سورة القرآن surah-quran.com

سورة الشعراء

سورة الشعراء، الآية 103

الجزء 19، الصفحة 371.

إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ﴿١٠٣﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

يشمل هذا التفسير الآيات 103 إلى 104

إن في نبأ إبراهيم السابق لَعبرة لِمن يعتبر، وما صار أكثر الذين سمعوا هذا النبأ مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز القادر على الانتقام من المكذبين، الرحيم بعباده المؤمنين.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 69 إلى 104

{69 ـ 71} أي: وَاتْلُ يا محمدُ على الناس نبأ إبراهيم الخليل وخَبَرَه الجليل في هذه الحالة بخصوصها، وإلاَّ؛ فله أنباءٌ كثيرة، ولكن من أعجب أنبائِهِ وأفضلِها هذا النبأُ المتضمنُ لرسالتِهِ ودعوتِهِ قومَه ومحاجَّتِهِ إيَّاهم و [إبطاله] ما هم عليه، ولذلك قيَّدَه بالظرفِ فقال:{إذۡ قال لأبيهِ وقومِهِ ما تَعۡبُدونَ. قالوا}: متبجِّحين بعبادتِهِم: {نعبدُ أصناماً}: ننحِتُها ونَعْمَلُها بأيدينا، {فنظلُّ لها عاكفينَ}؛ أي: مقيمين على عبادتها في كثيرٍ من أوقاتنا.

{72 ـ 74} فقال لهم إبراهيمُ مبيناً لعدم استحقاقِها للعبادةِ: {هل يسمعونَكم إذ تَدۡعونَ}: فيستجيبونَ دعاءكم ويفرِّجونَ كَرْبَكُم ويزيلون عنكم كلَّ مكروه، {أو يَنفَعونَكم أو يَضُرُّونَ}: فأقرُّوا أنَّ ذلك كُلَّه غيرُ موجودٍ فيها؛ فلا تسمع دعاءً، ولا تنفع، ولا تضر! ولهذا لما كسَّرها وقال:{بَلۡ فَعَلَهُ كبيرُهم هذا فاسۡألوهم إن كانوا يَنطِقونَ}؛ قالوا له:{لقد عَلِمۡتَ ما هؤلاء ينطِقونَ}؛ أي: هذا أمر متقررٌ من حالها، لا يقبلُ الإشكالَ والشكَّ. فلجؤوا إلى تقليد آبائهم الضالين، فقالوا:{بل وَجَدۡنا آباءنا كذلك يفعلونَ}: فتبِعْناهم على ذلك، وسَلَكْنا سبيلَهم، وحافَظْنا على عاداتهم.

{75 ـ 82} فقال لهم إبراهيمُ: أنتُم وآباؤكم كلُّكم خصومٌ في [هذا] الأمر، والكلامُ مع الجميع واحدٌ:{أفرأيتُم ما كنتُم تعبُدونَ. أنتُم وآباؤكم الأقۡدَمونَ. فإنَّهم عدوٌّ لي}: فَلْيَضُرُّونِ بأدنى شيءٍ من الضَّرر، ولْيَكيدونِ فلا يقدرونَ. {إلاَّ رَبَّ العالمينَ. الذي خَلَقَني فهو يهديني}: هو [المنْفَرِدُ] بنعمةِ الخَلْق ونعمةِ الهداية للمصالح الدينيَّة والدنيويَّة، ثم خصَّص منها بعضَ الضروريَّات، فقال:{والذي هو يُطۡعِمُنِى ويسقينِ. وإذا مرضت فهو يشفينِ. والذي يُميتُني ثم يحيينِ. والذي أطمعُ أن يَغۡفِرَ لي خطيئتي يومَ الدينِ}: فهذا هو وحدَه المنفردُ بذلك، فيجبُ أن يُفْرَدَ بالعبادةِ والطاعةِ، وتُتْرَكَ هذه الأصنام التي لا تخلقُ ولا تهدي، ولا تمرِضُ ولا تشفي، ولا تطعِمُ ولا تسقي، ولا تميت ولا تحيي، ولا تنفع عابديها بكشفِ الكروب ولا مغفرةِ الذنوب؛ فهذا دليلٌ قاطعٌ وحجةٌ باهرةٌ لا تقدرون أنتم وآباؤكم على معارضتها، فدلَّ على اشتراكِكُم في الضلال وتركِكُم طريق الهدى والرشد. قال الله تعالى:{وحاجَّهُ قومُهُ قالَ أتُحاجُّونِّي في الله وقد هدانِ ... } الآيات.

