سورة القرآن surah-quran.com

سورة المائدة

سورة المائدة، الآية 77

الجزء 6، الصفحة 121.

قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓا۟ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا۟ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا۟ كَثِيرًا وَضَلُّوا۟ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ﴿٧٧﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

قل -أيها الرسول- للنصارى: لا تتجاوزوا الحقَّ فيما تعتقدونه مِن أمر المسيح، ولا تتبعوا أهواءكم، كما اتَّبع اليهود أهواءهم في أمر الدين، فوقعوا في الضلال، وحملوا كثيرًا من الناس على الكفر بالله، وخرجوا عن طريق الاستقامة إلى طريق الغَواية والضلال.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 77 إلى 81

الآية 77: يقول تعالى لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم -: {قل يا أهل الكتاب لا تَغۡلوا في دينِكُم غير الحقِّ}؛ أي: لا تتجاوزوا، وتتعدُّوا، الحق إلى الباطل، وذلك كقولهم في المسيح ما تقدَّم حكايتُهُ عنهم، وكغلوِّهم في بعض المشايخ اتباعاً لأهواء {قوم قد ضَلُّوا من قبل}؛ أي: تقدم ضلالهم، {وأضلُّوا كثيراً}: من الناس بدعوتهم إيَّاهم إلى الدين الذي هم عليه، {وضلُّوا عن سواء السبيل}؛ أي: قصد الطريق، فجمعوا بين الضلال والإضلال، وهؤلاء هم أئمَّة الضَّلال الذين حَذَّرَ الله عنهم وعن اتِّباع أهوائهم المُرْدِيَة وآرائهم المضلَّة.

الآية 78: ثم قال تعالى: {لُعِنَ الذينَ كفروا من بني إسرائيل}؛ أي: طُردوا وأبعدوا عن رحمة الله، {على لسان داود وعيسى ابن مريم}؛ أي: بشهادتهما وإقرارهما بأن الحجَّة قد قامت عليهم وعاندوها. {ذلك}: الكفر واللعن {بما عَصَوا وكانوا يعتدون}؛ أي: بعصيانهم لله وظُلمهم لعباد الله صار سبباً لكفرِهم وبعدِهم عن رحمة الله؛ فإنَّ للذُّنوب والظُّلم عقوبات.

الآية 79: ومن معاصيهم التي أحَلَّت بهم المَثُلات وأوقعت بهم العقوبات أنَّهم {كانوا لا يَتَناهَوۡنَ عن مُنكرٍ فعلوهُ}؛ أي: كانوا يفعلون المنكر ولا ينهى بعضُهم بعضاً، فيشترك بذلك المباشر وغيره، الذي سكت عن النهي عن المنكر مع قدرتِهِ على ذلك، وذلك يدلُّ على تهاوُنِهم بأمر الله، وأنَّ معصيتَه خفيفة عليهم؛ فلو كان لديهم تعظيمٌ لربِّهم؛ لغاروا لمحارمه، ولغضبوا لغضبه. وإنَّما كان السكوت عن المنكَرِ مع القدرة موجباً للعقوبة لما فيه من المفاسد العظيمة: منها: أنَّ مجرَّد السكوت فعلُ معصيةٍ، وإنْ لم يباشِرْها الساكتُ؛ فإنَّه كما يجب اجتناب المعصية؛ فإنَّه يجب الإنكار على مَنْ فَعَلَ المعصية. ومنها: ما تقدَّم أنه يدلُّ على التهاون بالمعاصي وقلة الاكتراث بها. ومنها: أنَّ ذلك يجرِّئ العصاة والفسقة على الإكثار من المعاصي إذا لم يردعوا عنها، فيزداد الشرُّ وتعظُم المصيبة الدينيَّة والدنيويَّة، ويكون لهم الشوكة والظهور، ثم بعد ذلك يضعُفُ أهل الخير عن مقاومة أهل الشرِّ، حتى لا يقدرون على ما كانوا يقدرون عليه أولاً. ومنها: أن في ترك الإنكار للمنكر يندرِسُ العلم ويكثُرُ الجهل؛ فإنَّ المعصية مع تكرُّرها وصدورها من كثير من الأشخاص وعدم إنكار أهل الدين والعلم لها يُظَنُّ أنها ليست بمعصية، وربما ظنَّ الجاهل أنها عبادة مستحسنة، وأيُّ مفسدةٍ أعظم من اعتقاد ما حرَّم الله حلالاً وانقلاب الحقائق على النفوس ورؤية الباطل حقًّا؟! ومنها: أنَّ السُّكوتَ على معصية العاصين ربَّما تزيَّنت المعصية في صدور الناس، واقتدى بعضُهم ببعضٍ؛ فالإنسان مولعٌ بالاقتداء بأضرابِهِ وبني جنسه ... ومنها ومنها ... فلما كان السكوت عن الإنكار بهذه المثابة؛ نصَّ الله تعالى أن بني إسرائيل الكفار منهم لَعَنَهم بمعاصيهم واعتدائهم، وخصَّ من ذلك هذا المنكر العظيم:{لبئس ما كانوا يَفۡعَلونَ}.

