سورة القرآن surah-quran.com

سورة الرحمن

سورة الرحمن، الآية 1

الجزء 27، الصفحة 531.

ٱلرَّحْمَـٰنُ ﴿١﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 2

الرحمن علَّم الإنسان القرآنَ؛ بتيسير تلاوته وحفظه وفهم معانيه.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 13

وهي مكية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الآية 1: هذه السورة الكريمة الجليلةُ افتتحها باسمه الرحمن، الدالِّ على سعة رحمته وعموم إحسانه وجزيل برِّه وواسع فضله، ثم ذَكَرَ ما يدلُّ على رحمته وأثرها الذي أوصله الله إلى عباده من النعم الدينيَّة والدنيويَّة والأخرويَّة، وبعد كل جنس ونوع من نعمه ينبِّه الثقلين لشكره ويقول:{فبأيِّ آلاء ربِّكما تكذِّبان}.

الآية 2: فذكر أنه: {علم القرآن}؛ أي: علَّم عباده ألفاظه ومعانيه ويسَّرها على عباده، وهذا أعظم منَّة ورحمة رحم بها العباد، حيث أنزل عليهم قرآناً عربياً بأحسن الألفاظ وأوضح المعاني ، مشتملٌ على كلِّ خير، زاجرٌ عن كلِّ شرٍّ.

{3 ـ 4}{خلق الإنسان}: في أحسن تقويم، كامل الأعضاء، مستوفَى الأجزاء، محكم البناء، قد أتقن البارئ تعالى البديع خلقه أيَّ إتقان، وميَّزه على سائر الحيوانات بأن {علَّمه البيانَ}؛ أي: التبيين عمَّا في ضميره. وهذا شاملٌ للتعليم النُّطقيِّ والتعليم الخطِّيِّ؛ فالبيان الذي ميَّز الله به الآدميَّ على غيره من أجلِّ نعمه وأكبرها عليه.

الآية 5:{الشمسُ والقمرُ بحُسۡبانٍ}؛ أي: خلق الله الشمس والقمر وسخَّرهما يجريان بحساب مقنَّن وتقدير مقدَّر رحمةً بالعباد وعنايةً بهم، وليقوم بذلك من مصالحهم ما يقوم، وليعرفوا عدد السنين والحساب.

الآية 6:{والنجم والشجر يسجُدان}؛ أي: نجوم السماء وأشجار الأرض تعرِفُ ربَّها وتسجُد له وتطيع وتخضع وتنقاد لما سخَّرها له من مصالح عباده ومنافعهم.

{7 ـ 8}{والسماء رفعها}: سقفاً للمخلوقات الأرضيَّة، {ووضع}[اللَّه]{الميزان}؛ أي: العدل بين العبادِ في الأقوال والأفعال، وليس المراد به الميزان المعروف وحده، بل هو كما ذكرنا؛ يدخل فيه الميزان المعروف والمكيال الذي تُكال به الأشياء والمقادير والمساحات التي تُضْبَط بها المجهولات والحقائق التي يُفْصَل بها بين المخلوقات ويُقام بها العدل بينهم، ولهذا قال:{ألاَّ تَطۡغَوۡا في الميزان}؛ أي: أنزل الله الميزان لئلاَّ تتجاوزوا الحدَّ في الميزان؛ فإنَّ الأمر لو كان يرجع إلى عقولكم وآرائكم؛ لحصل من الخلل ما الله به عليم، ولفسدت السماواتُ والأرض ومن فيهنَّ.

الآية 9:{وأقيموا الوزنَ بالقسطِ}؛ أي: اجعلوه قائماً بالعدل، الذي تصل إليه مقدرتكم وإمكانكم، {ولا تُخۡسِروا الميزانَ}؛ أي: لا تنقصوه وتعملوا بضدِّه، وهو الجور والظلم والطغيان.

الآية 10:{والأرضَ وضعها}: الله على ما كانت عليه من الكثافة والاستقرار واختلاف أوصافها وأحوالها {للأنام}؛ أي: للخلق؛ لكي يستقرُّوا عليها، وتكون لهم مهاداً وفراشاً، يبنون بها ويحرُثون ويغرِسون ويحفرون، ويسلكون سُبُلَها فجاجاً، وينتفعون بمعادنها، وجميع ما فيها مما تدعو إليه حاجتهم بل ضرورتهم.

