سورة القرآن surah-quran.com

سورة الصف

سورة الصف، الآية 14

الجزء 28، الصفحة 552.

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوٓا۟ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّـۧنَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ۖ فَـَٔامَنَت طَّآئِفَةٌ مِّنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ ۖ فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا۟ ظَـٰهِرِينَ ﴿١٤﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، كونوا أنصارَ دينِ الله، كما كان أصفياء عيسى وخُلَّصُ أصحابه أنصارَ دينِ الله حين قال لهم عيسى: مَن يتولى منكم نصري وإعانتي فيما يُقرِّب إلى الله؟ قالوا: نحن أنصار دين الله، فاهتدت طائفة من بني إسرائيل، وضلَّت طائفة، فأيدنا الذين آمنوا بالله ورسوله، ونصرناهم على مَن عاداهم مِن فرق النصارى، فأصبحوا ظاهرين عليهم؛ وذلك ببعثة محمد ﷺ.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 10 إلى 14

الآية 10: هذه وصيةٌ ودلالةٌ وإرشادٌ من أرحم الراحمين لعباده المؤمنين لأعظم تجارةٍ وأجلِّ مطلوب وأعلى مرغوبٍ يحصل بها النجاة من العذاب الأليم والفوز بالنعيم المقيم، وأتى بأداة العرض الدالَّة على أنَّ هذا أمرٌ يرغب فيه كلُّ متصبِّر ويسمو إليه كل لبيبٍ.

الآية 11: فكأنَّه قيل: ما هذه التِّجارة التي هذا قدرها؟ فقال:{تؤمنون باللهِ ورسوله}: ومن المعلوم أنَّ الإيمان التامَّ هو التصديقُ الجازم بما أمر الله بالتصديق به، المستلزم لأعمال الجوارح، التي من أجَلِّها الجهاد في سبيله ؛ فلهذا قال:{وتجاهدون في سبيلِ اللهِ بأموالِكم وأنفسِكم}؛ بأن تبذلوا نفوسكم ومُهَجَكُم لمصادمة أعداء الإسلام، والقصدُ نصرُ دين الله وإعلاءُ كلمته، وتنفقون ما تيسَّر من أموالكم في ذلك المطلوب؛ فإنَّ ذلك وإنْ كان كريهاً للنفوس شاقًّا عليها؛ فإنَّه {خيرٌ لكم إن كنتُم تعلمون}: فإنَّ فيه الخير الدنيويَّ من النصر على الأعداء والعزَّ المنافي للذُّلِّ والرزق الواسع وسعة الصدر وانشراحه، والخير الأخروي بالفوز بثواب الله والنجاة من عقابه.

