سورة النحل، الآية 119
الجزء 14، الصفحة 281.
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿١١٩﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة النحل
تفسير الآية
التفسير الميسر
ثم إن ربك للذين فعلوا المعاصي في حال جهلهم لعاقبتها، وإيجابها لسخط الله، وبغفلة منهم أو ضعف يقين - فكل عاص لله - مخطئًا أو متعمدًا- فهو جاهل بهذا الاعتبار وإن كان عالمًا بالتحريم-، ثم رجعوا إلى الله عمّا كانوا عليه من الذنوب، وأصلحوا نفوسهم وأعمالهم، إن ربك -مِن بعد توبتهم وإصلاحهم- لَغفور لهم، رحيم بهم.
تفسير السعدي
الآية 119: وهذا حضٌّ منه لعبادِهِ على التوبة ودعوةٌ لهم إلى الإنابة، فأخبر أنَّ من عمل سوءاً {بجهالةٍ}: بعاقبةٍ ما تَجْني عليه، ولو كان متعمِّداً للذنب؛ فإنَّه لا بدَّ أن ينقص ما في قلبه من العلم وقتَ مقارفة الذنب؛ فإذا تاب وأصلح بأنْ تَرَكَ الذنب وندم عليه وأصلح أعمالَه؛ فإنَّ الله يغفر له ويرحمُه ويتقبَّل توبتَه ويعيدُه إلى حالته الأولى أو أعلى منها.
تفسير الجلالين
﴿ثُمَّ إنّ رَبّك لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوء﴾ الشِّرْك ﴿بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا﴾ رَجَعُوا ﴿مِن بَعْد ذَلِكَ وأَصْلَحُوا﴾ عَمَلهمْ ﴿إنّ رَبّك مِن بَعْدها﴾ أيْ الجَهالَة أوْ التَّوْبَة ﴿لَغَفُور﴾ لَهُمْ ﴿رَحِيم﴾ بِهِمْ
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 118 إلى 119
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْنَا الْمَيْتَةَ [[في ت: "المدينة".]] وَالدَّمَ ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، وَأَنَّهُ [[في ف: "وإنما".]] أَرْخَصَ فِيهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ -وَفِي ذَلِكَ تَوْسِعَةٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، الَّتِي يُرِيدُ اللَّهُ بِهَا الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِهَا الْعُسْرَ -ذَكَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَا كَانَ حَرَّمه عَلَى الْيَهُودِ فِي شَرِيعَتِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَنْسَخَهَا، وَمَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْآصَارِ وَالْأَغْلَالِ وَالْحَرَجِ وَالتَّضْيِيقِ، فَقَالَ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ يَعْنِي: فِي "سُورَةِ الْأَنْعَامِ" فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا [أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ] ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤٦] [[زيادة من ت، ف، أ، وفي هـ: "إلى قوله: وإنا لصادقون".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ أَيْ: فِيمَا ضَيَّقْنَا عَلَيْهِمْ، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أَيْ: فَاسْتَحَقُّوا ذَلِكَ، كَمَا قَالَ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٦٠] .
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى تَكَرُّمًا وَامْتِنَانًا فِي حَقِّ الْعُصَاةِ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّ مَنْ تَابَ مِنْهُمْ إِلَيْهِ تَابَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: كُلُّ مَنْ عَصَى اللَّهَ فَهُوَ جَاهِلٌ.
﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ أَيْ: أَقْلَعُوا عَمَّا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْمَعَاصِي، وَأَقْبَلُوا عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ، ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ أَيْ: تِلْكَ الْفِعْلَةِ وَالذَّلَّةِ ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
تفسير الطبري
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩) ﴾
يقول تعالى ذكره: إن ربك للذين عصوا الله فجهلوا بركوبهم ما ركبوا من معصية الله، وسَفُهوا بذلك ثم راجعوا طاعة الله والندم عليها، والاستغفار والتوبة منها، من بعد ما سلف منهم ما سلف من ركوب المعصية، وأصلح فعمل بما يحبّ الله ويرضاه ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ يقول: إن ربك يا محمد من بعد توبتهم له ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .