سورة القرآن surah-quran.com

سورة النجم

سورة النجم، الآية 57

الجزء 27، الصفحة 528.

أَزِفَتِ ٱلْـَٔازِفَةُ ﴿٥٧﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

يشمل هذا التفسير الآيات 57 إلى 58

قربت القيامة ودنا وقتها، لا يدفعها إذًا من دون الله أحد، ولا يَطَّلِع على وقت وقوعها إلا الله.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 33 إلى 62

{33 ـ 35} يقول تعالى: أفرأيتَ قُبْحَ حالة من أُمِرَ بعبادة ربِّه وتوحيده فتولَّى عن ذلك وأعرض عنه؟! فإنْ سمحتْ نفسُه ببعض الشيء القليل؛ فإنَّه لا يستمرُّ عليه، بل يبخل ويُكْدي ويمنعُ؛ فإنَّ الإحسان ليس سجيَّةً له وطبعاً، بل طبعه التولِّي عن الطاعة وعدم الثبوت على فعل المعروف، ومع هذا؛ فهو يزكِّي نفسه وينزلها غير منزلتها التي أنزلها الله بها. {أعنده علم الغيب فهو يرى}: الغيبَ فيخبر به؟! أم هو متقوِّلٌ على الله متجرِّئ عليه جامعٌ بين المحذورين الإساءة والتزكية؟! كما هو الواقع؛ لأنَّه قد عُلِمَ أنَّه ليس عنده علمٌ من الغيب، وأنَّه لو قدِّر أنَّه ادَّعى ذلك؛ فالإخبارات القاطعة عن علم الغيب التي على يد النبيِّ المعصوم تدلُّ على نقيض قوله، وذلك دليل على بطلانه.

{36 ـ 37}{أم لم يُنَبَّأۡ}: هذا المدَّعي {بما في صُحُف موسى. وإبراهيم الذي وَفَّى}؛ أي: قام بجميع ما ابتلاه الله به، وأمره به من الشرائع وأصول الدين وفروعه.

{38 ـ 41} وفي تلك الصحف أحكامٌ كثيرةٌ، من أهمِّها ما ذكره الله بقوله:{أن لا تزِرَ وازرةٌ وِزۡرَ أخرى. وأن ليس للإنسان إلاَّ ما سَعى}؛ أي: كلُّ عامل له عمله الحسن والسيئُ؛ فليس له من عمل غيره وسعيه شيء، ولا يتحمَّل أحدٌ عن أحدٍ ذنباً، {وأنَّ سعيَه سوف يُرى}: في الآخرة، فيميَّز حسنُه من سيِّئه، {ثم يُجۡزاه الجزاءَ الأوفى}؛ أي: المستكمل لجميع العمل، الخالص الحسن بالحسنى، والسيئ الخالص بالسوأى، والمشوب بحسبه؛ جزاء تُقِرُّ بعدله وإحسانه الخليقة كلها، وتَحْمَدُ الله عليه، حتى إنَّ أهل النار ليدخلون النار، وإنَّ قلوبهم مملوءةٌ من حمد ربِّهم والإقرار له بكمال الحكمة ومقت أنفسهم، وأنَّهم الذين أوصلوا أنفسهم وأوردوها شرَّ الموارد. وقد استدل بقوله [تعالى]: {وأن ليس للإنسان إلاَّ ما سعى}: من يرى أنَّ القُرَب لا يجوز إهداؤها للأحياء ولا للأموات، قالوا: لأنَّ الله قال: {وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى}؛ فوصول سعي غيره إليه منافٍ لذلك. وفي هذا الاستدلال نظرٌ؛ فإنَّ الآية إنما تدلُّ على أنه ليس للإنسان إلا ما سعى بنفسه، وهذا حقٌّ لا خلاف فيه، وليس فيها ما يدلُّ على أنَّه لا ينتفع بسعي غيره إذا أهداه ذلك الغير إليه ؛ كما أنَّه ليس للإنسان من المال إلاَّ ما هو في ملكه وتحت يده، ولا يلزم من ذلك أن لا يملِكَ ما وَهَبَه الغير له من مالِهِ الذي يملِكُه.

