سورة القرآن surah-quran.com

سورة القمر

سورة القمر، الآية 16

الجزء 27، الصفحة 529.

فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ ﴿١٦﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

يشمل هذا التفسير الآيات 15 إلى 16

ولقد أبقينا قصة نوح مع قومه عبرة ودليلًا على قدرتنا لمن بعد نوح؛ ليعتبروا ويتعظوا بما حلَّ بهذه الأمة التي كفرت بربها، فهل من متعظ يتعظ؟ فكيف كان عذابي ونذري لمن كفر بي وكذب رسلي، ولم يتعظ بما جاءت به؟ إنه كان عظيمًا مؤلمًا.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 9 إلى 17

الآية 9: لما ذكر تبارك وتعالى حالَ المكذِّبين لرسوله وأنَّ الآياتِ لا تنفع فيهم ولا تُجدي عليهم شيئاً؛ أنذرهم وخوَّفهم بعقوبات الأمم الماضية المكذِّبة للرسل وكيف أهلهكم اللهُ وأحلَّ بهم عقابه، فذكر قومَ نوحٍ؛ أول رسول بعثه الله إلى قوم يعبُدون الأصنام، فدعاهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فامتنعوا من ترك الشرك، وقالوا:{لا تَذَرُنَّ آلهتكم ولا تَذَرُنَّ وَدًّا ولا سُواعاً ولا يَغوثَ ويَعوقَ ونَسۡراً}، ولم يزل نوحٌ يدعوهم إلى الله ليلاً ونهاراً سرًّا وجهاراً، فلم يزدْهم ذلك إلاَّ عناداً وطغياناً وقدحاً في نبيِّهم، ولهذا قال هنا:{فكذَّبوا عبدَنا وقالوا مجنونٌ}: لزعمهم أنَّ ما هم عليه وآباؤهم من الشرك والضلال هو الذي يدلُّ عليه العقل، وأنَّ ما جاء به نوحٌ عليه السلام جهلٌ وضلالٌ لا يصدُر إلاَّ من المجانين، وكَذَبوا في ذلك، وقَلَبوا الحقائق الثابتة شرعاً وعقلاً ؛ فإنَّ ما جاء به هو الحقُّ الثابت الذي يرشد العقول النيِّرة المستقيمة إلى الهدى والنور والرُّشد، وما هم عليه جهلٌ وضلالٌ مبينٌ. وقوله:{وازۡدُجِرَ}؛ أي: زجره قومه وعنَّفوه لما دعاهم إلى الله تعالى، فلم يكفِهِم قبَّحَهُمُ اللهُ عدمُ الإيمان به ولا تكذيبُهم إيَّاه، حتى أوصلوا إليه من أذيَّتهم ما قدروا عليه، وهكذا جميع أعداء الرسل هذه حالهم مع أنبيائهم.

الآية 10: فعند ذلك دعا نوحٌ ربَّه، فقال:{إنِّي مغلوبٌ}: لا قدرةَ لي على الانتصار منهم؛ لأنه لم يؤمن من قومه إلاَّ القليل النادر، ولا قدرة لهم على مقاومة قومهم، {فانتَصِرۡ}: اللهمَّ لي منهم، وقال في الآية الأخرى:{ربِّ لا تَذَرۡ على الأرضِ من الكافرين دَيَّاراً ... } الآيات.

الآية 11: فأجاب الله سؤاله، فانتصر له من قومه؛ قال تعالى:{ففَتَحۡنا أبوابَ السماءِ بماءٍ منهمرٍ}؛ أي: كثير جدًّا متتابع.

الآية 12:{وفجَّرۡنا الأرض عُيوناً}: فجعلتِ السماءُ ينزل منها من الماء شيءٌ خارقٌ للعادة، وتفجَّرت الأرضُ كلُّها، حتى التنُّور الذي لم تَجْرِ العادةُ بوجود الماء فيه، فضلاً عن كونِهِ منبعاً للماء؛ لأنَّه موضع النار، {فالتقى الماء}؛ أي: ماء السماء والأرض، {على أمرٍ}: من الله له بذلك، {قد قُدِرَ}؛ أي: قد كتبه الله في الأزل وقضاه عقوبةً لهؤلاء الظالمين الطاغين.

