سورة القرآن surah-quran.com

سورة الصافات

سورة الصافات، الآية 38

الجزء 23، الصفحة 447.

إِنَّكُمْ لَذَآئِقُوا۟ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَلِيمِ ﴿٣٨﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

إنكم -أيها المشركون- بقولكم وكفركم وتكذيبكم لذائقو العذاب الأليم الموجع.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 27 إلى 39

{27 ـ 28} لما جُمِعوا هم وأزواجهم وآلهتُهم وهُدوا إلى صراط الجحيم ووُقِفوا فسُئِلوا فلم يُجيبوا؛ أقبلوا فيما بينَهم يلومُ بعضُهم بعضاً على إضلالِهِم وضلالِهِم، فقال الأتباعُ للمتبوعينَ الرؤساء:{إنَّكُم كنتُم تأتونَنا عن اليمينِ}؛ أي: بالقوَّة والغلبة فتُضِلُّونا، ولولا أنتُم؛ لكُنَّا مؤمنينَ.

{29 ـ 32}{قالوا} لهم: {بل لمۡ تكونوا مؤمنينَ}؛ أي: ما زلتُم مشرِكين كما نحنُ مشركونَ؛ فأيُّ شيءٍ فضَّلَكم علينا؟! وأيُّ شيء يوجِبُ لومَنا؟! {و} الحالُ أنَّه {ما كان لنا عليكُم من سلطانٍ}؛ أي: قهرٍ لكم على اختيار الكفر، {بل كنتُم قوماً طاغينَ}: متجاوِزين للحدِّ ، {فحقَّ علينا}: نحنُ وإيَّاكُم {قولُ ربِّنا إنَّا لَذائقونَ}: العذاب؛ أي: حقَّ علينا قَدَرُ ربِّنا وقضاؤه أنَّا وإيِّاكم سنذوقُ العذابَ ونشترِكُ في العقاب. {فـ} لذلك {أغۡوَيۡناكم إنَّا كُنَّا غاوينَ}؛ أي: دَعَوْناكم إلى طريقتِنا التي نحنُ عليها، وهي الغوايةُ، فاستَجَبْتُم لنا؛ فلا تلومونا ولوموا أنفسكم.

{33 ـ 34} قال تعالى: {فإنَّهم يومئذٍ}؛ أي: يوم القيامةِ {في العذاب مشترِكونَ}: وإن تفاوتتْ مقاديرُ عذابِهِم بحسب جُرمهم؛ كما اشتركوا في الدُّنيا على الكفر اشتركوا في الآخرة بجزائِهِ، ولهذا قال:{إنَّا كذلك نفعلُ بالمجرِمين}.

{35 ـ 36} ثم ذكر أنَّ إجرامَهم قد بَلَغَ الغايةَ وجاوز النهايةَ، فقال:{إنَّهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلاَّ اللهُ}: فدعوا إليها وأمروا بترك إلهيَّة ما سواه {يَسۡتَكۡبِرونَ}: عنها وعلى مَنْ جاء بها، {ويقولون} معارضةً لها: {أإنَّا لَتارِكو آلهتِنا}: التي لم نزل نعبدُها نحنُ وآباؤنا، لقول {شاعرٍ مجنونٍ}؛ يعنون: محمداً - صلى الله عليه وسلم -، فلم يكفهم قبَّحَهُمُ اللهُ الإعراضُ عنه ولا مجردُ تكذيبِهِ، حتى حكموا عليه بأظلم الأحكام، وجعلوه شاعراً مجنوناً، وهم يعلمون أنَّه لا يعرفُ الشعر والشعراء، ولا وصفُهُ وصفُهم، وأنَّه أعقلُ خَلْقِ اللَّه وأعظمُهم رأياً.

