سورة الرحمن، الآية 67
الجزء 27، الصفحة 533.
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٦٧﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة الرحمن
تفسير الآية
التفسير الميسر
يشمل هذا التفسير الآيات 66 إلى 67
فيهما عينان فوّارتان بالماء لا تنقطعان. فبأي نِعَم ربكما -أيها الثقلان- تكذِّبان؟
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 46 إلى 78
{46 ـ 47} أي: وللذي خاف ربَّه وقيامه عليه، فترك ما نهى عنه، وفعل ما أمره به؛ له {جنَّتانِ} من ذهبٍ آنيتهما وحليتهما وبنيانهما وما فيهما، إحدى الجنتين جزاءً على ترك المنهيَّات، والأخرى على فعل الطَّاعات.
{48 ـ 49} ومن أوصاف تلك الجنتين أنَّهما {ذواتا أفنانٍ}؛ أي: فيهما من ألوان النَّعيم المتنوِّعة؛ نعيم الظاهر والباطن؛ ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعتْ ولا خطرَ على قلب بشرٍ؛ أي: فيهما الأشجار الكثيرة الزاهرة، ذوات الغصون الناعمة، التي فيها الثمار اليانعة الكثيرة اللَّذيذة.
{50 ـ 51} وفي تلك الجنتين {عينانِ تجريانِ}: يفجِّرونَهما على ما يريدون ويشتَهون.
{52 ـ 53}{فيهما من كلِّ فاكهةٍ}: من جميع أصناف الفواكه {زوجان}؛ أي: صنفان؛ كلُّ صنف له لَذَّةٌ ولونٌ ليس للنوع الآخر.
{54 ـ 55}{متكئين على فرشٍ بطائِنُها من إستبرقٍ}: هذه صفة فُرُشِ أهل الجنَّة وجلوسهم عليها، وأنَّهم متَّكئون عليها؛ أي: جلوسَ تمكُّن واستقرار وراحةٍ؛ كجلوس الملوك على الأسرَّة، وتلك الفُرُش لا يعلم وصفَها وحسنَها إلاَّ الله تعالى ، حتى إنَّ بطائنها التي تلي الأرض منها من إستبرقٍ وهو أحسن الحرير وأفخره؛ فكيف بظواهرها التي يباشرون ، {وجنى الجنَّتينِ دانٍ}: الجنى هو الثمر المستوي؛ أي: وثمر هاتين الجنتين قريبُ التناول، ينالُه القائم والقاعدُ والمضطجع.
{56 ـ 59}{فيهنَّ قاصراتُ الطرفِ}؛ أي: قد قصرنَ طرفهنَّ على أزواجهنَّ من حسنهم وجمالهم وكمال محبتهنَّ لهم، وقصرنَ أيضاً طرفَ أزواجهنَّ عليهنَّ من حسنهنَّ وجمالهنَّ ولَذَّةِ وصالهنَّ وشدَّة محبَّتهنَّ، {لم يطمثهنَّ إنسٌ قبلَهم ولا جانٌّ}؛ أي: لم ينلهنَّ أحدٌ قبلهم من الإنس والجنِّ، بل هنَّ أبكارٌ عربٌ متحبِّباتٌ إلى أزواجهنَّ؛ بحسن التبعُّل والتغنُّج والملاحة والدَّلال، ولهذا قال:{كأنهنَّ الياقوت والمرجان}، وذلك لصفائهنَّ وجمال منظرهنَّ وبهائهنَّ.
{60 ـ 61}{هل جزاءُ الإحسان إلاَّ الإحسان}؛ أي: هل جزاء مَن أحسن في عبادة الخالق، ونفع عبيدَه إلاَّ أن يُحْسَنَ إليه بالثواب الجزيل والفوز الكبير والنعيم المقيم والعيش السليم؟ فهاتان الجنَّتان العاليتان للمقرَّبين.
{62 ـ 69}{ومن دونِهما جنَّتانِ}: من فضَّة بنيانهما وحليتهما وآنيتهما وما فيهما لأصحاب اليمين، وتلك الجنتانِ {مدهامَّتان}؛ أي: سوداوان من شدَّة الخضرة والريِّ ، {فيهما عينان نَضَّاختانِ}؛ أي: فوَّارتان، {فيهما فاكهةٌ}: من جميع أصناف الفواكه، وأخصُّها النخل والرمان، اللذان فيهما من المنافع ما فيهما.