الآية 12: ولهذا ذَكَرَ الجزاء في الآخرة فقال: {يَغۡفِرۡ لكم ذُنوبَكم}: وهو شاملٌ للصغائر والكبائر؛ فإنَّ الإيمان بالله والجهاد في سبيله مكفِّرٌ للذُّنوب، ولو كانت كبائر، {ويدخِلۡكم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار}؛ أي: من تحت مساكنها وقصورها وغُرَفِها وأشجارها أنهارٌ من ماءٍ غير آسن وأنهارٌ من لبنٍ لم يتغيَّرْ طعمُه وأنهارٌ من خمر لذَّةٍ للشاربين وأنهارٌ من عسل مصفى ولهم فيها من كلِّ الثمرات، {ومساكنَ طيِّبةً في جناتِ عدنٍ}؛ أي: جمعت كلَّ طيبٍ من علوٍّ وارتفاع وحسن بناءٍ وزخرفةٍ، حتَّى إنَّ أهل الغرف من أهل علِّيين يتراءاهم أهلُ الجنَّة كما يُتراءى الكوكب الدُّرِّي في الأفق الشرقيِّ أو الغربيِّ، وحتَّى إنَّ بناء الجنَّة بعضُه من لَبِنِ ذهبٍ وبعضُه من لَبِنِ فضَّةٍ ، وخيامها من اللؤلؤ والمرجان، وبعض المنازل من الزُّمُرُّد والجواهر الملونة بأحسن الألوان، حتى إنَّها من صفائها يُرى ظاهرُها من باطنها وباطنُها من ظاهرها، وفيها من الطيبِ والحُسن ما لا يأتي عليه وصفُ الواصفين ولا خَطَرَ على قلب أحدٍ من العالمين، لا يمكن أن يدرِكوه حتى يَرَوْه ويتمتَّعوا بحسنه، وتقرَّ به أعينُهم. ففي تلك الحالة لولا أنَّ الله خَلَقَ أهل الجنَّة وأنشأهم نشأةً كاملةً لا تقبلُ العدم؛ لأوشك أن يموتوا من الفرح؛ فسبحان من لا يحصي أحدٌ من خلقه ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يُثْني عليه أحدٌ من خلقه، وتبارك الجليلُ الجميلُ، الذي أنشأ دار النعيم، وجعل فيها من الجلال والجمال ما يبهر عقولَ الخلق ويأخُذُ بأفئِدتهم، وتعالى من له الحكمةُ التامَّة، الذي من جملتها أنه لو أرى العباد الجنَّة ونظروا إلى ما فيها من النعيم؛ لما تخلَّف عنها أحدٌ، ولما هناهم العيش في هذه الدار المنغصة المَشوب نعيمها بألمها وفرحها بِتَرَحِها. وسُمِّيت [الجنة] جنَّة عدن؛ لأنَّ أهلها مقيمون فيها، لا يخرجون منها أبداً، ولا يبغون عنها حِوَلاً. ذلك الثواب الجزيل والأجر الجميل هو الفوزُ العظيم الذي لا فوزَ مثله؛ فهذا الثواب الأخرويُّ.

الآية 13: وأما الثواب الدنيويُّ لهذه التجارة؛ فذكره بقوله:{وأخرى تحبُّونها}؛ أي: ويحصُلُ لكم خَصْلَةٌ أخرى تحبُّونها، وهي:{نصرٌ من الله}: لكم على الأعداء، يحصُلُ به العزُّ والفرح، {وفتحٌ قريبٌ}: تتَّسع به دائرة الإسلام، ويحصُلُ به الرزق الواسع؛ فهذا جزاء المؤمنين المجاهدين، وأما المؤمنون من غير أهل الجهاد إذا قام غيرهم بالجهادِ؛ فلم يؤيِّسْهُمُ الله تعالى من فضله وإحسانه، بل قال:{وبشِّرِ المؤمنينَ}؛ أي: بالثواب العاجل والآجل؛ كلٌّ على حسب إيمانه، وإن كانوا لا يبلغون مبلغ المجاهدين في سبيل الله؛ كما قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ رَضِي بالله ربًّا، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ رسولاً؛ وجبتْ له الجنةُ». فعجب لها أبو سعيد الخدريُّ راوي الحديث، فقال: أعدها عليَّ يا رسول الله! فأعادها عليه، ثم قال:«وأخرى يُرْفَعُ بها العبدُ مائة درجةٍ في الجنة، ما بين كلِّ درجتين كما بين السماء والأرض». فقال: وما هي يا رسولَ الله؟ قال:«الجهادُ في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله». رواه مسلم.