ثم ذكر ما فيها من الأقوات الضرورية، فقال:

الآية 11:{فيها فاكهةٌ}: وهي جميع الأشجار التي تثمر الثمراتِ التي يتفكَّه بها العبادُ من العنب والتين والرمان والتُّفاح وغير ذلك، {والنَّخۡلُ ذاتُ الأكمام}؛ أي: ذات الوعاء الذي ينفلق عن القِنْوان التي تَخْرُجُ شيئاً فشيئاً حتى تتمَّ فتكون قوتاً يدَّخر ويؤكل ويتزوَّد منه المقيم والمسافر وفاكهةً لذيذةً من أحسن الفواكه.

الآية 12:{والحبُّ ذو العصفِ}؛ أي: ذو الساق الذي يُداس فينتفع بتبنه للأنعام وغيرها، ويدخل في ذلك حبُّ البُرِّ والشعير والذُّرة والأرز والدخن وغير ذلك، {والريحانُ}: يُحتمل أنَّ المراد به جميع الأرزاق التي يأكلها الآدميُّون، فيكون هذا من باب عطف العامِّ على الخاصِّ، ويكون الله [تعالى] قد امتنَّ على عباده بالقوت والرزق عموماً وخصوصاً. ويُحتمل أنَّ المراد بالريحان الريحان المعروف، وأنَّ الله امتنَّ على عباده بما يسَّره في الأرض من أنواع الروائح الطيبة والمشامِّ الفاخرة التي تسرُّ الأرواح وتنشرح لها النفوس.

الآية 13: ولما ذَكَرَ جملةً كثيرةً من نعمه التي تشاهد بالأبصار والبصائر، وكان الخطابُ للثَّقلين الجن والإنس؛ قررهم تعالى بنعمه، فقال:{فبأيِّ آلاءِ ربِّكما تكذِّبانِ}؛ أي: فبأيِّ نعم الله الدينيَّة والدنيويَّة تكذِّبان؟ وما أحسن جواب الجن حين تلا عليهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - هذه السورة؛ فكلَّما مرَّ بقوله:{فبأيِّ آلاءِ ربِّكما تكذِّبان}؛ قالوا: ولا بشيءٍ من آلائك ربنا نكذِّبُ؛ فلك الحمد. فهكذا ينبغي للعبد إذا تليت عليه نعم الله وآلاؤه أن يُقِرَّ بها ويشكر ويحمد الله عليها.

ثم قال تعالى:

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

سُورَة الرَّحْمَن [ مَكِّيَّة إلّا آيَة ٢٩ فَمَدَنِيَّة وآياتها سِتّ أوْ ثَمان وسَبْعُونَ آيَة ]

﴿الرَّحْمَن﴾ اللَّه تَعالى

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 13

تَفْسِيرُ سُورَةِ الرَّحْمَنِ

وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: كَيْفَ تَعْرِفُ هَذَا الْحَرْفَ: "مَاءٍ غَيْرِ يَاسِنٍ أَوْ آسِنٍ"؟ فَقَالَ: كُلَّ الْقُرْآنِ قَدْ قَرَأْتَ. قَالَ: إِنِّي لَأَقْرَأُ الْمُفَصَّلَ؛ أَجْمَعَ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ. فَقَالَ: أَهَذًّا كهذِّ الشِّعْرِ، لَا أَبَا لَكَ؟ قَدْ عَلِمْتُ قَرَائِنَ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي كَانَ يَقْرِنُ قَرِينَتَيْنِ قَرِينَتَيْنِ مِنْ أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ، وَكَانَ أَوَّلَ مُفَصَّلِ ابْنِ مَسْعُودِ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ [[المسند (١/٤١٢) .]] .

وَقَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ وَاقِدٍ أَبُو مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِر، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ "الرَّحْمَنِ" مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، فَسَكَتُوا فَقَالَ: "لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى الْجِنِّ لَيْلَةَ الْجِنِّ، فَكَانُوا أَحْسَنَ مَرْدُودًا مِنْكُمْ، كُنْتُ كُلَّمَا أَتَيْتُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ، قَالُوا: لَا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ -رَبَّنَا-نُكَذِّبُ، فَلَكَ الْحَمْدُ" [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩١) .]] .

ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ. ثُمَّ حَكَى عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَعْرِفُهُ، يُنْكِرُ [[في م، أ: "يستنكر".]] رِوَايَةَ أَهْلِ الشَّامِ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ هَذَا.

وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ شَبَّوَيْهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْرِفُهُ يُرْوَى إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٤٧٣) من طريق هشام بن عمار وعبد الرحمن بن واقد، كلاهما عن الوليد بن مسلم به.]] .

وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ عَبَّادِ بْنِ مُوسَى، وَعَمْرُو بْنُ مَالِكٍ الْبَصْرِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ سُورَةَ "الرَّحْمَنِ" -أَوْ: قُرِئَت عِنْدَهُ-فَقَالَ: "مَا لِي أَسْمَعُ الْجِنَّ أَحْسَنَ جَوَابًا لِرَبِّهَا مِنْكُمْ؟ " قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مَا أَتَيْتُ عَلَى قَوْلِ اللَّهِ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إِلَّا قَالَتِ الْجِنُّ: لَا بِشَيْءٍ مِنْ نِعْمَةِ [[في م، أ: "نعم".]] رَبِّنَا نُكَذِّبُ".

وَرَوَاهُ الْحَافِظُ الْبَزَّارُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، بِهِ [[مسند البزار (٢٢٦٩) "كشف الأستار" وشيخه عمرو بن مالك الراسبي ضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات.]] . ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا مِنْ هَذَا الوجه بهذا الإسناد.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

* *

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ بِخَلْقِهِ: أَنَّهُ أَنْزَلَ عَلَى عِبَادِهِ الْقُرْآنَ وَيَسَّرَ حِفْظَهُ وَفَهْمَهُ عَلَى مَنْ رَحِمَهُ، فَقَالَ: ﴿الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الإنْسَانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي: النُّطْقَ [[في أ: "المنطق".]] . وَقَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمَا: يَعْنِي الْخَيْرَ وَالشَّرَّ. وَقَوْلُ الحسن ها هنا أَحْسَنُ وَأَقْوَى؛ لِأَنَّ السِّيَاقَ فِي تَعْلِيمِهِ تَعَالَى الْقُرْآنَ، وَهُوَ أَدَاءُ تِلَاوَتِهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِتَيْسِيرِ النُّطْقِ عَلَى الْخَلْقِ وَتَسْهِيلِ خُرُوجِ الْحُرُوفِ مِنْ مَوَاضِعِهَا مِنَ الْحَلْقِ وَاللِّسَانِ وَالشَّفَتَيْنِ، عَلَى اخْتِلَافِ مَخَارِجِهَا وَأَنْوَاعِهَا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ أَيْ: يَجْرِيَانِ مُتَعَاقِبَيْنَ بِحِسَابٍ مُقَنَّن لَا يَخْتَلِفُ وَلَا يَضْطَرِبُ، ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩٦] .

وَعَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ جَعَلَ اللَّهُ نُورَ جَمِيعِ أَبْصَارِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ فِي عَيْنَيْ عَبْدٍ، ثُمَّ كَشَفَ حِجَابًا وَاحِدًا مِنْ سَبْعِينَ حِجَابًا دُونَ الشَّمْسِ، لَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا. وَنُورُ الشَّمْسِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نُورِ الْكُرْسِيِّ، وَنُورُ الْكُرْسِيِّ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نُورِ الْعَرْشِ، وَنُورُ الْعَرْشِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نُورِ السِّتْرِ. فَانْظُرْ مَاذَا أَعْطَى اللَّهُ عَبْدَهُ مِنَ النُّورِ فِي عَيْنَيْهِ وَقْتَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِ رَبِّهِ الْكَرِيمِ عِيَانًا. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَالنَّجْمُ﴾ بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الشَّجَرَ مَا قَامَ عَلَى سَاقٍ، فَرَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: النَّجْمُ مَا انْبَسَطَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ -يَعْنِي مِنَ النَّبَاتِ. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ. وَقَدِ اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: النَّجْمُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ. وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْأَظْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ الْآيَةَ [الْحَجِّ: ١٨] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ يَعْنِي: الْعَدْلَ، كَمَا قَالَ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الْحَدِيدِ: ٢٥] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿أَلا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ أي: خلق السموات وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ، لِتَكُونَ [[في م: "ليكون".]] الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ أَيْ: لَا تَبْخَسُوا الْوَزْنَ، بَلْ زِنوا بِالْحَقِّ وَالْقِسْطِ، كَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٨٢] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالأرْضَ وَضَعَهَا لِلأنَامِ﴾ أَيْ: كَمَا رَفَعَ السَّمَاءَ وَضَعَ الْأَرْضَ وَمَهَّدَهَا، وَأَرْسَاهَا بِالْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ الشَّامِخَاتِ، لِتَسْتَقِرَّ لِمَا عَلَى وَجْهِهَا مِنَ الْأَنَامِ، وَهُمُ: الْخَلَائِقُ الْمُخْتَلِفَةُ أَنْوَاعُهُمْ وَأَشْكَالُهُمْ وَأَلْوَانُهُمْ وَأَلْسِنَتُهُمْ، فِي سَائِرِ أَقْطَارِهَا وَأَرْجَائِهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ: الْأَنَامُ: الْخَلْقُ.

﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ أَيْ: مُخْتَلِفَةُ الْأَلْوَانِ وَالطُّعُومِ وَالرَّوَائِحِ، ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأكْمَامِ﴾ أَفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِ وَنَفْعِهِ، رَطْبًا وَيَابِسًا. وَالْأَكْمَامُ -قَالَ ابْنُ جُرَيْج عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هِيَ أَوْعِيَةُ الطَّلْعِ. وَهَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، وَهُوَ الَّذِي يَطْلُعُ فِيهِ الْقِنْوُ ثُمَّ يَنْشَقُّ عَنِ الْعُنْقُودِ، فَيَكُونُ بُسْرًا ثُمَّ رُطَبًا، ثُمَّ يَنْضَجُ وَيَتَنَاهَى يَنْعُه وَاسْتِوَاؤُهُ.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ [[في أ: "ابن جرير".]] ذُكِرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيِّ: حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ الْحَارِثِ الطَّائِفِيُّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: كَتَبَ قَيْصَرُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أُخْبِرُكَ أَنَّ رُسُلِي أَتَتْنِي مِنْ قِبَلِكَ، فَزَعَمَتْ أَنَّ قِبَلَكُمْ شَجَرَةً لَيْسَتْ بِخَلِيقَةٍ لِشَيْءٍ مِنَ الْخَيْرِ، تَخْرُجُ مِثْلَ آذَانِ الْحَمِيرِ، ثُمَّ تَشَقَّقُ مِثْلَ اللُّؤْلُؤِ، ثُمَّ تَخْضَرُّ فَتَكُونُ مِثْلَ الزُّمُرُّدِ [[في م: "كالرمد".]] الْأَخْضَرِ، ثُمَّ تَحْمَرُّ فَتَكُونُ كَالْيَاقُوتِ الْأَحْمَرِ، ثُمَّ تَيْنَع وَتَنْضَجُ فَتَكُونُ كَأَطْيَبِ فَالَوْذَجَ أُكِل، ثُمَّ تَيْبَسُ فَتَكُونُ عِصْمَةً لِلْمُقِيمِ وَزَادًا لِلْمُسَافِرِ، فَإِنْ تَكُنْ رُسُلِي صَدَقَتْنِي فَلَا أَرَى هَذِهِ الشَّجَرَةَ إِلَّا مِنْ شَجَرِ الْجَنَّةِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ [[في م: "عمر بن عبد الله".]] مِنْ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى قَيْصَرَ مِلْكِ الرُّومِ، إِنَّ رُسُلَكَ قَدْ صَدَقُوكَ [[في م، أ: "صدقتك".]] ، هَذِهِ الشَّجَرَةُ عِنْدَنَا، وَهِيَ الشَّجَرَةُ الَّتِي أَنْبَتَهَا اللَّهُ عَلَى مَرْيَمَ حِينَ نُفِسَتْ بِعِيسَى ابْنِهَا، فَاتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَتَّخِذْ عِيسَى إِلَهًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَإِنَّ ﴿مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٥٩، ٦٠] [[في م: "تكونن".]] .

