلَا يُغَيِّرُونَ إِلَّا أَصَابَهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ قَبْلَ أَنْ يَمُوتُوا". [[سنن أبي داود برقم (٤٣٣٩) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/٣٣٢) من طريق مسدد، عن أبي الأحوص به.]]

وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ وَكِيع، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عبَيد اللَّهِ [[في أ: "عبد الله ".]] بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، بِهِ. [[سنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٩) .]]

قَالَ الْحَافِظُ المِزِّي: وهكذا رواه شعبة، عن إسحاق، به. [[تحفة الأشراف (٢/٤٢٦) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/٣٣١) فقال: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، حدثنا محمد ابن جعفر، حدثنا شعبة، فذكره.]]

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ:"وترى" يا محمد ="كثيرًا"، من هؤلاء اليهود الذين قصصت عليك نبأهم من بني إسرائيل="يسارعون في الإثم والعدوان"، يقول: يعجلون بمواقعة الإثم. [[انظر تفسير"المسارعة" فيما سلف ١٠: ٤٠٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]

* *

وقيل: إن"الإثم" في هذا الموضع، معنيّ به الكفر. [[انظر تفسير"الإثم" فيما سلف ٩: ١٩٦، ١٩٧، ثم سائر فهارس اللغة.]]

١٢٢٣٥ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قوله:"وترى كثيًرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان"، قال:"الإثم"، الكفر.

١٢٢٣٦ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وترى كثيًرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان"، وكان هذا في حُكّام اليهود بين أيديكم. [[في المطبوعة: "في أحكام اليهود"، والصواب من المخطوطة.]]

١٢٢٣٧ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"يسارعون في الإثم والعدوان"، قال: هؤلاء اليهود="لبئس ما كانوا يعملون"= ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ﴾ ، إلى قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ، قال:"يصنعون" و"يعملون" واحد. قال: لهؤلاء حين لم ينهوا، كما قال لهؤلاء حين عملوا.

قال: وذلك الإدهان. [[قوله: "وذلك الإدهان"حذفت من المطبوعة، وهي في المخطوطة سيئة الكتابة هكذا: "قال: وذلك الإركان"، وصواب قراءته ما أثبت. و"الإدهان": اللين والمصانعة، في الدين وفي كل شيء، وفي التنزيل: "ودوا لو تدهن فيدهنون".]]

* *

قال أبو جعفر: وهذا القول الذي ذكرناه عن السدي، وإن كان قولا غير مدفوع جوازُ صحته، فإن الذي هو أولى بتأويل الكلام: أن يكون القوم موصوفين بأنهم يسارعون في جميع معاصي الله، لا يتحاشون من شيء منها، لا من كفر ولا من غيره. لأن الله تعالى ذكره عمَّ في وصفهم بما وصفهم به من أنهم يسارعون في الإثم والعدوان، من غير أن يخصّ بذلك إثمًا دون إثم.

* *

وأما"العدوان"، فإنه مجاوزة الحدّ الذي حدَّه الله لهم في كل ما حدَّه لهم. [[انظر تفسير"العدوان" فيما سلف ٩: ٣٦٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

* *

وتأويل ذلك: أن هؤلاء اليهود الذين وصفهم في هذه الآيات بما وصفهم به تعالى ذكره، يسارع كثير منهم في معاصي الله وخلاف أمره، ويتعدَّون حدودَه التي حدَّ لهم فيما أحلّ لهم وحرّم عليهم، في أكلهم"السحت"= وذلك الرشوة التي يأخذونها من الناس على الحكم بخلاف حكم الله فيهم. [[انظر تفسير"السحت" فيما سلف ١٠: ٣١٧- ٣٢٤.]]

* *

يقول الله تعالى ذكره:"لبئس ما كانوا يعملون"، يقول: أقسم لَبئس العمل ما كان هؤلاء اليهود يعملون، في مسارعتهم في الإثم والعدوان، وأكلهم السحت.