الآية 14: ثم قال تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا كونوا أنصارَ اللهِ}؛ أي: بالأقوال والأفعال، وذلك بالقيام بدين الله، والحرص على تنفيذه على الغير وجهادِ مَنْ عانده ونابذه بالأبدان والأموال، ومَنْ نَصَرَ الباطلَ بما يزعمُه من العلم، وَرَدَّ الحقَّ بدحض حجَّته وإقامة الحجَّة عليه والتحذير منه، ومن نصرِ دين الله تعلُّم كتاب الله وسنَّة رسوله [وتعليمه] والحثُّ على ذلك والأمر بالمعروف والنهيُ عن المنكر. ثم هيَّج الله المؤمنين بالاقتداء بمَنْ قبلَهم من الصالحين بقوله:{كما قال عيسى ابنُ مريم للحواريِّينَ مَنۡ أنصاري إلى الله}؛ أي: قال لهم منبهاً: من يعاونني ويقوم معي في نصر دين الله ويَدْخُلُ مدخلي ويَخْرُجُ مخرجي؟ فابتدرَ الحواريُّون فقالوا:{نحنُ أنصارُ اللهِ}: فمضى [عيسى] عليه السلام على [أمر اللَّه و] نصرِ دين الله هو ومن معه من الحواريِّين، {فآمنتۡ طائفةٌ من بني إسرائيلَ}: بسبب دعوة عيسى والحواريِّين، {وكفرت طائفةٌ}: منهم، فلم ينقادوا لدعوتهم، فجاهد المؤمنونَ الكافرين، {فأيَّدۡنا الذين آمنوا على عَدُوِّهِم}؛ أي: قوَّيْناهم ونصرناهم عليهم، {فأصبحوا ظاهرينَ}: عليهم، قاهرين لهم. فأنتم يا أمَّة محمدٍ! كونوا أنصارَ الله ودعاةَ دينه؛ يَنْصُرْكُم الله كما نَصَرَ مَنْ قبلكم، ويُظْهِرْكم على عدوِّكم.

تم تفسيرها. والحمد الله رب العالمين.

* * *

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿يا أيّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أنْصار اللَّه﴾ لِدِينِهِ وفِي قِراءَة بِالإضافَةِ ﴿كَما قالَ﴾ إلَخْ المَعْنى: كَما كانَ الحَوارِيُّونَ كَذَلِكَ الدّالّ عَلَيْهِ قالَ ﴿عِيسى ابْن مَرْيَم لِلْحَوارِيِّينَ مَن أنْصارِي إلى اللَّه﴾ أيْ مَن الأَنْصار الَّذِينَ يَكُونُونَ مَعِي مُتَوَجِّهًا إلى نُصْرَة اللَّه ﴿قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصار اللَّه﴾ والحَوارِيُّونَ أصْفِياء عِيسى وهُمْ أوَّل مَن آمَنَ بِهِ وكانُوا اثْنَيْ عَشَر رَجُلًا مِن الحُور وهُوَ البَياض الخالِص وقِيلَ كانُوا قَصّارِينَ يُحَوِّرُونَ الثِّياب أيْ يُبَيِّضُونَها ﴿فَآمَنَتْ طائِفَة مِن بَنِي إسْرائِيل﴾ بِعِيسى وقالُوا إنّهُ عَبْد اللَّه رُفِعَ إلى السَّماء ﴿وكَفَرَتْ طائِفَة﴾ لِقَوْلِهِمْ إنّهُ ابْن اللَّه رَفَعَهُ إلَيْهِ فاقْتَتَلَتْ الطّائِفَتانِ ﴿فَأَيَّدْنا﴾ قَوَّيْنا ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مِن الطّائِفَتَيْنِ ﴿عَلى عَدُوّهُمْ﴾ الطّائِفَة الكافِرَة ﴿فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ غالِبِينَ

