سورة القرآن surah-quran.com

سورة الشمس

سورة الشمس، الآية 10

الجزء 30، الصفحة 595.

وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا ﴿١٠﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 10

أقسم الله بالشمس ونهارها وإشراقها ضحى، وبالقمر إذا تبعها في طلوعه ومَغيبه، وبالنهار إذا جلّى الظلمة وكشفها، وبالليل عندما يغطي الأرض فيكون ما عليها مظلمًا، وبالسماء وبنائها المحكم، وبالأرض وبَسْطها، وبكل نفس وإكمال الله خلقها لأداء مهمتها، فبيَّن لها طريق الشر وطريق الخير، قد فاز مَن طهَّرها ونمّاها بالخير، وقد خسر مَن أخفى نفسه في المعاصي.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 15

وهي مكية

{1 ـ 6} أقسم تعالى بهذه الآيات العظيمة على النفس المفلحة وغيرها من النفوس الفاجرة، فقال:{والشمس وضُحاها}؛ أي: نورها ونفعها الصادر منها، {والقمر إذا تلاها}؛ أي: تبعها في المنازل والنور، {والنَّهار إذا جلاَّها}؛ أي: جلَّى ما على وجه الأرض وأوضحه، {والليل إذا يغشاها}؛ أي: يغشى وجه الأرض، فيكون ما عليها مظلماً؛ فتعاقُبُ الظُّلمة والضياء والشمس والقمر على هذا العالم بانتظام وإتقانٍ وقيامٍ لمصالح العباد أكبر دليل على أن الله بكلِّ شيءٍ عليمٌ وعلى كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأنَّه المعبود وحده، الذي كلُّ معبودٍ سواه باطل ، {والسَّماء وما بناها}: يحتمل أن {ما} موصولة، فيكون الإقسام بالسماء وبانيها، وهو الله تعالى ، ويحتمل أنها مصدريَّة، فيكون الإقسام بالسماء وبنيانها الذي هو غاية ما يقدَّر من الإحكام والإتقان والإحسان. ونحو هذا قوله:{والأرضِ وما طحاها}؛ أي: مدَّها ووسَّعها، فتمكَّن الخلق حينئذٍ من الانتفاع بها بجميع أوجه الانتفاع.

{7 ـ 8}{ونفسٍ وما سوَّاها}: يحتمل أنَّ المراد: ونفس سائر المخلوقات الحيوانيَّة؛ كما يؤيِّد هذا العموم، ويُحتمل أنَّ الإقسام بنفس الإنسان المكلَّف؛ بدليل ما يأتي بعده. وعلى كل؛ فالنفس آيةٌ كبيرةٌ من آياته التي يحقُّ الإقسام بها ؛ فإنَّها في غاية اللُّطف والخفَّة، سريعة التنقُّل والحركة والتغيُّر والتأثُّر والانفعالات النفسيَّة من الهمِّ والإرادة والقصد والحبِّ والبغض، وهي التي لولاها؛ لكان البدن مجرَّد تمثال لا فائدة فيه، وتسويتها على ما هي عليه آيةٌ من آيات الله العظيمة.

{9 ـ 10} وقوله: {قد أفلح من زكَّاها}؛ أي: طهَّر نفسه من الذُّنوب، ونقَّاها من العيوب، ورقَّاها بطاعة الله، وعلاَّها بالعلم النافع والعمل الصالح، {وقد خاب من دسَّاها}؛ أي: أخفى نفسه الكريمة التي ليست حقيقة بقمعها وإخفائها بالتدنُّس بالرَّذائل والدُّنوِّ من العيوب والذُّنوب ، وترك ما يكمِّلها وينمِّيها، واستعمال ما يشينها ويدسِّيها.

