سورة القرآن surah-quran.com

سورة الرحمن

سورة الرحمن، الآية 56

الجزء 27، الصفحة 533.

فِيهِنَّ قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآنٌّ ﴿٥٦﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

في هذه الفرش زوجات قاصرات أبصارهن على أزواجهن، لا ينظرن إلى غيرهم متعلقات بهم، لم يطأهن إنس قبلهم ولا جان.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 46 إلى 78

{46 ـ 47} أي: وللذي خاف ربَّه وقيامه عليه، فترك ما نهى عنه، وفعل ما أمره به؛ له {جنَّتانِ} من ذهبٍ آنيتهما وحليتهما وبنيانهما وما فيهما، إحدى الجنتين جزاءً على ترك المنهيَّات، والأخرى على فعل الطَّاعات.

{48 ـ 49} ومن أوصاف تلك الجنتين أنَّهما {ذواتا أفنانٍ}؛ أي: فيهما من ألوان النَّعيم المتنوِّعة؛ نعيم الظاهر والباطن؛ ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعتْ ولا خطرَ على قلب بشرٍ؛ أي: فيهما الأشجار الكثيرة الزاهرة، ذوات الغصون الناعمة، التي فيها الثمار اليانعة الكثيرة اللَّذيذة.

{50 ـ 51} وفي تلك الجنتين {عينانِ تجريانِ}: يفجِّرونَهما على ما يريدون ويشتَهون.

{52 ـ 53}{فيهما من كلِّ فاكهةٍ}: من جميع أصناف الفواكه {زوجان}؛ أي: صنفان؛ كلُّ صنف له لَذَّةٌ ولونٌ ليس للنوع الآخر.

{54 ـ 55}{متكئين على فرشٍ بطائِنُها من إستبرقٍ}: هذه صفة فُرُشِ أهل الجنَّة وجلوسهم عليها، وأنَّهم متَّكئون عليها؛ أي: جلوسَ تمكُّن واستقرار وراحةٍ؛ كجلوس الملوك على الأسرَّة، وتلك الفُرُش لا يعلم وصفَها وحسنَها إلاَّ الله تعالى ، حتى إنَّ بطائنها التي تلي الأرض منها من إستبرقٍ وهو أحسن الحرير وأفخره؛ فكيف بظواهرها التي يباشرون ، {وجنى الجنَّتينِ دانٍ}: الجنى هو الثمر المستوي؛ أي: وثمر هاتين الجنتين قريبُ التناول، ينالُه القائم والقاعدُ والمضطجع.

{56 ـ 59}{فيهنَّ قاصراتُ الطرفِ}؛ أي: قد قصرنَ طرفهنَّ على أزواجهنَّ من حسنهم وجمالهم وكمال محبتهنَّ لهم، وقصرنَ أيضاً طرفَ أزواجهنَّ عليهنَّ من حسنهنَّ وجمالهنَّ ولَذَّةِ وصالهنَّ وشدَّة محبَّتهنَّ، {لم يطمثهنَّ إنسٌ قبلَهم ولا جانٌّ}؛ أي: لم ينلهنَّ أحدٌ قبلهم من الإنس والجنِّ، بل هنَّ أبكارٌ عربٌ متحبِّباتٌ إلى أزواجهنَّ؛ بحسن التبعُّل والتغنُّج والملاحة والدَّلال، ولهذا قال:{كأنهنَّ الياقوت والمرجان}، وذلك لصفائهنَّ وجمال منظرهنَّ وبهائهنَّ.

{60 ـ 61}{هل جزاءُ الإحسان إلاَّ الإحسان}؛ أي: هل جزاء مَن أحسن في عبادة الخالق، ونفع عبيدَه إلاَّ أن يُحْسَنَ إليه بالثواب الجزيل والفوز الكبير والنعيم المقيم والعيش السليم؟ فهاتان الجنَّتان العاليتان للمقرَّبين.

{62 ـ 69}{ومن دونِهما جنَّتانِ}: من فضَّة بنيانهما وحليتهما وآنيتهما وما فيهما لأصحاب اليمين، وتلك الجنتانِ {مدهامَّتان}؛ أي: سوداوان من شدَّة الخضرة والريِّ ، {فيهما عينان نَضَّاختانِ}؛ أي: فوَّارتان، {فيهما فاكهةٌ}: من جميع أصناف الفواكه، وأخصُّها النخل والرمان، اللذان فيهما من المنافع ما فيهما.

{70 ـ 75}{فيهنَّ}؛ أي: في الجنات كلِّها {خيراتٌ حسانٌ}؛ أي: خيرات الأخلاق حسان الأوجه، فجمعنَ بين جمال الظاهر والباطن وحسن الخَلْق والخُلُق. {حورٌ مقصوراتٌ في الخيام}؛ أي: محبوسات في خيام اللؤلؤ، قد تهيأنَ وأعددنَ أنفسهنَّ لأزواجهنَّ، ولا ينفي ذلك خروجهنَّ في البساتين ورياض الجنة كما جرت العادةُ لبنات الملوك المخدَّرات الخَفِرات ، {لم يطمثهنَّ إنسٌ قبلهم ولا جانٌّ. فبأيِّ آلاء ربِّكما تكذِّبان}؟!

{76 ـ 77}{متَّكئين على رفرفٍ خضرٍ}؛ أي: أصحاب هاتين الجنتين متَّكأهم على الرفرف الأخضر، وهي الفرش التي تحت المجالس العالية، التي قد زادت على مجالسهم، فصار لها رفرفة من وراء مجالسهم؛ لزيادة البهاء وحسن المنظر، {وعبقريٍّ حسانٍ}: العبقريُّ نسبةً لكلِّ منسوج نسجاً حسناً فاخراً، ولهذا وصفها بالحسن الشامل لحسن الصفة و [حسن] المنظر ونعومة الملمس وهاتان الجنتان دون الجنتين الأولَيَيْن؛ كما نصَّ الله على ذلك بقوله:{ومن دونِهِما جنَّتانِ}، وكما وصف الأوليين بعدَّة أوصاف لم يصِفْ به الأخريين، فقال في الأوليين:{فيهما عينان تجريانِ}، وفي الأخريين:{عينان نضَّاختان}: ومن المعلوم الفرق بين الجارية والنضَّاخة، وقال في الأوليين:{ذواتا أفنانٍ}، ولم يقلْ ذلك في الأخريين، وقال في الأوليين:{فيهما من كلِّ فاكهةٍ زوجانِ}، وفي الأخريين:{فيهما فاكهةٌ ونخلٌ ورمانٌ}، وقد عُلِمَ ما بين الوصفين من التفاوت. وقال في الأوليين:{متَّكئين على فرشٍ بطائنها من إستبرقٍ وجنى الجنَّتين دانٍ}، ولم يقلْ ذلك في الأخريين، بل قال:{متكئينَ على رفرفٍ خضرٍ وعبقريٍّ حسانٍ}، وقال في الأوليين في وصف نسائهم وأزواجهم:{فيهن قاصراتُ الطرفِ [لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان]}، وفي الأخريين:{حور مقصوراتٌ في الخيام}، وقد عُلم التفاوت بين ذلك، وقال في الأوليين:{هل جزاءُ الإحسان إلاَّ الإحسانُ}، فدلَّ ذلك أنَّ الأوليين جزاء المحسنين، ولم يقل ذلك في الأخيرتين، ومجرَّد تقديم الأوليين على الأخريين يدلُّ على فضلهما. فبهذه الأوجه يُعْرَفُ فضلُ الأوليين على الأخريين، وأنهما معدَّتان للمقرَّبين من الأنبياء والصدِّيقين وخواصِّ عباد الله الصالحين، وأنَّ الأخريين معدَّتان لعموم المؤمنين. وفي كلٍّ من الجنات المذكورات ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعتْ ولا خطر على قلب بشرٍ، وفيهنَّ ما تشتهيه الأنفسُ وتلذُّ الأعين، وأهلهنَّ في غاية الراحة والرضا والطمأنينة وحسن المأوى، حتى إنَّ كلَّ واحدٍ منهم لا يرى أحداً أحسن حالاً منه ولا أعلى من نعيمِهِ الذي هو فيه.