الآية 37: ولهذا قال تعالى ناقضاً لقولهم: {بل جاء}: محمدٌ {بالحقِّ}؛ أي: مجيئه حقًّا، وما جاء به من الشرع والكتاب حقٌّ، {وصدَّقَ المرسلينَ}؛ أي: ومجيئُهُ صَدَّقَ المرسلين؛ فلولا مجيئُهُ وإرسالُهُ؛ لم يكن الرسل صادقين؛ فهو آيةٌ ومعجزةٌ لكلِّ رسول قبله؛ لأنَّهم أخبروا به وبشَّروا، وأخذ الله عليهم العهدَ والميثاق لئن جاءهم ليؤمنُنَّ به ولَيَنْصُرُنَّه، وأخذوا ذلك على أممهم، فلما جاء؛ ظهر صِدْقُ الرسل الذين قبله، وتبيَّن كَذِبُ مَنْ خالفهم، فلو قدر عدم مجيئه، وهم قد أَخْبَروا به؛ لكان ذلك قادحاً في صدقهم. وصَدَّقَ أيضاً المرسلين؛ بأنْ جاء بما جاؤوا به، ودعا إلى ما دَعَوْا إليه، وآمن بهم، وأخبر بصحة رسالتهم ونبوَّتهم وشرعهم.

{38 ـ 39} ولما كان قولُهُم السابقُ: {إنَّا لَذائقونَ} قولاً صادراً منهم يحتملُ أنْ يكونَ صدقاً أو غيره؛ أخبر تعالى بالقول الفصل الذي لا يَحْتَمِلُ غيرَ الصدق واليقين، وهو الخبر الصادر منه تعالى، فقال:{إنَّكم لَذائقو العذابِ الأليم}؛ أي: المؤلم الموجع، {وما تُجۡزَوۡنَ}: في إذاقة العذاب الأليم {إلاَّ ما كُنتُم تعملونَ}: فلم نَظْلِمْكم، وإنَّما عَدَلْنا فيكم.

ولما كان هذا الخطاب لفظه عامًّا، والمرادُ به المشركون؛ استثنى تعالى المؤمنين، فقال:

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿إنّكُمْ﴾ فِيهِ التِفات

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 38 إلى 49

يَقُولُ تَعَالَى مُخَاطِبًا لِلنَّاسِ: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الألِيمِ. وَمَا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ عِبَادَهُ الْمُخْلَصِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَالْعَصْرِ. إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الْعَصْرِ:١-٣] .

وَقَالَ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ. إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التِّينِ:٤-٦] ، وَقَالَ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا. ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مَرْيَمَ:٧١، ٧٢] ، وَقَالَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ. إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ [الْمُدَّثِّرِ:٣٨، ٣٩] وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أَيْ: لَيْسُوا يَذُوقُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ، وَلَا يُنَاقَشُونَ فِي الْحِسَابِ، بَلْ يَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ، إِنْ كَانَ لَهُمْ سَيِّئَاتٌ، وَيُجْزَوْنَ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، إِلَى مَا يَشَاءُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ التَّضْعِيفِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ قَالَ قَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ: يَعْنِي الْجَنَّةَ. ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَوَاكِهُ﴾ أَيْ: مُتَنَوِّعَةٌ ﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾ أَيْ: يُخْدمون [وَيُرْزَقُونَ] [[زيادة من أ.]] وَيُرَفَّهُونَ وَيُنَعَّمُونَ، ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ فِي قَفَا بَعْضٍ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدَكَ [[في أ: "عبد الله".]] الْقَزْوِينِيُّ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ [[في أ: "حبان".]] حَسَّانَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بِشْرٍ، [[في أ: "بشير".]] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمَ الْقُرَشِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلى بعض.

حَدِيثٌ غَرِيبٌ [[ورواه البخاري في التاريخ الكبير (٣/٣٨٦) في ترجمة زيد بن أبي أوفى من طريق حسان بن حسان به، وقال: "لا يتابع عليه".]] .

* *

وَقَوْلُهُ ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ. بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ. لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزفُونَ﴾ ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ. بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ. لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ﴾ [الْوَاقِعَةِ:١٧-١٩] فَنَزَّهَ اللَّهُ خَمْرَ الْآخِرَةِ [[في ت، س: "الجنة".]] عَنِ الْآفَاتِ الَّتِي فِي خَمْرِ الدُّنْيَا، مِنْ صُدَاعِ الرَّأْسِ وَوَجَعِ الْبَطْنِ -وَهُوَ الْغَوْلُ-وَذَهَابِهَا بِالْعَقْلِ جُمْلَةً، فَقَالَ تَعَالَى هَاهُنَا: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ أَيْ: بِخَمْرٍ مِنْ أَنْهَارٍ جَارِيَةٍ، لَا يَخَافُونَ انْقِطَاعَهَا وَلَا فَرَاغَهَا.