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَكُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ، بِأَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَأَنْ يَسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، كَمَا اسْتَجَابَ الْحَوَارِيُّونَ لِعِيسَى حِينَ قَالَ: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ ؟ أَيْ: مُعِينِي فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ -وَهُمْ أَتْبَاعُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ-: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ أَيْ: نَحْنُ أَنْصَارُكَ عَلَى مَا أُرْسِلْتَ بِهِ ومُوَازروك عَلَى ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا بَعَثَهُمْ دُعَاةً إِلَى النَّاسِ فِي بِلَادِ الشَّامِ فِي الْإِسْرَائِيلِيِّينَ وَالْيُونَانِيِّينَ. وَهَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ: "مَنْ رَجُلٌ يُؤويني حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي، فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي" [[رواه الإمام أحمد في المسند (٣/٣٢٢) من حديث جابر رضي الله عنه.]] حَتَّى قيَّض اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَبَايَعُوهُ وَوَازَرُوهُ، وَشَارَطُوهُ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنَ الْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ إِنْ هُوَ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَيْهِمْ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَفَوا لَهُ بِمَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ؛ وَلِهَذَا سَمَّاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ: الْأَنْصَارَ، وَصَارَ ذَلِكَ عَلَمًا عَلَيْهِمْ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَأَرْضَاهُمْ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ أَيْ: لَمَّا بَلَّغَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ رِسَالَةَ رَبِّهِ إِلَى قَوْمِهِ، وَوَازَرَهُ مَنْ وَازَرَهُ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ، اهْتَدَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ، وَضَلَّتْ طَائِفَةٌ فَخَرَجَتْ عَمَّا جَاءَهُمْ بِهِ، وَجَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وَرَمَوْهُ وَأُمَّهُ بِالْعَظَائِمِ، وَهُمُ الْيَهُودُ -عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ-وَغَلَتْ فِيهِ طَائِفَةٌ مِمَّنِ اتَّبَعَهُ، حَتَّى رَفَعُوهُ فَوْقَ مَا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَافْتَرَقُوا فِرَقا وشِيَعا، فَمِنْ قَائِلٍ مِنْهُمْ: إِنَّهُ ابْنُ اللَّهِ. وَقَائِلٍ: إِنَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ: الْأَبِ، وَالِابْنِ، وَرُوحِ الْقُدُسِ. وَمِنْ قَائِلٍ: إِنَّهُ اللَّهُ. وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُفَصَّلَةٌ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ﴾ أَيْ: نَصَرْنَاهُمْ عَلَى مَنْ عَادَاهُمْ مِنْ فِرَق النَّصَارَى، ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ أَيْ: عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ بِبَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ.

حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ المِنْهال -يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو-عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَرْفَعَ عِيسَى إِلَى السَّمَاءِ، خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ فِي بَيْتٍ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنْ عَيْنٍ فِي الْبَيْتِ، وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً، فَقَالَ: إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يَكْفُرُ بِي اثْنَتَيْ عشر [[في م، أ: "اثنتى عشرة".]] مَرَّةً بَعْدَ أَنْ آمَنَ بِي. قَالَ: ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ يُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلُ مَكَانِي، وَيَكُونَ مَعِي فِي دَرَجَتِي؟ قَالَ: فَقَامَ شَابٌّ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا فَقَالَ: أَنَا. قَالَ: فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ. ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِمْ، فَقَامَ الشَّابُّ فَقَالَ: أَنَا. فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ. ثُمَّ عَادَ عليهم فَقَامَ الشَّابُّ، فَقَالَ: أَنَا. فَقَالَ: نَعَمْ، أَنْتَ ذَاكَ. قَالَ: فَأُلْقِي عَلَيْهِ شَبَهُ عِيسَى، ورُفع عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ روزَنة فِي الْبَيْتِ إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ: وَجَاءَ الطلَبُ مِنَ الْيَهُودِ، فَأَخَذُوا شِبهَه فَقَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ، وَكَفَرَ بِهِ بَعْضُهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً بَعْدَ أَنْ آمَنَ بِهِ، فَتَفَرَّقُوا فِيهِ ثَلَاثَ فِرَقٍ. فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانَ اللَّهُ فِينَا مَا شَاءَ، ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ. وَهَؤُلَاءِ الْيَعْقُوبِيَةُ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانَ فِينَا ابْنُ اللَّهِ مَا شَاءَ، ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَيْهِ وَهَؤُلَاءِ النُّسْطُورِيَّةُ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ كَانَ فِينَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَيْهِ، وَهَؤُلَاءِ الْمُسْلِمُونَ فَتَظَاهَرَتِ الْكَافِرَتَانِ عَلَى الْمُسْلِمَةِ، فَقَتَلُوهَا، فَلَمْ يَزَلِ الْإِسْلَامُ طَامِسًا حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ، ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ يَعْنِي: الطَّائِفَةَ الَّتِي كَفَرَتْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي زَمَنِ عِيسَى، وَالطَّائِفَةَ الَّتِي آمَنَتْ فِي زَمَنِ عِيسَى، ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ بِإِظْهَارِ مُحَمَّدٍ ﷺ دِينَهُمْ عَلَى دِينِ الْكُفَّارِ ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾

هَذَا لَفْظُهُ فِي كِتَابِهِ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ سُنَنِهِ، عَنْ أَبِي كُرَيْب عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، بِمِثْلِهِ سَوَاءً [[تفسير الطبري (٢٨/٦٠) وسنن النسائي الكبري برقم (١١٥٩١) .]] .

فَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ لَا يَزَالُونَ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ، وَحَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمُ الدَّجَّالَ مَعَ الْمَسِيحِ عِيسَى ابنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَمَا وَرَدَتْ [بِذَلِكَ] [[زيادة من م، أ.]] الْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ، وَاللَّهُ أعلم.

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤) ﴾

اختلف أهل العربية فيما نعتت به قوله: ﴿وَأُخْرَى﴾ فقال بعض نحوييّ البصرة: معنى ذلك: وتجارة أخرى، فعلى هذا القول يجب أن يكون أخرى في موضع خفض عطفًا به على قوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وقد يحتمل أن يكون رفعًا على الابتداء. وكان بعض نحويي الكوفة يقول: هي في موضع رفع. أي ولكم أخرى في العاجل مع ثواب الآخرة، ثم قال: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ﴾ مفسرًا للأخرى.

والصواب من القول في ذلك عندي القول الثاني، وهو أنه معنّي به: ولكم أخرى تحبونها، لأن قوله: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ مبين عن أن قوله: ﴿وَأُخْرَى﴾ في موضع رفع، ولو كان جاء ذلك خفضًا حسن أن يجعل قوله: ﴿وَأُخْرَى﴾ عطفا على قوله: ﴿تِجَارَةً﴾ ، فيكون تأويل الكلام حينئذ لو قرئ ذلك خفضًا، وعلى خلة أخرى تحبونها، فمعنى الكلام إذا كان الأمر كما وصفت: هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تؤمنون بالله ورسوله، يغفر لكم ذنوبكم، ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار، ولكم خلة أخرى سوى ذلك في الدنيا تحبونها: نصر من الله لكم على أعدائكم، وفتح قريب يعجله لكم.

﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وبشر يا محمد المؤمنين بنصر الله إياهم على عدّوهم، وفتح عاجل لهم.

* *

وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾

اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة ﴿كُونُواْ أَنْصَارَ اللهِ﴾ بتنوين الأنصار. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة بإضافة الأنصار إلى الله.

والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، ومعنى الكلام: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، كونوا أنصار الله، كما قال عيسى ابن مريم للحواريين: من أنصاري إلى الله يعني من أنصاري منكم إلى نصرة الله لي.

وكان قتادة يقول في ذلك ما:-

⁕ حدثني به بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ قال:" قد كانت لله أنصار من هذه الأمة تجاهد على كتابه وحقه". وذُكر لنا أنه بايعه ليلة العقبة اثنان وسبعون رجلا من الأنصار، ذُكر لنا أن بعضهم قال: هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ إنكم تبايعون على محاربة العرب كلها أو يُسلموا. ذُكر لنا أن رجلا قال: يا نبيّ الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت، قال: أشترط لربي أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئًا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما منعتم منه أنفسكم وأبناءكم" قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا يا نبيّ الله؟ قال: "لكم النصر في الدنيا، والجنة في الآخرة"، ففعلوا، ففعل الله".