{70 ـ 75}{فيهنَّ}؛ أي: في الجنات كلِّها {خيراتٌ حسانٌ}؛ أي: خيرات الأخلاق حسان الأوجه، فجمعنَ بين جمال الظاهر والباطن وحسن الخَلْق والخُلُق. {حورٌ مقصوراتٌ في الخيام}؛ أي: محبوسات في خيام اللؤلؤ، قد تهيأنَ وأعددنَ أنفسهنَّ لأزواجهنَّ، ولا ينفي ذلك خروجهنَّ في البساتين ورياض الجنة كما جرت العادةُ لبنات الملوك المخدَّرات الخَفِرات ، {لم يطمثهنَّ إنسٌ قبلهم ولا جانٌّ. فبأيِّ آلاء ربِّكما تكذِّبان}؟!
{76 ـ 77}{متَّكئين على رفرفٍ خضرٍ}؛ أي: أصحاب هاتين الجنتين متَّكأهم على الرفرف الأخضر، وهي الفرش التي تحت المجالس العالية، التي قد زادت على مجالسهم، فصار لها رفرفة من وراء مجالسهم؛ لزيادة البهاء وحسن المنظر، {وعبقريٍّ حسانٍ}: العبقريُّ نسبةً لكلِّ منسوج نسجاً حسناً فاخراً، ولهذا وصفها بالحسن الشامل لحسن الصفة و [حسن] المنظر ونعومة الملمس وهاتان الجنتان دون الجنتين الأولَيَيْن؛ كما نصَّ الله على ذلك بقوله:{ومن دونِهِما جنَّتانِ}، وكما وصف الأوليين بعدَّة أوصاف لم يصِفْ به الأخريين، فقال في الأوليين:{فيهما عينان تجريانِ}، وفي الأخريين:{عينان نضَّاختان}: ومن المعلوم الفرق بين الجارية والنضَّاخة، وقال في الأوليين:{ذواتا أفنانٍ}، ولم يقلْ ذلك في الأخريين، وقال في الأوليين:{فيهما من كلِّ فاكهةٍ زوجانِ}، وفي الأخريين:{فيهما فاكهةٌ ونخلٌ ورمانٌ}، وقد عُلِمَ ما بين الوصفين من التفاوت. وقال في الأوليين:{متَّكئين على فرشٍ بطائنها من إستبرقٍ وجنى الجنَّتين دانٍ}، ولم يقلْ ذلك في الأخريين، بل قال:{متكئينَ على رفرفٍ خضرٍ وعبقريٍّ حسانٍ}، وقال في الأوليين في وصف نسائهم وأزواجهم:{فيهن قاصراتُ الطرفِ [لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان]}، وفي الأخريين:{حور مقصوراتٌ في الخيام}، وقد عُلم التفاوت بين ذلك، وقال في الأوليين:{هل جزاءُ الإحسان إلاَّ الإحسانُ}، فدلَّ ذلك أنَّ الأوليين جزاء المحسنين، ولم يقل ذلك في الأخيرتين، ومجرَّد تقديم الأوليين على الأخريين يدلُّ على فضلهما. فبهذه الأوجه يُعْرَفُ فضلُ الأوليين على الأخريين، وأنهما معدَّتان للمقرَّبين من الأنبياء والصدِّيقين وخواصِّ عباد الله الصالحين، وأنَّ الأخريين معدَّتان لعموم المؤمنين. وفي كلٍّ من الجنات المذكورات ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعتْ ولا خطر على قلب بشرٍ، وفيهنَّ ما تشتهيه الأنفسُ وتلذُّ الأعين، وأهلهنَّ في غاية الراحة والرضا والطمأنينة وحسن المأوى، حتى إنَّ كلَّ واحدٍ منهم لا يرى أحداً أحسن حالاً منه ولا أعلى من نعيمِهِ الذي هو فيه.
الآية 78: ولمَّا ذكر سعةَ فضله وإحسانه؛ قال:{تبارك اسمُ ربِّك ذي الجلال والإكرام}؛ أي: تعاظم وكثر خيره الذي له الجلال الباهر والمجدُ الكامل والإكرام لأوليائه.
