سورة القرآن surah-quran.com

سورة النمل

سورة النمل، الآية 2

الجزء 19، الصفحة 377.

هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿٢﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

يشمل هذا التفسير الآيات 2 إلى 3

وهي آيات ترشد إلى طريق الفوز في الدنيا والآخرة، وتبشر بحسن الثواب للمؤمنين الذين صَدَّقوا بها، واهتدَوْا بهديها، الذين يقيمون الصلوات الخمس كاملة الأركان، مستوفية الشروط، ويؤدون الزكاة المفروضة لمستحقيها، وهم يوقنون بالحياة الآخرة، وما فيها مِن ثواب وعقاب.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 6

وهي مكية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الآية 1: ينبِّه تعالى عباده على عظمة القرآن، ويشيرُ إليه إشارة دالَّة على التعظيم، فقال:{تلك آياتُ القرآنِ وكتابٍ مبين}؛ أي: هي أعلى الآيات وأقوى البيِّنات وأوضح الدِّلالات وأبينها على أجلِّ المطالب وأفضل المقاصد وخير الأعمال وأزكى الأخلاق؛ آياتٌ تدلُّ على الأخبار الصَّادقة والأوامرِ الحسنةِ والنَّهي عن كلِّ عمل وخيم وخُلُقٍ ذَميم، آياتٌ بلغتْ في وضوحِها وبيانها للبصائر النيِّرة مبلغ الشمس للأبصار، آياتٌ دلَّت على الإيمان ودعت للوصول إلى الإيقان وأخبرت عن الغيوب الماضية والمستقبلة [على] طبق ما كان ويكون، آياتٌ دعت إلى معرفة الربِّ العظيم بأسمائِهِ الحسنى وصفاتِهِ العليا وأفعاله الكاملة، آياتٌ عرَّفتنا برسله وأوليائِهِ ووصفتهم حتى كأنَّنا ننظرُ إليهم بأبصارنا.

الآية 2: ولكن مع هذا؛ لم ينتفعْ بها كثيرٌ من العالمين، ولم يهتدِ بها جميع المعاندين؛ صوناً لها عن من لا خير فيه ولا صلاح ولا زكاء في قلبه، وإنما اهتدى بها من خصَّهم الله بالإيمان واستنارتْ بذلك قلوبهم وصَفَتْ سرائرُهم، فلهذا قال:{هدىً وبُشرى للمؤمنينَ}؛ أي: تهديهم إلى سلوك الصراط المستقيم، وتبيِّن لهم ما ينبغي أن يَسْلُكوه أو يَتْرُكوه، وتبشِّرهم بثواب الله. المرتَّب على الهداية لهذا الطريق.

الآية 3: ربَّما قيل: لعلَّه يكثُر مدعو الإيمان؛ فهل يُقبل من كلِّ أحدٍ ادَّعى أنه مؤمنٌ ذلك؟ أم لا بدَّ لذلك من دليل وهو الحقُّ؟ فلذلك بيَّن تعالى صفة المؤمنين، فقال:{الذين يقيمون الصلاة}: فرضَها ونفلَها؛ فيأتون بأفعالها الظاهرة من أركانها وشروطها وواجباتها [بل] ومستحبَّاتها وأفعالها الباطنة وهو الخشوع الذي هو روحها ولبُّها؛ باستحضار قرب الله وتدبُّر ما يقوله المصلي ويفعلُه، {ويؤتون الزَّكاة}: المفروضة لمستحقِّها. {وهم بالآخرة هم يوقِنونَ}؛ أي: قد بلغ معهم الإيمانُ إلى أن وَصَلَ إلى درجة اليقين، وهو العلم التامُّ الواصل إلى القلب الدَّاعي إلى العمل، ويقينهم بالآخرة يقتضي كمال سعيِهِم لها وحَذَرِهم من أسباب العذاب وموجبات العقاب، وهذا أصلُ كلِّ خير.

الآية 4:{إنَّ الذين لا يؤمنونَ بالآخرةِ}: ويكذِّبون بها ويكذِّبون مَن جاء بإثباتها؛ {زيَّنَّا لهم أعمالهم فهم يَعۡمَهونَ}: حائرين، متردِّدين، مؤثِرين سَخَطَ الله على رضاه، قد انقلبتْ عليهم الحقائقُ، فرأوا الباطل حقًّا والحقَّ باطلاً.

الآية 5:{أولئك الذين لهم سوء العذاب}؛ أي: أشدُّه وأسوؤه وأعظمه. {وهم} بالآخرةِ {هم الأخسرونَ}: حَصَرَ الخَسارَ فيهم لكونِهِم خَسِروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، وخسروا الإيمان الذي دعتهم إليه الرسل.