الآية 42: وقوله: {وأنَّ إلى ربِّك المنتهى}؛ أي: إليه تنتهي الأمور، وإليه تصير الأشياء والخلائقُ بالبعث والنُّشور، وإلى الله المنتهى في كلِّ حال؛ فإليه ينتهي العلم والحكم والرحمة وسائر الكمالات.

الآية 43:{وأنَّه هو أضحكَ وأبكى}؛ أي: هو الذي أوجد أسباب الضحك والبكاء، وهو الخير والشرُّ والفرح والسرور والهمُّ والحزن، وهو سبحانه له الحكمة البالغةُ في ذلك.

الآية 44:{وأنَّه هو أماتَ وأحيا}؛ أي: هو المنفرد بالإيجاد والإعدام، والذي أوجد الخلق وأمرهم ونهاهم، سيعيدُهم بعد موتهم، ويجازيهم بتلك الأعمال التي عملوها في دار الدُّنيا.

{45 ـ 46}{وأنَّه خَلَقَ الزوجين}: فسَّرهما بقوله: {الذَّكَر والأنثى}: وهذا اسمُ جنس شامل لجميع الحيوانات ناطقها وبهيمها؛ فهو المنفرد بخلقها {من نُطفةٍ إذا تُمنى}: وهذا من أعظم الأدلَّة على كمال قدرته وانفراده بالعزَّة العظيمة؛ حيث أوجد تلك الحيوانات صغيرها وكبيرها من نطفةٍ ضعيفةٍ من ماءٍ مَهينٍ، ثم نمَّاها وكمَّلها حتى بلغت ما بلغتْ، ثم صار الآدميُّ منها إمَّا إلى أرفع المقامات في أعلى عليين، وإمَّا إلى أدنى الحالات في أسفل سافلين.

الآية 47: ولهذا استدلَّ بالبداءة على الإعادة، فقال:{وأنَّ عليه النشأةَ الأخرى}: فيعيد العباد من الأجداث، ويجمعهم ليوم الميقات، ويجازيهم على الحسنات والسيئات.

الآية 48:{وأنَّه هو أغنى وأقنى}؛ أي: أغنى العباد بتيسير أمر معاشهم من التِّجارات وأنواع المكاسب من الحِرَف وغيرها، {وأقنى}؛ أي: أفاد عباده من الأموال بجميع أنواعها ما يصيرون به مقتنين لها ومالكين لكثيرٍ من الأعيان، وهذا من نعمه تعالى؛ أنْ أخبرهم أنَّ جميع النعم منه، وهذا يوجب للعبادِ أنْ يشكُروه ويعبدُوه وحدَه لا شريك له.

الآية 49:{وأنَّه هو ربُّ الشِّعرى}: وهو النجم المعروف بالشِّعْرى العبور، المسماة بالمرزم، وخصَّها الله بالذِّكر وإن كان هو ربُّ كلِّ شيء؛ لأنَّ هذا النجم مما عُبد في الجاهلية، فأخبر تعالى أنَّ جنس ما يعبد المشركون مربوبٌ مدبَّرٌ مخلوقٌ؛ فكيف يُتَّخَذُ مع الله آلهة؟!

الآية 50:{وأنَّه أهلك عاداً الأولى}: وهم قوم هودٍ عليه السلام حين كذَّبوا هوداً، فأهلكهم الله بريح صرصرٍ عاتيةٍ.

الآية 51:{وثمودَ}: قومُ صالح عليه السلام؛ أرسله الله إلى ثمود، فكذَّبوه، فبعث الله إليهم الناقة آية، فعقروها وكذَّبوه، فأهلكهم الله [تعالى]، {فما أبقى}: منهم أحداً، بل أبادهم عن آخرهم.