قَالَ مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: خَمْرٌ جَارِيَةٌ بَيْضَاءُ، أَيْ: لَوْنُهَا مُشْرِقٌ حَسَنٌ بَهِيٌّ لَا كَخَمْرِ الدُّنْيَا فِي مَنْظَرِهَا الْبَشِعِ الرَّدِيءِ، مِنْ حُمْرَةٍ أَوْ سَوَادٍ أَوِ اصْفِرَارٍ أَوْ كُدُورَةٍ، [[في ت: "كدرة".]] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُنَفِّرُ الطَّبْعَ السَّلِيمَ.

* *

وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ أَيْ طَعْمُهَا طَيِّبٌ كَلَوْنِهَا، وَطِيبُ الطَّعْمِ دَلِيلٌ عَلَى طِيبِ الرِّيحِ، بِخِلَافِ خَمْرِ الدُّنْيَا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ يَعْنِي: لَا تُؤَثِّرُ فِيهِمْ غَوْلًا -وَهُوَ وَجَعُ الْبَطْنِ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ-كَمَا تَفْعَلُهُ خَمْرُ الدُّنْيَا مِنَ القُولَنْج وَنَحْوِهُ، لِكَثْرَةِ مَائِيَّتِهَا.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْغَوْلِ هَاهُنَا: صُدَاعُ الرَّأْسِ. وَرُوِيَ هَكَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ صُدَاعُ الرَّأْسِ، وَوَجَعُ الْبَطْنِ. وَعَنْهُ، وَعَنِ السُّدِّيِّ: لَا تَغْتَالُ عُقُولَهُمْ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

فَمَا زَالَتِ الكأسُ تَغْتَالُنا ... وتَذْهبُ بالأوَّل الأوَّلِ [[في ت: "فالأول".]] [[البيت في تفسير الطبري (٢٣/٣٥) .]]

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَا مَكْرُوهَ فِيهَا وَلَا أَذًى. وَالصَّحِيحُ قَوْلُ مُجَاهِدٍ: إِنَّهُ وَجَعُ الْبَطْنِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزفُونَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا تُذْهِبُ عُقُولَهُمْ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَالْحَسَنُ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي الْخَمْرِ أَرْبَعُ خِصَالٍ: السُّكْرُ، وَالصُّدَاعُ، وَالْقَيْءُ، وَالْبَوْلُ. فَذَكَرَ اللَّهُ خَمْرَ الْجَنَّةِ فَنَزَّهَهَا عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ، كَمَا ذَكَرَ فِي سُورَةِ "الصَّافَّاتِ" [[في ت: "والصافات".]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أَيْ: عَفِيفَاتٌ لَا يَنْظُرْنَ إِلَى غَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ. كَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ.

* *

وَقَوْلُهُ ﴿عِينٌ﴾ أَيْ: حِسَانُ الْأَعْيُنِ. وَقِيلَ: ضِخَامُ الْأَعْيُنِ. هُوَ يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ، وَهِيَ النَّجْلَاءُ الْعَيْنَاءُ، فَوَصَفَ عُيُونَهُنَّ بِالْحُسْنِ وَالْعِفَّةِ، كَقَوْلِ زَلِيخَا فِي يُوسُفَ حِينَ جَمَّلَتْهُ وَأَخْرَجَتْهُ عَلَى تِلْكَ النِّسْوَةِ، فَأَعْظَمْنَهُ وَأَكْبَرْنَهُ، وَظَنَنَّ أَنَّهُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِحُسْنِهِ وَبَهَاءِ مَنْظَرِهِ، قَالَتْ: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ [يُوسُفَ:٣٢] أَيْ: هُوَ مَعَ هَذَا الْجَمَالِ عَفِيفٌ تَقِيٌّ نَقِيٌّ، [فَأَرَتْهُنَّ جَمَالَهُ الظَّاهِرَ وَأَخْبَرَتْهُنَّ بِجَمَالِهِ الْبَاطِنِ] . [[زيادة من ت.]] وَهَكَذَا الْحُورُ الْعِينُ ﴿خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرَّحْمَنِ:٧٠] ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ وَصَفَهُنَّ بِتَرَافَةِ الْأَبْدَانِ بِأَحْسَنِ الْأَلْوَانِ.

