سورة المؤمنون، الآية 36
الجزء 18، الصفحة 344.
۞ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ﴿٣٦﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة المؤمنون
تفسير الآية
التفسير الميسر
بعيد حقًّا ما توعدون به أيها القوم من أنكم بعد موتكم تُخْرَجون أحياء من قبوركم.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 31 إلى 41
الآية 31: لما ذكر نوحاً وقومه وكيف أهلكهم؛ قال:{ثم أنشأنا من بعۡدِهم قرناً آخرينَ}: الظاهر أنَّهم ثمودُ قومُ صالح عليه السلام؛ لأنَّ هذه القصة تشبه قصتهم.
الآية 32:{فأرسَلۡنا فيهم رسولاً منهم}: من جنسِهِم يعرفون نسبه وحسبه وصدقَه؛ ليكونَ ذلك أسرعَ لانقيادِهم إذا كان منهم وأبعد عن اشمئزازِهم، فدعا إلى ما دعتْ إليه الرسلُ أممهم:{أنِ اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيرُهُ}: فكلُّهم اتَّفقوا على هذه الدعوة، وهي أول دعوة يدعون بها أممهم؛ الأمر بعبادة الله، والإخبار أنَّه المستحقُّ لذلك، والنهي عن عبادة ما سواه، والإخبار ببطلان ذلك وفساده، ولهذا قال:{أفلا تتَّقونَ}: ربَّكم فتَجْتَنِبوا هذه الأوثان والأصنام.
الآية 33: فقال {الملأ من قومِهِ الذين كَفَروا وكذَّبوا بلقاءِ الآخرة وأتۡرَفۡناهم في الحياة الدنيا}؛ أي: قال الرؤساءُ الذين جَمَعوا بين الكفرِ والمعاندةِ وإنكار البعثِ والجزاء، وأطغاهم ترفُهم في الحياة الدُّنيا؛ معارضةً لنبيِّهم وتكذيباً وتحذيراً منه. {ما هذا إلاَّ بشرٌ مثلُكم}؛ أي: من جنسكم، {يأكُلُ ممَّا تأكُلونَ منه ويشربُ ممَّا تشرَبونَ}: فما الذي يُفَضِّلُه عليكم؟! فهلاَّ كان ملكاً لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب!
الآية 34:{ولئِنۡ أطعتُم بشراً مثلَكم إنَّكم إذاً لخاسرونَ}؛ أي: إن تبعتُموه وجعلتُموه لكم رئيساً وهو مثلُكم؛ إنَّكم لمسلوبو العقل نادمون على ما فعلتم! وهذا من العجب؛ فإنَّ الخسارَ والندامةَ حقيقةً لمن لم يتابِعْه ولم يَنْقَدْ له، والجهلُ والسفهُ العظيم لِمَنْ تكبَّرَ عن الانقياد لبشرٍ خصَّه الله بوحيِهِ، وفضَّلَه برسالته وابتُلي بعبادة الشجر والحجر، وهذا نظيرُ قولهم:{قالوا أبشراً منَّا واحداً نتَّبِعُهُ إنَّا إذاً لفي ضلال وسُعُرٍ. أألۡقِيَ الذِّكۡرُ عليهِ من بَيۡنِنا بل هو كذابٌ أشِرٌ}.
