سورة القرآن surah-quran.com

سورة الممتحنة

سورة الممتحنة، الآية 10

الجزء 28، الصفحة 550.

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ مُهَـٰجِرَٰتٍ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ ۖ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَـٰتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ۖ وَءَاتُوهُم مَّآ أَنفَقُوا۟ ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۚ وَلَا تُمْسِكُوا۟ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ وَسْـَٔلُوا۟ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْـَٔلُوا۟ مَآ أَنفَقُوا۟ ۚ ذَٰلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ ۖ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿١٠﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، إذا جاءكم النساء المؤمنات مهاجرات من دار الكفر إلى دار الإسلام، فاختبروهن؛ لتعلموا صدق إيمانهن، الله أعلم بحقيقة إيمانهن، فإن علمتموهن مؤمنات بحسب ما يظهر لكم من العلامات والبينات، فلا تردُّوهن إلى أزواجهن الكافرين، فالنساء المؤمنات لا يحلُّ لهن أن يتزوجن الكفار، ولا يحلُّ للكفار أن يتزوجوا المؤمنات، وأعطوا أزواج اللاتي أسلمن مثل ما أنفقوا عليهن من المهور، ولا إثم عليكم أن تتزوجوهن إذا دفعتم لهنَّ مهورهن. ولا تمسكوا بنكاح أزواجكم الكافرات، واطلبوا من المشركين ما أنفقتم من مهور نسائكم اللاتي ارتددن عن الإسلام ولحقن بهم، وليطلبوا هم ما أنفقوا من مهور نسائهم المسلمات اللاتي أسلمن ولحقن بكم، ذلكم الحكم المذكور في الآية هو حكم الله يحكم به بينكم فلا تخالفوه. والله عليم لا يخفى عليه شيء، حكيم في أقواله وأفعاله.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 10 إلى 11

الآية 10: لما كان صلح الحديبية؛ صالَحَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - المشركين على أنَّ مَن جاء منهم إلى المسلمين مسلماً؛ أنَّه يردُّ إلى المشركين، وكان هذا لفظاً عامًّا مطلقاً يدخل في عمومه النساء والرجال، فأمَّا الرجال؛ فإنَّ الله لم ينه رسولَه عن ردِّهم إلى الكفار وفاءً بالشرط وتتميماً للصلح الذي هو من أكبر المصالح، وأمَّا النساءُ؛ فلمَّا كان ردُّهنَّ فيه مفاسد كثيرةٌ؛ أمرَ المؤمنين إذا جاءهم {المؤمناتُ مهاجراتٍ}: وشَكُّوا في صدق إيمانهنَّ أن يمتحنوهنَّ ويختبروهنَّ بما يظهر به من صدقهنَّ من أيمانٍ مغلظةٍ وغيرها؛ فإنَّه يُحْتمل أن يكون إيمانُها غيرَ صادقٍ، بل رغبةً في زوج أو بلدٍ أو غير ذلك من المقاصد الدنيويِّة؛ فإنْ كُنَّ بهذا الوصف؛ تعيَّن ردُّهنَّ وفاءً بالشرط من غير حصول مفسدةٍ؛ وإن امتحنوهنَّ فوجدنَ صادقاتٍ، أو علموا ذلك منهنَّ من غير امتحانٍ؛ فلا يَرْجِعوهنَّ إلى الكفار. {لا هنَّ حلٌّ لهم ولا هم يَحِلُّون لهنَّ}: فهذه مفسدةٌ كبيرةٌ [في ردهنَّ] راعاها الشارع وراعى أيضاً الوفاء بالشرط؛ بأن يُعطوا الكفار أزواجهنَّ ما أنفقوا عليهنَّ من المهر وتوابعه عوضاً عنهنَّ، ولا جناح حينئذٍ على المسلمين أن ينكحوهنَّ، ولو كان لهنَّ أزواجٌ في دار الشرك، ولكن بشرطِ أن يؤتوهنَّ أجورهنَّ من المهر والنفقة، وكما أنَّ المسلمة لا تحلُّ للكافر؛ فكذلك الكافرة لا تحلُّ للمسلم [أن يمسكها] ما دامت على كفرها؛ غير أهل الكتاب، ولهذا قال تعالى:{ولا تُمسِكوا بعِصَم الكَوافِرِ}. وإذا نهي عن الإمساك بعصمتها؛ فالنهي عن ابتداء تزويجها أولى، {واسألوا ما أنفقتم}: أيُّها المؤمنون حين ترجِعُ زوجاتكم مرتداتٍ إلى الكفار؛ فإذا كان الكفار يأخذون من المسلمين نفقة من أسلمت من نسائهم؛ استحقَّ المسلمون أن يأخذوا مقابلة ما ذهب من زوجاتهم إلى الكفار. وفي هذا دليلٌ على أنَّ خُروجَ البُضْع من الزوج متقوَّمٌ؛ فإذا أفسد مفسدٌ نكاح امرأة رجل برضاع أو غيره؛ كان عليه ضمانُ المهرِ. وقوله:{ذلكم حكم الله}؛ أي: ذلكم الحكم الذي ذكره الله وبيَّنه لكم حكمُ الله؛ بيَّنه لكم ووضَّحه. {والله عليمٌ حكيمٌ}: فيعلم تعالى ما يصلح لكم من الأحكام، فيشرعه بحسب حكمته ورحمته.

