سورة القرآن surah-quran.com

سورة القمر

سورة القمر، الآية 46

الجزء 27، الصفحة 530.

بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ ﴿٤٦﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

والساعة موعدهم الذي يُجازون فيه بما يستحقون، والساعة أعظم وأقسى مما لحقهم من العذاب يوم «بدر».

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 41 إلى 55

{41 ـ 42} أي: {ولقد جاء آلَ فرعونَ}؛ أي: فرعون وقومه، {النُّذُرُ}: فأرسل الله إليهم موسى الكليم، وأيَّده بالآيات البيِّنات والمعجزات الباهرات، وأشهدهم من العبر ما لم يشهدْ غيرهم ، فكذَّبوا بآيات الله كلِّها، فأخذهم أخذَ عزيزٍ مقتدرٍ، فأغرقه وجنوده في اليمِّ.

الآية 43: والمراد من ذِكر هذه القصص تحذير الناس والمكذِّبين لمحمد - صلى الله عليه وسلم -، ولهذا قال:{أكفَّارُكم خيرٌ من أولئكم}؛ أي: أهؤلاء الذين كذَّبوا أفضل الرسل خيرٌ من أولئك المكذِّبين الذين ذكر الله هلاكَهم وما جرى عليهم؟ فإنْ كانوا خيراً منهم؛ أمكن أن يَنْجوا من العذاب ولم يصبهم ما أصاب أولئك الأشرار، وليس الأمر كذلك؛ فإنَّهم إن لم يكونوا شرًّا منهم؛ فليسوا بخير منهم. {أم لكم بَرَآءَةٌ في الزُّبُرِ}؛ أي: أم أعطاكم الله عهداً وميثاقاً في الكتب التي أنزلها على الأنبياء، فتعتقدون حينئذٍ أنَّكم الناجون بأخبار الله ووعده؟! وهذا غير واقع، بل غير ممكنٍ عقلاً وشرعاً أن تُكتب براءتهم في الكُتب الإلهية المتضمِّنة للعدل والحكمة؛ فليس من الحكمة نجاةُ أمثال هؤلاء المعاندين المكذِّبين لأفضل الرسل وأكرمهم على الله.

الآية 44: فلم يبق إلاَّ أن يكون بهم قوَّةٌ ينتصرون بها، فأخبر تعالى أنهم يقولون:{نحن جميعٌ منتصرٌ}.

الآية 45: قال تعالى مبيناً لضعفهم وأنهم مهزومون: {سيُهۡزَمُ الجمعُ ويولُّون الدُّبُرَ}: فوقع كما أخبر؛ هزم الله جمعهم الأكبر يوم بدرٍ، وقُتلت صناديدُهم وكبراؤهم، فأذلُّوا ، ونصر الله دينه ونبيَّه وحزبه المؤمنين.

الآية 46: ومع ذلك؛ فلهم موعدٌ يجمع به أولهم وآخرهم ومن أصيب في الدُّنيا منهم ومن متع بلذاته، ولهذا قال:{بل الساعةُ موعدُهم}: الذي يجازون به ويؤخذ منهم الحقُّ بالقسط، {والساعةُ أدهى وأمرُّ}؛ أي: أعظم وأشقُّ وأكبر من كلِّ ما يتوهَّم أو يدور في الخيال.

الآية 47:{إنَّ المجرمينَ}؛ أي: الذين أكثروا من فعل الجرائم، وهي الذنوب العظيمة؛ من الشرك وغيره من المعاصي {في ضلال وسُعُرٍ}؛ أي: هم ضالُّون في الدُّنيا، ضُلاَّلٌ عن العلم وضُلاَّلٌ عن العمل الذي ينجِّيهم من العذاب، ويوم القيامةِ في العذاب الأليم والنار التي تستعر بهم وتشتعل في أجسامهم حتى تبلغ أفئدتهم.

الآية 48:{يوم يُسۡحَبون في النار على وجوهِهِم}: التي هي أشرف ما بهم من الأعضاء، وألمها أشدُّ من [أَلَمِ] غيرها، فيُهانون بذلك ويُخْزَون، ويقال لهم:{ذوقوا مَسَّ سَقَرَ}؛ أي: ذوقوا ألم النار وأسفها وغيظها ولهبها.

