سورة القمر، الآية 6
الجزء 27، الصفحة 528.
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ۘ يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَىْءٍ نُّكُرٍ ﴿٦﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة القمر
تفسير الآية
التفسير الميسر
فأعرض -أيها الرسول- عنهم، وانتظر بهم يومًا عظيمًا. يوم يدعو المَلَك بنفخه في «القَرْن» إلى أمر فظيع منكر، وهو موقف الحساب.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 6 إلى 8
الآية 6: يقول تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: قد بان أنَّ المكذِّبين لا حيلة في هداهم، فلم يبق إلاَّ الإعراضُ عنهم ، فقال:{فتولَّ عنهم}: وانتظرْ بهم يوماً عظيماً وهولاً جسيماً، وذلك حين {يَدعُ الداعِ}؛ وهو إسرافيلُ عليه السلام {إلى شيء نُكُرٍ}؛ أي: إلى أمر فظيع تنكره الخليقة، فلم تر منظراً أفظع ولا أوجع منه، فينفخُ إسرافيل نفخةً يخرج بها الأمواتُ من قبورهم لموقف القيامة.
الآية 7:{خُشَّعاً أبصارُهم}؛ أي: من الهول والفزع الذي وصل إلى قلوبهم، فخضعت وذلَّت، وخشعت لذلك أبصارهم {يخرجون من الأجۡداثِ}: وهي القبورُ {كأنَّهم}: من كثرتهم ورَوَجان بعضهم ببعض {جرادٌ منتشرٌ}؛ أي: مبثوثٌ في الأرض متكاثرٌ جدًّا.
الآية 8:{مهطعينَ إلى الدَّاعِ}؛ أي: مسرعين لإجابة نداء الدَّاعي، وهذا يدلُّ على أنَّ الدَّاعي يدعوهم ويأمرهم بالحضور لموقف القيامة، فيلبُّون دعوته ويسرعون إلى إجابته، {يقول الكافرون}: الذين قد حَضَرَ عذابُهم: {هذا يومٌ عَسِرٌ}؛ كما قال تعالى:{على الكافرين غيرُ يسيرٍ}: مفهوم ذلك أنَّه يسيرٌ سهلٌ على المؤمنين.
تفسير الجلالين
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ هُوَ فائِدَة ما قَبْله وتَمَّ بِهِ الكَلام ﴿يَوْم يَدْعُ الدّاعِي﴾ هُوَ إسْرافِيل وناصِب يَوْم يَخْرُجُونَ بَعْد ﴿إلى شَيْء نُكُر﴾ بِضَمِّ الكاف وسُكُونها أيْ مُنْكَر تُنْكِرهُ النُّفُوس وهُوَ الحِساب
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 6 إلى 8
يَقُولُ تَعَالَى: فَتَوَلَّ يَا مُحَمَّدُ عَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ إِذَا رَأَوْا آيَةً يَعْرِضُونَ وَيَقُولُونَ: هَذَا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ، أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْهُمْ، ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ أَيْ: إِلَى شَيْءٍ مُنْكَرٍ فَظِيعٍ، وَهُوَ مَوْقِفُ الْحِسَابِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ، بَلْ وَالزَّلَازِلِ وَالْأَهْوَالِ، ﴿خشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ أَيْ: ذَلِيلَةٌ أَبْصَارُهُمْ ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ﴾ وَهِيَ: الْقُبُورُ، ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُمْ فِي انْتِشَارِهِمْ وَسُرْعَةِ سَيْرِهِمْ إِلَى مَوْقِفِ الْحِسَابِ إِجَابَةً لِلدَّاعِي ﴿جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ فِي الْآفَاقِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أَيْ: مُسْرِعِينَ ﴿إِلَى الدَّاعِي﴾ ، لَا يُخَالِفُونَ وَلَا يَتَأَخَّرُونَ، ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ أَيْ: يَوْمٌ شَدِيدُ الْهَوْلِ عَبُوس قَمْطَرِير ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ. عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [الْمُدَّثِّرِ: ٩، ١٠] .