تم تفسير سورة الرحمن. ولله الحمد والشكر والثناء الحسن
* * *
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 62 إلى 78
هَاتَانِ الْجَنَّتَانِ دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا فِي الْمَرْتَبَةِ وَالْفَضِيلَةِ وَالْمَنْزِلَةِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ: "جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، فَالْأُولَيَانِ [[في م: "فالأولتان".]] لِلْمُقَرَّبِينَ، والأخريان [[في م: "والأخيرتان".]] لأصحاب اليمين".
وَقَالَ أَبُو مُوسَى: جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ لِلْمُقَرَّبِينَ، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ مِنْ دُونِهِمَا فِي الدَّرَجِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: مِنْ دُونِهِمَا فِي الْفَضْلِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى شَرَفِ الْأُولَيَيْنِ عَلَى الْأُخْرَيَيْنِ وجوه: أحدها: أنه نعت الأولين قَبْلَ هَاتَيْنِ، وَالتَّقْدِيمُ يَدُلُّ عَلَى الِاعْتِنَاءِ ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ . وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي شَرَفِ التَّقَدُّمِ [[في أ: "التقديم".]] وَعُلُوِّهِ عَلَى الثَّانِي.
وَقَالَ هُنَاكَ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ : وَهِيَ الْأَغْصَانُ أَوِ الْفُنُونُ فِي الْمَلَاذِّ، وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿مُدْهَامَّتَان﴾ أَيْ سَوْدَاوَانِ مِنْ شِدَّةِ الرِّيِّ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُدْهَامَّتَان﴾ قَدِ اسْوَدَّتَا مِنَ الْخُضْرَةِ، مِنْ شِدَّةِ الرِّيِّ مِنَ الْمَاءِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْل، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مُدْهَامَّتَان﴾ : قَالَ: خَضْرَاوَانِ. ورُوي عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، وَعِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَير، وَمُجَاهِدٍ -فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ-وَعَطَاءٍ، وَعَطِيَّةَ العَوْفي، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ رَافِعٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، نَحْوُ ذَلِكَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ﴿مُدْهَامَّتَان﴾ : مُمْتَلِئَتَانِ مِنَ الْخُضْرَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: خَضْرَاوَانِ مِنَ الرِّيِّ نَاعِمَتَانِ. وَلَا شَكَّ فِي نَضَارَةِ الْأَغْصَانِ عَلَى الْأَشْجَارِ الْمُشَبَّكَةِ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ. وَقَالَ هُنَاكَ: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ ، وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿نَضَّاخَتَان﴾ ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْ فَيَّاضَتَانِ. وَالْجَرْيُ أَقْوَى مِنَ النَّضْخِ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿نَضَّاخَتَان﴾ أَيْ مُمْتَلِئَتَانِ لَا تَنْقَطِعَانِ.
وَقَالَ هُنَاكَ: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ ، وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأُولَى أَعَمُّ وَأَكْثَرُ فِي الْأَفْرَادِ وَالتَّنْوِيعِ عَلَى فَاكِهَةٍ، وَهِيَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ لَا تَعُمُّ؛ وَلِهَذَا فُسِّرَ قَوْلُهُ: ﴿وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، كَمَا قَرَّرَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ، وَإِنَّمَا أُفْرِدَ النَّخْلُ وَالرُّمَّانُ بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِمَا عَلَى غَيْرِهِمَا.
قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا مُخَارِقٌ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: جَاءَ أُنَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، أَفِي [[في م: "في".]] الْجَنَّةِ فَاكِهَةٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، فِيهَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ". قَالُوا: أَفَيَأْكَلُونَ كَمَا يَأْكُلُونَ فِي الدُّنْيَا؟ قَالَ: "نَعَمْ وَأَضْعَافٌ". قَالُوا: فَيَقْضُونَ الْحَوَائِجَ؟ قَالَ: "لَا وَلَكِنَّهُمْ يَعْرَقُونَ وَيَرْشَحُونَ، فَيُذْهِبُ اللَّهُ مَا فِي بطونهم من أذى" [[المنتخب برقم (٣٥) وفيه حصين بن عمر وهو متروك.]] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الفَضْل بْنُ دُكَيْن، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَخْلُ الْجَنَّةِ سَعَفُهَا كُسْوَةٌ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ، مِنْهَا مُقَطَّعَاتهم، وَمِنْهَا حُلَلهم، وكَرَبُها ذَهَبٌ أَحْمَرُ، وَجُذُوعُهَا زُمُرُّدٌ أَخْضَرُ، وَثَمَرُهَا أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَأَلْيَنُ مِنَ الزُّبْدِ، وَلَيْسَ لَهُ عَجَمٌ.
وَحَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ -هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ-عَنْ أَبِي هَارُونَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "نَظَرْتُ إِلَى الْجَنَّةِ فَإِذَا الرُّمَّانَةُ مِنْ رُمَّانِهَا كَمِثْلِ الْبَعِيرِ المُقْتَب" [[رواه الثعلبي في تفسيره كما في تخريج الإحياء (٦/٢٧٨٧) وابن عساكر في تاريخ دمشق كما في تهذيبه (٥/٤٦٢) من طريق أبي هارون العبدي به.
وأبو هارون العبدي اسمه عمارة بن جوين كذبه بعض الأئمة.]] .
ثُمَّ قَالَ: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ قِيلَ: الْمُرَادُ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ حَسَنَةٌ فِي الْجَنَّةِ، قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقِيلَ: خَيْرَاتٌ جَمْعُ خَيِّرَةٍ، وَهِيَ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ الْحَسَنَةُ الخُلُق الْحَسَنَةُ الْوَجْهِ، قَالَهُ الْجُمْهُورُ. وَرُوِيَ مَرْفُوعًا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ [[رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٣/٣٦٧) مطولا وفيه سليمان بن أبي كريمة وهو ضعيف.]] . وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الَّذِي سَنُورِدُهُ فِي سُورَةِ "الْوَاقِعَةِ" [[عند تفسير الآيات ٣٥- ٣٨ من نفس السورة.]] : أَنَّ الْحُورَ الْعِينَ يُغَنِّينَ: نَحْنُ الْخَيْرَاتُ الْحِسَانُ، خُلِقْنَا لِأَزْوَاجٍ كِرَامٍ. وَلِهَذَا قَرَأَ بَعْضُهُمْ: "فِيهِنَّ خَيّرات"، بِالتَّشْدِيدِ ﴿حِسَانٌ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .
ثُمَّ قَالَ: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ ، وَهُنَاكَ قَالَ: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الَّتِي قَدْ قَصَرَت طَرْفَهَا بِنَفْسِهَا أَفْضَلُ مِمَّنْ قُصرت، وَإِنْ كَانَ الْجَمِيعُ مُخَدَّرَاتٍ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَوْدِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بزَّة، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: إِنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ خَيرة، وَلِكُلِّ خَيرة خَيْمَةٌ، وَلِكُلِّ خَيْمَةٍ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ، يَدْخُلُ عَلَيْهَا [[في م: "عليهم".]] كُلَّ يَوْمٍ تُحْفَةٌ وَكَرَامَةٌ وَهَدِيَّةٌ لَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ، لَا مَرّاحات وَلَا طَمّاحات، وَلَا بَخِرَاتٍ وَلَا ذَفِرَاتٍ، حُورٌ عِينٌ، كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فِي الْخِيَامِ﴾ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ خَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ، عَرْضُهَا سِتُّونَ [[في أ: "سبعون".]] مِيلًا فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أهلٌ مَا يَرون الْآخَرِينَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُونَ".
وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي عِمْرَانَ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٧٩) ، (٣٢٤٣) .]] . وَقَالَ: "ثَلَاثُونَ مِيلًا". وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عِمْرَانَ، بِهِ. وَلَفْظُهُ: "إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ، طُولُهَا ستون ميلا لِلْمُؤْمِنِ فِيهَا أَهْلٌ [[في م: "أهلون".]] يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُ، فَلَا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا" [[صحيح مسلم برقم (٢٨٣٨) .]] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أَخْبَرَنِي خُلَيْد العَصَري، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: الْخَيْمَةُ لُؤْلُؤَةٌ وَاحِدَةٌ، فِيهَا سَبْعُونَ بَابًا مِنْ دُرٍّ.
وَحَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ أَبِي فَاطِمَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ ، وَقَالَ: [فِي] [[زيادة من م.]] خِيَامِ اللُّؤْلُؤِ، وَفِي الجنة خيمة واحدة من لؤلؤة، أربع فَرَاسِخَ فِي أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ، عَلَيْهَا أَرْبَعَةُ آلَافِ مِصْرَاعٍ مِنَ الذَّهَبِ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنَا عَمْرٌو أَنَّ دَرَّاجا أَبَا السَّمح حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: "أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً الَّذِي لَهُ ثَمَانُونَ أَلْفَ خَادِمٍ، وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ زَوْجَةً، وَتُنْصَبُ لَهُ قُبَّةٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ وَيَاقُوتٍ، كَمَا بَيْنَ الْجَابِيَةِ وَصَنْعَاءَ".
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٦٢) وَقَالَ: "هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حديث رشدين". ولم يتفرد به رشدين بل تابعه ابن وهب كما هنا، وفي إسناده دراج يروي عن أبي الهيثم مناكير.]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ : [قَدْ] [[زيادة من م، أ.]] تَقَدَّمَ مِثْلُهُ سَوَاءٌ، إِلَّا أَنَّهُ زَادَ فِي وَصْفِ الْأَوَائِلِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الرَّفْرَفُ: الْمَحَابِسُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمَا: هِيَ الْمَحَابِسُ. وَقَالَ الْعَلَاءُ بْنُ بَدْرٍ [[في م: "زيد".]] الرَّفْرَفُ عَلَى السَّرِيرِ، كَهَيْئَةِ الْمَحَابِسِ الْمُتَدَلِّي.
وَقَالَ عَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ يَعْنِي: الْوَسَائِدَ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ قَالَ: الرَّفْرَفُ: رِيَاضُ الْجَنَّةِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالسُّدِّيُّ: الْعَبْقَرِيُّ: الزَّرَابِيُّ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هِيَ عِتَاقُ الزَّرَابِيِّ، يَعْنِي: جِيَادَهَا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْعَبْقَرِيُّ: الدِّيبَاجُ.
وَسُئِلَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ فَقَالَ: هِيَ بُسُطُ أَهْلِ الْجَنَّةِ -لا أبا لكم- فَاطْلُبُوهَا. وَعَنِ الْحَسَنِ [الْبَصْرِيِّ] [[زيادة من م، أ.]] رِوَايَةٌ: أَنَّهَا الْمَرَافِقُ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: الْعَبْقَرِيُّ: أَحْمَرُ وَأَصْفَرُ وَأَخْضَرُ. وَسُئِلَ الْعَلَاءُ بْنُ زَيْدٍ عَنِ الْعَبْقَرِيِّ، فَقَالَ: الْبُسُطُ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو حَزْرَة [[في أ: "حزيرة".]] يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ: الْعَبْقَرِيُّ: مِنْ ثِيَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: الْعَبْقَرِيُّ: الطَّنَافِسُ المخْمَلة، إِلَى الرِّقَّةِ مَا هِيَ. وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: كُلُّ ثَوْبٍ مُوَشى عِنْدَ الْعَرَبِ عَبْقَرِيٌّ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى أَرْضٍ يُعْمَلُ بِهَا الْوَشْيُ. وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ: كُلُّ شَيْءٍ يَسُرُّ [[في م، أ: "نفيس".]] مِنَ الرِّجَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ يُسَمَّى عِنْدَ الْعَرَبِ عَبْقَرِيًّا. وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي عُمَرَ: "فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرِيَّهُ" [[صحيح البخاري برقم (٣٦٨٢) وصحيح مسلم برقم (٢٣٩٣) من حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.]] .
وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَصِفَةُ مَرَافِقِ أَهْلِ الْجَنَّتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ أَرْفَعُ وَأَعْلَى مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ هُنَاكَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ ، فَنَعَتَ بَطَائِنَ فُرُشِهِمْ وَسَكَتَ عَنْ ظَهَائِرِهَا [[في م: "ظهارتها".]] ، اكْتِفَاءً بِمَا مَدَحَ بِهِ الْبَطَائِنَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى. وَتَمَامُ الْخَاتِمَةِ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ الصِّفَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ﴾ فَوَصَفَ أَهْلَهَا بِالْإِحْسَانِ وَهُوَ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ وَالنِّهَايَاتِ، كَمَا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ لَمَّا سَأَلَ عَنِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ الْإِيمَانِ. فَهَذِهِ وُجُوهٌ عَدِيدَةٌ فِي تَفْضِيلِ الجنتين الأوليين على هاتين الأخيريين [[في م: "الأخيرتين".]] ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ الْوَهَّابَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ أَهْلِ الْأُولَيَيْنِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ أَيْ: هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُجَلَّ فَلَا يُعْصَى، وَأَنْ يُكْرَمَ فَيُعْبَدَ، وَيُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرَ، وَأَنْ يُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿ذِي الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ ذِي الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ عُمَيْرِ [[في أ: "عمر".]] بْنِ هَانِئٍ، عَنْ أَبِي الْعَذْرَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أجِدّوا اللَّهَ يَغْفِرْ لَكُمْ" [[المسند (٥/١٩٩) وقال الهيثمي في المجمع (١/٣١) : "وفي إسناده أبو العذراء وهو مجهول".]] .
وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: "إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَذِي السُّلْطَانِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ [[في م: "الذكر".]] غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَلَا الْجَافِي عَنْهُ" [[رواه أبو داود في السنن برقم (٤٨٤٣) والبيهقي في السنن الكبرى (٨/١٦٣) مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عنه.]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو يُوسُفَ الْجِيزِيُّ [[في الأصل وبقية النسخ: "الحربي" والتصويب من أبي يعلى.]] ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قَالَ: "أَلِظُّوا بِيَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ".
وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ، عَنْ مُؤَمَّلِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، بِهِ [[مسند أبي يعلى (٦/٤٤٥) وسنن الترمذي برقم (٣٥٢٢) .
وقال ابن طاهر: "وقد تابع المؤمل فيه روح بن عبادة وروح حافظ ثقة".
أخرجه ابن مردويه في تفسيره كما في تخريج الكشاف للزيلعي (٣/٣٩٦) من طريق روح بن عبادة عن حماد بن سلمة عن+]] .
ثُمَّ قَالَ: غَلَطَ الْمُؤَمَّلُ فِيهِ، وَهُوَ غَرِيبٌ وَلَيْسَ بِمَحْفُوظٍ، وَإِنَّمَا يُرْوَى هَذَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ الْمَقْدِسِيِّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "أَلِظُّوا بِذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ".
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، بِهِ [[المسند (٤/١٧٧) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٥٦٣) .]] .
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: أَلَظَّ فُلَانٌ بِفُلَانٍ: إِذَا لَزِمَهُ [[لسان العرب (٧/٤٥٩) .]] .
وَقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: "أَلِظُّوا بِيَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ" أَيِ: الْزَمُوا. وَيُقَالُ: الْإِلْظَاظُ هُوَ الْإِلْحَاحُ.
قُلْتُ: وَكِلَاهُمَا قَرِيبٌ مِنَ الْآخَرِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-وَهُوَ الْمُدَاوَمَةُ وَاللُّزُومُ وَالْإِلْحَاحُ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَالسُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ لَا يَقْعُدُ -يَعْنِي: بَعْدَ الصَّلَاةِ-إِلَّا قَدْرَ مَا يَقُولُ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ" [[صحيح مسلم برقم (٥٩٢) وسنن أبي داود برقم (١٥١٢) وسنن الترمذي برقم (٢٩٨) وسنن النسائي (٣/٦٩) وسنن ابن ماجه برقم (٩٢٤) .]] .
آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ الرَّحْمَنِ، وَلِلَّهِ الحمد [والمنة] [[زيادة من م، أ.]]
تفسير الطبري
يشمل هذا التفسير الآيات 62 إلى 67
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣) مُدْهَامَّتَانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٥) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٧) ﴾
يقول تعالى ذكره: ومن دون هاتين الجنتين -اللتين وصف الله جلّ ثناؤه صفتهما التي ذكر أنهما لمن خاف مقام ربه - جنتان.