الآية 49:{إنَّا كلَّ شيءٍ خَلَقۡناه بقدرٍ}: وهذا شاملٌ للمخلوقات والعوالم العلويَّة والسفليَّة؛ إنَّ الله تعالى وحدَه خلَقَها، لا خالق لها سواه، ولا مشارك له في خلقه ، وخلقها بقضاءٍ سبق به علمُه وجرى به قلمُه بوقتها ومقدارها، وجميع ما اشتملت عليه من الأوصاف.

الآية 50: وذلك على الله يسيرٌ؛ فلهذا قال:{وما أمرُنا إلاَّ واحدةٌ كلمحٍ بالبصرِ}: فإذا أراد شيئاً؛ قال له: كن فيكونُ؛ كما أراد؛ كلمح البصر؛ من غير ممانعةٍ ولا صعوبةٍ.

الآية 51:{ولقد أهۡلَكۡنا أشياعَكم}: من الأمم السابقين، الذين عملوا كما عملتُم وكذَّبوا كما كذَّبتم، {فهل من مُدَّكِرٍ}؛ أي: متذكِّر يعلم أن سنَّة الله في الأولين والآخرين واحدةٌ، وأن حكمتَه كما اقتضت إهلاك أولئك الأشرار فإنَّ هؤلاء مثلهم، ولا فرق بين الفريقين.

الآية 52:{وكلُّ شيءٍ فعلوه في الزُّبر}؛ أي: كل ما فعلوه من خيرٍ وشرٍّ مكتوبٌ عليهم في الكتب القدريَّة.

الآية 53:{وكلُّ صغيرٍ وكبيرٍ مُسۡتَطَرٌ}؛ أي: مسطَّرٌ مكتوبٌ، وهذه حقيقة القضاء والقدر، وأنَّ جميع الأشياء كلها قد علمها الله تعالى وسطرها عنده في اللوح المحفوظ؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكنْ؛ فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطِئَه، وما أخطأه لم يكن ليصيبَه.

{54 ـ 55}{إنَّ المتَّقين}: لله بفعل أوامره وترك نواهيه، الذين اتَّقوا الشرك والكبائر والصغائر {في جناتٍ ونَهَرٍ}؛ أي: في جنات النعيم، التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؛ من الأشجار اليانعة، والأنهار الجارية، والقصور الرفيعة، والمنازل الأنيقة، والمآكل والمشارب اللذيذة، والحور الحسان، والروضات البهية في الجنان، ورضا الملك الدَّيَّان والفوز بقربه، ولهذا قال:{في مقعدِ صدقٍ عند مليكٍ مقتدرٍ}؛ فلا تسأل بعد هذا عما يعطيهم ربُّهم من كرامته وجوده ويمدُّهم به من إحسانه ومنَّته! جعلنا الله منهم، ولا حرمنا خير ما عنده بشرِّ ما عندنا.

تم تفسير هذه السورة. والحمد لله.

* * *

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ بِالعَذابِ ﴿والسّاعَة﴾ أيْ عَذابها ﴿أدْهى﴾ أعْظَم بَلِيَّة ﴿وأَمَرّ﴾ أشَدّ مَرارَة مِن عَذاب الدُّنْيا

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 41 إلى 46

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ جَاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ مُوسَى وَأَخُوهُ هَارُونُ بِالْبِشَارَةِ إِنْ آمَنُوا، وَالنِّذَارَةِ إِنْ كَفَرُوا، وَأَيَّدَهُمَا بِمُعْجِزَاتٍ عَظِيمَةٍ وَآيَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَكَذَّبُوا بِهَا كُلِّهَا، فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ، أَيْ: فَأَبَادَهُمُ اللَّهُ وَلَمْ [[في م: "فلم".]] يُبق مِنْهُمْ مُخْبِرًا وَلَا عَيْنًا وَلَا أَثَرًا.

ثُمَّ قَالَ: ﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾ أَيْ: أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ ﴿خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ يَعْنِي: مِنَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ مِمَّنْ أُهْلِكُوا بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ، وَكُفْرِهِمْ بِالْكُتُبِ: أَأَنْتُمْ خَيْرٌ أَمْ أُولَئِكَ؟ ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ أَيْ: أَمْ مَعَكُمْ [[في م: "معهم".]] مِنَ اللَّهِ بَرَاءَةٌ أَلَّا يَنَالَكَمْ عَذَابٌ وَلَا نَكَالٌ؟ .