وَقِيلَ: الْأَكْمَامُ رُفَاتُهَا، وَهُوَ: اللِّيفُ الَّذِي عَلَى عُنُقِ النَّخْلَةِ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وقَتَادَةَ.

﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ يعني: التبن.

وَقَالَ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿الْعَصْفِ﴾ وَرَقُ الزرع الأخضر الذي قطع رؤوسه، فَهُوَ يُسَمَّى الْعَصْفَ إِذَا يَبِسَ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو مَالِكٍ: عَصْفُهُ: تِبْنُهُ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ يَعْنِي: الْوَرَقَ.

وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ رَيْحَانُكُمْ هَذَا.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس: ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ خَضِرُ [[في أ: "خضرة".]] الزَّرْعِ.

وَمَعْنَى هَذَا -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنَّ الْحَبَّ كَالْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَنَحْوِهِمَا لَهُ فِي حَالِ نَبَاتِهِ عَصْفٌ، وَهُوَ: مَا عَلَى السُّنْبُلَةِ، وَرَيْحَانٌ، وَهُوَ: الْوَرَقُ الْمُلْتَفُّ عَلَى سَاقِهَا.

وَقِيلَ: الْعَصْفُ: الْوَرَقُ أَوَّلَ مَا يُنْبِتُ الزَّرْعُ بَقْلًا. وَالرَّيْحَانُ: الْوَرَقُ، يَعْنِي: إِذَا أَدْجَنَ وَانْعَقَدَ فِيهِ الْحَبُّ. كَمَا قَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فِي قَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ.

وَقُولا لَهُ: مَنْ يُنْبِتُ الحَبَّ فِي الثَّرى ... فَيُصْبِحَ مِنْهُ البقلُ يَهْتَزُّ رابيا؟ ...

وَيُخْرجَ منْه حَبَّه في رُؤوسه؟ ... فَفي ذَاكَ آياتٌ لِمَنْ كَانَ وَاعِيَا [[انظر الأبيات في السيرة النبوية لابن هشام (١/٢٢٨) .]]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أَيْ: فَبِأَيِّ الْآلَاءِ [[في م: "آلاء".]] -يَا مَعْشَرَ الثَّقَلَيْنِ، مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ-تُكَذِّبَانِ؟ قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ بَعْدَهُ، أَيِ: النِّعَمُ ظَاهِرَةٌ عَلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ مَغْمُورُونَ بِهَا، لَا تَسْتَطِيعُونَ إِنْكَارَهَا وَلَا جُحُودَهَا [[في م: "جحدها".]] ، فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَتِ الْجِنُّ الْمُؤْمِنُونَ: "اللَّهُمَّ، وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ آلَائِكَ رَبَّنَا نكذِّب، فَلَكَ الْحَمْدُ". وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: "لَا بأيِّها يَا رَبِّ". أَيْ: لَا نُكَذِّبُ بِشَيْءٍ مِنْهَا.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَة، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وهو يَقْرَأُ، وَهُوَ يُصَلِّي نَحْوَ الرُّكْنِ قَبْلَ أَنْ يُصْدَعَ بِمَا يُؤْمَرُ، وَالْمُشْرِكُونَ يَسْتَمِعُونَ [[في م: "يسمعون".]] ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [[المسند (٦/٣٤٩) .]] .

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 5

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الإنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (١) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥) ﴾

يقول تعالى ذكره: الرحمن أيها الناس برحمته إياكم علمكم القرآن. فأنعم بذلك عليكم، إذ بصَّركم به ما فيه رضا ربكم، وعرّفكم ما فيه سخطه، لتطيعوه باتباعكم ما يرضيه عنكم، وعملكم بما أمركم به، وبتجنبكم ما يُسخطه عليكم، فتستوجبوا بذلك جزيل ثوابه، وتنجوا من أليم عقابه.

ورُوي عن قتادة في ذلك ما:-

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن مروان العقيلي، قال: ثنا أبو العوام العجلي، عن قتادة أنه قال: في تفسير ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ قال: نعمة والله عظيمة.