الآية 80:{ترى كثيراً منهم يَتَوَلَّوۡنَ الذين كفروا}: بالمحبَّة والموالاة والنصرة، {لبئس ما قدَّمَتۡ لهم أنفسُهم}: [هذه] البضاعة الكاسدة والصفقة الخاسرة، وهي سَخَط الله الذي يسخط لِسَخَطِهِ كلُّ شيء والخلود الدائم في العذاب العظيم؛ فقد ظلمتهم أنفسهم حيث قدمت لهم هذا النزل غير الكريم، وقد ظلموا أنفسهم إذ فوَّتوها النعيم المقيم.

الآية 81:{ولو كانوا يؤمنون باللهِ والنبيِّ وما أُنزِلَ إليه ما اتَّخذوهم أولياءَ}؛ فإنَّ الإيمان بالله وبالنبيِّ وما أُنزِلَ إليه يوجب على العبد موالاة ربِّه وموالاة أوليائه ومعاداة من كفر به وعاداه وأوضع في معاصيه؛ فشرط ولاية الله والإيمان به أن لا يَتَّخِذَ أعداء الله أولياء، وهؤلاء لم يوجَدْ منهم الشرطُ، فدلَّ على انتفاء المشروط. {ولكن كثيراً منهم فاسقون}؛ أي: خارجون عن طاعة الله والإيمان به وبالنبيِّ، ومن فسقهم موالاة أعداء الله.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿قُلْ يا أهْل الكِتاب﴾ اليَهُود والنَّصارى ﴿لا تَغْلُوا﴾ تُجاوِزُوا الحَدّ ﴿فِي دِينكُمْ﴾ غُلُوًّا ﴿غَيْر الحَقّ﴾ بِأَنْ تَضَعُوا عِيسى أوْ تَرْفَعُوهُ فَوْق حَقّه ﴿ولا تَتَّبِعُوا أهْواء قَوْم قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْل﴾ بِغُلُوِّهِمْ وهُمْ أسْلافهمْ ﴿وأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ مِن النّاس ﴿وضَلُّوا عَنْ سَواء السَّبِيل﴾ عَنْ طَرِيق الحَقّ والسَّواء فِي الأَصْل الوَسَط

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 76 إلى 77

يَقُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى مَنْ عَبَدَ غَيْرَهُ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ وَالْأَوْثَانِ، وَمُبِّينًا لَهُ أَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنَ الْإِلَهِيَّةِ: ﴿قُلْ﴾ أَيْ: يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْعَابِدِينَ غَيْرَ اللَّهِ مِنْ سَائِرِ فِرَقِ بَنِي آدَمَ، وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ النَّصَارَى وَغَيْرُهُمْ: ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ أَيْ: لَا يَقْدِرُ عَلَى إِيصَالِ ضَرَرٍ [[في ر، أ: "ضر".]] إِلَيْكُمْ، وَلَا إِيجَادِ نَفْعٍ ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [[في أ: "والله واسع عليم" وهو خطأ.]] أَيْ: فَلِمَ [[في ا: "فلو".]] عَدَلْتُمْ عَنْ إِفْرَادِ السَّمِيعِ لِأَقْوَالِ عِبَادِهِ، الْعَلِيمِ بِكُلِّ شَيْءٍ إِلَى عِبَادَةِ جَمَاد لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يَعْلَمُ شَيْئًا، وَلَا يَمْلِكُ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا لِغَيْرِهِ وَلَا لِنَفْسِهِ.