ثُمَّ قَالَ مُخْبِرًا عَنْهُمْ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ أَيْ: يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ مُنَاصِرُونَ [[في م، أ: "يتناصرون".]] بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَأَنَّ جَمْعَهُمْ يُغْنِي عَنْهُمْ مَنْ أَرَادَهُمْ بِسُوءٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أَيْ: سَيَتَفَرَّقُ شَمْلُهُمْ وَيُغْلَبُونَ.

قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ خَالِدٍ -وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا [[في م: "بن".]] عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ وُهيب، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ -وَهُوَ فِي قُبَّةٍ لَهُ يَوْمَ بَدْرٍ-: "أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعبد بَعْدَ الْيَوْمِ [[في م: "بعد اليوم في الأرض".]] أَبَدًا". فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِيَدِهِ وَقَالَ: حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ. فَخَرَجَ وَهُوَ يَثِبُ فِي الدِّرْعِ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ. بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ .

وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي غير موضع، من حديث خالد -وهو مِهْران [[في م، أ: "وهو ابن مهران".]] الْحَذَّاءُ-بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٢٩١٥، ٣٩٥٣، ٤٨٧٥، ٤٨٧٧) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٥٥٧) .]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزّهرَاني، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [قَالَ] [[زيادة من أ.]] قَالَ عمر: أيّ جمَع يهزم؟ أيّ جَمْع يُغْلَبُ؟ قَالَ عُمَرُ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَثِبُ فِي الدِّرْعِ، وَهُوَ يَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ فَعَرَفْتُ تَأْوِيلَهَا يَوْمَئِذٍ [[رواه عبد الرزاق في تفسيره (٢/٢٠٩) من طريق معمر عن أيوب به.]] .

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ؛ أَنَّ ابْنَ جُرَيج أَخْبَرَهُمْ: أَخْبَرَنِي يُوسُفُ بْنَ ماهَكَ قَالَ: إِنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: نَزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ بِمَكَّةَ -وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ- ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ هَكَذَا رَوَاهُ ها هنا مُخْتَصَرًا [[صحيح البخاري برقم (٤٨٧٦) .]] . وَرَوَاهُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مُطَوَّلًا [[صحيح البخاري برقم (٤٩٩٣) .]] ، وَلَمْ يُخَرِّجْهُ مُسْلِمٌ.

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 46 إلى 49

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) ﴾

يقول تعالى ذكره: ما الأمر كما يزعم هؤلاء المشركون من أنهم لا يبعثون بعد مماتهم ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ للبعث والعقاب ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ عليهم من الهزيمة التي يهزمونها عند التقائهم مع المؤمنين ببدر.

⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن عمرو بن مرّة، عن شهر بن حوشب، قال: إن هذه الآية نزلت بهلاك إنما موعدهم الساعة، ثم قرأ ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ ... إلى قوله ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ .

* *

وقوله ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾

يقول تعالى ذكره: إن المجرمين في ذهاب عن الحقّ، وأخذ على غير هدى ﴿وَسُعُرٍ﴾ يقول: في احتراق من شدّة العناء والنصب في الباطل.

كما:-

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله ﴿فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ قال: في عناء.

* *

وقوله ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾

يقول تعالى ذكره: يوم يُسحب هؤلاء المجرمون في النار على وجوههم. وقد تأوّل بعضهم قوله ﴿فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ إلى النار. وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ إِلَى النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ .

* *

وقوله ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾

يقول تعالى ذكره: يوم يُسحبون في النار على وجوههم، يقال لهم: ذوقوا مَسَّ سقَر، وترك ذكر "يقال لهم" استغناء بدلالة الكلام عليه من ذكره.

فإن قال قائل: كيف يُذاق مسّ سقر، أوَله طعم فيُذاق؟ فإن ذلك مختلف فيه؛ فقال بعضهم: قيل ذلك كذلك على مجاز الكلام، كما يقال: كيف وجدت طعم الضرب وهو مجاز؟ وقال آخر: ذلك كما يقال: وجدتُ مسّ الحمى يُراد به أوّل ما نالني منها، وكذلك وجدت طعم عفوك. وأما سَقَرُ فإنها اسم باب من أبواب جهنم [[الذي في كتب اللغة، أنها اسم جهنم.]] وترك إجراؤها لأنها اسم لمؤنث معرفة.