الآية 13:{وحَمَلۡناه على ذاتِ ألواح ودُسُرٍ}؛ أي: ونجَّينا عبدنا نوحاً على السفينة ذات الألواح والدُّسُر ؛ أي: المسامير التي قد سُمِرَتْ بها ألواحُها وشُدَّ بها أسرها.

الآية 14:{تجري بأعۡيُنِنا}؛ أي: تجري بنوح ومَنْ آمن معه ومَنْ حمله مِن أصناف المخلوقات برعايةٍ من الله وحفظٍ منه لها عن الغرق ونظرٍ وكلاءةٍ منه تعالى، وهو نعم الحافظُ الوكيلُ، {جزاءً لِمَنۡ كان كُفِرَ}؛ أي: فعلنا بنوح ما فعلنا من النَّجاة من الغرق العامِّ جزاءً له؛ حيث كذَّبه قومُه وكفروا به، فصبر على دعوتِهِم، واستمرَّ على أمر الله، فلم يردَّه عنه رادٌّ ولا صدَّه عن ذلك صادٌّ؛ كما قال تعالى في الآية الأخرى:{قيل يا نوحُ اهبطۡ بسلام مِنَّا وبَرَكاتٍ عليك وعلى أمم مِمَّن معك ... } الآية. ويُحتمل أنَّ المراد أنَّا أهلَكنا قومَ نوح وفعلنا بهم ما فَعَلنا مِن العذاب والخزي جزاءً لهم على كفرِهم وعنادهم. وهذا متوجِّهٌ على قراءة من قرأها بفتح الكاف.

الآية 15:{ولقد تركناها آيةً فهل من مُدَّكِرٍ}؛ أي: ولقد تركنا قصة نوح مع قومه آيةً يتذكَّر بها المتذكِّرون على أنَّ من عصى الرُّسل وعاندهم أهْلَكَه الله بعقابٍ عامٍّ شديدٍ، أو أنَّ الضمير يعود إلى السفينة وجنسها، وأنَّ أصل صنعتها تعليمٌ من الله لرسوله نوح عليه السلام، ثم أبقى الله صنعتها وجنسها بين الناس؛ ليدلَّ ذلك على رحمته بخلقه وعنايته وكمال قدرته وبديع صنعته. {فهل من مُدَّكِرٍ}؛ أي: فهل متذكِّر للآيات ملقٍ ذهنَه وفكرته لما يأتيه منها؛ فإنَّها في غاية البيان واليُسر؟

الآية 16:{فكيف كان عذابي ونُذُرِ}؛ أي: فكيف رأيتَ أيها المخاطَبُ عذابَ الله الأليم وإنذاره الذي لا يبقى لأحدٍ عليه حجة.

الآية 17:{ولقد يَسَّرۡنا القرآنَ للذِّكۡرِ فهل من مُدَّكِرٍ}؛ أي: ولقد يسَّرْنا وسهَّلْنا هذا القرآن الكريم ألفاظه للحفظ والأداء ومعانيه للفهم والعلم؛ لأنَّه أحسن الكلام لفظاً، وأصدقُه معنىً، وأبينه تفسيراً؛ فكلُّ من أقبل عليه؛ يَسَّرَ الله عليه مطلوبه غاية التيسير، وسهَّله عليه، والذِّكر شاملٌ لكل ما يتذكَّر به العالمون من الحلال والحرام وأحكام الأمرِ والنَّهْي وأحكام الجزاء والمواعظ والعِبَرِ والعقائِد النَّافعة والأخبار الصادقة، ولهذا كان علم القرآن حفظاً وتفسيراً أسهل العلوم وأجلُّها على الإطلاق، وهو العلمُ النافعُ الذي إذا طلبه العبدُ؛ أُعِينَ عليه. قال بعضُ السَّلف عند هذه الآية: هل من طالب علم فيعان عليه. ولهذا يدعو الله عباده إلى الإقبال عليه والتذكُّر بقوله:{فهل من مُدَّكِرٍ}.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُر﴾ أيْ إنْذارِي اسْتِفْهام تَقْرِير وكَيْفَ خَبَر كانَ وهِيَ لِلسُّؤالِ عَنْ الحال والمَعْنى حَمْل المُخاطَبِينَ عَلى الإقْرار بِوُقُوعِ عَذابه تَعالى بِالمُكَذِّبِينَ لِنُوحٍ مَوْقِعه

