سورة القرآن surah-quran.com

سورة الواقعة

سورة الواقعة، الآية 4

الجزء 27، الصفحة 534.

إِذَا رُجَّتِ ٱلْأَرْضُ رَجًّا ﴿٤﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

يشمل هذا التفسير الآيات 4 إلى 6

إذا حُرِّكت الأرض تحريكًا شديدًا، وفُتِّتت الجبال تفتيتًا دقيقًا، فصارت غبارًا متطايرًا في الجو قد ذَرَتْه الريح.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 26

وهي مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

{1 ـ 3} يخبر تعالى بحال الواقعة التي لا بدَّ من وقوعها، وهي القيامة، التي {ليس لوقعتها كاذِبةٌ}؛ أي: لا شكَّ فيها؛ لأنَّها قد تظاهرت عليها الأدلَّة العقليَّة والسمعيَّة، ودلَّت عليها حكمته تعالى {خافضةٌ رافعةٌ}؛ أي: خافضةٌ لأناس في أسفل سافلين، رافعةٌ لأناس في أعلى عليين، أو: خفضت بصوتها فأسمعت القريب، ورفعتْ فأسمعتِ البعيد.

{4 ـ 6}{إذا رُجَّتِ الأرضُ رجًّا}؛ أي: حُركت واضطربتْ، {وبُسَّتِ الجبالُ بَسًّا}؛ أي: فتت، {فكانت هباءً منبثًّا}: فأصبحت ليس عليها جبلٌ ولا مَعْلمٌ، قاعاً صفصفاً، لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً.

{7 ـ 9}{وكنتم}: أيُّها الخلق، {أزواجاً ثلاثةً}؛ أي: انقسمتم ثلاث فرق بحسب أعمالكم الحسنة والسيئة. ثم فصَّل أحوال الأزواج الثلاثة، فقال:{فأصحابُ الميمنةِ ما أصحابُ الميمنةِ}: تعظيمٌ لشأنهم وتفخيمٌ لأحوالهم، {وأصحابُ المشأمة}؛ أي: الشمال، {ما أصحابُ المشأمة}: تهويلٌ لحالهم.

{10 ـ 14}{والسابقون السابقون. أولئك المقرَّبون}؛ أي: السابقون في الدنيا إلى الخيرات هم السابقون في الآخرة لدخول الجنات، أولئك الذين هذا وصفهم المقرَّبون عند الله {في جنات النعيم}: في أعلى علِّيين، في المنازل العاليات التي لا منزلة فوقها، وهؤلاء المذكورون {ثُلَّةٌ من الأوَّلين}؛ أي: جماعة كثيرون من المتقدِّمين من هذه الأمة وغيرهم. {وقليلٌ من الآخِرينَ}: وهذا يدلُّ على فضل صدر هذه الأمَّة في الجملة على متأخِّريها ؛ لكون المقرَّبين من الأولين أكثر من المتأخرين، والمقرَّبون هم خواصُّ الخلق.

{15 ـ 16}{على سررٍ موضونةٍ}؛ أي: مرمولةٍ بالذهب والفضة واللؤلؤ والجوهر وغير ذلك من الحليِّ والزينة التي لا يعلمها إلاَّ الله تعالى، {متكئين عليها}؛ أي: على تلك السرر، جلوس تمكُّن وطمأنينةٍ وراحةٍ واستقرارٍ، {متقابلين}: وجه كلٍّ منهم إلى وجه صاحبه؛ من صفاء قلوبهم وتقابلها بالمحبة وحسن أدبهم.