* *

وقوله ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾

يقول تعالى ذكره: إنا خلقنا كل شيء بمقدار قدرناه وقضيناه، وفي هذا بيان، أن الله جلّ ثناؤه، توعد هؤلاء المجرمين على تكذيبهم في القدر مع كفرهم به.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا هشام بن سعد، عن أبي ثابت، عن إبراهيم بن محمد، عن أبيه، عن ابن عباس أنه كان يقول: إني أجد في كتاب الله قوما يسحبون في النار على وجوههم، يقال لهم ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ لأنهم كانوا يكذّبون بالقَدَرِ، وإني لا أراهم، فلا أدري أشيء كان قبلنا، أم شيء فيما بقي.

⁕ حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن زياد بن إسماعيل السَّهْمِيّ، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن أبي هريرة أن مشركي قريش خاصمت النبيّ ﷺ في القَدَر، فأنزل الله ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ .

⁕ حدثنا ابن بشار وابن المثنى وأبو كُرَيب، قالوا: ثنا وكيع بن الجرّاح، قال: ثنا سفيان، عن زياد بن إسماعيل السَّهميّ، عن محمد بن عباد بن جعفر المخزوميّ، عن أبي هريرة، قال: جاء مشركو قريش إلى النبيّ ﷺ يخاصمونه في القَدَرِ، فنزلت ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ .

⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن زياد بن إسماعيل السهمي، عن محمد بن عباد بن جعفر المخزوميّ، عن أبى هريرة، بنحوه.

⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السُّلَميّ، قال: ولما نزلت هذه الآية ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ قال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ أفي شيء نستأنفه، أو في شيء قد فرغ منه؟ قال: فقال رسول الله ﷺ: اِعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلقَ لَهُ، سنُيسِّرُهُ للْيُسْرَى، وَسَنُيَسِّرُهُ للعُسْرَى".

⁕ حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا خصيف، قال: سمعت محمد بن كعب القرظيّ يقول: لما تكلم الناس في القَدَرِ نظرت، فإذا هذه الآية أنزلت فيهم ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ ... إلى قوله ﴿خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ .

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم ويزيد بن هارون، قالا ثنا سفيان، عن سالم، عن محمد بن كعب، قال: ما نزلت هذه الآية إلا تعبيرا لأهل القدر ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ .

⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن سالم بن أبي حفصة، عن محمد بن كعب القُرَظي ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ قال: نزلت تعييرا لأهل القَدَرِ.

⁕ قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن زياد بن إسماعيل السَّهمي، عن محمد بن عباد بن جعفر المخزوميّ، عن أبي هريرة، قال: جاء مشركو قريش إلى النبيّ ﷺ يخاصمونه في القدر، فنزلت ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ .

⁕ قال: ثنا مهران، عن حازم، عن أسامة، عن محمد بن كعب القُرَظِيّ مثله.

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ قال: خلق الله الخلق كلهم بقدر، وخلق لهم الخير والشرّ بقدر، فخير الخير السعادة، وشرّ الشرّ الشقاء، بئس الشرّ الشقاء.

واختلف أهل العربية في وجه نصب قوله ﴿كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ فقال بعض نحويي البصرة: نصب كلّ شيء في لغة من قال: عبد الله ضربته؛ قال: وهي في كلام العرب كثير. قال: وقد رفعت كلّ في لغة من رفع، ورفعت على وجه آخر. قال ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ فجعل خلقناه من صفة الشيء؛ وقال غيره: إنما نصب كل لأن قوله خلقناه فعل، لقوله ﴿إِنَّا﴾ ، وهو أولى بالتقديم إليه من المفعول، فلذلك اختير النصب، وليس قيل عبد الله في قوله: عبد الله ضربته شيء هو أولى بالفعل، وكذلك إنا طعامك، أكلناه الاختيارُ النصب لأنك تريد: إنا أكلنا طعامك الأكل، أولى بأنا من الطعام. قال: وأما قول من قال: خلقناه وصف للشيء فبعيد، لأن المعنى: إنا خلقناه كلّ شيء بقدر، وهذا القول الثاني أولى بالصواب عندي من الأوّل للعلل التي ذكرت لصاحبها.