الآية 11: وقوله: {وإن فاتَكم شيءٌ من أزواجِكم إلى الكفَّار}: بأن ذهبنَ مرتدَّاتٍ، {فعاقبتُم فآتوا الذين ذهبتۡ أزواجُهم مثل ما أنفقوا}: كما تقدَّم أنَّ الكفار إذا كانوا يأخذون بدل ما يفوت من أزواجهم إلى المسلمين؛ فمن ذهبت زوجتُه من المسلمين إلى الكفار، وفاتت عليه؛ فعلى المسلمين أن يعطوه من الغنيمة بدل ما أنفق. {واتَّقوا الله الذي أنتم به مؤمنونَ}: فإيمانكم بالله يقتضي منكم أن تكونوا ملازمين للتقوى على الدَّوام.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿يا أيّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمْ المُؤْمِنات﴾ بِأَلْسِنَتِهِنَّ ﴿مُهاجِرات﴾ مِن الكُفّار بَعْد الصُّلْح مَعَهُمْ فِي الحُدَيْبِيَة عَلى أنَّ مَن جاءَ مِنهُمْ إلى المُؤْمِنِينَ يُرَدّ ﴿فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ بِالحَلِفِ عَلى أنَّهُنَّ ما خَرَجْنَ إلّا رَغْبَة فِي الإسْلام لا بُغْضًا لِأَزْواجِهِنَّ الكُفّار ولا عِشْقًا لِرِجالٍ مِن المُسْلِمِينَ كَذا كانَ النَّبِيّ ﷺ يُحَلِّفهُنَّ ﴿اللَّه أعْلَم بِإيمانِهِنَّ فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ﴾ ظَنَنْتُمُوهُنَّ بِالحَلِفِ ﴿مُؤْمِنات فَلا تَرْجِعُوهُنَّ﴾ تَرُدُّوهُنَّ ﴿إلى الكُفّار لا هُنَّ حِلّ لَهُمْ ولا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وآتُوهُمْ﴾ أيْ أعْطُوا الكُفّار أزْواجهنَّ ﴿ما أنْفَقُوا﴾ عَلَيْهِنَّ مِن المُهُور ﴿ولا جُناح عَلَيْكُمْ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ بِشَرْطِهِ ﴿إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورهنَّ﴾ مُهُورهنَّ ﴿ولا تَمَسَّكُوا﴾ بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيف ﴿بِعِصَمِ الكَوافِر﴾ زَوْجاتكُمْ لِقَطْعِ إسْلامكُمْ لَها بِشَرْطِهِ أوْ الحِقّات بِالمُشْرِكِينَ مُرْتَدّات لِقَطْعِ ارْتِدادهنَّ نِكاحكُمْ بِشَرْطِهِ ﴿واسْأَلُوا﴾ اُطْلُبُوا ﴿ما أنْفَقْتُمْ﴾ عَلَيْهِنَّ مِن المُهُور فِي صُورَة الِارْتِداد مِمَّنْ تَزَوَّجْهُنَّ مِن الكُفّار ﴿ولْيَسْأَلُوا ما أنْفَقُوا﴾ عَلى المُهاجِرات كَما تَقَدَّمَ أنَّهُمْ يُؤْتُونَهُ ﴿ذَلِكُمْ حُكْم اللَّه يَحْكُم بَيْنكُمْ﴾ بِهِ

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 10 إلى 11

تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ "الْفَتْحِ" ذِكْرُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ الَّذِي وَقَعَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَكَانَ فِيهِ: "عَلَى أَلَّا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ -وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ-إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا". وَفِي رِوَايَةٍ: "عَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا أَحَدٌ -وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ-إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا". وَهَذَا قَوْلُ عُرْوَةَ، وَالضَّحَّاكِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمُقَاتِلٍ، وَالسُّدِّيِّ. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ مُخَصَّصَةً لِلسُّنَّةِ، وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ، وَعَلَى طَرِيقَةِ بَعْضِ السَّلَفِ نَاسِخَةٌ، فَإِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، أَمَرَ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا جَاءَهُمُ النِّسَاءُ مُهَاجِرَاتٍ أَنْ يَمْتَحِنُوهُنَّ، فَإِنْ عَلِموهن مُؤْمِنَاتٍ فَلَا يَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ، لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ.

وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ جَحْشٍ، مِنَ الْمُسْنَدِ الْكَبِيرِ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي عَاصِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عِمْرَانَ، عَنْ مُجَمِّع بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ أَبِي لُبانة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَحْمَدَ قَالَ: هَاجَرَتْ أُمِّ كُلْثُومِ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيط فِي الْهِجْرَةِ، فَخَرَجَ أَخَوَاهَا عُمَارَةُ وَالْوَلِيدُ حَتَّى قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَلَّمَاهُ فِيهَا أَنْ يَرُدَّهَا إِلَيْهِمَا، فَنَقَضَ اللَّهُ الْعَهْدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ فِي النِّسَاءِ خَاصَّةً، وَمَنَعَهُنَّ أَنْ يُرْدَدْنَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الِامْتِحَانِ [[جامع المسانيد والسنن لابن كثير (٧/٢٤٣) ورواه ابن الأثير في أسد الغابة (٣/٦٧) مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي عَاصِمٍ، وعبد العزيز ابن عمران ضعيف.]] .

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْر، عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنِ الْأَغَرِّ بْنِ الصَّبَّاحِ، عَنْ خَلِيفَةَ عَنْ حُصَين، عَنْ أَبِي نَصْرٍ الْأَسَدِيِّ قَالَ: سُئِل ابنُ عَبَّاسٍ: كَيْفَ كَانَ امتحانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ النساءَ؟ قَالَ: كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ: بِاللَّهِ مَا خَرجت مِنْ بُغض زَوْجٍ؟ وَبِاللَّهِ مَا خَرجت رَغبةً عَنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ؟ وَبِاللَّهِ مَا خَرَجْتِ الْتِمَاسَ دُنْيَا؟ وَبِاللَّهِ مَا خَرَجْتِ إِلَّا حُبًّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ؟ [[تفسير الطبري (٢٨/٤٤) .]] .

ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنِ الْأَغَرِّ بْنِ الصَّبَّاحِ، بِهِ. وَكَذَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِهِ، وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ الَّذِي كَانَ يُحَلِّفُهُنَّ عَنْ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ له عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ [[مسند البزار برقم (٢٢٧٢) "كشف الأستار" وقال: "لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَّا بهذا الإسناد، ولا روي عن أبي نصر إلا خليفة". قال الهيثمي في المجمع (٧/١٢٣) : "وفيه قيس بن الربيع، وثقه شعبة والثوري، وضعفه غيرهما، وبقية رجاله ثقاب". وتعقبه ابن حجر في مختصر الزوائد (١/١١٢) . قلت: "أعله الشيخ بقيس، وقد ذكر البخاري أن أبا نصر لم يسمع من ابن عباس فهي العلة".]] .

وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ كَانَ امْتِحَانُهُنَّ أَنْ يَشهدْن أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ [[في م: "وإن محمدًا عبده".]] وَرَسُولُهُ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فَامْتَحِنُوهُنّ﴾ فَاسْأَلُوهُنَّ: عَمَّا جَاءَ بِهِنَّ؟ فَإِنْ كَانَ بِهِنَّ غضبٌ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ أَوْ سَخْطة أَوْ غَيْرُهُ، وَلَمْ يُؤْمِنَّ فَارْجِعُوهُنَّ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ.

وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يُقَالُ لَهَا: مَا جَاءَ بِكِ إِلَّا حَبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ وَمَا جَاءَ بِكِ عِشْقُ رجل منا، ولا فِرَارٌ مِنْ زَوْجِكِ؟ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَامْتَحِنُوهُنّ﴾

وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَتْ مِحْنَتُهُنَّ أَنْ يُسْتَحْلَفْنَ بِاللَّهِ: مَا أَخْرَجَكُنَّ النُّشُوزُ؟ وَمَا أَخْرَجَكُنَّ إِلَّا حَبُّ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ وحِرص عَلَيْهِ؟ فَإِذَا قُلْنَ ذَلِكَ قُبِل ذَلِكَ مِنْهُنَّ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ يَقِينًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ هَذِهِ الْآيَةُ هِيَ الَّتِي حَرّمَت الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ كَانَ جَائِزًا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمُشْرِكُ الْمُؤْمِنَةَ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ زَوْجُ ابْنَةِ النَّبِيِّ ﷺ زَيْنَبَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَقَدْ كَانَتْ مُسْلِمَةً وَهُوَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، فَلَمَّا وَقَعَ فِي الْأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ بَعَثَتِ امْرَأَتُهُ زَيْنَبُ فِي فِدَائِهِ بِقِلَادَةٍ لَهَا كَانَتْ لِأُمِّهَا خَدِيجَةَ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَقّ لَهَا رقَّةً شَديدَةً، وَقَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: "إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا فَافْعَلُوا". فَفَعَلُوا، فَأَطْلَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ ابْنَتَهُ إِلَيْهِ، فَوَفَّى لَهُ بِذَلِكَ وَصَدَقَهُ فِيمَا وَعَدَهُ، وَبَعَثَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَقَامَتْ بِالْمَدِينَةِ مِنْ بَعْدِ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَكَانَتْ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ إِلَى أَنْ أَسْلَمَ زَوْجُهَا الْعَاصُ بْنُ الرَّبِيعِ سَنَةَ ثَمَانٍ فَرَدَّهَا عَلَيْهِ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يُحْدِثْ لَهَا صَدَاقًا، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:

حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حدثنا بن إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَدَّ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أبي العاص [ابن الرَّبِيعِ] [[زيادة من مسند الإمام أحمد.]] وَكَانَتْ هِجْرَتُهَا قَبْلَ إِسْلَامِهِ بِسِتِّ سِنِينَ عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يُحْدِثْ شَهَادَةً وَلَا صَدَاقًا.

وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ [[المسند (١/٢٦١) وسنن أبي داود برقم (٢٢٤٠) وسنن الترمذي برقم (١١٤٣) وسنن ابن ماجة برقم (٢٠٠٩) .]] . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: "بَعْدَ سَنَتَيْنِ"، وَهُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ بَعْدَ تَحْرِيمِ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِسَنَتَيْنِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: "لَيْسَ بِإِسْنَادِهِ بَأْسٌ، وَلَا نَعْرِفُ [[في م: "ولا يعرف".]] وَجْهَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَلَعَلَّهُ جَاءَ مَنْ حِفْظِ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ. وَسَمِعْتُ عَبْدَ بْنَ حُمَيْدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ يذكر عن بن إِسْحَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَحَدِيثَ ابْنِ الْحَجَّاجِ -يَعْنِي ابْنَ أَرْطَاةَ-عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَدَّ ابْنَتَهُ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بِمَهْرٍ جَدِيدٍ وَنِكَاحٍ جَدِيدٍ. فَقَالَ يَزِيدُ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أجودُ إِسْنَادًا وَالْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ".

قُلْتُ: وَقَدْ رَوَي حَدِيثَ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ الإمامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ [[المسند (٢/٢٠٧) وسنن الترمذي برقم (١١٤٢) وسنن ابن ماجة برقم (٢٠١٠) .]] ، وَضَعَّفَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاللَّهُ أعلم.

وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَضِيَّةَ عَيْنٍ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ تَنْقَضِ عِدّتها مِنْهُ؛ لِأَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهَا مَتَى انْقَضَتِ الْعِدَّةُ وَلَمْ يُسْلِمِ [[في م: "ولم تسلم".]] انفسخَ نِكاحُها مِنْهُ.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ إِذَا انْقَضَتِ الْعِدَّةُ هِيَ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ عَلَى النِّكَاحِ وَاسْتَمَرَّتْ، وَإِنْ شَاءَتْ فَسَخَتْهُ وَذَهَبَتْ فَتَزَوَّجَتْ، وَحَمَلُوا عَلَيْهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ يَعْنِي: أَزْوَاجَ الْمُهَاجِرَاتِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، ادْفَعُوا إِلَيْهِمُ الَّذِي غَرِمُوهُ عَلَيْهِنَّ مِنَ الْأَصْدِقَةِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وقَتَادَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ يَعْنِي: إِذَا أَعْطَيْتُمُوهُنَّ أَصْدِقَتَهُنَّ فَانْكِحُوهُنَّ، أَيْ: تَزَوَّجُوهُنَّ بِشَرْطِهِ مِنِ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَالْوَلِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ تَحْرِيمٌ مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ نِكَاحَ الْمُشْرِكَاتِ، وَالِاسْتِمْرَارَ مَعَهُنَّ.