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 9 إلى 17

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿كَذَّبَتْ﴾ قَبْلَ قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ ﴿قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ أَيْ: صَرَّحُوا لَهُ بِالتَّكْذِيبِ وَاتَّهَمُوهُ بِالْجُنُونِ، ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَازْدُجِرَ﴾ أَيْ: اسْتُطِيرَ جُنُونًا. وَقِيلَ: ﴿وَازْدُجِرَ﴾ أَيِ: انْتَهَرُوهُ وَزَجَرُوهُ وَأَوْعَدُوهُ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١١٦] . قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وَهَذَا مُتَوَجَّهٌ حَسَنٌ.

﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ أَيْ: إِنِّي ضَعِيفٌ عَنْ هَؤُلَاءِ وَعَنْ مُقَاوَمَتِهِمْ ﴿فَانْتَصِرْ﴾ أَنْتَ لِدِينِكَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ . قَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ الْكَثِيرُ ﴿وَفَجَّرْنَا الأرْضَ عُيُونًا﴾ أَيْ: نَبَعَتْ جميعُ أَرْجَاءِ الْأَرْضِ، حَتَّى التَّنَانِيرُ الَّتِي هِيَ مَحَالُّ النِّيرَانِ نَبَعَتْ عُيُونًا، ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ﴾ أَيْ: مِنَ السَّمَاءِ وَمِنَ الْأَرْضِ ﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أَيْ: أَمْرٌ مُقَدَّرٌ.

قَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ كَثِيرٍ، لَمْ تُمْطِرِ السَّمَاءُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَا بَعْدَهُ، وَلَا مِنَ السَّحَابِ؛ فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ بِالْمَاءِ مِنْ غَيْرِ سَحَابٍ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَالْتَقَى الْمَاءَانِ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ.

وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّ ابْنَ الكُوَّاء سَأَلَ عَلِيًّا عَنِ الْمَجَرَّةِ فَقَالَ: هِيَ شَرَجُ السَّمَاءِ، وَمِنْهَا فتحت السَّمَاءُ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ.

﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْقُرَظِيُّ، وقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ: هِيَ الْمَسَامِيرُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: وَوَاحِدُهَا دِسَارٌ، وَيُقَالُ: دَسير، كَمَا يُقَالُ: حَبِيكٌ وَحِبَاكٌ، وَالْجَمْعُ حُبُك.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الدُّسُرُ: أَضْلَاعُ السَّفِينَةِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ: هُوَ صَدْرُهَا الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ الْمَوْجُ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الدُّسُرُ: طَرَفُهَا وَأَصْلُهَا.

وَقَالَ العَوْفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ كَلْكَلُهَا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ أَيْ: بِأَمْرِنَا بِمَرْأًى مِنَّا وَتَحْتَ حِفْظِنَا وَكَلَاءَتِنَا ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ أَيْ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَانْتِصَارًا لِنُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً﴾ قَالَ قَتَادَةُ: أَبْقَى اللَّهُ سَفِينَةَ نُوحٍ حَتَّى أَدْرَكَهَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ جِنْسُ السُّفُنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤١، ٤٢] . وَقَالَ ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ. لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١١، ١٢] ؛ وَلِهَذَا قَالَ ها هنا: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أَيْ: فَهَلْ مَنْ يَتَذَكَّرُ وَيَتَّعِظُ؟

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مُدَّكر أَوْ مُذَّكر؟ قَالَ: أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿مُدَّكِرٍ﴾ [[المسند (١/٣٩٥) .]]

وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْأَسْوَدِ [[في م: "عن أبي الأسود".]] بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرٍ﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٧٤) .]]

وَرَوَى الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٦٩) .]] .

وَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيم، حَدَّثَنَا زُهَيْر، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَسْأَلُ الْأَسْوَدَ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أَوْ ﴿مُذَّكِر﴾ ؟ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ يَقْرَأُ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ . وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ دالا.

وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ وَأَهْلُ السُّنَنِ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٧١) وصحيح مسلم برقم (٨٢٣) وسنن أبي داود برقم (٣٩٩٤) وسنن الترمذي برقم (٢٩٣٧) وسنن النسائي (٢/١٥٠) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ أَيْ: كَيْفَ كَانَ عَذَابِي لِمَنْ كَفَرَ بِي وَكَذَّبَ رُسُلِي وَلَمْ يَتَّعِظْ بِمَا جَاءَتْ بِهِ نُذُري، وَكَيْفَ انْتَصَرْتُ لَهُمْ، وَأَخَذْتُ لَهُمْ بِالثَّأْرِ.

﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أَيْ: سَهَّلْنَا لَفْظَهُ، وَيَسَّرْنَا مَعْنَاهُ لِمَنْ أَرَادَهُ، لِيَتَذَكَّرَ النَّاسُ. كَمَا قَالَ: ﴿كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ [[في م: "ليذكر".]] أُولُو الألْبَابِ﴾ [ص: ٢٩] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٩٧] .

قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ يَعْنِي: هَوّنّا قِرَاءَتَهُ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَسَّرْنَا تِلَاوَتَهُ عَلَى الْأَلْسُنِ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ يَسَّرَهُ عَلَى لِسَانِ الْآدَمِيِّينَ، مَا اسْتَطَاعَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ.

قُلْتُ: وَمِنْ تَيْسِيرِهِ، تَعَالَى، عَلَى النَّاسِ تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ مَا تَقدّم عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". وَأَوْرَدْنَا الْحَدِيثَ بِطُرُقِهِ وَأَلْفَاظِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أَيْ: فَهَلْ مِنْ مُتَذَكِّرٍ بِهَذَا الْقُرْآنِ الَّذِي قَدْ يَسَّر اللَّهُ حِفْظَهُ وَمَعْنَاهُ؟

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: فَهَلْ مِنْ مُنْزَجَرٍ عَنِ الْمَعَاصِي؟

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ضَمْرَة [[في أ: "حمزة".]] ، عَنِ ابْنِ شَوْذَب، عَنْ مَطَر -هُوَ الْوَرَّاقُ-فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ هَلْ مِنْ طَالِبِ عِلْمٍ فَيُعَان عَلَيْهِ؟

وَكَذَا عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ، عَنْ [[في أ: "على".]] مَطَرٍ الْوَرَّاقِ وَ [كَذَا] [[زيادة من م.]] رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/٥٧) .]] ، وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ مِثْلُهُ.

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 15 إلى 17

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) ﴾

يقول تعالى ذكره: ولقد تركنا السفينة التي حملنا فيها نوحا ومن كان معه آية، يعني عِبْرة وعظة لمن بعد قوم نوح من الأمم ليعتبروا ويتعظوا، فينتهوا عن أن يسلكوا مسلكهم في الكفر بالله، وتكذيب رسله، فيصيبهم مثل ما أصابهم من العقوبة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ قال: أبقاها الله بباقَردى من أرض الجزيرة، عبرة وآية، حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة نظرا، وكم من سفينة كانت بعدها قد صارت رمادا.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً﴾ قال: ألقى الله سفينة نوح على الجوديّ حتى أدركها أوائل هذه الأمة.

⁕ قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن مجاهد، أن الله حين غرّق الأرض، جعلت الجبال تشمخ، فتواضع الجوديّ، فرفعه الله على الجبال، وجعل قرار السفينة عليه.

* *

وقوله ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾

يقول: فهل من ذي تذكر يتذكر ما قد فعلنا بهذه الأمة التي كفرت بربها، وعصت رسوله نوحا، وكذبته فيما أتاهم به عن ربهم من النصيحة، فيعتبر بهم، ويحذر أن يَحل به من عذاب الله بكفره بربه، وتكذيبه رسوله محمدا ﷺ، مثل الذي حلّ بهم، فينيب إلى التوبة، ويراجع الطاعة. وأصل مدّكر: مفتعل من ذكر، اجتمعت فاء الفعل، وهي ذال، وتاء وهي بعد الذال، فصيرتا دالا مشدّدة، وكذلك تفعل العرب فيما كان أوّله ذالا يتبعها تاء الافتعال يجعلونهما جميعا دالا مشدّدة، فيقولون: ادّكرت ادكارًا، وإنما هو اذتكرت اذتكارا، وفهل من مذتكر، ولكن قيل: ادكرت ومدّكر لما قد وصفت، قد ذُكر عن بعض بني أسد أنهم يقولون في ذلك مذّكر، فيقلبون الدال ويعتبرون الدال والتاء ذالا مشددة، وذُكر عن الأسود بن يزيد أنه قال: قلت لعبد الله بن مسعود: فهل من مدّكر، أو مذّكر، فقال: أقرأني رسول الله ﷺ: ﴿مُذَّكر﴾ يعنى بذال مشددة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ قال: المدّكر: الذي يتذكر، وفي كلام العرب: المذكر: المتذكر.

⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ قال: فهل من مذّكر.

* *

وقوله ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾

يقول تعالى ذكره: فكيف كان عذابي لهؤلاء الذين كفروا بربهم من قوم نوح، وكذّبوا رسوله نوحا، إذ تمادوا في غيهم وضلالهم، وكيف كان إنذاري بما فعلت بهم من العقوبة التي أحللت بهم بكفرهم بربهم، وتكذيبهم رسوله نوحا، صلوات الله عليه، وهو إنذار لمن كفر من قومه من قريش، وتحذير منه لهم، أن يحلّ بهم على تماديهم في غيهم، مثل الذي حلّ بقوم نوح من العذاب.

* *

وقوله ﴿وَنَذَرَ﴾

يعني: وإنذاري، وهو مصدر.

* *

وقوله ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾

يقول تعالى ذكره: ولقد سهَّلنا القرآن، بيَّناه وفصلناه للذكر، لمن أراد أن يتذكر ويعتبر ويتعظ، وهوّناه.

كما:-

⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ قال: هوّناه.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ قال: يسَّرنا: بيَّنا.

* *

وقوله ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾

يقول: فهل من معتبر متعظ يتذكر فيعتبر بما فيه من العبر والذكر.

وقد قال بعضهم في تأويل ذلك: هل من طالب علم أو خير فيُعان عليه، وذلك قريب المعنى مما قلناه، ولكنا اخترنا العبارة التي عبرناها في تأويله، لأن ذلك هو الأغلب من معانيه على طاهره.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ يقول: فهل من طالب خير يُعان عليه.

⁕ حدثنا الحسين بن عليّ الصُّدائيّ، قال: ثنا يعقوب، قال: ثني الحارث بن عبيد الإياديّ قال: سمعت قتادة يقول في قول الله ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ قال: هل من طالب خير يُعان عليه.

⁕ حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا ضمرة بن ربيعة أو أيوب بن سويد أو كلاهما، عن ابن شَوْذَب، عن مطر، في قوله (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) قال: هل من طالب علم فيعان عليه.