{11 ـ 15}{كذَّبت ثمود بطَغۡواها}؛ أي: بسبب طغيانها وترفُّعها عن الحقِّ وعتوِّها على رسولهم ، {إذ انبعث أشقاها}؛ أي: أشقى القبيلة ، وهو قُدَار بن سالف؛ لعقرها؛ حين اتَّفقوا على ذلك وأمروه فائتمر لهم، {فقال لهم رسولُ اللهِ}: صالحٌ عليه السلام محذِّراً: {ناقة الله وسُقۡياها}؛ أي: احذروا عقر ناقة الله التي جعلها لكم آيةً عظيمةً، ولا تقابلوا نعمة الله عليكم بسقي لبنها أن تعقروها، فكذَّبوا نبيَّهم صالحاً، {فعقروها فدمدم عليهم ربُّهم بذنبهم}؛ أي: دمَّر عليهم، وعمَّهم بعقابه، وأرسل عليهم الصَّيحة من فوقهم والرَّجفة من تحتهم، فأصبحوا جاثمين على ركبهم، لا تجد منهم داعياً ولا مجيباً، {فسوَّاها}: عليهم؛ أي: سوَّى بينهم في العقوبة ، {ولا يخافُ عُقۡباها}؛ أي: تبعتها. وكيف يخاف من هو قاهر لا يخرج عن قهره وتصرُّفه مخلوقٌ. الحكيم في كلِّ ما قضاه وشرعه.

[تمّت وللَّه الحمد].

* * *

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿وقَدْ خابَ﴾ خَسِرَ ﴿مَن دَسّاها﴾ أخْفاها بِالمَعْصِيَةِ وأَصْله دَسَّسَها أُبْدِلَتْ السِّين الثّانِيَة ألِفًا تَخْفِيفًا

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 10

تَفْسِيرُ سُورَةِ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا

وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.

تَقَدَّمَ حَدِيثُ جَابِرٍ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِمُعَاذٍ: "هَلَّا صَلَّيْتَ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى﴾ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ؟

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

* *

قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ أَيْ: وَضَوْئِهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَضُحَاهَا﴾ النَّهَارُ كُلُّهُ.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: أَقْسَمَ اللَّهُ بِالشَّمْسِ وَنَهَارِهَا؛ لِأَنَّ ضَوْءَ الشَّمْسِ الظَّاهِرَ هُوَ النَّهَارُ [[تفسير الطبري (٣٠/١٣٣) .]] .

﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: تَبِعَهَا. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ قَالَ: يَتْلُو النَّهَارَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿إِذَا تَلاهَا﴾ لَيْلَةَ الْهِلَالِ، إِذَا سَقَطَتِ الشَّمْسُ رُؤِيَ الْهِلَالُ.

وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُوَ يَتْلُوهَا فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ، ثُمَّ هِيَ تَتْلُوهُ. وَهُوَ يَتَقَدَّمُهَا فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنَ الشَّهْرِ.

وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: إِذَا تَلَاهَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاهَا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَضَاءَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاهَا﴾ إِذَا غَشِيَهَا النَّهَارُ.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ بِمَعْنَى: وَالنَّهَارُ إِذَا جَلَّا الظُّلْمَةِ، لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهَا.

قُلْتُ: وَلَوْ أَنَّ هَذَا الْقَائِلَ تَأَوَّلَ [ذَلِكَ] [[زيادة من م، أ.]] بِمَعْنَى ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاهَا﴾ أَيِ: الْبَسِيطَةُ، لَكَانَ أَوْلَى، وَلَصَحَّ [تَأْوِيلُهُ فِي] [[زيادة من م، أ.]] قَوْلِ اللَّهِ [[في م، أ: "قوله".]] ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ فَكَانَ أَجْوَدْ وَأَقْوَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلِهَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاهَا﴾ إِنَّهُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل: ٢] .

وَأَمَّا ابْنُ جَرِيرٍ فَاخْتَارَ عَوْدَ الضَّمِيرِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى الشَّمْسِ، لِجَرَيَانِ ذِكْرِهَا. وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ يَعْنِي: إِذَا يَغْشَى الشَّمْسَ حِينَ تَغِيبُ، فَتُظْلِمُ الْآفَاقُ.

