سورة القصص، الآية 76
الجزء 20، الصفحة 394.
۞ إِنَّ قَـٰرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَءَاتَيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُۥ لَتَنُوٓأُ بِٱلْعُصْبَةِ أُو۟لِى ٱلْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُۥ قَوْمُهُۥ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ ﴿٧٦﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة القصص
تفسير الآية
التفسير الميسر
إن قارون كان من قوم موسى -عليه الصلاة والسلام- فتجاوز حدَّه في الكِبْر والتجبر عليهم، وآتينا قارون من كنوز الأموال شيئًا عظيمًا، حتى إنَّ مفاتيحَ خزائنِه لَيثقل حِمْلها على العدد الكثير من الأقوياء، إذ قال له قومه: لا تبطر فرحًا بما أنت فيه من المال، إن الله لا يحب مِن خلقه البَطِرين الذين لا يشكرون لله تعالى ما أعطاهم.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 76 إلى 82
الآية 76: يخبر تعالى عن حالة قارون وما فَعَلَ وفُعِلَ به ونُصِحَ ووُعِظَ، فقال:{إنَّ قارون كان من قوم موسى}؛ أي: من بني إسرائيل، الذين فَضَلوا العالمين وفاقوهم في زمانهم، وامتَنَّ الله عليهم بما امتنَّ به، فكانت حالُهم مناسبةً للاستقامة، ولكنَّ قارون هذا بغى على قومه، وطغى بما أوتِيَه من الأموال العظيمة المُطْغِيَة، {وآتَيۡناه من الكنوزِ}؛ أي: كنوز الأموال شيئاً كثيراً، {ما إنَّ مفاتِحَهُ لَتنوءُ بالعصبةِ أولي القوَّةِ}: والعُصبة من العشرة إلى التسعة إلى السبعة ونحو ذلك؛ أي: حتى إنَّ مفاتح خزائنِ أموالِهِ تُثْقِلُ الجماعةَ القويةَ عن حملها؛ هذه المفاتيح؛ فما ظنُّك بالخزائن؟! {إذ قال له قومُهُ}: ناصحين له محذِّرين له عن الطُّغيان: {لا تَفۡرَحۡ إن الله لا يحبُّ الفرِحينَ}؛ أي: لا تفرحْ بهذه الدُّنيا العظيمة، وتفتخرْ بها، وتلهيك عن الآخرة؛ فإنَّ الله لا يحبُّ الفرحين بها المكبِّين على محبَّتها.
الآية 77:{وابۡتَغ فيما آتاكَ الله الدارَ الآخرةَ}؛ أي: قد حصل عندك من وسائل الآخرة ما ليس عند غيرِك من الأموال، فابتغِ بها ما عندَ الله، وتصدَّقْ، ولا تقتصرْ على مجرَّدِ نيل الشهوات وتحصيل اللذَّات، {ولا تنسَ نصيبَكَ من الدُّنيا}؛ أي: لا نأمُرُك أن تتصدَّق بجميع مالِكَ وتبقى ضائعاً، بلْ أنفِقْ لآخِرَتِكَ واستمتِعْ بدُنياك استمتاعاً لا يَثْلُمُ دينَك ولا يضرُّ بآخرتك، {وأحسِنۡ}: إلى عباد الله {كما أحسنَ اللهُ}: عليك بهذه الأموال، {ولا تَبۡغِ الفسادَ في الأرض}: بالتكبُّر والعمل بمعاصي الله والاشتغال بالنِّعَم عن المنعم. {إنَّ الله لا يحبُّ المفسدينَ}: بل يعاقِبُهم على ذلك أشدَّ العقوبة.