وَفِي الصَّحِيحِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ ومَرْوان بْنِ الْحَكَمِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا عَاهَدَ كُفَّارَ قُرَيْشٍ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ جَاءَ نساءٌ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ [فَامْتَحِنُوهُنَّ] ﴾ [[زيادة من م.]] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ فَطَلَّقَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَوْمَئِذٍ امْرَأَتَيْنِ، تَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَالْأُخْرَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ [[صحيح البخاري برقم (٢٧٣١، ٢٧٣٢) .]] .

وَقَالَ ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ بِأَسْفَلَ الْحُدَيْبِيَةِ، حِينَ صَالَحَهُمْ عَلَى أَنَّهُ مَنْ أَتَاهُ مِنْهُمْ رَدَّهُ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا جَاءَهُ النِّسَاءُ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرُدَّ الصَّدَاقَ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ، وَحَكَمَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مِثْلَ ذَلِكَ إِذَا جَاءَتْهُمُ امْرَأَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرُدُّوا الصَّدَاقَ إِلَى زَوْجِهَا، وَقَالَ: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ وَهَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَقَالَ: وَإِنَّمَا حَكَمَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ بِذَلِكَ، لِأَجْلِ مَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ مِنَ الْعَهْدِ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: طَلَّقَ عُمَرُ يَوْمَئِذٍ قَرِيبَةَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَتَزَوَّجَهَا مُعَاوِيَةُ، وَأُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَمْرِو بْنِ جَرْوَلٍ الْخُزَاعِيَّةَ، وَهِيَ أَمُّ عُبَيد اللَّهِ، فَتَزَوَّجَهَا أبو جهم ابن حُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمٍ، رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، وَهُمَا عَلَى شِرْكِهِمَا، وَطَلَّقَ طلحةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ أَرْوَى بنتَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ [[تفسير الطبري (٢٨/٤٧) مع اختلاف يسير.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ أَيْ: وَطَالِبُوا بِمَا أَنْفَقْتُمْ عَلَى أَزْوَاجِكُمُ اللاتي يَذْهَبْنَ إِلَى الْكُفَّارِ، إِنْ ذَهَبْنَ، وَلْيُطَالِبُوا بِمَا أَنْفَقُوا عَلَى أَزْوَاجِهِمُ اللَّاتِي هَاجَرْنَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ أَيْ: فِي الصُّلْحِ وَاسْتِثْنَاءِ النِّسَاءِ مِنْهُ، وَالْأَمْرُ بِهَذَا كُلِّهِ هُوَ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بِهِ بَيْنَ خَلْقِهِ: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أَيْ عَلِيمٌ بِمَا يُصْلِحُ عِبَادَهُ حَكِيمٌ فِي ذَلِكَ.

ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: هَذَا فِي الْكُفَّارِ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ عَهْدٌ، إِذَا فَرَّتْ إِلَيْهِمُ امْرَأَةٌ وَلَمْ يَدْفَعُوا إِلَى زَوْجِهَا شَيْئًا، فَإِذَا جَاءَتْ مِنْهُمُ امْرَأَةٌ لَا يُدْفَعُ إِلَى زَوْجِهَا شَيْءٌ، حَتَّى يَدْفَعَ إِلَى زَوْجِ الذَّاهِبَةِ إِلَيْهِمْ مِثْلَ نَفَقَتِهِ عَلَيْهَا.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا يُونُسَ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَقَرَّ الْمُؤْمِنُونَ بِحُكْمِ اللَّهِ، فَأَدَّوْا مَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ نَفَقَاتِ الْمُشْرِكِينَ الَّتِي أَنْفَقُوا عَلَى نِسَائِهِمْ، وَأَبَى الْمُشْرِكُونَ أَنْ يُقِرُّوا بِحُكْمِ اللَّهِ فِيمَا فَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَدَاءِ نَفَقَاتِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ فَلَوْ أَنَّهَا ذَهَبَتْ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ امرأةٌ مِنْ أَزْوَاجِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، رَدّ الْمُؤْمِنُونَ إِلَى زَوْجِهَا النَّفَقَةَ الَّتِي أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنَ العَقب الَّذِي بِأَيْدِيهِمُ، الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يَرُدُّوهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مِنْ نَفَقَاتِهِمُ الَّتِي أَنْفَقُوا عَلَى أَزْوَاجِهِمُ اللَّاتِي آمَنَّ وهاجرنَ، ثُمَّ رَدُّوا إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَضْلًا إِنْ كَانَ بَقِيَ لَهُمْ. وَالْعَقِبُ: مَا كَانَ [بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ] [[زيادة من تفسير الطبري.]] مِنْ صَدَاقِ نِسَاءِ الْكُفَّارِ حِينَ آمَنَّ وَهَاجَرْنَ [[تفسير الطبري (٢٨/٤٨) .]] .

وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: يَعْنِي إِنْ لَحِقَتِ امْرَأَةُ رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ بِالْكُفَّارِ، أَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنه يُعْطَى مِنَ الْغَنِيمَةِ مِثْلَ مَا أَنْفَقَ.

وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فَعَاقَبْتُم﴾ أَصَبْتُمْ غَنِيمَةً مِنْ قُرَيْشٍ أَوْ غَيْرِهِمْ ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ يَعْنِي: مَهْرَ مِثْلِهَا. وَهَكَذَا قَالَ مَسْرُوقٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَقَتَادَةُ، وَمُقَاتِلٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، وَالزُّهْرِيُّ أَيْضًا.

وَهَذَا لَا يُنَافِي الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَ الْأَوَّلُ [[في م: "أمكن بالأول".]] فَهُوَ أَوْلَى، وَإِلَّا فَمِنَ الْغَنَائِمِ اللَّاتِي تُؤْخَذُ مِنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ. وَهَذَا أَوْسَعُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَلِلَّهِ الحمد والمنة [[في م: "والله أعلم".]]

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) ﴾

وقوله: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾

يقول جل ثناؤه: وأعطوا المشركين الذين جاءكم نساؤهم مؤمنات إذا علمتموهنّ مؤمنات، فلم ترجعوهنّ إليهم ما أنفقوا في نكاحهم إياهنّ من الصداق.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ ... إلى قوله: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ قال: كان امتحانهنّ أن يشهدن أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، فإذا علموا أن ذلك حقّ منهنّ لم يرجعوهنّ إلى الكفار، وأعطى بعلها من الكفار الذين عقد لهم رسول الله ﷺ صداقه الذي أصدقها.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ وآتوا أزواجهنّ صدقاتهن.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ حتى بلغ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ هذا حكم حكمه الله عزّ وجلّ بين أهل الهدى وأهل الضلالة، كنّ إذا فررن من المشركين الذين بينهم وبين نبيّ الله ﷺ وأصحابه عهد إلى أصحاب نبيّ الله ﷺ فتزوّجوهنّ بعثوا مهورهنّ إلى أزواجهنّ من المشركين الذين بينهم وبين نبيّ الله ﷺ عهد، وإذا فررن من أصحاب نبي الله ﷺ إلى المشركين الذين بينهم وبين نبيّ الله ﷺ عهد بعثوا بمهورهنّ إلى أزواجهنّ من أصحاب نبيّ الله ﷺ.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ قال: نزلت عليه وهو بأسفل الحديبية، وكان النبيّ ﷺ صالحهم أنه من أتاه منهم ردّه إليهم؛ فلما جاءه النساء نزلت عليه هذه الآية، وأمره أن يردّ الصداق إلى أزوجهنّ حكم على المشركين مثل ذلك إذا جاءتهم امرأة من المسلمين أن يردّوا الصداق إلى أزواجهنّ فقال: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ .

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ كان نبيّ الله ﷺ عاهد من المشركين ومن أهل الكتاب، فعاهدهم وعاهدوه، وكان في الشرط أن يردّوا الأموال والنساء، فكان نبيّ الله إذا فاته أحد من أزواج المؤمنين، فلحق بالمعاهدة تاركًا لدينه مختارًا للشرك، ردّ على زوجها ما أنفق عليها، وإذا لحق بنبيّ الله ﷺ أحد من أزوج المشركين امتحنها نبيّ الله ﷺ، فسألها ما أخرجك من قومك، فإن وجدها خرجت تريد الإسلام قبلها رسول الله ﷺ، وردّ على زوجها ما أنفق عليها، وإن وجدها فرّت من زوجها إلى آخر بينها وبينه قرابة، وهي متمسكة بالشرك ردّها رسول الله ﷺ إلى زوجها من المشركين.