وَقَالَ بَقِيَّة بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ صَفْوَانَ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ ذِي حَمَامَةَ [[في أ: "ذي حماية".]] قَالَ: إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ قَالَ الرَّبُّ جَلَّ جَلَالُهُ: غَشِيَ عِبَادِي خَلْقِي الْعَظِيمُ، فَاللَّيْلُ يَهَابُهُ، وَالَّذِي خَلَقَهُ أَحَقُّ أَنْ يَهَابَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ "مَا" هَاهُنَا مَصْدَرِيَّةٌ، بِمَعْنَى: وَالسَّمَاءِ وَبِنَائِهَا. وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى "مَن" يَعْنِي: وَالسَّمَاءِ وَبَانِيهَا. وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَكِلَاهُمَا مُتَلَازِمٌ، وَالْبِنَاءُ هُوَ الرَّفْعُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ أَيْ: بِقُوَّةٍ ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ وَالأرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٤٧، ٤٨] .

وَهَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿وَالأرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿طَحَاهَا﴾ دَحَاهَا. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَمَا طَحَاهَا﴾ أَيْ: خَلَقَ فِيهَا.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿طَحَاهَا﴾ قَسَمَهَا.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ، والسُّدِّي، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَابْنُ زَيْدٍ: ﴿طَحَاهَا﴾ بَسَطَهَا.

وَهَذَا أَشْهَرُ الْأَقْوَالِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: طَحَوْتُهُ مِثْلُ دَحَوْتُهُ، أَيْ: بَسَطْتُهُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ أَيْ: خَلَقَهَا سَوِيَّةً مُسْتَقِيمَةً عَلَى الْفِطْرَةِ الْقَوِيمَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الرُّومِ: ٣٠] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدانه أَوْ يُنَصِّرانه أَوْ يُمَجِّسانه، كَمَا تُولَدُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاء هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ ".

أَخْرَجَاهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ [[صحيح البخاري برقم (١٣٨٥) وصحيح مسلم برقم (٢٦٥٨) .]]

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفاء فَجَاءَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ" [[صحيح مسلم برقم (٢٨٦٥)]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ أَيْ: فَأَرْشَدَهَا إِلَى فُجُورِهَا وَتَقْوَاهَا، أَيْ: بَيَّنَ لَهَا ذَلِكَ، وَهَدَاهَا إِلَى مَا قُدِّرَ لَهَا.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ بَيَّنَ لَهَا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ. وَكَذَا قال مجاهد، وقتادة، والضحاك، والثوري.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَلْهَمَهَا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ فِيهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى وَأَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ قَالَا حَدَّثَنَا عَزْرَة بْنُ ثَابِتٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَقِيلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَر، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ [[في أ: "الديلمي".]] قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ فِيهِ النَّاسُ وَيَتَكَادَحُونَ فِيهِ، أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَر قَدْ سَبَقَ، أَوْ فِيمَا يُستَقبَلُون مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ ﷺ، وَأَكَّدَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ؟ قُلْتُ: بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ [[في أ: "شيء قد قضي".]] عَلَيْهِمْ. قَالَ: فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا؟ قَالَ: فَفَزِعْتُ مِنْهُ فَزَعًا شَدِيدًا، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: لَيْسَ شَيْءٌ إِلَّا وَهُوَ خَلقُه وملْك يَده، لَا يسألُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. قَالَ: سَدَّدَكَ اللَّهُ، إِنَّمَا سَأَلْتُ لِأَخْبَرَ [[في م: "إنما سألتك لأختبر".]] عَقْلَكَ، إِنَّ رَجُلًا مِنْ مُزَينة -أَوْ جُهَيْنَةَ-أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ فِيهِ وَيَتَكَادَحُونَ، أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدر قَدْ سَبَقَ، أَمْ شَيْءٌ مِمَّا يَسْتَقْبِلُونَ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، وَأَكَّدَتْ بِهِ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ؟ قَالَ: "بَلْ شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ [[في م: "قضى الله".]] عَلَيْهِمْ". قَالَ: فَفِيمَ نَعْمَلُ؟ قَالَ: "مَنْ كَانَ اللَّهُ خَلَقَهُ لِإِحْدَى الْمَنْزِلَتَيْنِ يُهَيِّئه لَهَا، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾

رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ عَزْرَة بْنِ ثَابِتٍ بِهِ [[تفسير الطبري (٣٠/١٣٥) والمسند (٤/٤٣٨) وصحيح مسلم برقم (٢٦٥٠) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّى نَفْسَهُ، أَيْ: بِطَاعَةِ اللَّهِ -كَمَا قَالَ قَتَادَةُ-وَطَهَّرَهَا مِنَ الْأَخْلَاقِ الدَّنِيئَةِ وَالرَّذَائِلِ. ويُروَى نَحْوُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَكَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الْأَعْلَى: ١٤، ١٥] .

﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ أَيْ: دَسَّسَهَا، أَيْ: أَخْمَلَهَا وَوَضَعَ مِنْهَا بِخِذْلَانِهِ إِيَّاهَا عَنِ الهُدَى، حَتَّى رَكِبَ الْمَعَاصِيَ وَتَرَكَ طَاعَةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّى اللَّهُ نَفْسَهُ، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّى اللَّهُ نَفْسَهُ، كَمَا قَالَ [[في م: "كما قاله".]] الْعَوْفِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أَبِي وَأَبُو زُرْعَة قَالَا حَدَّثَنَا سَهْلُ [[في أ: "سهيل".]] بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ -يَعْنِي عَمْرُو بْنُ هِشَامٍ-عَنْ جُوَيبر، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكَّاهَا اللَّهُ" [[ورواه الديلمي في مسند الفردوس برقم (٤٦٠٠) من طريق جويبر به.]] .

وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ، بِهِ. وَجُوَيْبِرٌ [هَذَا] [[زيادة من م.]] هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، مَتْرُوكُ الحديث، والضحاك لم يلق ابن عباس.

وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا مَرَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ وَقَفَ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا، وَخَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا" [[المعجم الكبير (١١/١٠٦) وزاد: "عن عمرو بن دينار وعطاء بن أبي رباح" وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٣٨) : "إسناد حسن".]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدٍ الْمَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْن بْنُ مُحَمَّدٍ الْغِفَارِيُّ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ عَلِيٍّ الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ قَالَ: "اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا" [[ورواه ابن أبي عاصم في السنة برقم (٣١٨) عن يعقوب بن حميد به.]] لَمْ يُخَرِّجُوهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ نَافِعٍ -عَنِ ابْنِ عُمَرَ-عَنْ صَالِحِ بْنِ سُعَيد، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا فَقَدت النَّبِيَّ ﷺ مِنْ مَضْجَعِهِ، فَلَمَسَتْهُ بِيَدِهَا، فَوَقَعَتْ [[في م: "فوثبت".]] عَلَيْهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، وَهُوَ يَقُولُ: "رَبِّ، أَعْطِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا" [[المسند (٦/٢٠٩) .]] تَفَرَّدَ بِهِ.

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ، إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ والكَسَل وَالْهَرَمِ، والجُبن وَالْبُخْلِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ. اللَّهُمَّ، آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا. اللَّهُمَّ، إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ قَلْب لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْس لَا تَشْبَعُ، وعِلْم لَا يَنْفَعُ، وَدَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا". قَالَ زَيْدٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَاهُنَّ وَنَحْنُ نُعَلِّمُكُوهُنَّ.

رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ -وَأَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، بِهِ [[المسند (٤/٣٧١) وصحيح مسلم برقم (٢٧٢٢) .]] .

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 9 إلى 15

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥) ﴾

.