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ يَقُولُ: اللُّؤْلُؤُ الْمَكْنُونُ.

وَيُنْشَدُ هَاهُنَا بَيْتُ أَبِي دَهْبَلَ الشَّاعِرِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ:

وَهْيَ زَهْرَاء مثْلَ لُؤْلُؤَةِ الْغَوَّ ... اصِ مُيِّزَتْ مِن جَوْهَرٍ مكْنُون [[البيت في تفسير الطبري (٢٣/٣٧) .]]

وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ يَعْنِي: مَحْصُونٌ [[في ت: "مصون"]] لَمْ تَمَسَّهُ الْأَيْدِي.

وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْبَيْضُ فِي عُشِّهِ مَكْنُونٌ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿ [كَأَنَّهُنَّ] [[زيادة من ت.]] بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ ، يَعْنِي: بَطْنَ الْبَيْضِ [[في ت: "العين".]] .

وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: هُوَ السِّحَاءُ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ قِشْرَتِهِ الْعُلْيَا وَلِبَابِ الْبَيْضَةِ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ يَقُولُ: بَيَاضُ الْبَيْضِ حِينَ يُنْزَعُ قِشْرُهُ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ لِقَوْلِهِ: ﴿مَكْنُونٌ﴾ ، قَالَ: وَالْقِشْرَةُ الْعُلْيَا يَمَسُّهَا جَنَاحُ الطَّيْرِ وَالْعُشُّ، وَتَنَالُهَا الْأَيْدِي بِخِلَافِ دَاخِلِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ الصَّدَفِيِّ الدِّمْيَاطِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ هَاشِمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي كَرِيمَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ [[في ت: "وروى ابن جرير بإسناده عن أم سلمة".]] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قُلْتُ [[في ت: "عنها قالت: قلت".]] : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [[في ت، س: "أخبرني عن قول الله: "حور عين" قال: "العين: الضخام العيون شفر الحوراء مثل جناح النسر" قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ الله: "كأنهن بيض مكنون".]] قَالَ: "رِقَّتُهُنَّ كَرِقَّةِ الْجِلْدَةِ الَّتِي رَأَيْتُهَا فِي دَاخِلِ الْبَيْضَةِ، التي تلي القشر وهي الغِرْقِئ" [[تفسير الطبري (٢٣/٣٧) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٣/٣٦٧) حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ الدِّمْيَاطِيُّ حَدَّثَنَا عَمْرُو بن هاشم به، قال الهيثمي في المجمع (٧/١١٩) : "فيه سليمان بن أبي كريمة ضعفه أبو حاتم وابن عدي".]] .

وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ النَّهْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجًا إِذَا بُعِثُوا، وَأَنَا خَطِيبُهُمْ إِذَا وَفَدُوا، وَأَنَا مُبَشِّرُهُمْ إِذَا حَزِنُوا، وَأَنَا شَفِيعُهُمْ إِذَا حُبِسُوا، لِوَاءُ الْحَمْدِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي، وَأَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ وَلَا فَخْرَ، يَطُوفُ عَلِيَّ أَلْفُ خَادِمٍ كَأَنَّهُنَّ الْبَيْضُ الْمَكْنُونُ -أَوِ: اللُّؤْلُؤُ الْمَكْنُونُ" [[ورواه البيهقي في دلائل النبوة (٥/٤٨٣) من طريق منصور بن أبي الأسود عن ليث عن الربيع بن أنس به، ثم رواه من طريق حيان بن علي عن ليث عن عبيد الله بن زحر عن الربيع عن أنس به، وقال: "تابعه -أي الليث- محمد بن فضيل عن عبيد الله بن زحر".]] .

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 38 إلى 47

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزفُونَ (٤٧) ﴾

قوله ﴿فَوَاكِهُ﴾ ردا على الرزق المعلوم تفسيرا له، ولذلك رفعت وقوله ﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾ يقول: وهم مع الذي لهم من الرزق المعلوم في الجنة، مكرمون بكرامة الله التي أكرمهم الله بها

﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ يعني: في بساتين النعيم

﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ يعني: أن بعضهم يقابل بعضا، ولا ينظر بعضهم في قفا بعض.

* *

وقوله ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾

يقول تعالى ذكره: يطوف الخدم عليهم بكأس من خمر جارية ظاهرة لأعينهم غير غائرة.