الآية 78: فَـ {قَالَ} قارونُ رادًّا لنصيحتِهِم كافراً لنعمةِ ربِّه: {إنَّما أوتيتُهُ على علم عندي}؛ أي: إنَّما أدركتُ هذه الأموالَ بكسبي ومعرفتي بوجوه المكاسب وحِذْقي. أو: على علم من اللهِ بحالي؛ يعلمُ أنِّي أهلٌ لذلك؛ فلم تنصحوني على ما أعطاني الله؟! قال تعالى مبيِّناً أنَّ عطاءَه ليس دليلاً على حسنِ حالةِ المُعْطَى:{أوَلَمۡ يعلمۡ أنَّ الله قد أهۡلَكَ من قبلِهِ من القرونِ مَنۡ هو أشدُّ منه قوَّةً وأكثرُ جمعاً}: فما المانعُ من إهلاك قارون مع مضيِّ عادتِنا وسنَّتِنا بإهلاك مَن هُو مثلُه وأعظمُ منه إذا فَعَلَ ما يوجِب الهلاك؟! {ولا يُسۡألُ عن ذنوبِهِمُ المجرمونَ}: بل يعاقِبُهم الله ويعذِّبهم على ما يعلمُه منهم؛ فهم وإن أثْبتوا لأنفسِهِم حالةً حسنةً وشهِدوا لها بالنَّجاة؛ فليس قولُهم مقبولاً، وليس ذلك رادًّا عنهم من العذاب شيئاً؛ لأنَّ ذنوبَهم غيرُ خفيةٍ؛ فإنكارُهم لها لا محلَّ له.
الآية 79: فلم يزل قارونُ مستمرًّا على عنادِهِ وبغيِهِ وعدم قَبول نصيحةِ قومِهِ، فرحاً بطراً، قد أعجبتْه نفسُه وغرَّه ما أوتيه من الأموال، {فخرج} ذات يوم {في زينتِهِ}؛ أي: بحالةٍ أرفع ما يكونُ من أحوال دُنياه، قد كان له من الأموال ما كان، وقد استعدَّ وتجمَّل بأعظم ما يمكنه، وتلك الزينةُ في العادة من مثله تكونُ هائلةً، جمعت زينة الدُّنيا وزهرتها وبهجتها وغضارتها وفخرها، فرمقتْه في تلك الحالة العيونُ، وملأت بَزَّتُه القلوب، واختلبت زينته النفوس، فانقسم فيه الناظرون قسمين، كلٌّ تكلَّم بحسب ما عنده من الهمَّة والرغبة، فَـ {قَالَ الذين يريدونَ الحياة الدنيا}؛ أي: الذين تعلَّقَتْ إرادتُهم فيها، وصارت منتهى رغبتِهِم، ليس لهم إرادةٌ في سواها:{يا ليتَ لنا مثلَ ما أوتي قارونُ}: من الدُّنيا ومتاعها وزهرتها، {إنَّه لذو حظٍّ عظيم}: وصدقوا إنَّه لذو حظٍّ عظيم لو كان الأمر منتهياً إلى رغباتهم وإنَّه ليس وراء الدُّنيا دار أخرى؛ فإنَّه قد أُعْطِيَ منها ما به غايةُ التنعم بنعيم الدنيا، واقتدر بذلك على جميع مطالبه، فصار هذا الحظُّ العظيم بحسب هِمَّتِهم، وإنَّ هِمَّةً جعلت هذا غاية مرادها ومنتهى مطلبها؛ لمن أدنى الهمم وأسفلها وأدناها، وليس لها أدنى صعود إلى المرادات العالية والمطالب الغالية.
الآية 80:{وقال الذين أوتوا العلم}: الذين عرفوا حقائقَ الأشياء ونظروا إلى باطن الدنيا حين نظر أولئك إلى ظاهرها: {ويلَكُم}: متوجِّعين من ما تمنَّوا لأنفسهم، راثين لحالهم، منكرين لمقالهم، {ثوابُ الله}: العاجلُ من لذَّة العبادة ومحبَّته والإنابة إليه والإقبال عليه، والآجلُ من الجنَّة وما فيها ممَّا تشتهيه الأنفس وتلذُّ الأعينُ خير من هذا الذي تمنَّيْتُم ورغبتُم فيه؛ فهذه حقيقة الأمر، ولكنْ ما كلُّ مَنْ يعلم ذلك يؤثر الأعلى على الأدنى، فما يُلَقَّى ذلك ويوفَّقُ له {إلاَّ الصابِرونَ}: الذين حبسوا أنفسَهم على طاعة الله وعن معصيتِهِ وعلى أقدارِهِ المؤلمةِ وصبروا على جواذب الدُّنيا وشهواتِها أن تَشْغَلَهم عن ربِّهم وأن تحولَ بينهم وبينَ ما خُلِقوا له؛ فهؤلاء الذين يؤثرون ثوابَ الله على الدُّنيا الفانية.