{83 ـ 84} ثم دعا عليه السلام ربَّه، فقال:{ربِّ هَبۡ لي حُكۡماً}؛ أي: علماً كثيراً أعرِفُ به الأحكامَ والحلالَ والحرام، وأحكُمُ به بين الأنام، {وألۡحِقۡني بالصالحينَ}: من إخوانِهِ الأنبياء والمرسلين، {واجۡعَلۡ لي لسانَ صِدۡقٍ في الآخرينَ}؛ أي: اجعل لي ثناء صدقٍ مستمرٍّ إلى آخر الدهر. فاستجاب الله دعاءَه، فوهب له من العلم والحكم ما كان به مِن أفضلِ المرسلينَ، وألحقه بإخوانِهِ المرسلينَ، وجعلَه محبوباً مقبولاً معظماً مثنياً عليه في جميع الملل في كلِّ الأوقات، قال تعالى:{وتَرَكۡنا عليه في الآخِرينَ سلامٌ على إبراهيمَ. إنَّا كذلك نَجۡزي المُحۡسِنينَ. إنَّه مِن عبادِنا المؤمنينَ}.

الآية 85:{واجۡعَلۡني من وَرَثَةِ جنَّةِ النعيم}؛ أي: من أهل الجنَّةِ التي يورِثُهم اللهُ إيَّاها، فأجاب الله دعاءَه، فرفَعَ منزلتَه في جنات النعيم.

الآية 86:{واغۡفِرۡ لأبي إنَّه كان من الضَّالِّينَ}: وهذا الدعاء بسبب الوعد الذي قال لأبيه: {سأستغفر لك ربِّي إنَّه كانَ بي حَفِيًّا}، قال تعالى:{وما كانَ استغفارُ إبراهيمَ لأبيهِ إلاَّ عن مَوۡعِدَةٍ وَعَدَها إيَّاه فَلَمَّا تَبَيَّنَ له أنه عدوٌّ لله تبرَّأ منه إنَّ إبراهيم لأوّاهٌ حليمٌ}.

{87 ـ 89}{ولا تُخۡزِني يَوۡمَ يُبۡعَثونَ}؛ أي: بالتوبيخ على بعض الذُّنوب والعقوبةِ عليها والفضيحة، بل أسْعِدْني في ذلك اليوم الذي لا يَنْفَعُ فيه مالٌ ولا بنونٌ؛ {إلاَّ مَنۡ أتى الله بقلبٍ سليم}: فهذا الذي ينفعُهُ عندَك، وهذا الذي ينجو من العقاب ويستحقُّ جزيل الثواب. والقلبُ السليمُ: معناهُ: الذي سَلِمَ من الشركِ والشكِّ ومحبة الشرِّ والإصرار على البدعةِ والذُّنوب، ويلزم من سلامتِهِ ممَّا ذُكِرَ اتِّصافُهُ بأضدادِها من الإخلاص والعلم واليقين ومحبَّة الخير وتزيينه في قلبِهِ، وأن تكون إرادتُهُ ومحبتُهُ تابعةً لمحبَّةِ الله، وهواه تبعاً لما جاء عن الله.

{90 ـ 95} ثم ذكر من صفات ذلك اليوم العظيم وما فيه من الثوابِ والعقاب، فقال:{وأُزۡلِفَتِ الجنَّةُ}؛ أي: قُرِّبَتْ {للمتَّقينَ}: ربَّهم، الذين امتثلوا أوامره، واجتنبوا زواجِرَه واتَّقوا سَخَطَهُ وعقابَه. {وبُرِّزَتِ الجحيمُ}؛ أي: بُرِّزَتْ واستَعَدَّتْ بجميع ما فيها من العذاب {للغاوينَ}: الذين أوْضَعوا في معاصي الله، وتجرؤوا على محارمِهِ، وكذَّبوا رسلَه، وردُّوا ما جاؤوهم به من الحقِّ، {وقيلَ لهم أينَ ما كنتُم تعبُدونَ. من دونِ الله هل يَنصُرونَكم أو يَنتَصِرونَ}: بأنفسِهِم؛ أي: فلم يكن من ذلك من شيءٍ، وظهر كَذِبُهم وخِزْيُهم، ولاحتْ خسارتُهم وفضيحتُهم، وبان ندمُهم، وضلَّ سعيهم. {فكُبۡكِبوا فيها}؛ أي: ألقوا في النار {هم}؛ أي: ما كانوا يعبدون، {والغاوونَ}: العابدونَ لها، {وجنودُ إبليسَ أجۡمعونَ}: من الإنس والجنِّ، الذين أزَّهم إلى المعاصي أزًّا، وتسلَّط عليهم بشركِهِم وعدم إيمانهم، فصاروا من دعاتِهِ والساعينَ في مرضاتِهِ، وهم ما بين داعٍ لطاعتِهِ ومجيبٍ لهم ومقلدٍ لهم على شركهم.