ثم اختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا﴾ في هذا الموضع، فقال: بعضهم: معنى ذلك: ومن دونهما في الدَّرَج.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا محمد بن منصور الطوسيّ، قال: ثنا إسحاق بن سليمان، قال: ثنا عمرو بن أبي قيس، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله " وكان عرشه على الماء " قال: كان عرش الله على الماء، ثم اتخذ لنفسه جنة، ثم اتخذ دونها جنة أخرى، ثم أطبقهما بلؤلؤة واحدة. قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ وهي التي لا تعلم، أو قال: وهما التي لا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون. قال: وهى التي لا تعلم الخلائق ما فيهما، أو ما فيها، يأتيهم كلّ يوم منها أو منهما تحفة.
⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يعقوب، عن عنبسة، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جُبَير بنحوه.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ومن دونهما في الفضل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ : هما أدنى من هاتين لأصحاب اليمين.
* *
وقوله ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾
يقول: فبأيّ نعم ربكما التي أنعم عليكم -بإثابته أهل الإحسان ما وصف من هاتين الجنتين - تكذّبان؟
* *
وقوله: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾
يقول تعالى ذكره: مسوادّتان من شدة خضرتهما.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ يقول: خضراوان.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ قال: خضراوان من الريّ، ويقال: ملتفتان.
⁕ حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: أخبرنا محمد بن بشر قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد عن حارثة بن سليمان السلميّ، قال: سمعت ابن الزبَير وهو يفسر هذه الآية على المنبر، وهو يقول: هل تدرون ما ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ ؟ خضراوان من الريّ.
⁕ حدثني محمد بن عمارة هو الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن حارثة بن سليمان، هكذا قال، قال ابن الزُّبَير: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ خضراوان من الريّ.
⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن حارثة بن سليمان، أن ابن الزُّبَير قال: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ قال: هما خضراوان من الريّ.
⁕ حدثنا الفضل بن الصباح، قال: ثنا ابن فضيل، عن عطاء، عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ قال: خضراوان.
⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ قال: خضراوان من الرِّيّ.
⁕ حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ ، قال: خضراوان من الريّ.
⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يعقوب، عن عنبسة، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جُبير ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ قال: علاهما الريّ من السواد والخضرة.
⁕ قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد بن جُبير ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ قال: خضراوان.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ قال: مسوادّتان.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ يقول: خضراوان من الريّ ناعمتان.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ قال: خضراوان من الريّ: إذا اشتدت الخضرة ضربت إلى السواد.
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ قال: ناعمتان.
⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن أبي سنان ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ قال: مسوادتّان من الريّ.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ قال: جنتا السابقين، فقرأ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ ، وقرأ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ، ثم رجع إلى أصحاب اليمين، فقال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ ، فذكر فضلهما وما فيهما، قال: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ من الخضرة من شدة خضرتهما، حتى كادتا تكونان سَوْداوين.
⁕ حدثني محمد بن سنان القزاز، قال: ثنا الحسين بن الحسن الأشقر، قال: ثنا أبو كُدَينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن حُبَير، عن ابن عباس، في قوله: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ قال: خضراوان.
* *
وقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾
يقول: فبأيّ نِعَم ربكما التي أنعم عليكم -بإثابته أهل الإحسان ما وصف في هاتين الجنتين- تكذّبان.
* *
وقوله: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾
يقول تعالى ذكره: في هاتين الجنتين اللتين من دون الجنتين اللتين هما لمن خاف مقام ربه، عينان نضاختان، يعني: فوّارتان.
واختلف أهل التأويل في المعنى الذي تنضخان به، فقال بعضهم: تنضخان بالماء.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، في قوله: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ قال: ينضخان بالماء.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾ قال: تنضخان بالماء.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ يقول: نضاختان بالماء.
وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهما ممتلئتان.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ قال: ممتلئتان لا تنقطعان.
وقال آخرون: تنضخان الماء والفاكهة.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد، في قوله: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ قال: بالماء والفاكهة.
وقال آخرون: نضاختان بألوان الفاكهة.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ قال: نضاختان بألوان الفاكهة.
وقال آخرون: نضاختان بالخير.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ يقول: نضاختان بالخير.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عُنِي بذلك أنهما تنضخان بالماء، لأنه المعروف بالعيون إذ كانت عيون ماء.
* *
وقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾
يقول تعالى ذكره: فبأيّ نِعم ربكما التي أنعم عليكم -بإثابته محسنكم هذا الثواب الجزيل- تكذّبان؟.