سورة الصافات، الآية 74
الجزء 23، الصفحة 448.
إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴿٧٤﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة الصافات
تفسير الآية
التفسير الميسر
إلا عباد الله الذين أخلصهم الله، وخصَّهم برحمته لإخلاصهم له.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 62 إلى 74
الآية 62:{أذلك خير}؛ أي: ذلك النعيم الذي وصفناهُ لأهل الجنَّة خيرٌ أم العذابُ الذي يكون في الجحيم من جميع أصنافِ العذاب؛ فأيُّ الطعامين أولى؟ الطعامُ الذي وُصِفَ في الجنة، {أم} طعامُ أهل النار، وهو {شجرةُ الزَّقُّوم}؟
{63 ـ 66}{إنا جعلناها فتنةً}؛ أي: عذاباً ونكالاً {للظَّالمينَ}: أنفسهم بالكفر والمعاصي. {إنها شجرةٌ تخرجُ في أصل الجحيم}؛ أي: وسطه؛ فهذا مخرجُها ومعدِنُها؛ شرُّ المعادن وأسوؤها، وشرُّ المغرس يدل على شرِّ الغراس وخسَّته، ولهذا نبَّهنا الله على شرِّها بما ذكر أين تنبُت به وبما ذكر من صفة ثمرتها، وأنها كرؤوس الشياطينِ؛ فلا تسألْ بعد هذا عن طعمها وما تفعلُ في أجوافهم وبطونهم. وليس لهم عنها مندوحةٌ ولا مَعْدِلٌ ، ولهذا قال:{فإنَّهم لآكلونَ منها فمالِئونَ منها البطونَ}: فهذا طعامُ أهل النارِ؛ فبئس الطعامُ طعامُهم.
الآية 67: ثم ذكر شرابهم، فقال:{ثم إنَّ لهم عليها}؛ أي: على أثر هذا الطعام {لَشَوۡباً من حَميم}؛ أي: ماءً حارًّا قد تناهى حرُّه؛ كما قال تعالى:{وإن يَسۡتَغيثوا يُغاثوا بماءٍ كالمُهۡلِ يَشۡوي الوجوهَ بئس الشرابُ وساءتۡ مُرۡتَفَقاً}، وكما قال تعالى:{وسُقوا ماءً حَميماً فقَطَّعَ أمعاءهم}.
الآية 68:{ثم إنَّ مَرۡجِعَهم}؛ أي: مآلهم ومقرّهم ومأواهم {لإلى الجحيم}: ليذوقوا من عذابه الشديد وحرِّه العظيم ما ليس عليه مزيدٌ من الشقاء.
{69 ـ 73} كأنه قيل: ما الذي أوْصَلَهم إلى هذه الدار؟ فقال:{إنّهم ألۡفَوۡا}؛ أي: وجدوا {آباءهم ضالِّينَ. فهم على آثارِهِم يُهۡرَعونَ}؛ أي: يسرعون في الضلال، فلم يلتفتوا إلى ما دعتهم إليه الرسلُ ولا إلى ما حَذَّرَتْهم عنه الكتبُ ولا إلى أقوال الناصحين، بل عارضوهم بأنْ قالوا: إنَّا وَجَدْنا آباءنا على أمَّةٍ وإنا على آثارهم مقتدونَ. {ولقد ضلَّ قبلَهم}؛ أي: قبل هؤلاء المخاطبينَ {أكثرُ الأولينَ}: وقليلٌ منهم آمن واهتدى، {ولقد أرۡسَلۡنا فيهم مُنذِرينَ}: ينذِرونَهم عن غيِّهم وضلالهم، {فانظُرۡ كيف كان عاقبةُ المنذَرين}: كانت عاقبتهم الهلاك والخزي والفضيحة؛ فليحذرْ هؤلاء أن يستمرُّوا على ضلالهم فيصيبهم مثلُ ما أصابهم.
الآية 74: ولما كان المُنْذَرون ليسوا كلهم ضالِّين، بل منهم مَنْ آمن وأخلصَ الدين لله؛ استثناهُمُ الله من الهلاك، فقال:{إلاَّ عبادَ الله المخلَصين}؛ أي: الذين أخْلَصَهم الله وخَصَّهم برحمتِهِ لإخلاصهم؛ فإنَّ عواقِبَهم صارت حميدةً.
ثم ذكر نموذجاً من عواقب الأمم المكذِّبين، فقال:
تفسير الجلالين
﴿إلّا عِباد اللَّه المُخْلَصِينَ﴾ أيْ المُؤْمِنِينَ فَإنَّهُمْ نَجَوْا مِن العَذاب لِإخْلاصِهِمْ فِي العِبادَة أوْ لِأَنَّ اللَّه أخْلَصَهُمْ لَها عَلى قِراءَة فَتْح اللّام
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 71 إلى 74
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ كَانُوا ضَالِّينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى. وَذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ أَرْسَلَ فِيهِمْ مُنْذِرِينَ، يُنْذِرُونَ بَأْسَ اللَّهِ، وَيُحَذِّرُونَهُمْ سَطْوَتَهُ وَنِقْمَتَهُ، مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ وَعَبَدَ غَيْرَهُ، وَأَنَّهُمْ تَمَادَوْا عَلَى مُخَالَفَةِ رُسُلِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ. فَأَهْلَكَ الْمُكَذِّبِينَ وَدَمَّرَهُمْ، وَنَجَّى الْمُؤْمِنِينَ وَنَصَرَهُمْ وَظَفَّرَهُمْ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ. إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾
تفسير الطبري
يشمل هذا التفسير الآيات 71 إلى 74
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤) ﴾
يقول تعالى ذكره: ولقد ضل يا محمد عن قصد السبيل ومَحجة الحق قبل مشركي قومك من قريش أكثر الأمم الخالية من قبلهم ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ يقول: ولقد أرسلنا في الأمم التي خلت من قبل أمتك، ومن قبل قومك المكذبيك منذرين تنذرهم بأسنا على كفرهم بنا، فكذبوهم ولم يقبلوا منهم نصائحهم، فأحللنا بهم بأسنا وعقوبتنا ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ يقول: فتأمل وتبين كيف كان غِبُّ أمر الذين أنذرتهم أنبياؤنا، وإلام صار أمرهم، وما الذي أعقبهم كفرهم بالله، ألم نهلكهم فنصيرهم للعباد عبرة ولمن بعدهم عظة؟.
* *
وقوله ﴿إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾
يقول تعالى: فانظر كيف كان عاقبة المنذَرين، إلا عباد الله الذين أخلصناهم للإيمان بالله وبرسله؛ واستثنى عباد الله من المنذَرين، لأن معنى الكلام: فانظر كيف أهلكنا المنذَرين إلا عباد الله المؤمنين، فلذلك حسن استثناؤهم منهم.
وبنحو الذي قلنا في قوله ﴿إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله ﴿إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ قال: الذين استخلصهم الله.