سورة المؤمنون، الآية 42
الجزء 18، الصفحة 344.
ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قُرُونًا ءَاخَرِينَ ﴿٤٢﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة المؤمنون
تفسير الآية
التفسير الميسر
ثم أنشأنا من بعد هؤلاء المكذبين أممًا وخلائق آخرين كأقوام: لوط وشعيب وأيوب ويونس صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 42 إلى 44
{42 ـ 43} أي: ثم أنشأنا من بعد هؤلاء المكذِّبين المعانِدين {قروناً آخرين}: كلُّ أمةٍ في وقت مسمًّى وأجل محدود، لا تتقدَّم عنه ولا تتأخَّر، وأرسَلْنا إليهم رُسُلاً متتابعةً لعلَّهم يؤمنون وينيبون، فلم يزلِ الكفرُ والتكذيب دأبَ الأمم العُصاة والكَفَرة البغاة، {كلَّ ما جاء أمَّةً رسولُها كذَّبوه}: مع أنَّ كلَّ رسول يأتي من الآيات ما يؤمن على مثلِهِ البشر، بل مجرَّد دعوةِ الرسل وشرعِهِم يدلُّ على حَقِّيَّة ما جاؤوا به.
الآية 44:{فأتۡبَعۡنا بعضَهم بعضاً}: بالهلاك، فلم يبقَ منهم باقيةٌ، وتعطَّلت مساكنُهم من بعدِهم، {وجَعَلۡناهم أحاديثَ}: يتحدَّثُ بهم مَن بعدهم، ويكونون عبرةً للمتَّقين ونَكالاً للمكذِّبين وخزياً عليهم مقروناً بعذابهم. {فبعداً لقوم لا يؤمنونَ}: ما أشقاهم! وَتعْساً لهم! ما أخسر صفقتهم!
مر عليَّ منذ زمانٍ طويل كلامٌ لبعض العلماء، لا يحضُرني الآنَ اسمُه، وهو أنَّه بعد [بعث] موسى ونزول التوراةِ، رَفَعَ اللهُ العذاب عن الأمم؛ أي: عذاب الاستئصال، وشرع للمكذِّبين المعانِدين بالجهاد، ولم أدْرِ من أين أخَذَه، فلمَّا تَدَبَّرْتُ هذه الآيات مع الآيات التي في سورة القصص؛ تبيَّنَ لي وجُهُه: أمَّا هذه الآيات؛ فلأنَّ الله ذَكَرَ الأمم المُهْلَكة المتتابعة على الهلاك، ثم أخبر أنَّه أرسل موسى بعدَهم وأنزل عليه التوراةَ فيها الهداية للناس، ولا يَرِدُ على هذا إهلاكُ فرعون؛ فإنَّه قبل نزول التوراة. وأما الآيات التي في سورة القصص؛ فهي صريحةٌ جدًّا؛ فإنَّه لما ذَكَرَ هلاك فرعون؛ قال:{ولقد آتينا موسى الكتابَ من بعدِ ما أهۡلَكۡنا القرونَ الأولى بصائرَ للناس وهدىً ورحمةً لعلّهم يتذكرون}: فهذا صريحٌ أنَّه آتاه الكتابَ بعد هلاك الأمم الباغية، وأخبر أنَّه أنزلَه بصائر للناس وهدىً ورحمةً. ولعل من هذا ما ذَكَرَ اللهُ في سورة يونس من قوله:{ثمَّ بَعَثۡنا من بعدِهِ}؛ أي: من بعد نوح، {رُسُلاً إلى قومهم فجاؤوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كَذَّبوا به من قَبۡلُ كذلك نَطۡبَعُ على قلوبِ المعتدين. ثم بَعَثۡنا من بَعۡدِهم موسى وهارون ... } الآيات. والله أعلم.
تفسير الجلالين
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدهمْ قُرُونًا﴾ أقْوامًا
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 42 إلى 44
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ أَيْ: أَمَّمَا وَخَلَائِقَ، ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ يَعْنِي [[في ف، أ: "بل".]] : بَلْ يُؤْخَذون [[في ف، أ: "يوجدون".]] حَسَب مَا قَدَّرَ لَهُمْ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْمَحْفُوظِ وَعَلِمَهُ قَبْلَ كَوْنِهِمْ، أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، وَقَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وَجِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، وخَلفًا بَعْدَ سَلَفٍ.
﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي يَتْبَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النَّحْلِ: ٣٦] ، وَقَوْلُهُ: ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ يَعْنِي: جُمْهُورَهُمْ وَأَكْثَرَهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس:٣٠] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا﴾ أَيْ: أَهْلَكْنَاهُمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٧] .
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ أَيْ: أَخْبَارًا وَأَحَادِيثَ لِلنَّاسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [الْآيَةَ] [[زيادة من ف. وفي هـ: (إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون) .]] [سَبَأٍ: ١٩] [ ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ] [[زيادة من ف.]] .
تفسير الطبري
يشمل هذا التفسير الآيات 42 إلى 43
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: ثم أحدثنا من بعد هلاك ثمود قوما آخرين.
* *
وقوله: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾
يقول: ما يتقدم هلاك أمة من تلك الأمم التي أنشأناها بعد ثمود قبل الأجل الذي أجلنا لهلاكها، ولا يستأخر هلاكها عن الأجل الذي أجلنا لهلاكها، والوقت الذي وقتنا لفنائها، ولكنها تهلك لمجيئه. وهذا وعيد من الله لمشركي قوم نبينا محمد ﷺ، وإعلام منه لهم أن تأخيره في آجالهم، مع كفرهم به وتكذيبهم رسوله، ليبلغوا الأجل الذي أجل لهم، فيحلّ بهم نقمته، كسنته فيمن قبلهم من الأمم السالفة.