الآية 81: فلما انتهت بقارونَ حالةُ البغي والفخرِ، وازَّيَّنت الدُّنيا عنده، وكَثُر بها إعجابُه؛ بَغَتَهُ العذاب، {فَخَسَفۡنا به وبدارِهِ الأرضَ}: جزاء من جنس عملِهِ؛ فكما رفع نفسه على عباد الله؛ أنزله الله أسفلَ سافلين هو وما اغترَّ به من داره وأثاثِهِ ومتاعِهِ. {فما كان له من فئةٍ}؛ أي: جماعةٍ وعصبةٍ وخدمٍ وجنودٍ، {ينصرونَه من دونِ الله وما كان من المنتصرين}؛ أي: جاءه العذاب فما نُصِرَ ولا انْتَصَرَ.
الآية 82:{وأصبح الذين تَمَنَّوا مكانه بالأمس}؛ أي: الذين يريدونَ الحياة الدنيا، الذين قالوا: يا ليت لنا مثل ما أوتي قارونُ {يقولون}: متوجِّعين ومعتَبِرين وخائفينَ من وقوع العذاب بهم: {ويكأنَّ اللهَ يَبۡسُطُ الرزقَ لِمَن يشاءُ من عبادِهِ ويقدِرُ}؛ أي: يضيِّقُ الرزق على من يشاء. فعلمنا حينئذٍ أنَّ بسطَه لقارون ليس دليلاً على خير فيه، وأنَّنا غالطون في قولنا: إنَّه لذو حظٍّ عظيم، و {لولا أن مَنَّ الله علينا}: فلم يعاقِبْنا على ما قُلْنا؛ فلولا فضلُه ومنَّتُه؛ {لخسف بنا}: فصار هلاكُ قارون عقوبةً له وعبرةً وموعظةً لغيرِهِ، حتى إنَّ الذين غبطوه سمعتَ كيف ندِموا، وتغيَّر فِكْرُهم الأول، {ويكأنَّه لا يفلحُ الكافرون}؛ أي: لا في الدنيا، ولا في الآخرة.
تفسير الجلالين
﴿إنّ قارُون كانَ مِن قَوْم مُوسى﴾ ابْن عَمّه وابْن خالَته وآمَنَ بِهِ ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ بِالكِبْرِ والعُلُوّ وكَثْرَة المال ﴿وآتَيْناهُ مِن الكُنُوز ما إنّ مَفاتِحه لَتَنُوء﴾ تَثْقُل ﴿بِالعُصْبَةِ﴾ الجَماعَة ﴿أُولِي﴾ أصْحاب ﴿القُوَّة﴾ أيْ تَثْقُلهُمْ فالباء لِلتَّعْدِيَةِ وعِدَّتهمْ قِيلَ سَبْعُونَ وقِيلَ أرْبَعُونَ وقِيلَ عَشَرَة وقِيلَ غَيْر ذَلِكَ اُذْكُرْ ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمه﴾ المُؤْمِنُونَ مِن بَنِي إسْرائِيل ﴿لا تَفْرَح﴾ بِكَثْرَةِ المال فَرَح بَطَر ﴿إنّ اللَّه لا يُحِبّ الفَرِحِينَ﴾ بِذَلِكَ
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 76 إلى 77
قَالَ الْأَعْمَشِ، عَنِ المِنْهَال بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ ، قَالَ: كَانَ ابْنَ عَمِّهِ. وَهَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعي، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، وَسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، وقَتَادَةُ، وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، وَابْنُ جُرَيْج، وَغَيْرُهُمْ: أَنَّهُ كَانَ ابْنَ عَمِّ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ [[في ت: "صلى الله عليه وسلم".]] .
قَالَ ابْنُ جُرَيْج: هُوَ قَارُونُ بْنُ يَصْهَرَ بْنِ قَاهِثَ، وَمُوسَى بْنُ عِمْرَانَ بْنِ قَاهِثَ.
وَزَعَمَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَار: أَنَّ قَارُونَ كَانَ عمَّ مُوسَى [[في ف، أ: "موسى بن عمران".]] ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ ابْنَ عَمِّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ قَتَادَةُ بْنُ دِعَامة: كُنَّا نُحدّث أَنَّهُ كَانَ ابْنَ عَمِّ مُوسَى، وَكَانَ يُسَمَّى الْمُنَوَّرَ لِحُسْنِ صَوْتِهِ بِالتَّوْرَاةِ، وَلَكِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ نَافَقَ كَمَا نَافَقَ السَّامِرِيُّ، فَأَهْلَكَهُ الْبَغْيُ لِكَثْرَةِ مَالِهِ.
