سورة المنافقون، الآية 9
الجزء 28، الصفحة 555.
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ ﴿٩﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة المنافقون
تفسير الآية
التفسير الميسر
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، لا تَشْغَلْكم أموالكم ولا أولادكم عن عبادة الله وطاعته، ومن تشغَله أمواله وأولاده عن ذلك، فأولئك هم الذين تُغْبَنُ حظوظهم من كرامة الله ورحمته.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 9 إلى 11
الآية 9: يأمر تعالى عباده المؤمنين بالإكثار من ذِكْرِه؛ فإنَّ في ذلك الربح والفلاح والخيراتِ الكثيرةَ، وينهاهم أنْ تَشْغَلَهم أموالُهم وأولادُهم عن ذِكره؛ فإنَّ محبَّة المال والأولاد مجبولةٌ عليها أكثر النفوس، فتقدِّمها على محبة الله، وفي ذلك الخسارة العظيمة، ولهذا قال تعالى:{ومَن يفعلۡ ذلك}؛ أي: يُلْهِهِ مالُه وولدُه عن ذكر الله، {فأولئك هم الخاسرونَ}: للسعادة الأبديَّة والنعيم المقيم؛ لأنَّهم آثروا ما يفنى على ما يبقى؛ قال تعالى:{إنَّما أموالكم وأولادُكم فتنةٌ والله عنده أجرٌ عظيمٌ}.
الآية 10: وقوله: {وأنفقوا ممَّا رَزَقۡنَاكُم}: يدخلُ في هذه النفقات الواجبة من الزكاة والكفارات ، ونفقة الزوجات والمماليك، ونحو ذلك، والنفقات المستحبَّة؛ كبذل المال في جميع المصالح، وقال:{ممَّا رَزَقۡناكم}: ليدلَّ ذلك على أنَّه تعالى لم يكلِّف العباد من النفقة ما يُعْنِتُهُمْ ويشقُّ عليهم، بل أمرهم بإخراج جزءٍ ممَّا رزقهم ويسَّره ويسَّر أسبابه، فليشكروا الذي أعطاهم بمواساة إخوانهم المحتاجين، وليبادروا بذلك، الموت الذي إذا جاء؛ لم يمكن العبد أن يأتي بمثقال ذرَّة من الخير، ولهذا قال:{من قبل أن يأتيَ أحدَكم الموتُ فيقولَ}: متحسراً على ما فَرَّطَ في وقت الإمكان، سائلاً الرجعةَ التي هي محالٌ:{ربِّ لولا أخَّرۡتَني إلى أجل قريبٍ}؛ أي: لأتدارك ما فرَّطتُ فيه، {فأصَّدَّقَ}: من مالي ما به أنجو من العذاب، وأستحقُّ [به] جزيل الثواب، {وأكن من الصالحين}: بأداء المأموراتِ كلِّها واجتناب المنهيَّات، ويدخل في هذا الحجُّ وغيره.
الآية 11: وهذا السؤال والتَّمني قد فات وقتُه، ولا يمكن تداركه، ولهذا قال:{ولن يؤخِّرَ اللهُ نفساً إذا جاء أجَلُها}: المحتوم لها. {والله خبيرٌ بما تعملون}: من خير وشرٍّ، فيجازيكم على ما علمه منكم من النيِّات والأعمال.
تم تفسير سورة المنافقين. ولله الحمد.