{96 ـ 104}{قالوا}؛ أي: جنود إبليس الغاوون لأصنامِهِم وأوثانِهِم التي عبدوها: {تاللهِ إن كُنَّا لفي ضلالٍ مبينٍ. إذۡ نُسَوِّيكُم بربِّ العالَمينَ}: في العبادة والمحبَّة والخوفِ والرجاءِ، وندعوكم كما ندعوهُ. فتبيَّن لهم حينئذٍ ضلالُهم، وأقرُّوا بعدل الله في عقوبتِهِم، وأنَّها في محلِّها، وهم لم يُسَوُّوهم بربِّ العالمين؛ إلاَّ في العبادةِ، لا في الخلق؛ بدليل قولهم:{بربِّ العالمينَ}؛ أنَّهم مقرُّون أنَّ الله ربُّ العالمين كلِّهم، الذين من جملتهم أصنامهم وأوثانهم، {وما أضَلَّنا}: عن طريق الهُدى والرُّشْد ودعانا إلى طريق الغَيِّ والفِسْقِ {إلاَّ المُجۡرِمونَ}: وهم الأئمة الذين يدعونَ إلى النار، {فما لنا}: حينئذٍ {من شافعينَ}: يشفعونَ لنا لِيُنْقِذَنا من عذابه {ولا صديقٍ حَميم}؛ أي: قريب مصافٍ ينفعنا بأدنى نفعٍ؛ كما جرت العادةُ بذلك في الدُّنيا؛ فأيِسوا من كلِّ خير، وأبلسوا بما كسبوا، وتمنَّوا العودة إلى الدُّنيا ليعملوا صالحاً؛ {فلو أنَّ لنا كَرَّةً}؛ أي: رجعةً إلى الدُّنيا وإعادةً إليها، {فنكونَ من المؤمنين}: لنسلمَ من العقابِ ونستحقَّ الثواب. هيهاتَ هيهاتَ؛ قد حيلَ بينَهم وبين ما يشتهونَ، وقد غُلِّقَتْ منهم الرُّهون. {إنَّ في ذلك}: الذي ذَكَرْنا لكم ووصَفْنا {لآيةً}: لكم، {وما كان أكثرُهُم مؤمنينَ}: مع نزول الآياتِ.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿إنّ فِي ذَلِكَ﴾ المَذْكُور مِن قِصَّة إبْراهِيم وقَوْمه

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 90 إلى 104

﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾ أَيْ: قُرِّبَتِ الْجَنَّةُ وَأُدْنِيَتْ [[في ف: "أدنيت وقربت".]] مِنْ أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُزَخْرَفَةً مُزَيَّنَةً [[في ف، أ: "مزينة مزخرفة".]] لِنَاظِرِيهَا، وَهُمُ الْمُتَّقُونَ الَّذِينَ رَغِبُوا فِيهَا، وَعَمِلُوا لَهَا [عَمَلَهَا] [[زيادة من ف، أ.]] فِي الدُّنْيَا.

﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ أي: أُظْهِرَتْ وكُشف [[في ف، أ. "وكشفت".]] عَنْهَا، وَبَدَتْ مِنْهَا عُنقٌ، فَزَفَرَتْ زَفْرَةً بَلَغَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ [إِلَى] [[زيادة من أ.]] الْحَنَاجِرِ، وَقِيلَ لِأَهْلِهَا تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ. مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [[في ف، أ: "تشركون".]] أَيْ: لَيْسَتِ الْآلِهَةُ الَّتِي عَبَدْتُمُوهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ، مِنْ تِلْكَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ تُغْنِي عَنْكُمُ الْيَوْمَ شَيْئًا، وَلَا تَدْفَعُ عَنْ أَنْفُسِهَا؛ فَإِنَّكَمْ وَإِيَّاهَا الْيَوْمَ حَصَبُ جَهَنم أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: فَدُهْوِرُوا [[في أ: "صوروا".]] فِيهَا.

وَقَالَ غَيْرُهُ: كُبِّبُوا فِيهَا. وَالْكَافُ مُكَرَّرَةٌ، كَمَا يُقَالُ: صَرْصَرَ. وَالْمُرَادُ: أَنَّهُ أُلْقِيَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، مِنَ الْكُفَّارِ وَقَادَتِهِمُ الَّذِينَ دَعَوْهُمْ إِلَى الشِّرْكِ.

﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ أَيْ: أُلْقُوا فِيهَا عَنْ آخِرِهِمْ.

﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: يَقُولُ الضعفاء الذين اسْتَكْبَرُوا: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ [غَافِرٍ:٤٧] . وَيَقُولُونَ وَقَدْ عَادُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْمَلَامَةِ: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: نَجْعَلُ أَمْرَكُمْ مُطَاعًا كَمَا يُطَاعُ أَمْرُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَعَبَدْنَاكُمْ مَعَ ربِ الْعَالَمِينَ.

﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلا الْمُجْرِمُونَ﴾ أَيْ: مَا دَعَانَا إِلَى ذَلِكَ إِلَّا الْمُجْرِمُونَ.

﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ، كَمَا يَقُولُونَ: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [الْأَعْرَافِ:٥٣] . وَكَذَا قَالُوا: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ. وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ أَيْ: قَرِيبٍ.

قَالَ قَتَادَةُ: يَعْلَمُونَ -وَاللَّهِ -أَنَّ الصَّدِيقَ إِذَا كَانَ صَالِحًا نَفَعَ، وَأَنَّ الْحَمِيمَ إِذَا كَانَ صَالِحًا شَفَعَ.

﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ أَنَّهُمْ يردُّون [[في ف: "أن يردون" وفي أ: "أن يردوا".]] إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا، لِيَعْمَلُوا بِطَاعَةِ رَبِّهِمْ -فِيمَا يَزْعُمُونَ -وَهُوَ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ رَدَّهُمْ إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى [[في أ: "الله" وهو خطأ.]] عَنْ تَخَاصُمِ [[في أ: "بتخاصم".]] أَهْلِ النَّارِ فِي سُورَةِ "ص"، ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص:٦٤] .

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: إِنَّ فِي مُحَاجَّةِ إِبْرَاهِيمَ لِقَوْمِهِ وَإِقَامَتِهِ الْحُجَجَ [[في ف: "الحجة".]] عَلَيْهِمْ فِي التَّوْحِيدِ لَآيَةً وَدَلَالَةً وَاضِحَةً جَلِيَّةً عَلَى أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 103 إلى 110

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤) ﴾

يقول تعالى ذكره: إن فيما احتجّ به إبراهيم على قومه من الحجج التي ذكرنا له لدلالة بينة واضحة لمن اعتبر، على أن سنة الله في خلقه الذين يستنون بسنة قوم إبراهيم من عبادة الأصنام والآلهة، ويقتدون بهم في ذلك ما سنّ فيهم في الدار الآخرة، من كبكبتهم وما عبدوا من دونه مع جنود إبليس في الجحيم، وما كان أكثرهم في سابق علمه مؤمنين. وإن ربك يا محمد لهو الشديد الانتقام ممن عبد دونه، ثم لم يتب من كفره حتى هلك، الرحيم بمن تاب منهم أن يعاقبه على ما كان سلف منه قبل توبته من إثم وجرم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) ﴾

يقول تعالى ذكره: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ رسل الله الذين أرسلهم إليهم لما ﴿قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ فتحذروا عقابه على كفركم به، وتكذيبكم رسله. ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ﴾ من الله ﴿أمِينٌ﴾ على وحيه إلي، برسالته إياي إليكم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) ﴾

يقول تعالى ذكره: فاتقوا عقاب الله أيها القوم على كفركم به، وأطيعوني في نصيحتي لكم، وأمري إياكم باتقائه. ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ يقول: وما أطلب منكم على نصيحتي لكم وأمري إياكم باتقاء عقاب الله بطاعته فيما أمركم ونهاكم، من ثواب ولا جزاء ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ دونكم ودون جميع خلق الله، فاتقوا عقاب الله على كفركم به، وخافوا حلول سخطه بكم على تكذيبكم رسله، وأطيعون: يقول: وأطيعوني في نصيحتي لكم، وأمري إياكم بإخلاص العبادة لخالقكم.