⁕ حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ ... الآية كلها، قال: لما هادن رسول الله ﷺ المشركين "كان في الشرط الذي شرط، أن ترد إلينا من أتاك منا، ونردّ إليك من أتانا منكم، فقال النبي ﷺ: "مَنْ أتَانَا مِنْكُمْ فَنَرُدُّهُ إِلَيْكُمْ، وَمَنْ أتَاكُمْ مِنَّا فَاخْتَارَ الْكُفْرَ عَلَى الإيمَانِ فَلا حَاجَةَ لَنَا فِيهِمْ"، وقال: فأبى الله ذلك للنبيّ ﷺ في النساء، ولم يأبه للرجال، فقال الله عزّ وجلّ: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ ... إلى قوله: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ أزواجهنّ.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشجّ، قال كان بين رسول الله ﷺ والمشركين هدنة فيمن فرّ من النساء، فإذا فرّت المشركة أعطى المسلمون زوجها نفقته عليها وكان المسلمون يفعلون وكان إذا لم يعط هؤلاء ولا هؤلاء أخرج المسلمون للمسلم الذي ذهبت امرأته نفقتها.

* *

وقوله: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾

يقول تعالى ذكره: ولا حرج عليكم أيها المؤمنون أن تنكحوا هؤلاء المهاجرات اللاتي لحقن بكم من دار للحرب مفارقات لأزوجهنّ، وإن كان لهنّ أزواج في دار الحرب إذا علمتموهنّ مؤمنات إذا أنتم أعطيتموهنّ أجورهن، ويعني بالأجور: الصَّدُقات. وكان قتادة يقول: كنّ إذا فررن من المشركين الذين بينهم وبين نبيّ الله ﷺ وأصحابه عهدٌ إلى أصحاب نبي الله ﷺ فتزوجوهن، بعثوا بمهورهن إلى أزواجهن من المشركين الذين بينهم وبين أصحاب نبيّ الله ﷺ عهد.

⁕ حدثنا بذلك بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، وكان الزهريّ يقول: إنما أمر الله بردّ صداقهنّ إليهم إذا حُبِسن عنهم وإن هم ردّوا المسلمين على صداق من حبسوا عنهم من نسائهم.

⁕ حدثنا بذلك ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهريّ، حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ ولها زوج ثمَّ، لأنه فرق بينهما الإسلام إذا استبرأتنّ أرحامهنّ.

* *

وقوله: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾

يقول جلّ ثناؤه للمؤمنين به من أصحاب رسول الله ﷺ: لا تمسكوا أيها المؤمنون بحبال النساء الكوافر وأسبابهنّ، والكوافر: جمع كافرة، والعصم: جمع عصمة، وهى ما اعتصم به من العقد والسبب، وهذا نهي من الله للمؤمنين عن الإقدام على نكاح النساء المشركات من أهل الأوثان، وأمر لهم بفراقهنّ.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، قال أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم "أن النبيّ ﷺ جاءه نسوة مؤمنات بعد أن كتب كتاب القضية بينه وبين قريش، فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ حتى بلغ ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له بالشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: "بلغنا أن آية المحنة التي مادّ فيها رسول الله ﷺ كفار قريش من أجل العهد الذي كان بين كفار قريش وبين النبيّ ﷺ، فكان النبيّ ﷺ يردّ إلى كفار قريش ما أنفقوا على نسائهم اللاتي يسلمن ويهاجرن، وبعولتهنّ كفار للعهد الذي كان بين النبيّ ﷺ وبينهم، ولو كانوا حربًا ليست بينهم وبين النبي ﷺ مدّة وعقد لم يردّ عليهم شيئًا مما أنفقوا، وحكم الله للمؤمنين على أهل المدّة من الكفار بمثل ذلك، قال الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ} حتى بلغ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فطلق المؤمنون حين أنزلت هذه الآية كل امرأة كافرة كانت تحت رجل منهم، فطلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأته ابنة أبي أمية بن المغيرة من بني مخزوم فتزوجها معاوية بن أبي سفيان، وابنة جرول من خزاعة، فتزوجها أبو جهم بن حذافة العَدَوِيّ، وجعل الله ذلك حكمًا حكم به بين المؤمنين والمشركين فى هذه المدة التي كانت.

⁕ حدثنا ابن حُمَيْد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: وقال الزهريّ: لما نزلت هذه الآية (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ ... إلى قوله: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ كان ممن طلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأته قريبة ابنة أَبي أمية بن المغيرة، فتزوّجها بعده معاوية بن أبي سفيان، وهما على شركهما بمكة، وأم كلثوم ابنة جرول الخزاعية أم عبد الله بن عمر فتزوجها أبو جهم بن حُذافة بن غانم رجل من قومه، وهما على شركهما، وطلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو التيمي كانت عنده أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ففرّق بينهما الإسلام حين نهى القرآن عن التمسك بعصم الكوافر، وكان طلحة قد هاجر وهي بمكة على دين قومها، ثم تزوّجها في الإسلام بعد طلحة خالد بن سعيد بن العاص بن أُمية بن عبد شمس. وكان ممن فرّ إلى رسول الله ﷺ من نساء الكفار ممن لم يك بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فحبسها وزوّجها رجلا من المسلمين أميمة بنت بشر الأنصارية، ثم إحدى نساء بنِي أمية بن زيد من أوس الله، كانت عند ثابت بن الدحداحة، ففرّت منه، وهو يومئذ كافر إلى رسول الله، فزوّجها رسول الله ﷺ سهل بن حنيف أحد بني عمرو بن عوف، فولدت عبد الله بن سهل.