{17 ـ 19}{يطوفُ عليهم ولدانٌ مخلَّدونَ}؛ أي: يدور على أهل الجنة لخدمتهم وقضاء حوائجهم ولدانٌ صغارُ الأسنانِ في غاية الحسن والبهاء. {كأنَّهم لؤلؤٌ مكنونٌ}؛ أي: مستورٌ لا يناله ما يغيِّره، مخلوقون للبقاء والخلد؛ لا يهرمون ولا يتغيَّرون ولا يزيدون على أسنانهم، ويدورون عليهم بآنية شرابهم؛ {بأكوابٍ}: وهي التي لا عُرى لها، {وأباريقَ}: الأواني التي لها عرى، {وكأسٍ من مَعينٍ}؛ أي: من خمرٍ لذيذِ المشربِ لا آفة فيه، {لا يُصَدَّعونَ عنها}؛ أي: لا تصدِّعهم رؤوسُهم كما تصدِّعُ خمرة الدُّنيا رأس شاربها، ولا هم عنها {يُنزِفونَ}؛ أي: لا تُنْزَفُ عقولهم ولا تذهب أحلامُهم منها كما يكون لخمر الدنيا. والحاصلُ أنَّ كلَّ ما في الجنة من [أنواع] النعيم الموجود جنسه في الدُّنيا لا يوجد في الجنة فيه آفةٌ؛ كما قال تعالى:{فيها أنهارٌ من ماءٍ غير آسنٍ وأنهارٌ من لبنٍ لم يتغيَّرۡ طعمُه وأنهارٌ من خمرٍ لَذَّةٍ للشاربين وأنهارٌ من عسل مُصَفًّى}، وذكر هنا خمر الجنَّة، ونفى عنه كلَّ آفة توجد في الدُّنيا.

الآية 20:{وفاكهةٍ مما يتخيَّرون}؛ أي: مهما تخيَّروا وراق في أعينهم واشتهته نفوسُهم من أنواع الفواكه الشهيَّة والجنى اللذيذة؛ حَصَلَ لهم على أكمل وجهٍ وأحسنه.

الآية 21:{ولحم طيرٍ ممَّا يشتهون}؛ أي: من كلِّ صنف من الطيور يشتهونه، ومن أيِّ جنس من لحمه أرادوا؛ إن شاؤوا مشويًّا أو طبيخاً أو غير ذلك.

{22 ـ 23}{وحورٌ عينٌ كأمثال اللؤلؤ المكنون}؛ أي: ولهم حور عين، والحوراء: التي في عينها كحلٌ وملاحةٌ وحسنٌ وبهاءٌ، والعِينُ حسانُ الأعين ضخامها ، وحسنُ عين الأنثى ، من أعظم الأدلَّة على حسنها وجمالها. {كأمثال اللُّؤلؤ المكنونِ}؛ أي: كأنَّهن اللؤلؤ [الأبيض] الرطبُ الصافي البهيُّ المستور عن الأعين والريح والشمس، الذي يكون لونُه من أحسن الألوان، الذي لا عيب فيه بوجهٍ من الوجوه؛ فكذلك الحور العين، لا عيبَ فيهنَّ بوجهٍ، بل هنَّ كاملاتُ الأوصاف جميلاتُ النُّعوت؛ فكلُّ ما تأمَّلته منها؛ لم تجدْ فيه إلاَّ ما يسرُّ القلب ويروق الناظر.

الآية 24: وذلك النعيم المعدُّ لهم {جزاءً بما كانوا يعملون}؛ فكما حَسُنَتْ منهم الأعمال؛ أحسن الله لهم الجزاء، ووفَّر لهم الفوز والنعيم.

{25 ـ 26}{لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً}؛ أي: لا يسمعون في جنَّاتِ النعيم كلاماً يُلغي، ولا يكون فيه فائدةً ولا كلاماً يؤثم صاحبه {إلاَّ قيلاً سلاماً سلاماً}؛ أي: إلاَّ كلاماً طيباً، وذلك لأنَّها دار الطيبين، ولا يكون فيها إلاَّ كلُّ طيبٍ، وهذا دليلٌ على حسن أدب أهل الجنَّة في خطابهم فيما بينهم، وأنه أطيبُ كلام وأسرُّه للقلوب وأسلمه من كلِّ لغوٍ وإثم، نسأل الله من فضله.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿إذا رُجَّتْ الأَرْض رَجًّا﴾ حُرِّكَتْ حَرَكَة شَدِيدَة وإذا هَذِهِ بَدَل مِن الأُولى

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 12

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ

وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.

قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ شبتَ؟ قَالَ: "شيَّبتني هُودٌ، وَالْوَاقِعَةُ، وَالْمُرْسَلَاتُ، وعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ".

رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٧) .]]

وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِسَنَدِهِ إِلَى عَمْرِو بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ طَارِقٍ الْمِصْرِيِّ: حَدَّثَنَا السُّرِّي بْنُ يَحْيَى الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ أَبِي شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي ظَبْيَةَ قَالَ: مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ مَرَضَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَعَادَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَقَالَ: مَا تَشْتَكِي؟ قَالَ: ذُنُوبِي. قَالَ: فَمَا تَشْتَهِي؟ قَالَ: رَحْمَةَ رَبِّي. قَالَ أَلَا آمُرُ لَكَ بِطَبِيبٍ؟ قَالَ: الطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي. قَالَ: أَلَا آمُرُ لَكَ بِعَطَاءٍ؟ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. قَالَ: يَكُونُ لِبَنَاتِكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: أَتَخْشَى عَلَى بَنَاتِي الْفَقْرَ؟ إِنِّي أَمَرْتُ بَنَاتِي يَقْرَأْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". [[تاريخ دمشق (ق ٢٩٤) "مصورة معهد المخطوطات" ورواه ابن عبد البر في التمهيد (٥/٢٦٩) من طريق حبشي بن عمرو بن الربيع، عن أبيه عمرو بن الربيع المصري به.]] .

ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: كَذَا قَالَ وَالصَّوَابُ: عَنْ "شُجَاعٍ"، كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنِ السُّرِّي. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي السُّرِّي بْنُ يَحْيَى أَنَّ شُجَاعًا حَدَّثه، عَنْ أَبِي ظَبْيَة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". فَكَانَ أَبُو ظَبْيَةَ لَا يَدَعُهَا [[ورواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/١١٢) من طريق خالد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ بِهِ.]] .

وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُنِيب، عَنِ السُّرِّي بْنِ يَحْيَى، عَنْ شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي ظَبْيَة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِهِ. ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُنِيب الْعَدَنِيِّ، عَنِ السُّرِّي بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي ظَبْيَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". لَمْ يَذْكُرْ فِي سَنَدِهِ "شُجَاعًا" [[وَرَوَاهُ عن أبي يعلى أبو بكر بن السني في عمل اليوم والليلة برقم (٦٧٤) .]] . قَالَ: وَقَدْ أَمَرْتُ بَنَاتِي أَنْ يَقْرَأْنَهَا كُلَّ لَيْلَةٍ.

وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ نُصَيْرٍ وَعُثْمَانَ بْنِ الْيَمَانِ، عَنِ السَّرِيِّ بْنِ يَحْيَى، عَنْ شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي فَاطِمَةَ قَالَ: مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ، فَأَتَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَعُودُهُ، فذكر الحديث بِطُولِهِ. قَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْيَمَانِ: كَانَ أَبُو فَاطِمَةَ هَذَا مَوْلًى لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [[تاريخ دمشق (ق ٢٩٤) "مصورة معهد المخطوطات" وكذا رواه حجاج بن المنهال عن السري بن يحيى فقال: عن أبي فاطمة: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٢٤٩٨) وقد أعمل الزيلعي رحمه الله هذا الحديث بأربع علل تلاجح بعدها ضعفه: الأولى: الانقطاع كما ذكره الدارقطني وابن أبي حاتم في علله نقلا عن أبيه. الثانية: نكارة متنه قاله الإمام أحمد. الثالثة: ضعف رواته: السري بن يحيى وشجاع كما ذكره ابن الجوزي. الرابعة: الاضطراب فمنهم من يقول: أبو طيبة بالطاء المهملة ومنهم من يقول: أبو ظبية بالظاء المعجمة. ومنهم من يقول: أبو فاطمة ومنهم من يقول: شجاع ومنهم من يقول: أبو شجاع وقد اجتمع على ضعفه: الإمام أحمد وأبو حاتم وابنه والدارقطني والبيهقي وابن الجوزي تلويحا وتصريحا والله أعلم.]] .