وَقَالَ شَهْر بْنُ حَوْشَب: زَادَ فِي ثِيَابِهِ شِبْرًا طُولًا تَرَفُّعًا عَلَى قَوْمِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾ أَيْ: [مِنَ] [[زيادة من ت.]] الْأَمْوَالِ ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ أَيْ: لَيُثقلُ حملُها الفئامَ مِنَ النَّاسِ لِكَثْرَتِهَا.
قَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ خَيْثَمَةَ: كَانَتْ مَفَاتِيحُ كُنُوزِ قَارُونَ مِنْ جُلُودٍ، كُلُّ مِفْتَاحٍ مِثْلُ الْأُصْبُعِ، كُلُّ مِفْتَاحٍ عَلَى خِزَانَةٍ عَلَى حِدَّتِهِ، فَإِذَا رَكِبَ حُملت عَلَى سِتِّينَ بَغْلًا أَغَرَّ مُحَجَّلًا. وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ أَيْ: وَعَظَهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ صَالِحُ قَوْمِهِ، فَقَالُوا عَلَى سَبِيلِ النُّصْحِ وَالْإِرْشَادِ: لَا تَفْرَحْ بِمَا أَنْتَ فِيهِ، يَعْنُونَ: لَا تَبْطَرْ بِمَا أَنْتَ فِيهِ مِنَ الْأَمْوَالِ [[في ت، ف، أ: "المال".]] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الْمَرِحِينَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الْأَشِرِينَ الْبَطِرِينَ، الَّذِينَ لَا يَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلَى مَا أَعْطَاهُمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ أَيِ: اسْتَعْمِلْ مَا وَهَبَكَ اللَّهُ مِنْ هَذَا الْمَالِ الْجَزِيلِ وَالنِّعْمَةِ الطَّائِلَةِ، فِي طَاعَةِ رَبِّكَ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِأَنْوَاعِ الْقُرُبَاتِ، الَّتِي يَحْصُلُ لَكَ بِهَا الثَّوَابُ فِي الدار الآخرة. ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ أَيْ: مِمَّا أَبَاحَ اللَّهُ فِيهَا [[في ت، ف: "لك".]] مِنَ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَسَاكِنِ وَالْمَنَاكَحِ، فَإِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حَقًّا، وَلِزَوْرِكِ عَلَيْكَ حَقًّا، فَآتِ كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ.
﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ أَيْ: أَحْسِنْ إِلَى خَلْقِهِ كَمَا أَحْسَنَ هُوَ إِلَيْكَ ﴿وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: لَا تكنْ هِمَّتُكَ بِمَا أَنْتَ فِيهِ أَنْ تُفْسِدَ بِهِ الْأَرْضَ [[في أ: "في الأرض".]] ، وَتُسِيءَ إِلَى خَلْقِ اللَّهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ .
تفسير الطبري
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّ قَارُونَ﴾ وهو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب ﴿كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ يقول: كان من عشيرة موسى بن عمران النبيّ ﷺ، وهو ابن عمه لأبيه وأمه، وذلك أن قارون هو قارون بن يصهر بن قاهث، وموسى: هو موسى بن عمران بن قاهث، كذا نسبه ابن جُرَيج.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ قال: ابن عمه ابن أخي أبيه، فإن قارون بن يصفر، هكذا قال القاسم، وإنما هو يصهر بن قاهث، وموسى بن عومر بن قاهث، وعومر بالعربية: عمران.
وأما ابن إسحاق فإن ابن حميد حدثنا قال: ثنا سلمة عنه، أن يصهر بن قاهث تزوّج سميت [[في كتاب العرائس (قصص الأنبياء للثعلبي المفسر) سميت بنت يتادم بن بركيا بن يشعان بن إبراهيم. وفي صفحة ٢١٣ طبعة الحلبي: عن ابن إسحاق: تزوج يصهر بن قاهث "سمين بنت ماريب بن بركيا ابن يقشان بن إبراهيم" وفي أسماء العبرانيين اختلاف كثير بين العلماء.]] بنت بتاويت بن بركنا بن بقشان بن إبراهيم، فولدت له عمران بن يصهر، وقارون بن يصهر، فنكح عمران بخنت بنت شمويل بن بركنا بن بقشان بن بركنا، فولدت له هارون بن عمران، وموسى بن عمران صفي الله ونبيه؛ فموسى على ما ذكر ابن إسحاق ابن أخي قارون، وقارون هو عمه أخو أبيه لأبيه ولأمه. وأكثر أهل العلم في ذلك على ما قاله ابن جُرَيج.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن إبراهيم، في قوله: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ قال: كان ابن عمّ موسى.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن سماك بن حرب، قال: ثنا سعيد عن قَتادة ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ : كنا نحدّث أنه كان ابن عمه أخي أبيه، وكان يسمى المنوّر من حُسن صوته بالتوراة، ولكن عدوّ الله نافق، كما نافق السامري، فأهلكه البغي.
⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن سماك، عن إبراهيم ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ قال: كان ابن عمه فبغى عليه.
⁕ قال: ثنا يحيى القطان، عن سفيان، عن سماك، عن إبراهيم، قال: كان قارون ابن عمّ موسى.
⁕ قال: ثنا أبو معاوية، عن ابن أبي خالد، عن إبراهيم ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ قال: كان ابن عمه.
⁕ حدثني بشر بن هلال الصواف، قال: ثنا جعفر بن سليمان الضُّبَعِيُّ، عن مالك بن دينار، قال: بلغني أن موسى بن عمران كان ابن عمّ قارون.
* *
وقوله: ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾
يقول: فتجاوز حده في الكبر والتجبر عليهم.
وكان بعضهم يقول: كان بغيه عليهم زيادة شبر أخذها في طول ثيابه.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني علي بن سعيد الكندي وأبو السائب وابن وكيع قالوا: ثنا حفص بن غياث، عن ليث، عن شَهر بن حَوْشب: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ قال: زاد عليهم في الثياب شبرا.
وقال آخرون: كان بغيه عليهم بكثرة ماله.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قال: إنما بغى عليهم بكثرة ماله.
* *
وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾
يقول تعالى ذكره: وآتينا قارون من كنوز الأموال ما إن مفاتحه، وهي جمع مفتح، وهو الذي يفتح به الأبواب.
وقال بعضهم: عنى بالمفاتح في هذا الموضع: الخزائن لِتُثْقِل العصبة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ما قلنا في معنى مفاتح:
⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: أخبرنا الأعمش، عن خيثمة، قال: كانت مفاتح قارون تحمل على ستين بغلا كلّ مفتاح منها باب كنز معلوم مثل الأصبع من جلود.
⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، عن خيثمة، قال: كانت مفاتح كنوز قارون من جلود كل مفتاح مثل الأصبع، كل مفتاح على خزانة على حدة، فإذا ركب حملت المفاتيح على ستين بغلا أغرّ محجَّل.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن خيثمة، في قوله: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ قال: نجد مكتوبا في الإنجيل مفاتح قارون وقر ستين بغلا غرّا محجلة، ما يزيد كل مفتاح منها على أصبع، لكل مفتاح منها كنز.
⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن حميد، عن مجاهد، قال: كانت المفاتح من جلود الإبل.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ قال: مفاتح من جلود كمفاتح العيدان.
وقال قوم: عني المفاتح في هذا الموضع: خزائنه.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن أبي صالح، في قوله: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ قال: كانت خزائنه تحمل على أربعين بغلا.
⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي حجير، عن الضحاك ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ قال: أوعيته.
وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا أبو روق، عن الضحاك عن ابن عباس، في قوله: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ قال: لتثقل بالعصبة.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ يقول: تثقل. وأما العصبة فإنها الجماعة.
واختلف أهل التأويل في مبلغ عددها الذي أريد في هذا الموضع؛ فأما مبلغ عدد العصبة في كلام العرب فقد ذكرناه فيما مضى باختلاف المختلفين فيه، والرواية في ذلك، والشواهد على الصحيح من قولهم في ذلك بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع، فقال بعضهم: كانت مفاتحه تنوء بعصبة؛ مبلغ عددها أربعون رجلا.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن أبي صالح، قوله: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ قال: أربعون رجلا.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قَتادة ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ قال: ذكر لنا أن العصبة ما بين العشرة إلى الأربعين.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ يزعمون أن العصبة أربعون رجلا ينقلون مفاتحه من كثرة عددها.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ قال: أربعون رجلا.
وقال آخرون: ستون، وقال: كانت مفاتحه تحمل على ستين بغلا.
⁕ حدثنا كذلك ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، عن خيثمة.
وقال آخرون: كات تحمل على ما بين ثلاثة إلى عشرة.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جابر بن نوح، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ قال: العصبة: ثلاثة.
⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ قال: العصبة: ما بين الثلاثة إلى العشرة.
وقال آخرون: كانت تحمل ما بين عشرة إلى خمسة عشر.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ قال: العُصْبة: ما بين العشرة إلى الخمسة عشر.
⁕ حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ قال: العصبة: خمسة عشر رجلا.
* *
وقوله: ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾
يعني: أولي الشدة. وقال مجاهد في ذلك ما:-
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾ قال: خمسَة عَشَر.
فإن قال قائل: وكيف قيل: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ وكيف تنوء المفاتح بالعصبة، وإنما العصبة هي التي تنوء بها؟ قيل: اختلف في ذلك أهل العلم بكلام العرب، فقال بعض أهل البصرة: مجاز ذلك: ما إن العصبة ذوي القوّة لتنوء بمفاتح نعمه. قال: ويقال في الكلام: إنها لتنوء بها عجيزتها، وإنما هو: تنوء بعجيزتها كما ينوء البعير بحمله، قال: والعرب قد تفعل مثل هذا، قال الشاعر:
فَدَيْتُ بِنَفْسِهِ نَفْسِي وَمالي ... وَما آلُوكَ إلا ما أُطِيقُ [[البيت: من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن، (الورقة ١٨٢ ب) عن تفسير قوله تعالى: (ما إن مفاتحه لتنوء) قال: أي مفاتح خزائنه. ومجازه: ما إن العصبة ذوي القوة لتنوء بها عجيزتها، وإنما هي تنوء بعجيزتها، كما ينوء البعير بحمله. والعرب قد تفعل مثل هذا قال: "فديت بنفسه نفسي.. " البيت، والمعنى: فديت بنفسي ومال نفسه. وقوله: "وما آلوك ... " إلخ هذا التفات من الغيبة إلى الخطب. ومعناه: ما أستطيع. والعرب تقول: أتاني فلان في حاجة فما استطعت رده. وأتاني في حاجة فألوت فيها: أي اجتهدت. (اللسان: أَلا يألو) .
قلت: وجعل المؤلف البيت في القلب نظير الآية (ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة) أي ما إن العصبة أولي القوة تنوء وتعجز عن حمله، كما قال أبو عبيدة.]]
والمعنى: فديت بنفسي وبمالي نفسه.
وقال آخر:
وَتَرْكَبُ خَيْلا لا هَوَادَةَ بَيْنَها ... وَتَشْقَى الرِّمَاحُ بالضَّياطِرَةِ الحُمْرِ [[البيت لخداش بن زهير (اللسان: ضطر) والضياطرة: جمع ضيطر، كالضيطري والجمع: ضياطر وضياطرة. وهم العظماء من الرجال؛ وفي كلام علي عليه السلام: من يعذرني مع هؤلاء الضياطرة، وهم الضخام الذين لا غناء عندهم. قال في اللسان: وقول خداش بن زهير: "ونركب خيلا ... البيت": قال ابن سيده: يجوز أن يكون عنى أن الرماح تشقى بهم، أي لأنهم لا يحسنون حملها، ولا الطعن بها. (قلت: وعلى هذا التوجيه، لا شاهد في البيت) . ويجوز أن يكون على القلب، أي: تشقى الضياطرة الحمر بالرماح، يعني أنهم يقتلون بها. والهوادة: المصالحة والموادعة. قلت: وعلى التوجيه الثاني من كلام ابن سيده، يصح الاستشهاد بالبيت، لما فيه من القلب. قال أبو عبيدة: وإنما يشقى الضياطرة بالرماح. اه. قلت: وهو شاذ كالذي قبله]]
وإنما تشقى الضياطرة بالرماح. قال: والخيل ههنا: الرجال.
وقال آخر منهم: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ قال: وهذا موضع لا يكاد يبتدأ فيه "إن"، وقد قال: ﴿إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ وقوله: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ إنما العصبة تنوء بها؛ وفي الشعر:
تَنُوءُ بِها فَتُثْقِلُها عَجِيزَتُها [[لم أقف على هذا الشعر.]]