* *

قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾

يقول: قد أفلح من زكَّى الله نفسه، فكثَّر تطهيرها من الكفر والمعاصي، وأصلحها بالصالحات من الأعمال.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ يقول: قد أفلح من زكَّى اللهُ نفسه.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن خَصِيفٍ، عن مجاهد وسعيد بن جُبير وعكرِمة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ قالوا: من أصلحها.

⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد وسعيد بن جُبير، ولم يذكر عكرِمة.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ من عمل خيرا زكَّاها بطاعة الله.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ قال: قد أفلح من زكَّى نفسَه بعمل صالح.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ يقول: قد أفلح من زكى اللهُ نفسَه.

وهذا هو موضع القسم؛

كما:-

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قد وقع القسم ها هنا ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ وقد ذكرتُ ما تقول أهل العربية في ذلك فيما مضى من نظائره قبل.

* *

وقوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾

يقول تعالى ذكره: وقد خاب في طِلبته، فلم يُدرك ما طلب والتمس لنفسه مِن الصلاح مَنْ دساها يعني: من دَسَّس الله نفسه فأَخْمَلها، ووضع منها، بخُذلانه إياها عن الهدى حتى ركب المعاصِيَ، وترك طاعة الله. وقيل: دسَّاها وهي دَسَّسها، فقُلبت إحدى سيناتها ياء، كما قال العجَّاج:

تَقَضِّيَ الْبازِي إذا البازِي كَسَرْ [[لم أعرف نسبة البيت، وأخشى أن يكون من أبيات ودقة الأسدي يقولها لمعن بن زائدة. أمالي المرتضى ١: ١٦٠.]]

يريد: تَقَضُّض. وتظنَّيت هذا الأمر، بمعنى: تظننت، والعرب تفعل ذلك كثيرا، فتبدل في الحرف المشدّدة بعض حروفه، ياء أحيانا، وواوا أحيانا؛ ومنه قول الآخر:

يَذْهَبُ بِي فِي الشِّعْرِ كُلَّ فَنَّ ... حتى يَرُدَّ عَنِّي التَّظَنِّي [[نسبه المفضل بن سلمة في الفاخر: ٢٥٣، وقال: "أول من قال ذلك طرفة بن العبد، في شعر يعتذر فيه إلى عمرو بن هند"، وليس في ديوانه، وانظر أمثال الميداني ٢: ١٢٥.]]

يريد: التظنن.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ يقول: وقد خاب من دَسَّى اللهُ نَفسَه فأضلَّه.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ يعني: تكذيبها.

⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد وسعيد بن جُبير ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ قال أحدهما: أغواها، وقال الآخر: أضلَّها.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن خَصيف، عن مجاهد ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ قال: أضلَّها، وقال سعيد: مَنْ أغواها.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿مَنْ دَسَّاهَا﴾ قال: أغواها.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ قال: أثّمها وأفجرها.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَقَدْ خَابَ﴾ يقول: وقد خاب من دَسَّى اللهُ نفسَه.

* *

وقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾

يقول: كذَّبت ثمود بطغيانها، يعني: بعذابها الذي وعدهموه صالح عليه السلام، فكان ذلك العذاب طاغيا طغى عليهم، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وإن كان فيه اختلاف بين أهل التأويل.

ذكر من قال القول الذي قلنا في ذلك:

⁕ حدثني سعيد بن عمرو السَّكونّي، قال: ثنا الوليد بن سَلَمة الفِلَسْطِينيّ، قال: ثني يزيد بن سمرة المَذحِجيّ عن عطاء الخُراسانيّ، عن ابن عباس، في قول الله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ قال: اسم العذاب الذي جاءها، الطَّغْوَى، فقال: كذّبت ثمود بعذابها.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ : أي الطغيان.

