سورة القرآن surah-quran.com

سورة القمر

سورة القمر، الآية 37

الجزء 27، الصفحة 530.

وَلَقَدْ رَٰوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِۦ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا۟ عَذَابِى وَنُذُرِ ﴿٣٧﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

ولقد طلبوا منه أن يفعلوا الفاحشة بضيوفه من الملائكة، فطمسنا أعينهم فلم يُبصروا شيئًا، فقيل لهم: ذوقوا عذابي وإنذاري الذي أنذركم به لوط عليه السلام.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 33 إلى 40

{33 ـ 40} أي: {كذَّبت قومُ لوط}: لوطاً عليه السلام حين دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونهاهم عن الشرك والفاحشة التي ما سبقهم بها أحدٌ من العالمين، فكذَّبوه واستمرُّوا على شركهم وقبائحهم، حتى إنَّ الملائكة الذين جاؤوه بصورة أضياف، حين سمع بهم قومُه؛ جاؤوا مسرعين يريدون إيقاع الفاحشة فيهم لعنهم الله وقبَّحهم وراودوه عنهم، فأمر الله جبريل عليه السلام، فطمس أعينهم بجناحه، وأنذرهم نبيُّهم بطشة الله وعقوبته، {فتمارَوۡا بالنُّذُر}، {ولقد صبَّحهم بُكرةً عذابٌ مستقرٌّ}: قلب الله عليهم ديارهم، وجعل أسفلها أعلاها، وتتبَّعهم بحجارة من سِجِّيل منضودٍ مسوَّمة عند ربِّك للمسرفين، ونجَّى الله لوطاً وأهله من الكرب العظيم؛ جزاء لهم على شكرهم لربِّهم وعبادته وحدَه لا شريك له.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفه﴾ أنْ يُخَلِّي بَيْنهمْ وبَيْن القَوْم الَّذِينَ أتَوْهُ فِي صُورَة الأَضْياف لِيَخْبُثُوا بِهِمْ وكانُوا مَلائِكَة ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنهمْ﴾ أعْمَيْناها وجَعَلْناها بِلا شَقّ كَباقِي الوَجْه بِأَنْ صَفَقَها جِبْرِيل بِجَناحِهِ ﴿فَذُوقُوا﴾ فَقُلْنا لَهُمْ ذُوقُوا ﴿عَذابِي ونُذُر﴾ إنْذارِي وتَخْوِيفِي أيْ ثَمَرَته وفائِدَته

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 33 إلى 40

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ قَوْمِ لُوطٍ كَيْفَ كَذَّبُوا رَسُولَهُمْ وَخَالَفُوهُ، وَارْتَكَبُوا الْمَكْرُوهُ مِنْ إِتْيَانِ الذُّكُورِ، وَهِيَ الْفَاحِشَةَ الَّتِي لَمْ يَسْبِقْهُمْ بِهَا أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ؛ وَلِهَذَا أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ هَلَاكًا لَمْ يُهلكه أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَحَمَلَ مَدَائِنَهُمْ حَتَّى وَصَلَ بِهَا إِلَى عَنَان السَّمَاءِ، ثُمَّ قَلَبَهَا عَلَيْهِمْ وَأَرْسَلَهَا، وَأُتْبِعَتْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ وَهِيَ: الْحِجَارَةُ، ﴿إِلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ أَيْ: خَرَجُوا مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَنَجَوْا مِمَّا أَصَابَ قَوْمَهُمْ، وَلَمْ يُؤْمِنْ بِلُوطٍ مِنْ قَوْمِهِ أَحَدٌ وَلَا رَجُلٌ وَاحِدٌ حَتَّى وَلَا امْرَأَتُهُ، أَصَابَهَا مَا أَصَابَ قَوْمَهَا، وَخَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ لُوطٌ وَبَنَاتٌ لَهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ سَالِمًا لَمْ يمسَسْه سُوءٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ. وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا﴾ أَيْ: وَلَقَدْ كَانَ قَبْلَ حُلُولِ الْعَذَابِ بِهِمْ قَدْ أَنْذَرَهُمْ بَأْسَ اللَّهِ وَعَذَابَهُ، فَمَا الْتَفَتُوا إِلَى ذَلِكَ، وَلَا أَصْغَوْا إِلَيْهِ، بَلْ شَكُّوا فِيهِ وَتَمَارَوْا بِهِ، ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ وَذَلِكَ لَيْلَةَ ورَدَ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ: جِبْرِيلُ، وَمِيكَائِيلُ، وَإِسْرَافِيلُ فِي صُورَةِ شَبَابٍ مُرد حِسان محنَةً مِنَ اللَّهِ بِهِمْ، فَأَضَافَهُمْ لُوطٌ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] وَبَعَثَتِ امْرَأَتُهُ الْعَجُوزُ السوءُ إِلَى قَوْمِهَا، فَأَعْلَمَتْهُمْ بِأَضْيَافِ لُوطٍ، فَأَقْبَلُوا يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَأَغْلَقَ لُوطٌ دُونَهُمُ الْبَابَ، فَجَعَلُوا يُحَاوِلُونَ كَسْرَ الْبَابِ، وَذَلِكَ عَشِيَّةً، وَلُوطٌ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يُدَافِعُهُمْ وَيُمَانِعُهُمْ دُونَ أَضْيَافِهِ، وَيَقُولُ لَهُمْ: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي﴾ يَعْنِي: نِسَاءَهُمْ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الْحِجْرِ:٧١] ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَنَا فِيهِنَّ أرَبٌ، ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هُودٍ:٧٩] فَلَمَّا اشْتَدَّ الْحَالُ وَأَبَوْا إِلَّا الدُّخُولَ، خَرَجَ عَلَيْهِمْ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَضَرَبَ أَعْيُنَهُمْ بِطَرَفِ جَنَاحِهِ، فَانْطَمَسَتْ أَعْيُنُهُمْ. يُقَالُ: إِنَّهَا غارت من وجوههم.

وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ تَبْقَ لَهُمْ عُيُونٌ بِالْكُلِّيَّةِ، فَرَجَعُوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ يَتَحَسَّسُونَ بِالْحِيطَانِ، وَيَتَوَعَّدُونَ لُوطًا، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِلَى الصَّبَاحِ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ أَيْ: لَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهُ، وَلَا انْفِكَاكَ لَهُمْ مِنْهُ، ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ. وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ .

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 36 إلى 37

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧) ﴾

يقول تعالى ذكره: ولقد أنذر لوط قومه بطشتنا التي بطشناها قبل ذلك ﴿فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ يقول: فكذّبوا بإنذاره ما أنذرهم من ذلك شكا منهم فيه.

* *

وقوله ﴿فَتَمَارَوْا﴾

تفاعلوا من المرية.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل:

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ لم يصدّقوه، وقوله ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ يقول جلّ ثناؤه: ولقد راود لوطا قومه عن ضيفه الذين نزلوا به حين أراد الله إهلاكهم ﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ يقول: فطمسنا على أعينهم حتى صيرناها كسائر الوجه لا يرى لها شقّ، فلم يبصروا ضيفه. والعرب تقول: قد طمست الريح الأعلام: إذا دفنتها بما تسفي عليها من التراب، كما قال كعب بن زُهَير:

مِنْ كُلّ نَصَّاخَةِ الذّفْرَى إذَا أعْتَرَقَتْ ... عُرْضَتها طامِسُ الأعْلام مَجْهُولُ [[البيت: لكعب بن زهير من لاميته المشهورة " بانت سعاد " التي مدح بها سيدنا رسول الله ﷺ. وقد شرحناه ثلاث مرات في (٢: ٤٠٢، ٥: ١٢٣، ٩: ١٥٧) من هذه الطبعة، فراجعه في أحد هذه المواضع، أو فيها كلها، لزيادة الفائدة.]]

يعني بقوله ﴿طامِسُ الأعْلامِ﴾ : مندفن الأعلام.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ قال: عمى الله عليهم الملائكة حين دخلوا على لوط.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ وذُكر لنا أن جبريل عليه السلام استأذن ربه في عقوبتهم ليلة أتوا لوطا، وأنهم عالجوا الباب ليدخلوا عليه، فصفقهم بجناحه، وتركهم عميا يتردّدون.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ قال: هؤلاء قوم لوط حين راودوه عن ضيفه، طمس الله أعينهم، فكان ينهاهم عن عملهم الخبيث الذي كانوا يعملون، فقالوا: إنا لا نترك عملنا فإياك أن تُنزل أحدا أو تُضيفه، أو تدعه ينزل عليك، فإنا لا نتركه ولا نترك عملنا. قال: فلما جاءه المرسلون، خرجت امرأته الشقية من الشقّ، فأتتهم فدعتهم، وقالت لهم: تعالوا فإنه قد جاء قوم لم أر قطّ أحسن وجوها منهم، ولا أحسن ثيابًا، ولا أطيب أرواحا منهم، قال: فجاءوه يهرعون إليه، فقال: إن هؤلاء ضيفي، فاتقوا الله ولا تخزوني في ضيفي، قالوا: أولم ننهك عن العالمين؟ أليس قد تقدمنا إليك وأعذرنا فيما بيننا بينك؟ قال: هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم فقال له جبريل عليه السلام: ما يهولك من هؤلاء؟ قال: أما ترى ما يريدون؟ فقال: إنا رسل ربك لن يصلوا إليك، لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك، لتصنعن هذا الأمر سرّا، وليكوننّ فيه بلاء؛ قال: فنشر جبريل عليه السلام جناحا من أجنحته، فاختلس به أبصارهم، فطمس أعينهم، فجعلوا يجول بعضهم في بعض، فذلك قول الله ﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ .

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ جاءت الملائكة في صور الرجال، وكذلك كانت تجيء، فرآهم قوم لوط حين دخلوا القرية. وقيل: إنهم نزلوا بلوط، فأقبلوا إليهم يريدونهم، فتلقَّاهم لوط يناشدهم الله أن لا يخزوه في ضيفه، فأبوا عليه وجاءوا ليدخلوا عليه، فقالت الرسل للوط خلّ بينهم وبين الدخول، فإنا رسل ربك، لن يصلوا إليك، فدخلوا البيت، وطمس الله على أبصارهم، فلم يروهم؛ وقالوا: قد رأيناهم حين دخلوا البيت، فأين ذهبوا؟ فلم يروهم ورجعوا.

* *

وقوله ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾

يقول تعالى ذكره: فذوقوا معشر قوم لوط من سدوم، عذابي الذي حلّ بكم، وإنذاري الذي أنذرت به غيركم من الأمم من النكال والمثلات.