* * *
تفسير الجلالين
﴿يا أيّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ﴾ تَشْغَلكُمْ ﴿أمْوالكُمْ ولا أوْلادكُمْ عَنْ ذِكْر اللَّه﴾ الصَّلَوات الخَمْس
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 9 إلى 11
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِكَثْرَةِ ذِكْرِهِ وَنَاهِيًا لَهُمْ عَنْ أَنْ تَشْغَلَهُمُ الْأَمْوَالُ وَالْأَوْلَادُ عَنْ ذَلِكَ وَمُخْبِرًا لَهُمْ بِأَنَّهُ مَنِ التَهَى بِمَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا عَمَّا خُلِقَ لَهُ مِنْ طَاعَةِ رَبِّهِ وَذِكْرِهِ، فَإِنَّهُ مِنَ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ يَخْسَرُونَ أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ حَثَّهُمْ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي طَاعَتِهِ فَقَالَ: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فَكُلُّ مُفَرِّط يَنْدَمُ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ، وَيَسْأَلُ طُولَ الْمُدَّةِ وَلَوْ شَيْئًا يَسِيرًا، يَسْتَعْتِبُ وَيَسْتَدْرِكُ مَا فَاتَهُ، وَهَيْهَاتَ! كَانَ مَا كَانَ، وَأَتَى مَا هُوَ آتٍ، وَكُلٌّ بِحَسَبِ تَفْرِيطِهِ، أَمَّا الْكُفَّارُ فَكَمَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٤٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٩٩، ١٠٠]
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: لَا يَنْظُرُ أَحَدًا بَعْدَ حُلُولِ أَجْلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ وَأَخْبَرُ بِمَنْ يَكُونُ صَادِقًا فِي قَوْلِهِ وَسُؤَالِهِ مِمَّنْ لَوْ رُدّ لَعَادَ إِلَى شَرٍّ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ وَقَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو جَنَاب الْكَلْبِيَّ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزاحم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يُبَلِّغُهُ حَجَّ بَيْتِ رَبِّهِ، أَوْ تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ زكاةٌ، فَلَمْ يَفْعَلْ، سَأَلَ الرَّجْعَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، اتَّقِ اللَّهَ، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ الرجعة الكفار. فقال سأتلوا عَلَيْكَ بِذَلِكَ قُرْآنًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ [وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا] وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [[زيادة من م، وفي هـ:]] قَالَ: فَمَا يُوجِبُ الزَّكَاةَ؟ قَالَ: إِذَا بَلَغَ الْمَالُ مِائَتَيْنِ فَصَاعِدًا. قَالَ: فَمَا يُوجِبُ الْحَجَّ؟ قَالَ: الزَّادُ وَالْبَعِيرُ.
ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُميَد، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي حَيَّة -وَهُوَ أَبُو جَنَابٍ الْكَلْبِيُّ-عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِنَحْوِهِ [[سنن الترمذي برقم (٣٣١٦) .]]
ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُ، عَنْ أَبِي جَنَاب، عَنِ ابْنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مِنْ قَوْلِهِ. وَهُوَ أَصَحُّ، وضعَّف أَبَا جَنَابٍ الكلبي.
قُلْتُ: رِوَايَةُ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهَا انْقِطَاعٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ نُفَيل، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ مَسْلَمَةَ الْجُهَنِيِّ، عَنْ عَمِّهِ -يَعْنِي أَبَا مَشْجَعَةَ بْنِ رِبْعِي-عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: ذَكَرْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الزِّيَادَةَ فِي الْعُمْرِ فَقَالَ: " إِنَّ اللَّهَ لَا يُؤَخِّرُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجْلُهَا، وَإِنَّمَا الزِّيَادَةُ فِي الْعُمْرِ أَنْ يَرْزُقَ اللَّهُ العبدَ ذُرية صَالِحَةً يَدْعُونَ لَهُ، فَيَلْحَقُهُ دُعَاؤُهُمْ فِي قَبْرِهِ" [[ورواه ابن عدى في الكامل (٣/٢٨٥) من طريق الوليد بن عبد الملك عن سليمان بن عطاء به - مجمع على ضعفه.]]
آخِرُ تفسير سورة "المنافقون" [[في أ: "المنافقين".]] ولله الحمد والمنة
تفسير الطبري
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) ﴾
يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ﴿لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ﴾ يقول: لا توجب لكم أموالكم ﴿وَلا أَوْلادُكُمْ﴾ اللهو ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وهو من ألهيته عن كذا وكذا، فلها هو يلهو لهوًا؛ ومنه قول امرئ القيس:
وَمِثْلكِ حُبْلَى قد طَرَقَتُ وَمُرْضِعٍ فألْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمَائمَ مُحْوِلِ [[البيت لامرئ القيس. وقد سبق استشهاد المؤلف به في الجزء (١٧: ١١٤) وشرحنا هناك شرحا مفصلا، فراجعه. وموضع الشاهد فيه هنا قوله "فألهيتها" وأصله من اللهو، وهو ما لهوت به ولعبت به وشغلك. من هوى وطرب ونحوهما، يقال: لهوت بالشيء ألهو به لهوا، وتلهيت به إذا لعبت وتشاغلت، وغفلت به عن غيره. وتقول: ألهاني فلان عن كذا: أي شغلني وأنساني، وكأن الهمزة فيه للسلب.]] وقيل: عُنِي بذكر الله جلّ ثناؤه في هذا الموضع: الصلوات الخمس.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أَبي سنان، عن ثابت، عن الضحاك ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال: الصلوات الخمس.
* *
وقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾
يقول: ومن يلهه ماله وأولاده عن ذكر الله ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ يقول: هم المغبونون حظوظهم من كرامة الله ورحمته تبارك وتعالى.