وقال آخرون: كذّبت ثمود بمعصيتهم الله.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ قال: معصيتها.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ قال: بغيانهم وبمعصيتهم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك بأجمعها.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يحيى بن أيوب وابن لَهِيعة، عن عُمارة بن غزية، عن محمد ب رفاعة القُرَظِيّ، عن محمد بن كعب، أنه قال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ قال: بأجمعها.

⁕ حدثني ابن عيد الرحيم الْبَرِقيّ، قال: ثنا ابن أبي مَرْيم، قال: أخبرني يحيى بن أيوب، قال: ثني عمارة بن غزية، عن محمد بن رفاعة القُرَظِيّ، عن محمد بن كعب، مثله.

وقيل ﴿طَغْوَاهَا﴾ بمعنى: طغيانهم، وهما مصدران للتوفيق بين رءوس الآي، إذ كانت الطغْوَى أشبه بسائر رءوس الآيات في هذه السورة، وذلك نظير قوله: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾ بمعنى: وآخر دعائهم.

* *

وقوله: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾

يقول: إذ ثار أشقى ثمود، وهو قُدَار بن سالف.

كما:-

⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا الطُّفاويّ، عن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن زَمْعة، قال: خطب رسول الله ﷺ، فذكر في خطبته الناقة، والذي عَقَرها، فقال: ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقَاهَا﴾ انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَزِيزٌ عارِمٌ، مَنِيعٌ فِي رَهْطِهِ، مِثْلُ أبي زَمْعَةَ".

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قالا ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله. ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ يعني أُحَيْمِرَ ثَمود.

* *

وقوله: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾

يعني بذلك جلّ ثناؤه: صالحا رسول الله ﷺ، فقال لثمود صالح: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ احذروا ناقة الله وسُقياها، وإنما حذّرهم سُقيا الناقة، لأنه كان تقدّم إليهم عن أمر الله، أن للناقة شِربَ يوم، ولهم شِرْب يومٍ آخر، غير يوم الناقة، على ما قد بيَّنت فيما مضى قبل.

وكما:-

⁕ حدثني بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا) قسْم الله الذي قسم لها من هذا الماء.

* *

وقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾

يقول: فكذّبوا صالحا في خبره الذي أخبرهم به، من أن الله الذي جعل شِرْبَ الناقة يوما، ولهم شِرْبُ يوم معلوم، وأن الله يُحِلّ بهم نقمته، إن هم عقروها، كما وصفهم جلّ ثناؤه فقال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ ، وقد يُحتمل أن يكون التكذيب بالعقْر. وإذا كان ذلك كذلك، جاز تقديم التكذيب قبل العقر، والعقر قبل التكذيب، وذلك أن كلّ فعل وقع عن سبب حَسُنَ ابتداؤه قبل السبب وبعده، كقول القائل: أعطيت فأحسنت، وأحسنت فأعطيت؛ لأن الإعطاء هو الإحسان، ومن الإحسان الإعطاء، وكذلك لو كان العقر هو سبب التكذيب، جاز تقديم أيّ ذلك شاء المتكلم. وقد زعم بعضهم أن قوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ كلمة مكتفية بنفسها، وأن قوله: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ جواب لقوله: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ كأنه قيل: إذ انبعث أشقاها فعقرها، فقال: وكيف قيل ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ وقد كان القوم قبل قتل الناقة مُسَلِّمين، لها شرب يوم، ولهم شرب يوم آخر. قيل: جاء الخبر أنهم بعد تسليمهم ذلك أجمعوا على منعها الشرب، ورضوا بقتلها، وعن رضا جميعهم قَتَلها قاتِلُها، وعقَرَها من عقرها ولذلك نُسب التكذيب والعقر إلى جميعهم، فقال جلّ ثناؤه: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ .

* *

وقوله: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾

يقول تعالى ذكره: فدمَّر عليهم ربهم بذنبهم ذلك، وكفرهم به، وتكذيبهم رسوله صالحا، وعقرهم ناقته ﴿فَسَوَّاهَا﴾ يقول: فسوّى الدمدمة عليهم جميعهم، فلم يُفْلِت منهم أحد.