تفسير الطبري
يشمل هذا التفسير الآيات 6 إلى 8
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨) ﴾
يعني تعالى ذكره بقوله ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ : فأعرض يا محمد عن هؤلاء المشركين من قومك، الذين إن يروا آية يعرضوا ويقولوا: سِحْر مستمرّ، فإنهم يوم يدعو داعي الله إلى موقف القيامة، وذلك هو الشيء النُّكُر ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ يقول: ذليلة أبصارهم خاشعة، لا ضرر بها ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ﴾ وهي جمع جدث، وهي القبور، وإنما وصف جلّ ثناؤه بالخشوع الأبصار دون سائر أجسامهم، والمراد به جميع أجسامهم، لأن أثر ذلة كل ذليل، وعزّة كل عزيز، تتبين في ناظريه دون سائر جسده، فلذلك خصّ الأبصار بوصفها بالخشوع.
وبنحو الذي قلنا في معنى قوله ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿خَاشِعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ : أي ذليلة أبصارهم.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿خَاشِعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة وبعض المكيين الكوفيين ﴿خُشَّعًا﴾ بضم الخاء وتشديد الشين، بمعنى خاشع؛ وقرأه عامة قرّاء الكوفة وبعض البصريين ﴿خَاشِعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ بالألف على التوحيد اعتبارا بقراءة عبد الله، وذلك أن ذلك في قراءة عبد الله ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ ، وألحقوه وهو بلفظ الاسم في التوحيد، إذ كان صفة بحكم فَعَلَ ويَفْعَل في التوحيد إذا تقدّم الأسماء، كما قال الشاعر:
وشَبابٍ حَسَنٍ أوْجُهُهمْ ... مِنْ إيادِ بنِ نزارِ بْنِ مَعَد [[البيت للحارس بن دوس الإيادي، ويروى لأبي داود الإيادي، (هامش القرطبي ١٧: ١٢٩) والبيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة ٣١٧) قال: إذا تقدم الفعل قبل اسم مؤنث، وهو له، أو قبل جمع مؤنث مثل الأنصار والأعمار وما أشبهها جاز تأنيث الفعل وتذكيره وجمعه، وقد أتى بذلك في هذا الحرف، فقرأه ابن عباس: " خاشعا أبصارهم " حدثني بذلك هشيم وأبو معاوية، عن وائل بن داود، عن مسلم بن يسار، عن ابن عباس، أنه قراه " خاشعا ". قال: وحدثني هشيم، عن عوف الأعرابي، عن الحسن وأبي رجاء العطاردي: أن أحدهما قال: " خاشعا " والآخر: " خشعا " قال الفراء: وهي في قراءة عبد الله (ابن مسعود) : " خاشعة أبصارهم ". وقرأ الناس بعد: " خشعا أبصارهم "، وقد قال الشاعر: " وشباب حسن ... " البيت.]]
فوحد حَسَنا وهو صفة للأوجه، وهي جمع؛ وكما قال الآخر:
يَرْمي الفِجاجَ بِها الرُّكبانَ مُعْترِضًا ... أعْناقَ بُزَّلِها مُرْخَى لَها الجُدُلُ [[وهذا الشاهد كذلك من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة ٣١٧) على أنه إذا تقدم الفعل وشبهه قبل اسم مؤنث (جمع تكسير) مثل الأنصار والأعمار وما أشبهها جاز تأنيث الفعل وتذكيره وجمعه. وقال الفراء تعليقًا على هذا البيت: الجدل: جمع الجديل: وهو الزمام. فلو قال معترضات أو معترضة، لكان صوابا، ومرخاة ومرخيات أ. هـ.]]
فوحد معترضا، وهي من صفة الأعناق، والجمع والتأنيث فيه جائزان على ما بيَّنا.
* *
وقوله ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾
يقول تعالى ذكره: يخرجون من قبورهم كأنهم في انتشارهم وسعيهم إلى موقف الحساب جراد منتَشر.
* *
وقوله ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾
يقول: مسرعين بنظرهم قِبَلَ داعيهم إلى ذلك الموقف. وقد بيَّنا معنى الإهطاع بشواهده المغنية عن الإعادة، ونذكر بعض ما لم نذكره فيما مضى من الرواية.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن عثمان بن يسار، عن تميم بن حَذْلم قوله: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ قال: هو التحميج.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سفيان، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ قال: التحميج.
⁕ قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ قال: هكذا أبصارهم شاخصة إلى السماء.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ : أي عامدين إلى الداعي.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿مُهْطِعِينَ﴾ يقول: ناظرين.
* *
وقوله ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾
يقول تعالى ذكره: يقول الكافرون بالله يوم يدع الداعي إلى شيء نكُر: هذا يوم عسر. وإنما وصفوه بالعسر لشدة أهواله وبَلْباله.