ثُمَّ قَالَ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ أَيْ: لَا تُجَاوِزُوا الْحَدَّ فِي اتِّبَاعِ الْحَقِّ، وَلَا تُطْروا مَنْ أُمِرْتُمْ بِتَعْظِيمِهِ فَتُبَالِغُوا فِيهِ، حَتَّى تُخْرِجُوهُ عَنْ حَيّز النُّبُوَّةِ إِلَى مَقَامِ الْإِلَهِيَّةِ، كَمَا صَنَعْتُمْ فِي الْمَسِيحِ، وَهُوَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَجَعَلْتُمُوهُ إِلَهًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِاقْتِدَائِكُمْ بِشُيُوخِ الضَّلَالِ، الَّذِينَ هُمْ سَلَفُكُمْ مِمَّنْ ضَلَّ قَدِيمًا، ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ أَيْ: وَخَرَجُوا عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِقَامَةِ وَالِاعْتِدَالِ، إِلَى طَرِيقِ الْغَوَايَةِ وَالضَّلَالِ.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: وَقَدْ كَانَ قَائِمٌ قَامَ عَلَيْهِمْ، فَأَخَذَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ زَمَانًا، فَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ: إِنَّمَا تَرْكَبُ أَثَرًا أَوْ أَمْرًا قَدْ عُمِل قَبْلَكَ، فَلَا تَجْمُد [[في ر، د: "تحمد".]] عَلَيْهِ، وَلَكِنِ ابْتَدِعْ أَمْرًا مِنْ قِبَل نَفْسِكَ وَادْعُ إِلَيْهِ وَأَجْبِرِ النَّاسَ عَلَيْهِ، فَفَعَلَ، ثُمَّ ادَّكر [[في د: "ادكر من".]] بَعْدَ فِعْلِهِ زَمَانًا فَأَرَادَ أَنْ يَتُوبَ فَخَلَعَ مُلْكه، وَسُلْطَانَهُ وَأَرَادَ أَنْ يَتَعَبَّدَ فَلَبِثَ فِي عِبَادَتِهِ أَيَّامًا، فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: لَوْ أَنَّكَ تُبْتَ مِنْ خَطِيئَةٍ عَمِلْتَهَا فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ رَبِّكَ عَسَى أَنْ يُتَابَ عَلَيْكَ، وَلَكِنْ ضَلَّ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ فِي سَبَبِكَ حَتَّى فَارَقُوا الدُّنْيَا وَهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ، فَكَيْفَ لَكَ بِهُدَاهُمْ، فَلَا تَوْبَةَ لَكَ أَبَدًا. فَفِيهِ سَمِعْنَا وَفِي أَشْبَاهِهِ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ .

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا خطابٌ من الله تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ. يقول تعالى ذكره:"قل"، يا محمد، لهؤلاء الغالية من النصارى في المسيح="يا أهل الكتاب"، يعني بـ"الكتاب"، الإنجيل="لا تغلوا في دينكم"، يقول: لا تفرِطوا في القول فيما تدينون به من أمر المسيح، فتجاوزوا فيه الحقَّ إلى الباطل، [[انظر تفسير"غلا" فيما سلف ٩: ٤١٥- ٤١٧.]] فتقولوا فيه:"هو الله"، أو:"هو ابنه"، ولكن قولوا:"هو عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه"="ولا تتبعوا أهواءَ قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرًا"، يقول: ولا تتبعوا أيضًا في المسيح أهواء اليهود الذين قد ضلوا قبلكم عن سبيل الهدى في القول فيه، فتقولون فيه كما قالوا:"هو لغير رَشْدة"، وتبهتوا أمَّه كما بَهَتُوها بالفرية وهي صدِّيقة = [[المطبوعة: "كما يبهتونها"، وأثبت ما في المخطوطة.]] "وأضلوا كثيرًا"، يقول تعالى ذكره: وأضل هؤلاء اليهود كثيرًا من الناس، فحادوا بهم عن طريق الحق، وحملوهم على الكفر بالله والتكذيب بالمسيح=

"وضلوا عن سواء السبيل"، يقول: وضلَّ هؤلاء اليهود عن قصد الطريق، وركبوا غير محجَّة الحق. [[انظر تفسير"الضلال" فيما سلف من فهارس اللغة.

= وتفسير"سواء السبيل" فيما سلف ص: ٤٤٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]

وإنما يعني تعالى ذكره بذلك، كفرَهم بالله، وتكذيبَهم رسله: عيسى ومحمدًا ﷺ، وذهابَهم عن الإيمان وبعدَهم منه. وذلك كان ضلالهم الذي وصفهم الله به.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٢٢٩٦ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"وضلوا عن سواء السبيل"، قال: يهود.

١٢٢٩٧ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"لا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرًا"، فهم أولئك الذين ضلُّوا وأضلوا أتباعهم="وضلوا عن سواء السبيل"، عن عَدْل السبيل.