الآية 52:{وقومَ نوح من قبلُ إنَّهم كانوا هم أظلمَ وأطۡغى}: من هؤلاء الأمم، فأهلكهم الله وأغرقهم.

{53 ـ 54}{والمؤتفكةَ}: وهم قومُ لوطٍ عليه السلام، {أهوى}؛ أي: أصابهم الله بعذابٍ ما عذَّب به أحداً من العالمين، قلب أسفل ديارهم أعلاها، وأمطر عليهم حجارة من سجِّيل، ولهذا قال:{فغشَّاها ما غَشَّى}؛ أي: غشيها من العذاب الأليم الوخيم ما غشي؛ أي: شيءٌ عظيمٌ لا يمكن وصفه.

الآية 55:{فبأيِّ آلاءِ ربِّك تتمارى}؛ أي: فبأيِّ نعم الله وفضله تشكُّ أيُّها الإنسان؛ فإنَّ نعم الله ظاهرةٌ لا تقبل الشكَّ بوجه من الوجوه؛ فما بالعباد من نعمةٍ إلاَّ منه تعالى، ولا يدفع النِّقَم إلاَّ هو.

الآية 56:{هذا نذيرٌ من النُّذُر الأولى}؛ أي: هذا الرسول القرشيُّ الهاشميُّ محمد بن عبد الله ليس ببدع من الرسل، بل قد تقدَّمه من الرسل السابقين، ودعوا إلى ما دعا إليه؛ فلأيِّ شيءٍ تنكر رسالته؟! وبأيِّ حجَّة تبطل دعوته؟! أليست أخلاقه أعلى أخلاق الرسل الكرام؟! أليس يدعو إلى كلِّ خير وينهى عن كل شرٍّ ؟! ألم يأت بالقرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديهِ ولا من خلفه تنزيلٌ من حكيمٍ حميدٍ؟! ألم يُهلك الله مَن كَذَّب مَن قبله من الرسل الكرام؟! فما الذي يمنع العذابَ عن المكذِّبين لمحمد سيِّد المرسلين وإمام المتَّقين وقائد الغرِّ المحجَّلين؟!

الآية 57:{أزِفَتِ الآزفةُ}؛ أي: قربت القيامة ودنا وقتُها وبانت علاماتها، {ليس لها من دونِ الله كاشفةٌ}؛ أي: إذا أتت القيامة وجاءهم العذابُ الموعود به.

الآية 58: ثم توعَّد المنكرين لرسالة الرسول محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، المكذِّبين لما جاء به من القرآن الكريم، فقال:

الآية 59:{أفمِنۡ هذا الحديث تعجبونَ}؛ أي: أفمن هذا الحديث الذي هو خير الكلام وأفضله وأشرفه تتعجبون، وتجعلونه من الأمور المخالفة للعادة، الخارقة للأمور والحقائق المعروفة؟! هذا من جهلهم وضلالهم وعنادهم، وإلاَّ؛ فهو الحديث الذي إذا حَدَّث صَدَق، وإذا قال قولاً فهو القول الفصل، ليس بالهزل، وهو القرآن العظيم، الذي لو أُنْزِل على جبل لرأيتَه خاشعاً متصدعاً من خشية الله، الذي يزيد ذوي الأحلام رأياً وعقلاً وتسديداً وثباتاً وإيقاناً وإيماناً، بل الذي ينبغي العَجَبُ من عقل من تعجَّب منه وسفهه وضلاله.

الآية 60:{وتضحكون ولا تبكونَ}؛ أي: تستعجلون الضَّحك والاستهزاء به، مع أنه الذي ينبغي أن تتأثَّر منه النفوس وتلين له القلوب وتبكي له العيون؛ سماعاً لأمره ونهيه، وإصغاءً لوعده ووعيده، والتفاتاً لأخباره الصادقة الحسنة.