الآية 78: ولمَّا ذكر سعةَ فضله وإحسانه؛ قال:{تبارك اسمُ ربِّك ذي الجلال والإكرام}؛ أي: تعاظم وكثر خيره الذي له الجلال الباهر والمجدُ الكامل والإكرام لأوليائه.

تم تفسير سورة الرحمن. ولله الحمد والشكر والثناء الحسن

* * *

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿فِيهِنَّ﴾ فِي الجَنَّتَيْنِ وما اشْتَمَلَتا عَلَيْهِ مِن العَلالِيّ والقُصُور ﴿قاصِرات الطَّرْف﴾ العَيْن عَلى أزْواجهنَّ المُتَّكِئِينَ مِن الإنْس والجِنّ ﴿لَمْ يَطْمِثهُنَّ﴾ يَفْتَضّهُنَّ وهُنَّ مِن الحُور أوْ مِن نِساء الدُّنْيا المُنْشَآت

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 54 إلى 61

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ يَعْنِي: أَهْلَ الْجَنَّةِ. وَالْمُرَادُ بِالِاتِّكَاءِ هَاهُنَا: الِاضْطِجَاعُ. وَيُقَالُ: الْجُلُوسُ عَلَى صِفَةِ التَّرَبُّعِ. ﴿عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ وَهُوَ: مَا غَلُظَ مِنَ الدِّيبَاجِ. قَالَهُ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ وقَتَادَةُ.

وَقَالَ أَبُو عِمْران الجَوْني: هُوَ الدِّيبَاجُ المغَرّي [[في م، أ: "المعمول".]] بِالذَّهَبِ. فَنَبَّهَ عَلَى شَرَفِ الظِّهَارَةِ بِشَرَفِ الْبِطَانَةِ. وَهَذَا مِنَ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى.

قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ هُبَيْرة بْنِ يَرِيم [[في أ: "سرية".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: هَذِهِ الْبَطَائِنُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَيْتُمُ الظَّوَاهِرَ؟

وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، وظواهرها من نور.

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ -أَوْ شَرِيكٌ-: بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَظَوَاهِرُهَا مِنْ نُورٍ جَامِدٍ.

وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ [[في م: "مخيمر".]] : بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، وَظَوَاهِرُهَا مِنَ الرَّحْمَةِ.

وَقَالَ ابْنُ شَوْذَب، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيِّ: ذَكَرَ اللَّهُ الْبَطَائِنَ وَلَمْ يَذْكُرِ الظَّوَاهِرَ، وَعَلَى الظَّوَاهِرِ الْمَحَابِسُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَحْتَ الْمَحَابِسِ إِلَّا اللَّهُ. ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْإِمَامُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ أَيْ: ثَمَرُهَا قَرِيبٌ إِلَيْهِمْ، مَتَى شَاءُوا تَنَاوَلُوهُ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانُوا، كَمَا قَالَ: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الْحَاقَّةِ:٢٣] ، وَقَالَ: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا﴾ [الْإِنْسَانِ:١٤] أَيْ: لَا تُمْنَعُ مِمَّنْ تَنَاوَلَهَا، بَلْ تَنْحَطُّ إِلَيْهِ مِنْ أَغْصَانِهَا، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

وَلَمَّا ذَكَرَ الْفُرُشَ وَعَظَمَتَهَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فِيهِنَّ﴾ أَيْ: فِي الْفُرُشِ ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أَيْ غَضِيضَاتٌ عَنْ غَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ، فَلَا يَرَيْنَ شَيْئًا أَحْسَنَ فِي الْجَنَّةِ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ.

وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْوَاحِدَةَ مِنْهُنَّ تَقُولُ لِبَعْلِهَا: وَاللَّهِ مَا أَرَى فِي الْجَنَّةِ شَيْئًا أَحْسَنَ منك، ولا في الجنة شيئ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْكَ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَكَ لِي وَجَعَلَنِي لَكَ.

﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ أَيْ: بَلْ هُنَّ أَبْكَارٌ عُرُبٌ أَتْرَابٌ، لَمْ يَطَأْهُنَّ أَحَدٌ قَبْلَ أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ. وَهَذِهِ أَيْضًا مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى دُخُولِ مُؤْمِنِي الْجِنِّ الْجَنَّةَ.