كما:-

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ قال: كأس من خمر جارية، والمعين: هي الجارية.

⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم، في قوله ﴿بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ قال: كل كأس في القرآن فهو خمر.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الله بن داود، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم، قال: كل كأس في القرآن فهو خمر

⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله ﴿بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ قال: الخمر. والكأس عند العرب: كل إناء فيه شراب، فإن لم يكن فيه شراب لم يكن كأسا، ولكنه يكون إناء.

* *

وقوله ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾

يعني بالبيضاء: الكأس، ولتأنيث الكأس أنثت البيضاء، ولم يقل أبيض، وذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: صفراء.

⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله ﴿بَيْضَاءَ﴾ قال السدي: في قراءة عبد الله: صفراء وقوله ﴿لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ يقول: هذه الخمر لذة يلتذها شاربوها.

* *

وقوله ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ﴾

يقول: لا في هذه الخمر غول، وهو أن تغتال عقولهم: يقول: لا تذهب هذه الخمر بعقول شاربيها كما تذهب بها خمور أهل الدنيا إذا شربوها فأكثروا منها، كما قال الشاعر:

وَما زَالَتِ الكأْسُ تَغْتَالُنَا ... وَتَذْهَبُ بِالأوَّلِ الأوَّلِ [[البيت من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن (مصورة الجامعة الورقة ٢٠٩ - ١) قال:"لا فيها غول": مجازه: ليس فيها غول. والغول: أن تغتال عقولهم. قال الشاعر:" وما زالت الكأس.... البيت". وقال الفرّاء في معاني القرآن (مصورة الجامعة ص ٢٧٢) : وقوله"لا فيها غول":" لو قلت: لا غول فيها كان رفعا ونصبا (أي كانت"لا" عاملة عمل ليس أو عمل إن) . قال: فإذا حلت بين الغول بلام أو بغيرها من الصفات (حروف جر) لم يكن إلا الرفع. والغول: يقول: ليس فيها غيلة، غائلة وغول. اهـ. وأنشد البيت في (اللسان: غول) عن أبي عبيدة، وفيه:"الخمر" في موضع:"الكأس".اهـ.]]

والعرب تقول: ليس فيها غيلة وغائلة وغَوْل بمعنى واحد؛ ورفع غول ولم ينصب بلا لدخول حرف الصفة بينها وبين الغول، وكذلك تفعل العرب في التبرِئة إذا حالت بين لا والاسم بحرف من حروف الصفات رفعوا الاسم ولم ينصبوه، وقد يحتمل قوله ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ﴾ أن يكون معنيا به: ليس فيها ما يؤذيهم من مكروه، وذلك أن العرب تقول للرجل يصاب بأمر مكروه، أو ينال بداهية عظيمة: غالَ فلانا غولٌ وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: ليس فيها صُداع.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ﴾ يقول: ليس فيها صداع.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ليس فيها أذى فتشكَّى منه بطونهم.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ﴾ قال: هي الخمر ليس فيها وجع بطن.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ﴾ قال: وجع بطن.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ﴾ قال: الغول ما يوجع البطون، وشارب الخمر ههنا يشتكي بطنه.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ﴾ يقول: ليس فيها وجع بطن، ولا صُداع رأس.

وقال آخرون: معنى ذلك: أنها لا تغول عقولهم.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ﴾ قال: لا تغتال عقولهم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ليس فيها أذًى ولا مكروه.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حُدثت عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن إسرائيل، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جُبَير، في قوله ﴿لا فيها غَوْلٌ﴾ قال: أذًى ولا مكروه.

⁕ حدثنا محمد بن سنان القزاز، قال: ثنا عبد الله بن يزيعة، قال: أخبرنا إسرائيل، عن سالم، عن سعيد بن جُبَير، في قوله: ﴿لا فيها غَوْلٌ﴾ قال: ليس فيها أذًى ولا مكروه.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ليس فيها إثم.

ولكل هذه الأقوال التي ذكرناها وجه، وذلك أن الغَوْل في كلام العرب: هو ما غال الإنسان فذهب به، فكل من ناله أمر يكرهه ضربوا له بذلك المثل، فقالوا: غالت فلانا غول، فالذاهب العقل من شرب الشراب، والمشتكي البطن منه، والمصدع الرأس من ذلك، والذي ناله منه مكروه كلهم قد غالته غُول.