{35 ـ 36} فلما أنكروا رسالَتَه وَرَدُّوها؛ أنكروا ما جاء به من البعثِ بعد الموت والمجازاة على الأعمال، فقالوا:{أيَعِدُكُم أنَّكم إذا مِتُّم وكُنۡتُم تُراباً وعظاماً أنَّكم مخرَجونَ. هيهاتَ هيهاتَ لما توعَدونَ}؛ أي: بعيدٌ بعيدٌ ما يعِدُكم به من البعث بعد أنْ تمزَّقتم وكنتم تراباً وعظاماً. فنظروا نظراً قاصراً، ورأوا هذا بالنسبة إلى قُدَرِهم غير ممكن، فقاسوا قدرة الخالق بقُدَرِهم، تعالى الله، فأنكروا قدرتَه على إحياء الموتى، وعجَّزوه غاية التَّعجيز، ونسوا خَلْقَهم أول مرة، وأنَّ الذي أنشأهم من العدم؛ فإعادته لهم بعد البلى أهون عليه، وكلاهما هيِّن لديه؛ فلمَ لا يُنِكْرون أول خَلْقهم ويكابرون المحسوسات ويقولون: إنَّنا لم نزل موجودين، حتى يَسْلَمَ لهم إنكارُهم البعث ويُنْتَقَل معهم إلى الاحتجاج على إثبات وجود الخالق العظيم؟! وهنا دليلٌ آخر، وهو أن الذي أحيا الأرض بعد موتها؛ إنَّ ذلك لمحيي الموتى؛ إنَّه على كل شيء قدير. وثَمَّ دليلٌ آخر، وهو ما أجاب به المنكرينَ للبعث في قوله:{بل عَجِبوا أن جاءهم مُنۡذِرٌ منهم فقال الكافرونَ هذا شيءٌ عجيبٌ. أإذا مِتۡنا وكُنَّا تُرابا ذلك رَجۡعٌ بعيدٌ}. فقال في جوابهم:{قَدۡ عَلِمۡنا ما تَنۡقُصُ الأرضُ منهم}؛ أي: في البِلى {وعندنا كتابٌ حفيظٌ}.
الآية 37:{إنۡ هي إلاَّ حياتُنا الدُّنيا نموتُ ونحيا}؛ أي: يموت أناس ويحيا أناس، {وما نحن بمبعوثينَ}.
الآية 38:{إنۡ هو إلا رجلٌ به جِنَّة}: فلهذا أتى بما أتى به من توحيد الله وإثبات المعادِ! {فتربَّصوا به حتى حين}؛ أي: ارفعوا عنه العقوبةَ بالقتل وغيره احتراماً له ولأنَّه مجنونٌ غيرُ مؤاخذ بما يتكلَّم به؛ أي: فلم يبقَ بزعمِهِم الباطل مجادلةٌ معه لصحَّة ما جاء به؛ فإنَّهم قد زعموا بُطلانه، وإنَّما بقي الكلام هل يوقِعون به أم لا؛ فبزعمهم أنَّ عقولَهم الرزينةَ اقتضتِ الإبقاءَ عليه وتركَ الإيقاع به مع قيام الموجب!! فهل فوق هذا العناد والكفر غاية؟!
الآية 39: ولهذا لما اشتدَّ كفرُهم ولم ينفعْ فيهم الإنذارُ؛ دعا عليهم نبيُّهم، فقال:{ربِّ انصُرۡني بما كذَّبونِ}؛ أي: بإهلاكهم وخزيهم الدنيويِّ قبل الآخرة.
{40 ـ 41} قال الله مجيباً لدعوته: {عمَّا قليل لَيُصۡبِحُنَّ نادمينَ. فأخذتۡهُمُ الصيحةُ بالحقِّ}: لا بالظلم والجَوْر، بل بالعدل وظلمهم أخذتْهُمُ الصيحةُ فأهلكَتْهم عن آخرهم. {فجعلناهم غُثاء}؛ أي: هشيماً يَبَساً بمنزلة غُثاء السيل الملقى في جَنَبات الوادي، وقال في الآية الأخرى:{إنَّا أرۡسَلۡنا عليهم صيحةً واحدةً فكانوا كَهَشيم المُحۡتَظِر}. {فَبُعۡداً للقوم الظالمين}؛ أي: أُتْبِعوا مع عذابهم البعدَ واللعنةَ والذمَّ من العالمين؛ {فما بَكَتۡ عليهمُ السماءُ والأرضُ وما كانوا مُنۡظَرين}.