وليست العجيزة تنوء بها، ولكنها هي تنوء بالعجيزة؛ وقال الأعشى:
ما كُنْتَ في الحَرْبِ العَوَانِ مُغَمَّرًا ... إذْ شَبَّ حَرُّ وَقُودِها أجْذَالَها [[البيت لأعشى بني قيس بن ثعلبة (ديوانه طبع القاهرة بشرح الدكتور محمد حسين ص٣١) وهو من قصيدة يمدح بها قيس بن معد يكرب. والحرب العوان: التي قوتل فيها مرة ثانية بعد الأولى، كأنهم جعلوا الأولى بكرًا. والمغمر: الذي لم يجرب الأمور.
وشب النار: أوقدها. والأجذال: جمع جذلى (بكسر الجيم وسكون الذال) وهو ما عظم من أصول الشجر المقطع، يجعل حطبًا ووقودًا للنار. والبيت خطاب للممدوح يقول له الشاعر: أقسم بمن جعل الشهور علامة ومواقيت للناس (في البيت الذي قبل البيت) أنك لم تكن في الحرب الشديدة جاهلا بإرادتها على الأعداء حين أوقد حرها الأجذال والحطب. وقد جعل الشاعر الحر هو الذي أوقد الأجذال. وفي هذا قلب للمعنى، والأصل: إذا شبت الأجذال حر الحرب. وعلى هذا القلب استشهد به المؤلف، وهو كالشاهدين قبله.]] وكان بعض أهل العربية من الكوفيين يُنكر هذا الذي قاله هذا القائل، وابتداء إن بعد ما، ويقول: ذلك جائز مع ما ومن، وهو مع ما ومَنْ أجود منه مع الذي، لأن الذي لا يعمل في صلته، ولا تعمل صلته فيه، فلذلك جاز، وصارت الجملة عائد "ما"، إذ كانت لا تعمل في "ما"، ولا تعمل "ما" فيها؛ قال: وحسن مع "ما" و "من"، لأنهما يكونان بتأويل النكرة إن شئت، والمعرفة إن شئت، فتقول: ضربت رجلا ليقومن، وضربت رجلا إنه لمحسن، فتكون "من" و"ما" تأويل هذا، ومع "الذي" أقبح، لأنه لا يكون بتأويل النكرة.
وقال آخر منهم في قوله: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ : نَوْءُها بالعصبة: أن تُثْقلهم؛ وقال: المعنى: إن مفاتحه لَتُنِيءُ العصبة: تميلهن من ثقلها، فإذا أدخلت الباء قلت: تنوء بهم، كما قال: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ قال والمعنى: ائتوني بقطر أفرغ عليه؛ فإذا حذفت الباء، زدت على الفعل ألفا في أوله؛ ومثله: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ معناه: فجاء بها المخاض؛ وقال: قد قال رجل من أهل العربية: ما إن العصبة تنوء بمفاتحه، فحوّل الفعل إلى المفاتح، كما قال الشاعر:
إنَّ سِرَاجًا لَكَرِيمٌ مَفْخَرُه ... تَحْلَى بهِ العَيْنُ إذَا مَا تَجْهَرُهْ [[البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (مصورة الجامعة الورقة ٢٤٢) وقد تقدم الاستشهاد به في (٣: ٣١٢) من هذا التفسير، على مثل ما استشهد به هنا، مع أبيات أخر. وقلنا في تفسيره هناك: جهرت فلانًا العين تجهره: نظرت إليه فرأته عظيمًا، فحلى هو فيها. هذا هو أصل المعنى، ولكن الشاعر قلب المعنى. فجعل العين تحلى بالمرئي إذا رأته، فهو كالشاهدين اللذين قبله. وقال الفراء في معاني القرآن (مصورة الجامعة ٢٤٠٥٩) في التعليق على قول الله تعالى: (ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة) : ونوءها بالعصبة أن تثقلهم. والعصبة هاهنا: أربعون رجلا. ومفاتحه: خزائنه. والمعنى: ما إن مفاتحه لتنيء العصبة أي تميلهم من ثقلها؛ فإذا دخلت الباء قلت: تنوء بهم كما قال: (آتوني أفرغ عليه قطرًا) والمعنى: ائتوني بقطر أفرغ عليه. فإذا حذفت الباء رددت في الفعل ألفًا في أوله. ومثله: (فأجاءها المخاض) . معناه: فجاء بها المخاض. وقد قال رجل من أهل العربية: إن المعنى: ما إن العصبة لتنوء بمفاتحه فحول الفعل إلى المفاتح، كما قال الشاعر: "إن سراجًا ... " البيت، وهو الذي يحلى بالعين. فإذا كان سمع بهذا أثرًا، فهو وجه، وإلا فإن الرجل جهل المعنى. اه.]]