كما:-

⁕ حدثني بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ ذُكر لنا أن أحيمر ثَمود أبى أن يعقرها، حتى بايعه صغيرُهم وكبيرُهم، وذكرهم وأنثاهم، فلما اشترك القوم في عقرها دمدم الله عليهم بذنبهم فسوّاها.

⁕ حدثني بشر بن آدم، قال: ثنا قُتيبة، قال: ثنا أبو هلال، قال: سمعت الحسن يقول: لما عقروا الناقة طلبوا فصيلها، فصار في قارة الجبل، فقطع الله قلوبهم.

* *

وقوله: ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾

اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: لا يخاف تبعة دمدمته عليهم.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ قال: لا يخاف الله من أحد تبعة.

⁕ حدثني إبراهيم بن المستمر، قال: ثنا عثمان بن عمرو، قال: ثنا عمر بن مرثد، عن الحسن، في قوله: ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ قال: ذاك ربنا تبارك وتعالى، لا يخاف تبعة مما صنع بهم.

⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن عمرو بن منبه، هكذا هو في كتابي، سمعت الحسن قرأ: ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ قال: ذلك الربّ صنع ذلك بهم، ولم يخف تبعة.

⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ قال: لا يخاف تبعتهم.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ يقول: لا يخاف أن يتبع بشيء مما صنع بهم.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ قال محمد بن عمرو في حديثه، قال الله: ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ . وقال الحارث في حديثه: الله لا يخاف عقباها.

⁕ حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا رزين بن إبراهيم، عن أبي سليمان، قال: سمعت بكر بن عبد الله المزنيّ يقول في قوله: ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ قال: لا يخاف الله التبعة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولم يخف الذي عقرها عقباها: أي عُقبى فعلته التي فعل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا أبو روق، قال: ثنا الضحاك ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ قال: لم يخف الذي عقرها عقباها.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن السديّ: ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ قال: لم يخف الذي عقرها عقباها.

⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن السديّ ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ قال: الذي لا يخاف الذي صنع، عُقْبَى ما صنع.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والشام ﴿فَلا يَخافُ عُقْبَاهَا﴾ بالفاء، وكذلك ذلك في مصاحفهم، وقرأته عامة قرّاء العراق في المِصْرين بالواو ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ وكذلك هو في مصاحفهم.

والصواب من القول في ذلك: أنهما قراءتان معروفتان، غير مختلفي المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

واختلفت القرّاء في إمالة ما كان من ذوات الواو في هذه السورة وغيرها، كقوله: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ ﴿وَمَا طَحَاهَا﴾ ونحو ذلك، فكان يفتح ذلك كلَّه عامة قرّاء الكوفة، ويُمِيلون ما كان من ذوات الياء، غير عاصم والكسائي، فإن عاصما كان يفتح جميعَ ذلك ما كان منه من ذوات الواو وذوات الياء، لا يُضْجِعُ منه شيئا.

وكان الكسائي يكسر ذلك كلَّه. وكان أبو عمرو ينظر إلى اتساق رءوس الآي، فإن كانت متسقة على شيء واحد أمال جميعها، وأما عامة قرّاء المدينة فإنهم لا يميلون شيئا من ذلك الإمالة الشديدة، ولا يفتحونه الفتح الشديد، ولكن بين ذلك؛ وأفصح ذلك وأحسنه أن ينظر إلى ابتداء السورة، فإن كانت رءوسها بالياء أجري جميعها بالإمالة غير الفاحشة، وإن كانت رءوسها بالواو فتحت وجرى جميعها بالفتح غير الفاحش، وإذا انفرد نوع من ذلك في موضع أميل ذوات الياء الإمالة المعتدلة، وفتح ذوات الواو الفتح المتوسط، وإن أُميلت هذه، وفُتحت هذه لم يكن لحنا، غير أن الفصيح من الكلام هو الذي وصفنا صفته.

آخر تفسير سورة والشمس وضحاها