تفسير الجلالين
﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ اسْم فِعْل ماضٍ بِمَعْنى مَصْدَر: أيْ بَعُدَ بَعُدَ ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾ مِن الإخْراج مِن القُبُور واللّام زائِدَة لِلْبَيانِ
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 31 إلى 41
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ أَنْشَأَ بَعْدَ قَوْمِ نُوحٍ قَرْنًا آخَرِينَ [[في ف، أ: "آخر".]] -قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِمْ عَادٌ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَخْلَفِينَ بَعْدَهُمْ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَؤُلَاءِ ثَمُودُ؛ لِقَوْلُهُ: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ﴾ -وَأَنَّهُ تَعَالَى أَرْسَلَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ، فَدَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. فَكَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ، وَأَبَوْا مِنَ اتِّبَاعِهِ لِكَوْنِهِ بَشَرًا مِثْلَهُمْ، وَاسْتَنْكَفُوا عَنِ اتِّبَاعِ رَسُولٍ بَشَرِيٍّ، فَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ فِي الْقِيَامَةِ، وَأَنْكَرُوا الْمَعَادَ الْجُثْمَانِيَّ، وَقَالُوا ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ. هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ أَيْ: بَعِيدٌ بَعِيدٌ ذَلِكَ.
﴿إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أَيْ: فِيمَا جَاءَكُمْ [[في ف، أ "جاء".]] بِهِ مِنَ الرِّسَالَةِ وَالنِّذَارَةِ وَالْإِخْبَارِ بِالْمَعَادِ. ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ. قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ أَيِ: اسْتَفْتَحَ عَلَيْهِمُ الرَّسُولُ واستنصَرَ ربَّه عَلَيْهِمْ، فَأَجَابَ دُعَاءَهُ، ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ أَيْ: بِمُخَالَفَتِكَ وَعِنَادِكَ فِيمَا جِئْتَهُمْ بِهِ،
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: وَكَانُوا يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ لِكُفْرِهِمْ وَطُغْيَانِهِمْ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ صَيْحَةٌ مَعَ الرِّيحِ الصَّرْصر الْعَاصِفِ الْقَوِيِّ الْبَارِدَةِ، ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى [[في ف، أ: "ترى".]] إِلا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٢٥] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ أَيْ: صَرْعَى هَلْكى كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَهُوَ الشَّيْءُ الْحَقِيرُ التافه الهالك الذي لَا يُنْتَفَعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ. ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ، كَقَوْلِهِ [[في ف: "كقولهم".]] : ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزُّخْرُفِ:٧٦] أَيْ: بِكُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ وَمُخَالَفَةِ رَسُولِ اللَّهِ، فَلْيَحْذَرِ السَّامِعُونَ أَنْ يُكَذِّبُوا رَسُولَهُمْ.
تفسير الطبري
يشمل هذا التفسير الآيات 36 إلى 37
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) ﴾
وهذا خبر من الله جلّ ثناؤه عن قول الملأ من ثمود أنهم قالوا: هيهات هيهات: أي بعيد ما توعدون أيه القوم، من أنكم بعد موتكم ومصيركم ترابا وعظاما مخرجون أحياءً من قبوركم، يقولون: ذلك غير كائن.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ يقول: بعيد بعيد.
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، في قوله: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ قال: يعني البعث. والعرب تُدخل اللام مع هيهات في الاسم الذي يصحبها وتنزعها منه، تقول: هيهات لك هيهات، وهيهاتَ ما تبتغي هيهات؛ وإذا أسقطت اللام رفعت الاسم بمعنى هيهات، كأنه قال: بعيد ما ينبغي لك؛ كما قال جرير:
فَهَيْهَاتَ هَيْهَات العَقِيقُ وَمَنْ بِهِ ... وهَيْهَاتَ خِلٌّ بالْعَقِيقِ نُواصِلُهْ [[البيت لجرير بن عطية الخطفي (لسان العرب: هيه) . والرواية فيه: "العقيق وأهله " وفي الديوان (طبعة الصاوي ص٤٧٩) . فأيهاتَ أيهاتَ العَقِيقُ وَمَنْ بِهِ ... وأيهاتَ وَصْلٍّ بالعَقِيقِ نُوَاصِلُهْ
وهو من قصيدة يجيب بها الفرزدق. والعقيق: واد لبنى كلاب، نقله البكري في معجم ما استعجم، عن عمارة بن عقيل، وهيهات وأيهات: كلمة معناها البعد، وقيل هيهات كلمة تبعيد قال جرير: " فهيهات ... " البيت. والتاء مفتوحة مثل كيف، وأصلها هاء، وناس يكسرونها على كل حال، قال حميد الأرقط يصف إبلا قطعت بلادًا حتى صارت في القفار: هَيْهاتَ مَنْ مُصْبَحُهَا هيهات ... هَيْهَات حَجْرٌ مِنْ صُنَيْبِعَاتِ
وقال الفراء: نصب هيهات بمنزلة نصب ربة وثمة، وأنشد: مَاوِيَّ يا رُبَّتَما غَارَةٍ ... شَعْوَاءَ كاللَّذْعَةِ بِالمِيسَمِ]]
كأنه قال: العقيق وأهله، وإنما أدخلت اللام مع هيهات في الاسم، لأنهم قالوا: هيهات أداة غير مأخوذة من فعل، فأدخلوا معها في الاسم اللام، كما أدخلوها مع هلمّ لك، إذ لم تكن مأخوذة من فعل، فإذا قالوا: أقبل، لم يقولوا لك، لاحتمال الفعل ضمير الاسم.