وهو الذي يحلى بالعين، قال: فإن كان سمع أثرًا بهذا، فهو وجه، وإلا فإن الرجل جهل المعنى، قال: وأنشدني بعض العرب:
حتى إذَا ما الْتَأَمَتْ مَوَاصِلُهْ ... ونَاءَ في شقّ الشَّمالِ كَاهِلُهْ [[البيتان مما أنشده بعض العرب، الفراء (انظر معاني القرآن له ص ٢٤٢، واللسان: ناء) قال الفراء بعد الذي نقلناه من قوله في الشاهد السابق: ولقد أنشدني بعض العرب: حتى إذا ما التأمت مواصله ... وناء في شق الشمال كاهله
يعني: الرامي لما أخذ القوس ونزع، مال على شقه، فذلك نوءه عليها. ونرى أن قول العرب: "ما ساءك وناءك" من ذلك، ومعناه: ساءك وأناءك، إلا أنه ألقى الألف، لأنه متبع لساءك، كما قالت العرب: أكلت طعامًا، فهنأني ومرأني. ومعناه إذا أفردت: وأمرأني فحذفت منه الألف، لما أن أتبع ما لا ألف فيه.]]
يعني: الرامي لما أخذ القوس، ونزع مال عليها. قال: ونرى أن قول العرب: ما ساءك، وناءك من ذلك، ومعناه: ما ساءك وأناءك من ذلك، إلا أنه ألقى الألف لأنه متبع لساءك، كما قالت العرب: أكلت طعاما فهنأني ومرأني، ومعناه: إذا أفردت وأمرأني؛ فحذفت منه الألف لما أتبع ما ليس فيه ألف.
وهذا القول الآخر في تأويل قوله: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ أولى بالصواب من الأقوال الأخر، لمعنيين: أحدهما: أنه تأويل موافق لظاهر التنزيل. والثاني: أن الآثار التي ذكرنا عن أهل التأويل بنحو هذا المعنى جاءت، وإن قول من قال: معنى ذلك: ما إن العصبة لتنوء بمفاتحه، إنما هو توجيه منهم إلى أن معناه: ما إن العصبة لتنهض بمفاتحه؛ وإذا وجه إلى ذلك لم يكن فيه من الدلالة على أنه أريد به الخبر عن كثرة كنوزه، على نحو ما فيه، إذا وجه إلى أن معناه: إن مفاتحه تثقل العصبة وتميلها، لأنه قد تنهض العصبة بالقليل من المفاتح وبالكثير. وإنما قصد جلّ ثناؤه الخبر عن كثرة ذلك، وإذا أريد به الخبر عن كثرته، كان لا شكّ أن الذي قاله مَن ذكرنا قوله، من أن معناه: لتنوء العصبة بمفاتحه، قول لا معنى له، هذا مع خلافه تأويل السلف في ذلك.
* *
وقوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾
يقول: إذ قال قومه: لا تبغ ولا تَبْطَر فرحا، إن الله لا يحبّ من خلقه الأشِرِين البَطِرين.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ يقول: المرحين.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، في قوله: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ قال: المُتبذِّخين الأشِرين البَطِرين، الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم.
⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن جابر، قال: سمعت مجاهدا يقول في هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ قال: الأشِرين البَطِرين البَذِخين.
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا العوام، عن مجاهد، في قوله: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ قال: يعني به البغي.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ قال: المتبذخين الأشرين، الذين لا يشكرون الله فيما أعطاهم.
⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله؛ إلا أنه قال: المتبذخين.
⁕ حدثنا محمد بن عبد الله المخرمي، قال: ثني شبابة، قال ثني ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ قال: الأشرين البطرين.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتاده، إذ قال له قومه ﴿لا تَفْرَحْ﴾ : أي لا تمرح ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ : أي إن الله لا يحب المرحين.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريح، عن مجاهد ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ قال: الأشرين البطرين، الذين لا يشكرون الله فيما أعطاهم.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا العوام، عن مجاهد، في قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ قال: هو فرح البَغْي.