⁕ حدثني ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ، قال الله: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ قال: الزهريّ: فطلق عمر امرأتين كانتا له بمكة.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ قال: أصحاب محمد أُمروا بطلاق نسائهم كوافر بمكة، قعدن مع الكفار.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ مشركات العرب اللاتي يأبين الإسلام أُمِرَ أن يُخلَّى سبِيلُهن.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ إذا كفرت المرأة فلا تمسكوها، خلوها، وقعت الفرقة بينها وبين زوجها حين كفرت.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿وَلا تُمْسِكُوا﴾ فقرأ ذلك عامة قرّاء الحجاز والمدينة والكوفة والشأم، ﴿وَلا تُمْسِكُوا﴾ بتخفيف السين. وقرأ ذلك أبو عمرو ﴿وَلا تُمَسِّكُوا﴾ بتشديدها، وذكر أنها قراءة الحسن، واعتبر من قرأ ذلك بالتخفيف، وإمساك بمعروف.

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، ولغتان مشهورتان، محكي عن العرب أمسكت به ومسكت، وتمسَّكت به.

* *

وقوله: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾

يقول تعالى ذكره لأزواج اللواتي لحقن من المؤمنين من دار الإسلام بالمشركين إلى مكة من كفار قريش: واسألوا أيها المؤمنون الذين ذهبت أزواجهم فلحقن بالمشركين ما أنفقتم على أزواجكم اللواتي لحقن بهم من الصداق من تزوّجهن منهم، وليسئلكم المشركون منهم الذين لحق بكم أزواجهم مؤمنات إذا تزوّجن فيكم من تزوّجها منكم ما أنفقوا عليهنّ من الصداق.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أقرّ المؤمنون بحكم الله، وأدَّوا ما أمروا به من نفقات المشركين التي أنفقوا على نسائهم، وأبى المشركون أن يقرّوا بحكم الله فيما فرض عليهم من أداء نفقات المسلمين.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ قال: ما ذهب من أزواج أصحاب محمد ﷺ إلى الكفار، فليعطهم الكفار صدقاتهن، وليمسكوهن، وما ذهب من أزواج الكفار إلى أصحاب النبيّ ﷺ، فمثل ذلك، في صلح كان بين محمد ﷺ وبين قريش.

* *

وقوله: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾

يقول تعالى ذكره: هذا الحكم الذي حكمت بينكم من أمركم أيها المؤمنون بمسألة المشركين، ما أنفقتم على أزواجكم اللاتي لحقن بهم وأمرهم بمسألتكم مثل ذلك في أزواجهنّ اللاتي لحقن بكم، حكم الله بينكم فلا تعتدوه، فإنه الحقّ الذي لا يسمع غيره، فانتهى المؤمنون من أصحاب رسول الله ﷺ فيما ذُكر إلى أمر الله وحكمه، وامتنع المشركون منه وطالبوا الوفاء بالشروط التي كانوا شارطوها بينهم في ذلك الصلح، وبذلك جاءت الآثار والأخبار عن أهل السير وغيرهم.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ، قال: أما المؤمنون فأقرّوا بحكم الله، وأما المشركون فأبوا أن يقرّوا، فأنزل الله عزّ وجلّ ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ ... الآية.

⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهريّ، قال: قال الله: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ ، فأمسك رسول الله ﷺ النساء، وردّ الرجال، وسأل الذي أمره الله أن يسأل من صدقات النساء من حبسوا منهنّ، وأن يردّوا عليهم مثل الذي يردّون عليهم إن هم فعلوا، ولولا الذي حكم الله به من هذا الحكم ردّ رسول الله ﷺ النساء، كما ردّ الرجال، ولولا الهدنة والعهد الذي كان بينه وبين قريش يوم الحديبية أمسك النساء ولم يرد إليهم صداقًا، وكذلك يصنع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد، قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ يقول جلّ ثناؤه: والله ذو علم بما يصلح خلقه وغير ذلك من الأمور، حكيم في تدبيره إياهم.