واختلف أهل العربية في كيفية الوقف على هيهات، فكان الكسائي يختار الوقوف فيها بالهاء؛ لأنها منصوبة، وكان الفرّاء يختار الوقوف عليها بالتاء، ويقول: من العرب من يخفض التاء، فدلّ على أنها ليست بهاء التأنيث، فصارت بمنزلة دراك ونظار، وأما نصب التاء فيهما؛ فلأنهما أداتان، فصارتا بمنزلة خمسة عشر، وكان الفرّاء يقول: إن قيل: إن كل واحدة مستغنية بنفسها، يجوز الوقوف عليها، وإن نصبها كنصب قوله: ثمت جلست؛ وبمنزلة قوله الشاعر.
ماوِيَّ يا رُبَّتَما غارَةٍ ... شَعْوَاءَ كاللَّذْعَة بالمِيسمِ [[البيت في (اللسان:هيه، رب) قال في الثاني: الفرق بين ربما ورب أن رب لا يليها غير الاسم، وأما ربما فإنه زيدت (ما) مع (رب) ليليها الفعل، تقول رب رجل جاءني، وربما جاءني زيد، وكذلك ربتما، وأنشد ابن الأعرابي " ماوي ... " إلخ وقال الكسائي: أظنهم امتنعوا من جزم الباء (أي تسكين باء رب) لكثرة دخول التاء فيها في قولهم: ربت رجل. يريد أن تاء التأنيث لا يكون ما قبلها إلا مفتوحًا أو في نية الفتح، فلما كانت تاء التأنيث تدخلها كثيرًا امتنعوا من إسكان ما قبل هاء التأنيث، وآثروا النصب (يعني بالنصب الفتح) . اهـ. وقال في شعا: أشعى القوم الغارة إشعاء أشعلوها، وغارة شعواء. فاشية متفرقة وأنشد ابن الأعرابي: " ماوي.... البيت: والميسم: المكواة. أو الشيء الذي يوسم به الدواب، والجمع: مواسم ومياسم]]
قال: فنصب هيهات بمنزلة هذه الهاء التي في "ربت" لأنها دخلت على حرف، على ربّ وعلى ثم، وكانا أداتين، فلم تغيرهما عن أداتهما فنصبا.
واختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته قرّاء الأمصار غير أبي جعفر: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ بفتح التاء فيهما. وقرأ ذلك أبو جعفر: ﴿هيهات هيهات﴾ بكسر التاء فيهما. والفتح فيهما هو القراءة عندنا؛ لإجماع الحجة من القراء عليه.
* *
وقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾
يقول: ما حياة إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ يقول: تموت الأحياء منا فلا تحيا، ويحدث آخرون منا فيولدون أحياء ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ يقول: قالوا: وما نحن بمبعوثين بعد الممات.
كما:-
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ قال: يقول ليس آخرة ولا بعث، يكفرون بالبعث، يقولون: إنما هي حياتنا هذه ثم نموت ولا نحيا، يموت هؤلاء ويحيا هؤلاء، يقولون: إنما الناس كالزرع يحصد هذا، وينبت هذا، يقولون: يموت هؤلاء، ويأتي آخرون، وقرأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وقرأ: ﴿لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ .