سورة القرآن surah-quran.com

سورة المرسلات

سورة المرسلات، الآية 4

الجزء 29، الصفحة 580.

فَٱلْفَـٰرِقَـٰتِ فَرْقًا ﴿٤﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 7

أقسم الله تعالى بالرياح حين تهب متتابعة يقفو بعضها بعضًا، وبالرياح الشديدة الهبوب المهلكة، وبالملائكة الموكلين بالسحب يسوقونها حيث شاء الله، وبالملائكة التي تنزل من عند الله بما يفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام، وبالملائكة التي تتلقى الوحي من عند الله وتنزل به على أنبيائه؛ إعذارًا من الله إلى خلقه وإنذارًا منه إليهم؛ لئلا يكون لهم حجة. إن الذي توعدون به مِن أمر يوم القيامة وما فيه من حساب وجزاء لنازلٌ بكم لا محالة.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 15

وهي مكية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

{1 ـ 6} أقسم تعالى على البعث والجزاء على الأعمال بـ {المُرۡسَلات عُرۡفاً}: وهي الملائكةُ التي يرسِلُها الله تعالى بشؤونه القدريَّة وتدبير العالم، وبشؤونه الشرعيَّة ووحيه إلى رسله، و {عُرۡفاً}: حال من المرسلات؛ أي: أرسلت بالعُرْف والحكمة والمصلحة، لا بالنُّكر والعبث. {فالعاصفاتِ عصفاً}: وهي أيضاً الملائكة التي يرسِلُها الله تعالى، وَصَفَها بالمبادرة لأمره وسرعة تنفيذ أوامره كالريح العاصف أو أنَّ العاصفات الرياح الشديدة التي يُسْرِعُ هبوبها، {والناشرات نشراً}: يُحتمل أنَّ المراد بها الملائكة ؛ تنشر ما دُبِّرت على نشره، أو أنَّها السحاب التي يَنْشُرُ الله بها الأرض فيحييها بعد موتها. {فالمُلۡقِياتِ ذِكۡراً}: هي الملائكة تلقي أشرفَ الأوامر، وهو الذِّكْرُ الذي يرحم الله به عباده، ويذكِّرهم فيه منافعهم ومصالحهم؛ تلقيه إلى الرسل {عُذۡراً أو نُذۡراً}؛ أي: إعذاراً وإنذاراً للناس؛ تنذر الناس ما أمامهم من المخاوف وتقطَعُ أعذارهم ؛ فلا يكون لهم حُجَّةٌ على الله.

الآية 7:{إنَّما توعَدون}: من البعث والجزاء على الأعمال {لَواقِعٌ}؛ أي: متحتِّم وقوعه من غير شكٍّ ولا ارتياب.

{8 ـ 14} فإذا وقع؛ حصل من التغيُّر للعالم والأهوال الشَّديدة ما يزعج القلوبَ وتشتدُّ له الكروب فتنطمس النُّجوم؛ أي: تتناثر وتزول عن أماكِنِها، وتُنْسَفُ الجبال، فتكون كالهباء المنثور، وتكون هي والأرض قاعاً صفصفاً، لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، وذلك اليوم هو اليوم الذي {أُقِّتَتۡ} فيه الرسل، وأجِّلَتْ للحكم بينها وبين أممها، ولهذا قال:{لأيِّ يوم أجِّلَتۡ}: استفهامٌ للتعظيم والتفخيم والتهويل، ثم أجاب بقوله:{ليوم الفصل}؛ أي: بين الخلائق بعضهم من بعض، وحساب كلٍّ منهم منفرداً.

الآية 15: ثم توعَّد المكذِّب بهذا اليوم، فقال:{ويلٌ يومئذٍ للمكذِّبينَ}؛ أي: يا حسرتهم وشدَّة عذابهم وسوءَ منقلبهم، أخبرهم الله وأقسم لهم فلم يصدقوه؛ فلذلك استحقُّوا العقوبة البليغةَ.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿فالفارِقات فَرْقًا﴾ أيْ آيات القُرْآن تَفْرُق بَيْن الحَقّ والباطِل والحَلال والحَرام

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 15

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُرْسَلَاتِ

وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.

قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، [حَدَّثَنَا أَبِي] [[زيادة من م، أ، والبخاري.]] ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فِي غَارٍ بِمِنًى، إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: " وَالْمُرْسَلاتِ " فَإِنَّهُ لَيَتْلُوهَا وَإِنِّي لِأَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ، وَإِنَّ فَاهُ لَرَطْبٌ بِهَا، إِذْ وَثَبت عَلَيْنَا حَيَّة، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "اقْتُلُوهَا". فَابْتَدَرْنَاهَا فَذَهَبَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُم شرّهَا".

وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا، مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ [[صحيح البخاري برقم (١٨٣٠) ، وصحيح مسلم برقم (٢٢٣٤) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة، عَنِ الزّهْري، عَنْ عُبَيد اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُمِّهِ: أَنَّهَا سَمعَت النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالْمُرْسَلَاتِ عُرفًا [[المسند (٦/٣٣٨)]] .

وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيد اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ سَمِعَتْهُ يَقْرَأُ: " وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا "، فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ، ذكَّرتني بِقِرَاءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، أَنَّهَا لَآخِرُ مَا سمعتُ مِنْ رسولِ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ.

أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٧٦٣) ، وصحيح مسلم برقم (٤٦٢) .]] .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

* *

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ سَهْلٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقَدٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرة: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قال: الملائكة.

قَالَ: ورُوي عَنْ مَسْرُوقٍ، وَأَبِي الضُّحَى، وَمُجَاهِدٍ -فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ-وَالسُّدِّيُّ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، مثلُ ذَلِكَ.

ورُويَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ الرُّسُلُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: أَنَّهَا الْمَلَائِكَةُ. وَهَكَذَا قَالَ أَبُو صَالِحٍ فِي " الْعَاصِفَاتِ" وَ " النَّاشِرَات " [وَ " الْفَارِقَاتِ "] [[زيادة من أ.]] وَ " الْمُلْقِيَاتِ": أَنَّهَا الْمَلَائِكَةُ.

وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيل، عَنْ مُسلم البَطين، عَنْ أَبِي العُبَيدَين قَالَ: سَأَلْتُ ابنَ مَسْعُودٍ عَنْ ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قَالَ: الرِّيحُ. وَكَذَا قَالَ فِي: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾ إِنَّهَا الرِّيحُ. وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو صَالِحٍ -فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ-وَتَوَقَّفَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ هَلْ هِيَ الْمَلَائِكَةُ إِذَا أُرْسِلَتْ بالعُرْف، أَوْ كعُرْف الفَرَس يَتْبَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا؟ أَوْ: هِيَ الرِّيَاحُ إِذَا هَبَّت شَيْئًا فَشَيْئًا؟ وَقَطَعَ بِأَنَّ الْعَاصِفَاتِ عَصْفًا هِيَ الرِّيَاحُ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَمَنْ تَابَعَهُ. وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ فِي الْعَاصِفَاتِ أَيْضًا: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ [[في أ: "علي بن أبي طلحة".]] ، وَالسُّدِّيُّ، وَتَوَقَّفَ فِي ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾ هَلْ هِيَ الْمَلَائِكَةُ أَوِ الرِّيحُ؟ كَمَا تَقَدَّمَ. وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ: أَنَّ النَّاشِرَاتِ نَشْرًا: الْمَطَرُ.

وَالْأَظْهَرُ أَنَّ: "الْمُرْسَلات" هِيَ الرِّيَاحُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الْحِجْرِ: ٢٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٧] وَهَكَذَا الْعَاصِفَاتُ هِيَ: الرِّيَاحُ، يُقَالُ: عَصَفَتِ الرِّيحُ إِذَا هَبَّت بِتَصْوِيتٍ، وَكَذَا النَّاشِرَاتُ هِيَ: الرِّيَاحُ الَّتِي تَنْشُرُ السَّحَابَ فِي آفَاقِ السَّمَاءِ، كَمَا يَشَاءُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ يَعْنِي: الْمَلَائِكَةَ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمَسْرُوقٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَالثَّوْرِيُّ. وَلَا خِلَافَ هَاهُنَا؛ فَإِنَّهَا تَنْزِلَ بِأَمْرِ اللَّهِ عَلَى الرُّسُلِ، تُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالْهُدَى وَالْغَيِّ، وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَتُلْقِي إِلَى الرُّسُلِ وَحْيًا فِيهِ إِعْذَارٌ إِلَى الْخَلْقِ، وإنذارٌ لَهُمْ عقابَ اللَّهِ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَهُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ هَذَا هُوَ الْمُقْسَمُ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْأَقْسَامِ، أَيْ: مَا وُعِدْتُمْ بِهِ مِنْ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَالنَّفْخِ فِي الصُّوَرِ، وَبَعْثِ الْأَجْسَادِ وَجَمْعِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَمُجَازَاةِ كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ، إِنَّ هَذَا كُلَّهُ ﴿لَوَاقِع﴾ أَيْ: لَكَائِنٌ لَا مَحَالَةَ.

ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أَيْ: ذَهَبَ ضَوْؤُهَا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٢] وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الِانْفِطَارِ: ٢] .

﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ أَيِ: انْفَطَرَتْ وَانْشَقَّتْ، وَتَدَلَّتْ أَرْجَاؤُهَا، وَوَهَت أَطْرَافُهَا.

﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾ أَيْ: ذُهِب بِهَا، فَلَا يَبْقَى لَهَا عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٥ -١٠٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الْكَهْفِ: ٤٧]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: جُمِعَتْ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١٠٩] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أُقِّتَت﴾ أُجِّلَتْ.

وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: ﴿أُقِّتَت﴾ أَوْعِدَتْ. وَكَأَنَّهُ يَجْعَلُهَا كَقَوْلِهِ: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٩] .

ثُمَّ قَالَ: ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى: لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتِ الرُّسُلُ وَأُرْجِئَ أَمْرُهَا؟ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٤٧، ٤٨] وَهُوَ يَوْمُ الْفَصْلِ، كَمَا قَالَ ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾

ثُمَّ قَالَ مُعَظِّمًا لِشَأْنِهِ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أَيْ: وَيْلٌ لَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ غَدًا. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّ "وَيْلٌ": وَادٍ فِي جَهَنَّمَ. وَلَا يَصِحُّ.

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 6

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) ﴾

.

اختلف أهل التأويل في معنى قول الله: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فقال بعضهم: معنى ذلك: والرياح المرسلات يتبع بعضها بعضا، قالوا: والمرسَلات: هي الرياح.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا المحاربي، عن المسعودي، عن سَلَمة بن كهَيل، عن أبي العُبيدين أنه سأل ابن مسعود فقال: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قال: الريح.

⁕ حدثنا خلاد بن أسلم، قال: ثنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا المسعودي، عن سَلَمة بن كهيل، عن أبي العُبيدين أنه سأل عبد الله بن مسعود، فذكر نحوه.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم، عن أبي العُبيدين، قال: سألت عبد الله بن مسعود، فذكر نحوه.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ يعني: الريح.

⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبيد الله بن معاذ، قال: ثني أبي، عن شعبة، عن إسماعيل السدي، عن أبي صالح صاحب الكلبي في قوله: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قال: هي الرياح.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قال: الريح.

⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

⁕ قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن سَلَمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن أبي العُبيدين، قال: سألت عبد الله عن ﴿المُرْسَلاتِ عُرْفا﴾ قال: الريح.

ثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قال: هي الريح.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: والملائكة التي تُرسَل بالعرف.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، قال: كان مسروق يقول في المرسلات: هي الملائكة.

⁕ حدثنا إسرائيل بن أبي إسرائيل، قال: أخبرنا النضر بن شميل، قال: ثنا شعبة، عن سليمان، قال: سمعت أبا الضحى، عن مسروق، عن عبد الله في قوله: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قال: الملائكة.

⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا جابر بن نوح ووكيع عن إسماعيل، عن أبي صالح في قوله: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قال: هي الرسل ترسل بالعُرف.

⁕ حدثنا عبد الحميد بن بيان السكري، قال: ثنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل، قال: سألت أبا صالح عن قوله: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قال: هي الرسل ترسل بالمعروف؛ قالوا: فتأويل الكلام: والملائكة التي أرسلت بأمر الله ونهيه، وذلك هو العرف.

وقال بعضهم: عُني بقوله ﴿عُرْفا﴾ : متتابعا كعرف الفرس، كما قالت العرب: الناس إلى فلان عرف واحد، إذا توجهوا إليه فأكثروا.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثت عن داود بن الزبرقان، عن صالح بن بريدة، في قوله: ﴿عُرْفا﴾ قال: يتبع بعضها بعضا.

والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره أقسم بالمرسلات عرفا، وقد ترسل عُرْفا الملائكة، وترسل كذلك الرياح، ولا دلالة تدلّ على أن المعنيّ بذلك أحد الحِزْبين دون الآخر، وقد عمّ جلّ ثناؤه بإقسامه بكل ما كانت صفته ما وصف، فكلّ من كان صفته كذلك، فداخل في قسمه ذلك مَلَكا أو ريحا أو رسولا من بني آدم مرسلا.

* *

وقوله: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾

يقول جلّ ذكره: فالرياح العاصفات عصفا، يعني: الشديدات الهبوب السريعات الممرّ.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد، عن عُرْعرة أن رجلا قام إلى عليّ رضي الله عنه، فقال: ما العاصفات عصفا؟ قال: الريح.

⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا المحاربي، عن المسعودي، عن سَلَمة بن كهيل، عن أبي العُبيدين أنه سأل عبد الله بن مسعود، فقال: ما العاصفات عصفا؟ قال: الريح.

⁕ حدثنا خلاد بن أسلم، قال: أخبرنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا المسعودي، عن سلمة بن كهيل، عن أبي العُبيدين، عن عبد الله، مثله.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن أبي العُبيدين قال: سألت عبد الله بن مسعود، فذكر مثله.

⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن أبي العُبيدين، قال: سألت عبد الله، فذكر مثله.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ قال: الريح.

⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن إسماعيل، عن أبي صالح ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ قال: هي الرياح.

⁕ حدثنا عبد الحميد بن بَيَان، قال: أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل قال: سألت أبا صالح عن قوله: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ قال: هي الرياح.

⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبيد الله بن معاذ، قال: ثني أبي، عن شعبة، عن إسماعيل السدي عن أبي صالح صاحب الكلبي، في قوله: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ قال: هي الرياح.

⁕ حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: ثنا أبو معاوية الضرير وسعيد بن محمد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ قال: هي الريح.

⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن إسماعيل، عن أبي صالح، مثله.

⁕ قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن خالد بن عُرْعرة، عن عليّ رضي الله عنه ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ قال: الريح.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ قال: الرياح.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.

* *

وقوله: ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: عُني بالناشرات نَشْرًا: الريح.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا المحاربي، عن المسعودي، عن سَلَمة بن كهيل، عن أبي العُبيدين أنه سأل ابن مسعود عن ﴿النَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾ قال: الريح.

⁕ حدثنا خلاد بن أسلم، قال: أخبرنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا المسعودي، عن سَلَمة بن كهيل، عن أبي العُبيدين، عن ابن مسعود، مثله.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم، عن أبي العُبيدين، قال: سألت عبد الله بن مسعود، فذكر مثله.

⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن سَلَمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن أبي العُبيدين، قال: سألت عبد الله، فذكر مثله.

⁕ قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾ قال: الريح.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبيد الله بن معاذ، قال: ثنا أبي، عن شعبة، عن إسماعيل السدي، عن أبي صالح صاحب الكلبي، في قوله: ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾ قال: هي الرياح.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾ قال: الرياح.

وقال آخرون: هي المطر.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: ثنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل، قال: سألت أبا صالح، عن قوله: ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾ قال المطر.

⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن إسماعيل، عن أبي صالح ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾ قال: هي المطر.

⁕ قال: ثنا وكيع، عن إسماعيل، عن أبي صالح، مثله.

وقال آخرون: بل هي الملائكة التي تنشرُ الكتب.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا أحمد بن هشام، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي صالح ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾ قال: الملائكة تنشرُ الكتب.

وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أقسم بالناشرات نشرا، ولم يَخْصُص شيئا من ذلك دون شيء، فالريح تنشر السحاب، والمطر ينشر الأرض، والملائكة تنشر الكتب، ولا دلالة من وجه يجب التسليم له على أن المراد من ذلك بعض دون بعض، فذلك على كل ما كان ناشرا.

* *

وقوله: ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾

اختلف أهل التأويل في معناه، فقال بعضهم: عُنِي: بذلك: الملائكة التي تفرق بين الحق والباطل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن إسماعيل، عن أبي صالح ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ قال: الملائكة.

⁕ قال: ثنا وكيع، عن إسماعيل، عن أبي صالح ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ قال: الملائكة.

⁕ قال: ثنا وكيع، عن إسماعيل، مثله.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ قال: الملائكة.

وقال آخرون: بل عُنِي بذلك القرآن.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ يعني القرآن ما فرق الله فيه بين الحقّ والباطل.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: أقسم ربنا جلّ ثناؤه بالفارقات، وهي الفاصلات بين الحق والباطل، ولم يخصص بذلك منهنّ بعضا دون بعض، فذلك قَسَم بكلّ فارقة بين الحقّ والباطل، مَلَكا كان أو قرآنا، أو غير ذلك.

* *

وقوله: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾

يقول: فالمبلِّغات وحي الله رسله، وهي الملائكة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ يعني: الملائكة.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ قال: هي الملائكة تلقي الذكر على الرسل وتبلغه.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ قال: الملائكة تلقي القرآن.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ قال: الملائكة.

* *

وقوله: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾

يقول تعالى ذكره: فالملقيات ذكرا إلى الرسل إعذارا من الله إلى خلقه، وإنذارا منه لهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ قال: عذرًا من الله، ونُذْرا منه إلى خلقه.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ : عذرا لله على خلقه، ونذرًا للمؤمنين ينتفعون به، ويأخذون به.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ يعني: الملائكة.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والشام وبعض المكيين وبعض الكوفيين: ﴿عُذْرًا﴾ بالتخفيف، أو نُذْرا بالتثقيل: وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة وبعض البصريين بتخفيفهما، وقرأه آخرون من أهل البصرة بتثقيلهما والتخفيف فيهما أعجب إليّ وإن لم أدفع صحة التثقيل لأنهما مصدران بمعنى الإعذار والإنذار.