وَقَالَ [الْإِمَامُ] [[زيادة من م.]] أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْبٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ سَمُرَة يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ كَنَحْوٍ مِنْ صَلَاتِكُمُ الَّتِي تُصَلُّونَ الْيَوْمَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُخَفِّفُ. كَانَتْ صَلَاتُهُ أَخَفَّ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ "الْوَاقِعَةَ" وَنَحْوَهَا مِنَ السُّوَرِ [[المسند (٥/١٠٤) .]] .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

* *

الْوَاقِعَةُ: مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَحَقُّقِ كَوْنِهَا وَوُجُودِهَا، كَمَا قَالَ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٥]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ أَيْ: لَيْسَ لِوُقُوعِهَا إِذَا أَرَادَ اللَّهُ كَوْنَهَا صَارِفٌ يَصْرِفُهَا، وَلَا دَافِعٌ يَدْفَعُهَا، كَمَا قَالَ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الشُّورَى:٤٧] ، وَقَالَ: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ. لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [الْمَعَارِجِ:١، ٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٧٣] .

وَمَعْنَى ﴿كَاذِبَة﴾ -كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ-: لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَيْسَ فِيهَا مثنوية ولا ارْتِدَادٌ وَلَا رَجْعَةٌ.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْكَاذِبَةُ: مَصْدَرٌ كَالْعَاقِبَةِ وَالْعَافِيَةِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ أَيْ: تَحْفُضُ [[في م: "تخفض".]] أَقْوَامًا إِلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ إِلَى الْجَحِيمِ، وَإِنْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا أَعِزَّاءَ. وَتَرْفَعُ آخَرِينَ إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ، إِلَى النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَإِنْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا وُضَعَاءَ. وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمَا.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُصْعَبٍ الْمَعْنَى، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ، عَنِ أَبِيهِ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ تَخْفِضُ أُنَاسًا وَتَرْفَعُ آخَرِينَ.

وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] الْعَتَكِيُّ، عَنْ عثمان بن سراقة، ابن خالة عمر بن الْخَطَّابِ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [قَالَ [[زيادة من م.]] ] : السَّاعَةُ خَفَضَتْ أَعْدَاءَ اللَّهِ إِلَى النَّارِ، وَرَفَعَتْ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ إِلَى الْجَنَّةِ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: تَخْفِضُ رِجَالًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُرْتَفِعِينَ، وَتَرْفَعُ رِجَالًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مَخْفُوضِينَ.

وَقَالَ السُّدِّيّ: خَفَضَتِ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَرَفَعَتِ الْمُتَوَاضِعِينَ.

وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ أَسْمَعَتِ الْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: خَفَضَتْ فَأَسْمَعَتِ الْأَدْنَى، وَرَفَعَتْ فَأَسْمَعَتِ الْأَقْصَى. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ أَيْ: حُرِّكَتْ تَحْرِيكًا فَاهْتَزَّتْ وَاضْطَرَبَتْ بِطُولِهَا وَعَرْضِهَا. وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ أَيْ: زُلْزِلَتْ زِلْزَالًا [شَدِيدًا] [[زيادة من م.]] .

وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: تُرَجُّ بِمَا فِيهَا كَرَجِّ الْغِرْبَالِ بِمَا فِيهِ.

وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الْحَجِّ: ١] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ أَيْ: فُتِّتَتْ فَتًّا [[في م: "تفتيتا".]] . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ.

وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: صَارَتِ الْجِبَالُ كَمَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى: ﴿كَثِيبًا مَهِيلا﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ١٤] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾

كرهَج الْغُبَارِ يَسْطَعُ ثُمَّ يَذْهَبُ، فَلَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ.

وَقَالَ العَوْفِيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ : الْهَبَاءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النَّارِ، إِذَا اضْطَرَمَتْ [[في م: "اضطربت".]] يَطِيرُ مِنْهُ الشَّرَرُ، فَإِذَا وَقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا.

وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْمُنْبَثُّ: الَّذِي ذَرَّتْهُ الرِّيحُ وَبَثَّتْهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كَيَبِيسِ الشَّجَرِ الَّذِي تَذْرُوهُ [[في م: "تذراه".]] الرِّيَاحُ.