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: تلا قتادة ﴿كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ قال: قد كان ذلك بحمد الله، جاءه سبعون رجلا فبايعوه عند العقبة، فنصروه وآوَوْه حتى أظهر الله دينه؛ قالوا: ولم يسمّ حيّ من السماء اسمًا لم يكن لهم قبل ذلك غيرهم.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: إن الحواريين كلهم من قريش: أَبو بكر، وعمر، وعلي، وحمزة، وجعفر، وأبو عُبيدة، وعثمان بن مظعون، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أَبي وقاص، وعثمان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوّام.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ قال: من يتبعني إلى الله؟.

⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ميسرة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جُبيْر، قال: سئل ابن عباس عن الحواريين، قال: سُمُّوا لبياض ثيابهم كانوا صيادي السمك.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله، الحواريون: هم الغسالون بالنبطية؛ يقال للغسال: حواري، وقد تقدم بياننا في معنى الحواري بشواهده واختلاف المختلفين فيه قبل فيما مضى، فأغنى عن إعادته.

* *

وقوله: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾

يقول: قالوا: نحن أنصار الله على ما بعث به أنبياءه من الحقّ.

* *

وقوله: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾

يقول جلّ ثناؤه: فآمنت طائفة من بني إسرائيل بعيسى، وكفرت طائفة منهم به.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني أَبو السائب، قال: ثنا أَبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: "لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج إلي أصحابه وهم في بيت اثنا عشر رجلا من عين في البيت ورأسه يقطر ماء؛ قال: فقال: إن منكم من سيكفر بي اثنتي عشرة مرّة بعد أن آمن بي؛ قال: ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني، ويكون معي في درجتي؟ قال: فقام شاب من أحدثهم سنًا، قال: فقال أنا، فقال له: اجلس؛ ثم أعاد عليهم، فقام الشاب، فقال أنا؛ قال: نعم أنت ذاك؛ فألقى عليه شبه عيسى، ورُفع عيسى من رَوْزَنَة في البيت إلى السماء؛ قال: وجاء الطلب من اليهود، وأخذوا شبهه. فقتلوه وصلبوه، وكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرّة بعد أن آمن به، فتفرّقوا ثلاث فرق، فقالت فرقة: كان الله فينا ما شاء، ثم صعد إلى السماء، وهؤلاء اليعقوبية. وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء الله، ثم رفعه إليه، وهؤلاء النسطورية. وقالت فرقة. كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله، ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء المسلمون، فتظاهرت الطائفتان الكافرتان على المسلمة، فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسًا حتى بعث الله محمدًا ﷺ، فآمنت طائفة من بني إسرائيل، وكفرت طائفة، يعني الطائفة التي كفرت من بني إسرائيل في زمن عيسى، والطائفة التي آمنت في زمن عيسى، فأيدنا الذين آمنوا على عدّوهم، فأصبحوا ظاهرين في إظهار محمد على دينهم دين الكفار، فأصبحوا ظاهرين، وقوله: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ﴾ يقول: فقوينا الذين آمنوا من الطائفتين من بني إسرائيل على عدوهم، الذي كفروا منهم بمحمد ﷺ بتصديقه إياهم، أن عيسى عبد الله ورسوله، وتكذيبه من قال هو إله، ومن قال: هو ابن الله تعالى ذكره، فأصبحوا ظاهرين، فأصبحت الطائفة المؤمنون ظاهرين على عدّوهم الكافرين منهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن عبد الله الهلالي، قال: ثنا أَبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ﴾ قال: قوّينا.

⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن سماك، عن إبراهيم ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ قال: لما بعث الله محمدًا، ونزل تصديق من آمن بعيسى، أصبحت حجة من آمن به ظاهرة.

⁕ قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن سماك، عن إبراهيم، في قوله: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ قال: أيدوا بمحمد ﷺ، فصدّقهم، وأخبر بحجتهم.

⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ قال: أصبحت حجة من آمن بعيسى ظاهرة بتصديق محمد ﷺ كلمة الله وروحه.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ من آمن مع عيسى ﷺ.

آخر تفسير سورة الصف