الآية 61:{وأنتُم سامدونَ}؛ أي: غافلون لاهون عنه وعن تدبُّره ، وهذا من قلَّة عقولكم وأديانكم؛ فلو عبدتم الله وطلبتم رضاه في جميع الأحوال؛ لما كنتُم بهذه المثابة التي يأنف منها أولو الألباب.

الآية 62: ولهذا قال تعالى: {فاسجُدوا لله واعبدوا}: الأمر بالسجود لله خصوصاً يدلُّ على فضله، وأنَّه سرُّ العبادة ولبُّها؛ فإنَّ روحها الخشوع لله والخضوع له، والسجود [هو] أعظم حالة يخضع بها [العبد] ؛ فإنَّه يخضع قلبه وبدنه، ويجعل أشرف أعضائه على الأرض المهينة موضع وطء الأقدام. ثم أمر بالعبادة عموماً الشاملة لجميع ما يحبُّه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة.

تم تفسير سورة النجم. والحمد لله [الذي لا نحصي ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني عليه عباده وصلّى الله على محمد وسلّم تسليماً كثيراً].

* * *

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿أزِفَتِ الآزِفَة﴾ قَرُبَتْ القِيامَة

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 56 إلى 62

﴿هَذَا نَذِيرٌ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﷺ ﴿مِنَ النُّذُرِ الأولَى﴾ أَيْ: مِنْ جِنْسِهِمْ، أُرْسِلَ كَمَا أُرْسِلُوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُل﴾ [الْأَحْقَافِ: ٩] .

﴿أَزِفَتِ الآزِفَة﴾ أَيِ: اقْتَرَبَتِ الْقَرِيبَةُ، وَهِيَ الْقِيَامَةُ، ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ أَيْ: لَا يَدْفَعُهَا إِذًا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَحَدٌ، وَلَا يَطَّلِعُ عَلَى عِلْمِهَا سِوَاهُ.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي اسْتِمَاعِهِمُ الْقُرْآنَ وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ وَتَلَهِّيهِمْ: ﴿تَعْجَبُونَ [[في م: "يعجبون".]] ﴾ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا، ﴿وَتَضْحَكُونَ [[في م: "يضحكون".]] ﴾ مِنْهُ اسْتِهْزَاءً وَسُخْرِيَةً، ﴿وَلا تَبْكُونَ﴾ أَيْ: كَمَا يَفْعَلُ الْمُوقِنُونَ بِهِ، كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٠٩] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْغِنَاءُ، هِيَ يَمَانِيَّةٌ، اسْمِد لَنَا: غَنّ [[في م، أ: "تغني".]] لَنَا. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ.

وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿سَامِدُونَ﴾ : مُعْرِضُونَ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: غَافِلُونَ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: تَسْتَكْبِرُونَ. وَبِهِ يَقُولُ السُّدِّيُّ.

ثُمَّ قَالَ آمِرًا لِعِبَادِهِ بِالسُّجُودِ لَهُ وَالْعِبَادَةِ الْمُتَابِعَةِ لِرَسُولِهِ ﷺ وَالتَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [[في م: "فليسجدوا" وهو خطأ.]] أَيْ: فَاخْضَعُوا لَهُ وَأَخْلِصُوا وَوَحِّدُوا.

قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَر، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ بِالنَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ. انْفَرَدَ بِهِ دُونَ مُسْلِمٍ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٦٢) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا رَبَاحٌ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ سُورَةَ النَّجْمِ، فَسَجَدَ وسَجَد مَنْ عِنْدَهُ، فرفعتُ رَأْسِي وأبيتُ أَنْ أسجد، ولم يكن أسلم يومئذ المطلب، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَسْمَعُ أَحَدًا يَقْرَؤُهَا [[في م، أ: "يقرأ بها".]] إِلَّا سَجَدَ مَعَهُ.

وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الصَّلَاةِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، بِهِ [[المسند (٦/٣٩٩) وسنن النسائي (٢/١٦٠) .]] .

ذِكْرُ حَدِيثٍ لَهُ مُنَاسِبَةٌ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأولَى. أَزِفَتِ الآزِفَة﴾ ، فَإِنَّ النَّذِيرَ هُوَ: الْحَذَرُ لِمَا يُعَايِنُ مِنَ الشَّرِّ، الَّذِي يُخْشَى وُقُوعُهُ فِيمَنْ أَنْذَرَهُمْ، كَمَا قَالَ: ﴿إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيد﴾ [سَبَأٍ: ٤٦] . وَفِي الْحَدِيثِ: "أَنَا النَّذِيرُ العُريان" أَيِ: الَّذِي أَعْجَلَهُ شِدَّةُ مَا عَايَنَ مِنَ الشَّرِّ عَنْ أَنْ يَلْبَسَ عَلَيْهِ شَيْئًا، بَلْ بَادَرَ إِلَى إِنْذَارِ قَوْمِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَجَاءَهُمْ عُريانا مُسْرِعًا مُنَاسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أَزِفَتِ الآزِفَة﴾ أَيِ: اقْتَرَبَتِ الْقَرِيبَةُ، يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا قَالَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَهَا: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [الْقَمَرِ: ١] ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:

حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ -لَا أَعْلَمُ إِلَّا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا بَطْنَ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتهم، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ". وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -قَالَ أَبُو ضَمْرَة: لَا أَعْلَمُ إِلَّا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ-قال: "مثلي مثل السَّاعَةِ كَهَاتَيْنِ" وَفَرَّقَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ، ثُمَّ قَالَ: "مَثَلِي وَمَثَلُ السَّاعَةِ كَمَثَلِ فَرسَي رِهَان"، ثُمَّ قَالَ: "مَثَلِي وَمَثَلُ السَّاعَةِ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَعَثَهُ قَوْمُهُ طَلِيعَةً، فَلَمَّا خَشِيَ أَنْ يُسْبَقَ أَلَاحَ بِثَوْبِهِ: أُتِيتُمْ أُتِيتُمْ". ثُمَّ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَنَا ذَلِكَ" [[المسند (٥/٣٣١) .]] . وَلَهُ شَوَاهِدُ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ مِنْ صِحَاحٍ وحِسان. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَبِهِ الثِّقَةُ وَالْعِصْمَةُ.

آخِرُ [تَفْسِيرِ] [[زيادة من م، أ.]] سُورَةِ النَّجْمِ ولله الحمد والمنة

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 55 إلى 58

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأولَى (٥٦) أَزِفَتِ الآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨) ﴾

يقول: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ يقول تعالى ذكره: فبأيّ نعمات ربك يا ابن آدم التي أنعمها عليك ترتاب وتشكّ وتجادل، والآلاء: جمع إلًى. وفي واحدها لغات ثلاثة: إليٌّ على مثال عِليٌّ، وإليَّ على مثال عَليْ، وألَى على مثال علا [[في (اللسان: إلى) الآلاء: النعم. واحدها ألى، (بفتح الهمزة واللام) وإلى (بكسر فسكون) وإلى (بكسر ففتح) .]] .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ يقول: فبأيّ نِعم الله تتمارى يا ابن آدم.

⁕ وحدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ قال: بأيّ نِعم ربك تتمارَى.

* *

وقوله: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأولَى﴾

اختلف أهل التأويل في معنى قوله جل ثناؤه لمحمد ﷺ ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأولَى﴾ ووصفه إياه بأنه من النذر الأولى وهو آخرهم، فقال بعضهم: معنى ذلك: أنه نذير لقومه، وكانت النذر الذين قبله نُذرا لقومهم، كما يقال: هذا واحد من بني آدم، وواحد من الناس.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأولَى﴾ قال: أنذر محمد ﷺ كما أنذرت الرسل من قبله.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأولَى إنما بعث محمد ﷺ بما بعث الرسل قبله.

⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن شريك، عن جابر، عن أبي جعفر (هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأولَى﴾ قال: هو محمد ﷺ.

وقال آخرون: معنى ذلك غير هذا كله، وقالوا: معناه هذا الذي أنذرتكم به أيها القوم من الوقائع التي ذكرت لكم أني أوقعتها بالأمم قبلكم من النذر التي أنذرتها الأمم قبلكم في صحف إبراهيم وموسى.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن حُميد. قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي مالك ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأولَى﴾ قال: مما أنذروا به قومهم في صحف إبراهيم وموسى.

وهذا الذي ذكرت، عن أبي مالك أشبه بتأويل الآية، وذلك أن الله تعالى ذكره ذكر ذلك في سياق الآيات التي أخبر عنها أنها في صحف إبراهيم وموسى نذير من النُّذر الأولى التي جاءت الأمم قبلكم كما جاءتكم، فقوله ﴿هَذَا﴾ بأن تكون إشارة إلى ما تقدمها من الكلام أولى وأشبه منه بغير ذلك.

* *

وقوله ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ﴾

يقول: ذنت الدانية: وإنما يعني: دنت القيامة القريبة منكم أيها الناس يقال منه: أزف رَحِيل فلان. إذا دنا وقَرُب، كما قال نابغة بنى ذُبيان:

أَزِفَ الترَحُّلُ غَيرَ أنَّ ركابنا ... لَمَّا تَزَلْ بِرَحالِنا وكأنْ قَدٍ [[البيت للنابغة الذبياني (مختار الشعر الجاهلي بشرح مصطفى السقا طبعة الحلبي ١٨٣) والرواية فيه " أفد " في مكان " أزف " وكلاهما بمعنى. قال: أفد: دنا. والركاب: الإبل، والرحال: واحدها: راحلة. يقول: قرب الترحل إلا أن الركاب لم تزل، وكأنها قد زالت، لقرب وقت الارتحال أ. هـ. وفي (اللسان: أزف) أزف يأزف أزفا وأزوفا: اقترب وكل شيء اقترب فقد أزف أزفا (كفرح يفرح فرحا) أي دنا وأفد. والآزفة: القيامة: لقربها، وإن استبعد الناس مداها، قال الله تعالى: " أزفت الآزفة " يعني القيامة: أي دنت أ. هـ.]]

وكما قال كعب بن زُهَير:

بانَ الشَّبابُ وأمْسَى الشَّيبُ قَدْ أزِفا ... وَلا أرَى لشَبابٍ ذَاهِبٍ خَلَفَا [[البيت لكعب بن زهير كما قال المؤلف. وبان الشباب: ذهب عنه وتولى. يقول: ليس بعد زوال الشباب ونضرته وقوته خلف منه إلا الشيب والانحلال والكبر، ثم الموت. فإذا ذهب الشباب فقد ذهب العمر في الحقيقة. والبيت كالشاهدين قبله، على أن معنى أزف: دنا واقترب.]]

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ من أسماء يوم القيامة، عظَّمه الله، وحذره عباده.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قالا ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ قال: اقتربت الساعة.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ قال: الساعة. ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ .

* *

وقوله: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾

يقول تعالى ذكره: ليس للآزفة التي قد أزفت، وهي الساعة التي قد دنت من دون الله كاشف، يقول: ليس تنكشف فتقوم إلا بإقامة الله إياها، وكشفها دون من سواه من خلقه، لأنه لم يطلع عليها مَلَكا مقرّبا، ولا نبيا مرسلا. وقيل: كاشفة، فأنثت، وهي بمعنى الانكشاف؛ كما قيل: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ بمعنى: فهل ترى لهم من بقاء؛ وكما قيل: العاقبة وماله من ناهية، وكما قيل ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ بمعنى تكذيب، ﴿وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ بمعنى خيانة.