قَالَ أَرْطَاةُ بْنُ الْمُنْذِرِ: سُئِلَ ضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ: هَلْ يَدْخُلُ الْجِنُّ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَيَنْكِحُونَ، لِلْجِنِّ جِنِّيَّاتٌ، وَلِلْإِنْسِ إِنْسِيَّاتٌ. وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

ثُمَّ قَالَ يَنْعَتُهُنَّ لِلْخُطَّابِ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ، قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، [وَالسُّدِّيُّ] [[زيادة من م.]] ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ: فِي صَفَاءِ الْيَاقُوتِ وَبَيَاضِ الْمَرْجَانِ، فَجَعَلُوا الْمَرْجَانَ هَاهُنَا اللُّؤْلُؤَ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عُبِيدة بْنُ حُمَيْد، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ [[في أ: "الأزدي".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ليُرى بَيَاضُ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ سَبْعِينَ حُلَّةً مِنَ الْحَرِيرِ [[في م: "حرير".]] ، حَتَّى يُرَى مُخُّهَا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ، فَأَمَّا الْيَاقُوتُ فَإِنَّهُ حَجَرٌ لَوْ أَدْخَلْتَ فِيهِ سِلْكًا ثُمَّ اسْتَصْفَيْتَهُ لَرَأَيْتَهُ مِنْ وَرَائِهِ".

وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدَة بْنِ حُمَيْدٍ وَأَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٣٣) .]] . ورواه موقوفا، ثم قال: وهو أصح [[سنن الترمذي برقم (٢٥٣٤) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ زَوْجَتَانِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً، يُرى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ الثِّيَابِ".

تَفَرَّدَ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٢/٣٤٥) .]] . وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّة، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: إِمَّا تَفَاخَرُوا وَإِمَّا تَذَكَّرُوا، الرِّجَالُ أَكْثَرُ فِي الْجَنَّةِ أَمِ النِّسَاءُ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أو لم يَقُلْ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ: "إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى أضْوَأ كَوْكَبٍ دُرّي فِي السَّمَاءِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ اثْنَتَانِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ" [[صحيح مسلم برقم (٢٨٣٤) .]] .

وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ هَمّام بْنِ مُنَبّه وَأَبِي زُرْعَة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[صحيح البخاري برقم (٣٢٤٥) وصحيح مسلم برقم (٢٨٣٤) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ -أَوْ مَوْضِعُ قَيْدِهِ [[في م: "قده" وفي أ: "قدمه".]] -يَعْنِي: سَوْطَهُ-مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوِ اطَّلَعَتِ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَى الْأَرْضِ لَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا، وَلَطَابَ مَا بَيْنَهُمَا، ولنَصِيفها عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".

وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ بِنَحْوِهِ [[المسند (٣/١٤١) وصحيح البخاري برقم (٢٧٩٦) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ﴾ أَيْ: مَا لِمَنْ أَحْسَنَ فِي الدُّنْيَا الْعَمَلَ [[في م: "العمل في الدنيا".]] إِلَّا الْإِحْسَانُ إِلَيْهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يُونُسَ:٢٦] .

وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشَّريحِي، حَدَّثَنَا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فَنجُوَيه، حدثنا ابْنُ شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَهْرَام، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ المُكْتَب، حَدَّثَنَا بِشْر بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ﴾ ، قَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "يَقُولُ هَلْ جَزَاءُ مَا أَنْعَمْتُ عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إِلَّا الْجَنَّةُ" [[معالم التنزيل للبغوي (٧/٤٥٦) وفيه بشر الأصبهاني يروي عن الزبير بن عدي عن أنس بنسخة موضوعة.]] .

وَلَمَّا كَانَ فِي الَّذِي ذُكِرَ نِعَمٌ عَظِيمَةٌ لَا يُقَاوِمُهَا عَمَلٌ، بَلْ مُجَرَّدُ تَفَضُّلٍ وَامْتِنَانٍ، قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَغَوِيُّ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبَى عَقِيلٍ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ يَزِيدَ بن سِنان الرّهاوي، عن بُكَيْر ابن فَيْرُوزَ [[في أ: "فيروز الديلمي".]] ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ".

ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ [[سنن الترمذي برقم (٢٤٥٠) وتفسير البغوي (٧/٤٥١) .]] .

وَرَوَى الْبَغَوِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ حُجْر، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عن محمد بن أبي حَرْمَلَة -مَوْلَى حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى-عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُصُّ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ . فَقُلْتُ الثَّانِيَةَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ [رَسُولُ اللَّهِ ﷺ] [[زيادة من م، أ.]] ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ . فَقُلْتُ الثَّالِثَةَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "وَإِنْ، رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ" [[معالم التنزيل للبغوي (٧/٤٥٢) .]] .

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 56 إلى 57

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧) ﴾

يقول تعالى ذكره في هذه الفرش التي بطائنها من إستبرق ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ ، وهنّ النساء اللاتي قد قُصِرَ طرفهنّ على أزواجهنّ، فلا ينظرن إلى غيرهم من الرجال.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثني أبي، عن أبي يحيى، عن مجاهد في قوله: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ قال: قَصُر طرفهنّ عن الرجال، فلا ينظرن إلا إلى أزواجهنّ.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ .... الآية، يقول: قُصِر طرفهنّ على أزواجهنّ، فلا يردن غيرهم.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ قال: لا ينظرن إلا إلى أزواجهنّ، تقول: وعزّة ربي وجلاله وجماله، إن أرى في الجنة شيئا أحسن منك، فالحمد لله الذي جعلك زوجي، وجعلني زوجَك.

* *

وقوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾

يقول: لم يمسهنّ إنس قبل هؤلاء الذين وصف جلّ ثناؤه صفتهم، وهم الذين قال فيهم ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ . ولا جانّ يقال منه: ما طمث هذا البعيرَ حبلٌ قطّ: أيِ ما مَسَّهُ [[كذا في (اللسان: طمث) . وفي الأصل: مشطه، ولعله تحريف من الناسخ.]] حبل.

وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من الكوفيين يقول: الطمث هو النكاح بالتدمية، ويقول: الطمث هو الدم، ويقول: طمثها إذا دماها بالنكاح.

وإنما عنى في هذا الموضع أنه لم يجامعهنّ إنس قبلهم ولا جانّ.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ يقول: لم يُدْمِهنّ إنس ولا جانّ.

⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل، عن رجل عن عليّ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ قال: منذ خلقهنّ.

⁕ حدثنا الحسين بن يزيد الطحان، قال: ثنا أبو معاوية الضرير، عن مغيرة بن مسلم، عن عكرمة، قال: لا تقل للمرأة طامث، فإن الطَّمْث هو الجماع، إن الله يقول ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ .

⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ قال: لَم يَمَسَّهنّ شيء إنسٌ ولا غيره.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ قال: لم يَمَسَّهنّ.

⁕ حدثنا عمرو بن عبد الحميد الآملي، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن عاصم، قال: قلت لأبي العالية امرأة طامث، قال: ما طامث؟ فقال رجل: حائض، فقال أبو العالية: حائض، أليس يقول الله عزّ وجل ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ .

فإن قال قائل: وهل يجامع النساء الجنّ، فيقال: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ ؟ فإن مجاهدا روي عنه ما:-

⁕ حدثني به محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا سهل بن عامر، قال: ثنا يحيى بن يَعْلَى الأسلميّ عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد، قال: إذا جامع الرجل ولم يسمّ، انطوى الجانّ على إحليله فجامع معه، فذلك قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ .

وكان بعض أهل العلم ينتزع بهذه الآية في أن الجنّ يدخلون الجنة.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني أبو حُميد أحمد بن المغيرة الحمصي، قال: ثني أبو حَيْوة شريح بن يزيد الحضرمي قال: ثني أرطاة بن المنذر، قال: سألت ضَمْرة بن حبيب: هل للجنّ من ثواب؟ قال: نعم، ثم نزع بهذه الآية ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ ، فالإنسيات للإنس، والجنيات للجنّ.

* *

وقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

يقول تعالى ذكره: فبأيّ آلاء ربكما معشر الجنّ والإنس -من هذه النعم التي أنعمها على أهل طاعته تكذّبان.