الآية 6:{وإنَّكَ لَتُلَقَّى القرآنَ مِن لَدُنۡ حكيم [عليم] }؛ أي: وإنَّ هذا القرآن الذي ينزِلُ عليك، وتتلقَّنُهُ ينزل من عند حكيم، يَضَعُ الأشياءَ مواضعَها، وينزِلُها منازلها، [خبير] بأسرار الأحوال وبواطنها كظواهرها. وإذا كان من عند حكيم [خبير]؛ علم أنه كلَّه حكمةٌ ومصالحُ للعباد من الذي أعلم بمصالحهم منهم.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

هُوَ﴿هُدًى﴾ هادٍ مِن الضَّلالَة ﴿وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ المُصَدِّقِينَ بِهِ بِالجَنَّةِ

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 6

سُورَةُ النَّمْلِ

وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

* *

قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي "سُورَةِ الْبَقَرَةِ" عَلَى الْحُرُوفِ الْمُتَقَطِّعَةِ [[في ف: "المقطعة".]] فِي أَوَائِلِ السُّوَر.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ أَيْ: هَذِهِ آيَاتُ ﴿الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ أَيْ: بَيِّنٍ وَاضِحٍ.

﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا تَحْصُلُ الْهِدَايَةُ وَالْبِشَارَةُ مِنَ الْقُرْآنِ لِمَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ وَصَدَّقَهُ، وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَآتَى الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَآمَنَ [[في ف: "وأيقن".]] بِالدَّارِ الْآخِرَةِ وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ، خَيْرِهَا وَشَرِّهَا، وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٤] . وَقَالَ: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٩٧] ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أَيْ: يُكَذِّبُونَ بِهَا، وَيَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهَا ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ أَيْ: حَسَّنَّا لَهُمْ مَا هُمْ فِيهِ، وَمَدَدْنَا لَهُمْ فِي غَيهم فَهُمْ يَتيهون فِي ضَلَالِهِمْ. وَكَانَ هَذَا جَزَاءً عَلَى مَا كَذَّبُوا بِهِ مِنَ الدَّارِ الْآخِرَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١١٠] ، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، ﴿وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ أَيْ: لَيْسَ يَخْسَرُ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ سِوَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمَحْشَرِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ أَيْ: ﴿وَإِنَّكَ﴾ يَا مُحَمَّدُ - قَالَ قَتَادَةُ: ﴿لَتُلَقَّى﴾ أَيْ: لَتَأْخُذُ. ﴿الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ أَيْ: مِنْ عِنْدِ حَكِيمٍ عَلِيمٍ، أَيْ: حَكِيمٌ فِي أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، عَلِيمٌ بِالْأُمُورِ جَلِيلِهَا وَحَقِيرِهَا، فَخَبَرُهُ هُوَ الصِّدْقُ الْمَحْضُ، وَحُكْمُهُ هُوَ الْعَدْلُ التَّامُّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا [لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ] ﴾ [[زيادة من ف، أ.]] [الْأَنْعَامِ: ١١٥] .

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 3

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣) ﴾

قال أبو جعفر: وقد بيَّنا القول فيما مضى من كتابنا هذا فيما كان من حروف المعجم في فواتح السور، فقوله: ﴿طس﴾ من ذلك. وقد رُوي عن ابن عباس أن قوله: ﴿طس﴾ قسم أقسمه الله هو من أسماء الله.

⁕ حدثني علي بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: قوله: ﴿طس﴾ قسم أقسمه الله هو من أسماء الله.

فالواجب على هذا القول أن يكون معناه: والسميع اللطيف، إن هذه الآيات التي أنزلتها إليك يا محمد لآيات القرآن، وآيات كتاب مبين: يقول: يبين لمن تدبَّره، وفكَّر فيه بفهم أنه من عند الله، أنزله إليك، لم تتخرّصه أنت ولم تتقوّله، ولا أحد سواك من خلق الله، لأنه لا يقدر أحد من الخلق أن يأتي بمثله، ولو تظاهر عليه الجنّ والإنس. وخفض قوله: ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ عطفا به على القرآن.

* *

وقوله: ﴿هُدًى﴾

من صفة القرآن.

يقول: هذه آيات القرآن بيان من الله بين به طريق الحق وسبيل السلام. ﴿وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يقول: وبشارة لمن آمن به، وصدّق بما أنزل فيه بالفوز العظيم في المعاد.

وفي قوله: ﴿هدى وبشرى﴾ وجهان من العربية: الرفع على الابتداء بمعنى: هو هدى وبُشرى. والنصب على القطع من آيات القرآن، فيكون معناه: تلك آيات القرآن الهدى والبشرى للمؤمنين، ثم أسقطت الألف واللام من الهدى والبشرى، فصارا نكرة، وهما صفة للمعرفة فنصبا.

* *

وقوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾

يقول: هو هدى وبشرى لمن آمن بها، وأقام الصلاة المفروضة بحدودها.

* *

وقوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾

يقول: ويؤدّون الزكاة المفروضة. وقيل: معناه: ويطهرون أجسادهم من دنس المعاصي.

وقد بيَّنا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ يقول: وهم مع إقامتهم الصلاة، وإيتائهم الزكاة الواجبة، بالمعاد إلى الله بعد الممات يوقنون، فيذلون في طاعة الله، رجاء جزيل ثوابه، وخوف عظيم عقابه، وليسوا كالذين يكذّبون بالبعث، ولا يبالون، أحسنوا أم أساءوا، وأطاعوا أم عصوا، لأنهم إن أحسنوا لم يرجوا ثوابا، وإن أساءوا لم يخافوا عقابا.