وَهَذِهِ الْآيَةُ كَأَخَوَاتِهَا الدَّالَةِ عَلَى زَوَالِ الْجِبَالِ عَنْ أَمَاكِنِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَذَهَابِهَا وَتَسْيِيرِهَا وَنَسْفِهَا -أَيْ قَلْعِهَا-وَصَيْرُورَتِهَا كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ أَيْ: يَنْقَسِمُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: قَوْمٌ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ، وَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ شِقِّ آدَمَ الْأَيْمَنِ، وَيُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ. قَالَ السُّدِّيّ: وَهُمْ جُمْهُورُ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَآخَرُونَ عَنْ يَسَارِ الْعَرْشِ، وَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ شِقِّ آدَمَ الْأَيْسَرِ، وَيُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِشَمَائِلِهِمْ، وَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، وَهُمْ عَامَّةُ أَهْلِ النَّارِ -عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ صَنِيعِهِمْ-وَطَائِفَةٌ سَابِقُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُمْ أَخَصُّ وَأَحْظَى وَأَقْرَبُ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ الَّذِينَ هُمْ سَادَتُهُمْ، فِيهِمُ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ، وَهُمْ أَقَلُّ عَدَدًا مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ وَهَكَذَا قَسَّمَهُمْ إِلَى هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فِي آخِرِ السُّورَةِ وَقْتَ احْتِضَارِهِمْ، وَهَكَذَا ذَكَرَهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ [فَاطِرٍ:٣٢] ، وَذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الظَّالِمِ لِنَفْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.

قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قَالَ: هِيَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ .

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَذِهِ الْأَزْوَاجُ الثَّلَاثَةُ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي آخِرِ السُّورَةِ وَفِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ.

وَقَالَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قَالَ: أَصْنَافًا ثَلَاثَةً.

وَقَالَ [[في أ: "عن".]] مُجَاهِدٌ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ [قَالَ] [[زيادة من م.]] : يَعْنِي: فِرَقًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْران: أَفْوَاجًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ عُبَيد اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] العتكي، عن عثمان بن سراقة ابن خالة عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ اثْنَانِ في الجنة، وواحد في النار.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ سِمَاك، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٧] قَالَ: الضُّرَبَاءُ، كُلُّ رَجُلٍ مِنْ قَوْمٍ كَانُوا يَعْمَلُونَ عَمَلَهُ، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً. فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ قَالَ: هُمُ الضُّرَبَاءُ [[سيأتي تخريج الحديث عند الآية: ٧ من سورة التكوير.]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ الْغَنَوِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلَا [[في أ: "قرأ".]] هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [[في م، أ: "وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين".]] ، ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [[في م، أ: "وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال".]] فَقَبَضَ بِيَدِهِ قَبْضَتَيْنِ فَقَالَ: "هَذِهِ لِلْجَنَّةِ [[في م، أ: "هذه في الجنة".]] وَلَا أُبَالِي، وَهَذِهِ لِلنَّارِ [[في م، أ: "وهذه في النار".]] وَلَا أُبَالِي" [[المسند (٥/٢٣٩) والحسن لم يسمع من معاذ.]] .

وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، أنه قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَنِ السَّابِقُونَ إِلَى ظِلِّ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "الَّذِينَ إِذَا أُعْطُوا الْحَقَّ قَبِلُوهُ، وَإِذَا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وَحَكَمُوا لِلنَّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ" [[المسند (٦/٦٧) .]] .

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَأَبُو حَرْزَةَ يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ : هُمُ الْأَنْبِيَاءُ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَقَالَ السُّدِّيّ: هُمْ أَهْلُ عِلِّيِّينَ. وَقَالَ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ ، قَالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، سَبَقَ إِلَى مُوسَى، وَمُؤْمِنُ آلِ "يس"، سَبَقَ إِلَى عِيسَى، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، سَبَقَ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الْفَلَّاسُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَائِنِيِّ الْبَزَّازِ، عَنْ شُعَيْب بْنِ الضَّحَّاكِ الْمَدَائِنِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح بِهِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَذَكَرَ مُحَمَّدُ [[في أ: "وذكر عن محمد".]] بْنُ أَبِي حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ خَارِجَةَ، عَنْ قُرَّة، َ عَنِ ابْنِ سِيرين: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ الَّذِينَ صَلَّوْا لِلْقِبْلَتَيْنِ.

وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير".]] مِنْ حَدِيثِ خَارِجَةَ، بِهِ.

وَقَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ أَيْ: مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ.

وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ: أَوَّلُهُمْ رَوَاحًا إِلَى الْمَسْجِدِ، وَأَوَّلُهُمْ خُرُوجًا فِي سَبِيلِ الله.

وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالسَّابِقِينَ هُمُ الْمُبَادِرُونَ إِلَى فِعْلِ الْخَيِّرَاتِ كَمَا أُمِرُوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٣] ، وَقَالَ: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ [الْحَدِيدِ: ٢٢] ، فَمَنْ سَابَقَ إِلَى هَذِهِ الدُّنْيَا وَسَبَقَ إِلَى الْخَيْرِ، كَانَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْكَرَامَةِ، فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، وَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا الْقَزَّازُ [[في أ: "الفزاري".]] الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا خَارِجَةُ بْنُ مُصعَب، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ، جَعَلْتَ لِبَنِي آدَمَ الدُّنْيَا فَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ، فَاجْعَلْ لَنَا الْآخِرَةَ. فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ. فَرَاجَعُوا ثَلَاثًا، فَقَالَ: لَا أَجْعَلُ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ، فَكَانَ. ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ .

وَقَدْ رَوَى هَذَا الْأَثَرَ الْإِمَامُ عُثْمَانُ [[في أ: "عمر".]] بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِهِ: "الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ"، وَلَفْظُهُ: فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "لَنْ أَجْعَلُ صَالِحَ ذُرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي، كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ فَكَانَ" [[وقد رواه عثمان بن سعيد الدارمي فرفعه كما في البداية والنهاية (١/٥٥) للمؤلف وقال: "وهو أصح" وله شاهد من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/٤٨) وقال: "هذا حديث لا يصح".]] .

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 6

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) ﴾

يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ : إذا نزلت صيحة القيامة، وذلك حين يُنفخ في الصور لقيام الساعة.

كما:-

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ يعني: الصيحة.

⁕ حدثنا عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ الواقعة والطامة والصاخة، ونحو هذا من أسماء القيامة، عظَّمه الله، وحذره عباده.

* *

وقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾

يقول تعالى: ليس لوقعة الواقعة تكذيب ولا مردودية ولا مثنوية، والكاذبة في هذا الموضع مصدر، مثل العاقبة والعافية.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ : أي ليس لها مثنوية، ولا رجعة، ولا ارتداد.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر؛ عن قتادة، في قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ قال: مثنوية.

* *

وقوله: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾

يقول تعالى ذكره: الواقعة حينئذ خافضة، أقواما كانوا في الدنيا، أعزّاء إلى نار الله.

* *

وقوله: ﴿رَافِعَةٌ﴾

يقول: رفعت أقواما كانوا في الدنيا وُضعَاء إلى رحمة الله وجنته. وقيل: خفضت فأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعت الأقصى.

ذكر من قال في ذلك ما قلنا:

⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد الله، يعني العَتَكِيّ، عن عثمان بن عبد الله بن سُراقة ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ قال: الساعة خفضت أعداء الله إلى النار، ورفعت أولياء الله إلى الجنة.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ يقول: تخللت كلّ سهل وجبل، حتى أسمعت القريب والبعيد، ثم رفعت أقواما في كرامة الله، وخفضت أقواما في عذاب الله.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ وقال: أسمعت القريب والبعيد، خافضة أقواما إلى عذاب الله، ورافعة أقواما إلى كرامة الله.

⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرمة، قوله: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ قال: خفضت وأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعت الأقصى؛ قال: فكان القريب والبعيد من الله سواء.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ قال: سمَّعت القريب والبعيد.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ خفضت فأسمعت الأدنى ورفعت فأسمعت الأقصى، فكان فيها القريب والبعيد سواء.

* *

وقوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾

يقول تعالى ذكره: إذا زلزلت الأرض فحرّكت تحريكا من قولهم السهم يرتجّ في الغرض، بمعنى: يهتزّ ويضطرب.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ يقول: زلزلها.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قول الله ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ قال: زلزلت.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ يقول: زلزلت زلزلة.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ قال: زلزلت زلزالا.

* *

وقوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾

يقول تعالى ذكره: فتتت الجبال فتا، فصارت كالدقيق المبسوس، وهو المبلول، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾ والبسيسة عند العرب: الدقيق والسويق تلتّ وتتخذ زادا.