* *

وقوله: ﴿خَلَقَ الإنْسَانَ﴾

يقول تعالى ذكره: خلق آدم وهو الإنسان في قول بعضهم.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: ﴿خَلَقَ الإنْسَانَ﴾ قال الإنسان: آدم.

⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿خَلَقَ الإنْسَانَ﴾ قال الإنسان: آدم ﷺ.

وقال آخرون: بل عنى بذلك الناس جميعا، وإنما وحد في اللفظ لأدائه عن جنسه، كما قيل: ﴿إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ، والقولان كلاهما غير بعيدين من الصواب لاحتمال ظاهر الكلام إياهما.

* *

وقوله: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾

يقول تعالى ذكره: علَّم الإنسان البيان.

ثم اختلف أهل التأويل في المعنيّ بالبيان في هذا الموضع، فقال بعضهم: عنى به بيان الحلال والحرام.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ : علمه الله بيان الدنيا والآخرة بين حلاله وحرامه، ليحتجّ بذلك على خلقه.

⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن سعيد، عن قتادة ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ الدنيا والآخرة ليحتجّ بذلك عليه.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن مروان قال: ثنا أبو العوّام، عن قتادة، في قوله: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ قال: تَبَيَّنَ له الخيرُ والشرّ، وما يأتي، وما يدع.

وقال آخرون: عنى به الكلام: أي أن الله عزّ وجلّ علم الإنسان البيان.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ قال: البيان: الكلام.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: معنى ذلك: أن الله علَّم الإنسان ما به الحاجة إليه من أمر دينه ودنياه من الحلال والحرام، والمعايش والمنطق، وغير ذلك مما به الحاجة إليه، لأن الله جلّ ثناؤه لم يخصص بخبره ذلك، أنه علَّمه من البيان بعضا دون بعض، بل عمّ فقال: علَّمه البيان، فهو كما عمّ جلّ ثناؤه.

* *

وقوله: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: الشمس والقمر بحسبان، ومنازل لها يجريان ولا يعدوانها.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، قال: ثنا الفريابي، قال: ثنا إسرائيل، قال: قال: ثنا سماك بن حرب، عن عكرِمة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ قال: بحساب ومنازل يرسلان.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ قال: يجريان بعدد وحساب.

⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي مالك ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ قال: بحساب ومنازل.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ : أي بحساب وأجل.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ قال: يجريان في حساب.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ قال: يحسب بهما الدهر والزمان لولا الليل والنهار، والشمس والقمر لم يدرك أحد كيف يحسب شيئا لو كان الدهر ليلا كله، كيف يحسب، أو نهارا كله كيف يحسب.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن مروان، قال: ثنا أبو العوّام، عن قتادة ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ قال: بحساب وأجل.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهما يجريان بقدر.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا عبد الله بن داود، عن أبي الصهباء، عن الضحاك، في قوله: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ قال: بقدر يجريان.

وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهما يدوران في مثل قطب الرحا.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: ثنا محمد بن يوسف، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو يحيى عن مجاهد، قال: ثنا محمد بن يوسف، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿بِحُسْبَانٍ﴾ قال: كحسبان الرحا.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله ﴿بِحُسْبَانٍ﴾ قال: كحسبان الرحا.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: الشمس والقمر يجريان بحساب ومنازل، لأن الحسبان مصدر من قول القائل: حسبته حسابا وحسبانا، مثل قولهم: كفرته كفرانا، وغفرته غُفْرانا. وقد قيل: إنه جمع حساب، كما الشهبان: جمع شهاب.

واختلف أهل العربية فيما رفع به الشمس والقمر، فقال بعضهم: رفعا بحسبان: أي بحساب، وأضمر الخبر، وقال: وأظنّ والله أعلم أنه قال: يجريان بحساب. وقال بعض من أنكر هذا القول منهم: هذا غلط، بحسبان يرافع الشمس والقمر أي: هما بحساب، قال: والبيان يأتي على هذا: علَّمه البيان أن الشمس والقمر بحسبان، قال: فلا يحذف الفعل ويُضمر إلا شاذّا في الكلام.