فإذا كان ذلك كذلك، وكان الله تعالى ذكره قد نفى عن شراب الجنة أن يكون فيه غَوْل، فالذي هو أولى بصفته أن يقال فيه كما قال جل ثناؤه ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ فيعم بنفي كل معاني الغَوْل عنه، وأعم ذلك أن يقال: لا أذى فيها ولا مكروه على شاربيها في جسم ولا عقل، ولا غير ذلك.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿وَلا هُمْ عَنْها يُنزفُونَ﴾ فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض قراء الكوفة ﴿يُنزفُونَ﴾ بفتح الزاي، بمعنى: ولا هم عن شربها تُنزف عقولهم. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: ﴿وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزفُونَ﴾ بكسر الزاي، بمعنى: ولا هم عن شربها يَنْفَد شرابهم.

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى غير مختلفتيه، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وذلك أن أهل الجنة لا ينفد شرابهم، ولا يُسكرهم شربهم إياه، فيُذْهب عقولهم.

واختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: لا تذهب عقولهم.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس ﴿وَلا هُمْ عنْها يُنزفُونَ﴾ يقول: لا تذهب عقولهم.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزفُونَ﴾ قال: لا تُنزف فتذهب عقولهم.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزفُونَ﴾ قال: لا تذهب عقولهم.

⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله ﴿وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزفُونَ﴾ قال: لا تُنزف عقولهم.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزفُونَ﴾ قال: لا تُنزف العقول.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزفُونَ﴾ قال: لا تغلبهم على عقولهم.

وهذا التأويل الذي ذكرناه عمَّن ذكرنا عنه لم تفصل لنا رواته القراءة الذي هذا تأويلها، وقد يحتمل أن يكون ذلك تأويل قراءة من قرأها ينزفُونَ ويُنزفُونَ كلتيهما، وذلك أن العرب تقول: قد نزف الرجل فهو منزوف: إذا ذهب عقله من السكر، وأنزف فهو مُنزف، محكية عنهم اللغتان كلتاهما في ذهاب العقل من السكر؛ وأما إذا فَنِيت خمر القوم فإني لم أسمع فيه إلا أنزفَ القوم بالألف، ومن الإنزاف بمعنى: ذهاب العقل من السكر، قول الأبَيْرد:

لَعَمْرِي لَئِنْ أنزفْتُمُوا أوْ صَحَوْتُمُ ... لَبِئْسَ النَّدَامَى كُنْتُمُ آلَ أبجَرا [[البيت من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن (مصورة الجامعة الورقة ٢٠٩ - ١) قال في" ولا هم عنها ينزفون": تقول العرب لا تقطع عنه وتنزف سكرا. وقال الأبيرد الرياحي من بني عجل:" لعمري...... البيت" قال:" آل أبجرا": آل أبجر من عجل. وقال الفرّاء في معاني القرآن (مصورة الجامعة ص ٢٧٢) ، وقوله" ولا هم عنها ينزفون" وينزفون (مبنيا للمجهول والمعلوم) وأصحاب عبد الله يقرءون: ينزفون، وله معنيان يقال: قد أنزف الرجل: إذا فنيت خمره، وأنزف: إذا ذهب عقله. فهذان وجهان. ومن قال: ينزفون يقول: لا تذهب عقولهم وهو منزوف. وفي (اللسان: نزف) : وفي التنزيل:" لا يصدعون فيها ولا ينزفون": أي لا يسكرون. وأنشد الجوهري للأبيرد: لعمري لئن أنزفتمُ أو صحوتمُ ... لبئس الندامى كنتم آل أبجرا

شربتم ومدرتم وكان أبوكم ... كذاكمْ إذا ما يشربُ الكأس مدرَ

قال ابن بري: هو أبجر بن جابر العجلي، وكان نصرانيا. قال: وقوم يجعلون المنزف مثل المنزوف، الذي قد نزف دمه. وقال اللحياني: نزف الرجل، فهو منزوف ونزيف سكر، فذهب عقله. اهـ.. وقول الأبيرد" شربتم ومدرتم" لعله يريد: سلحتم على أنفسكم لذهاب عقولكم، من قولهم مدرت الضبع: إذا سلحت. وانظر (اللسان: مدر) .]]