وذُكر عن لصّ من غطفان أنه أراد أن يخبز، فخاف أن يعجل عن الخبز قبل الدقيق وأكله عجينا، وقال:

لا تَخْبِزَا خَبْزًا وبُسَّا بَسَّا مَلْسا بِذَوْدِ الحَلَسِيّ مَلْسا [[هذا الشاهد من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن (الورقة ١٧٤ - ب) عند قوله تعالى: (وبست الجبال بسا) قال: مجازها كمجاز السويق المبسوس، أي المبلول والعجين. قال لص من غطفان وأراد أن يخبز، فخاف أن يعجل عن الخبز قبل الدقيق، فأكله عجينا، فقال: " لا تخبزا خبزا وبسا بسا ". اهـ. وفي (اللسان: ملس) : والملس: السوق الشديد. وفي بس: وقال ثعلب: معنى: وبست الجبال بسا: خلطت بالتراب. وقال بعضهم:فتت، وقال بعضهم: سويت. اهـ. ولم يورد أبو عبيدة البيت الثاني وأنشد صاحب اللسان البيت الأول، وجاء بعده ببيت آخر، وهو: * ولا تطيلا بمناخ حيسا *

وأنشد في "ملس" البيت الثاني قال: والملس: السوق الشديد. يقال ملست بالإِبل أملس (من باب قتل) ملسا: إذا سقتها سوقا في خفية، قال الراجز: * ملسا يذود الحلسي ملسا *

وقال ابن الأعرابي الملس: ضرب من السير الرقيق. والملس: اللين من كل شيء. اهـ.

وأنشده الفراء في معاني القرآن البيتين كرواية المؤلف. وقال (الورقة ٣٢٢) : " وبست الجبال بسا ": صارت كالدقيق، وذلك قوله " وسيرت الجبال ". وسمعت العرب تنشد: "لا تخبزا خبزا ... البيتين ". والبسيسة عندهم: الدقيق أو السويق، يليت ويتخذ زادا. اهـ. وفي النوادر لأبي زيد (بيروت ١١) : مَلْسا بِذَوْدِ الحُمَسِيَّ مَلْسا ... مِنْ غَنْوَةٍ حتى كَانَّ الشَّمْسا

بالأُفُقِ الغَرْبِيّ تُطْلَى وَرْسَا *

قال أبو زيد: الملس: السير الشديد. قال أبو حاتم: وأقول أنا لا عن أبي زيد: الملس السير السريع السهل. وقوله " تطلى ورسا قد اصفرت للغروب ". اهـ.]] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ يقول: فتتت فتا.

⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ قال: فتتت.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ قال: كما يبس السويق.

⁕ حدثني أحمد بن عمرو البصري، قال: ثنا حفص بن عمر العدني، عن الحكم بن أبان، عن عكرِمة ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ قال: فُتَّتْ فتا.

⁕ حدثني إسماعيل بن موسى ابن بنت السديّ، قال: أخبرنا بشر بن الحكم الأحمسيّ، عن سعيد بن الصلت، عن إسماعيل السديّ وأبي صالح ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ قال: فُتِّتت فتا.

⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ قال: كما يبس السويق.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قول الله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ قال: صارت كثيبا مهيلا كما قال الله.

⁕ حدثنا ابن حُميَد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ قال: فُتتت فتا.

* *

وقوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾

اختلف أهل التأويل في معنى الهباء، فقال بعضهم: هو شعاع الشمس، الذي يدخل من الكوة كهيئة الغبار.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ يقول: شعاع الشمس.

⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ قال: شعاع الشمس حين يدخل من الكوّة.

⁕ قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ قال: شعاع الشمس يدخل من الكوّة، وليس بشيء.

وقال آخرون: هو رهج الدوابّ.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ رضي الله عنه قال: رهج الدوابّ.

وقال آخرون: هو ما تطاير من شرر النار الذي لا عين له.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ قال: الهباء: الذي يطير من النار إذا اضطرمت، يطير منه الشرر، فإذا وقع لم يكن شيئا.

وقال آخرون: هو يبيس الشجر الذي تذروه الرياح.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كيبيس الشجر، تذروه الرياح يمينا وشمالا.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ يقول: الهباء: ما تذروه الريح من حطام الشجر.

وقد بيَّنا معنى الهباء في غير هذا الموضع بشواهده، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع.

وأما قوله: ﴿مُنْبَثًّا﴾ فإنه يعني متفرّقا.