سورة الشعراء، الآية 130
الجزء 19، الصفحة 372.
وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴿١٣٠﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة الشعراء
تفسير الآية
التفسير الميسر
يشمل هذا التفسير الآيات 128 إلى 130
أتبنون بكل مكان مرتفع بناء عاليًا تشرفون منه فتسخرون مِنَ المارة؟ وذلك عبث وإسراف لا يعود عليكم بفائدة في الدين أو الدنيا، وتتخذون قصورًا منيعة وحصونًا مشيَّدة، كأنكم تخلدون في الدنيا ولا تموتون، وإذا بطشتم بأحد من الخلق قتلًا أو ضربًا، فعلتم ذلك قاهرين ظالمين.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 123 إلى 140
{123 ـ 127} أي: كذَّبتِ القبيلةُ المسماةُ عاداً رسولهم هوداً، وتكذيبُهم له تكذيبٌ لغيره؛ لاتفاقِ الدعوة، {إذۡ قال لهم أخوهم}: في النسبِ {هودٌ}: بلطفٍ وحسن خطابٍ: {ألا تتقونَ}: الله، فتترُكون الشركَ وعبادةَ غيره، {إنِّي لكم رسولٌ أمينٌ}؛ أي: أرسلني الله إليكم رحمةً بكم واعتناءً بكم، وأنا أمينٌ؛ تعرفون ذلك منِّي. رتَّب على ذلك قولَه:{فاتَّقوا الله وأطيعونِ}؛ أي: أدُّوا حقَّ الله تعالى، وهو التَّقوى، وأدُّوا حقِّي؛ بطاعتي فيما آمركم به وأنهاكم عنه؛ فهذا موجبٌ لأن تتَّبِعوني وتُطيعوني، وليس ثَمَّ مانعٌ يمنعُكم من الإيمان، فلستُ أسألُكم على تبليغي إيَّاكم ونُصحي لكم أجراً حتى تَسْتَثْقِلوا ذلك المغرم. {إنۡ أجۡرِيَ إلاَّ على ربِّ العالمينَ}: الذي ربَّاهم بنِعَمِهِ وأدرَّ عليهم فضلَه وكرمه؛ خصوصاً ما ربَّى به أولياءه وأنبياءه.
{128 ـ 135}{أتبنونَ بكلِّ رِيعٍ}؛ أي: مدخل بين الجبال {آيةً}؛ أي: علامة {تَعۡبَثونَ}؛ أي: تفعلون ذلك عبَثاً لغير فائدةٍ تعود بمصالح دينكم ودنياكم، {وتتَّخِذونَ مصانعَ}؛ أي: بركاً ومجابي للمياه؛ {لعلَّكم تَخۡلُدون}: والحال أنَّه لا سبيل إلى الخلود لأحدٍ. {وإذا بطشتُم}: بالخَلْق {بطَشۡتُم جبَّارينَ}: قتلاً وضرباً وأخذَ أموال. وكان اللهُ تعالى قد أعطاهم قوةً عظيمةً، وكان الواجب عليهم أنْ يَسْتَعينوا بقوَّتِهم على طاعةِ الله، ولكنَّهم فخروا واستكبروا وقالوا: مَنْ أشدُّ منَّا قوَّةً؟ واستعملوا قوَّتَهم في معاصي الله وفي العبث والسفه؛ فلذلك نهاهم نبيُّهم عن ذلك. {فاتَّقوا الله}: واتركوا شِرْكَكَم وبَطَرَكم {وأطيعونِ}: حيثُ علمتُم أنِّي رسولُ الله إليكم أمينٌ ناصحٌ. {واتَّقوا الذي أمدَّكم}؛ أي: أعطاكم {بما تَعۡلَمون}؛ أي: أمدَّكم بما لا يُجْهَلُ ولا يُنْكَرُ من الأنعام، {أمدَّكُم بأنعام}: من إبل وبقرٍ وغنم، {وبنينَ}؛ أي: وكثرة نسل؛ كثَّرَ أموالَكم وكثَّرَ أولادَكم؛ خصوصاً الذكورَ؛ أفضل القسمين. هذا تذكيرُهم بالنِّعم، ثم ذكَّرهم حلولَ عذاب الله فقال:{إنِّي أخافُ عليكم عذابَ يوم عظيم}؛ أي: إني من شفقتي عليكُم، وبِرِّي بكم أخافُ أن ينزِلَ بكم عذابٌ عظيمٌ. إذا نَزَلَ لا يُرَدُّ إنِ استَمْرَّيْتُم على كفرِكم وبَغْيِكُم.
{136 ـ 138} فقالوا معاندينَ للحقِّ مكذِّبين لنبيِّهم: {سواءٌ علينا أوعظتَ أمۡ لم تكن من الواعظينَ}؛ أي: الجميع على حدٍّ سواء! وهذا غاية العتوِّ؛ فإنَّ قوماً بلغتْ بهم الحالُ إلى أن صارتْ مواعظُ الله التي تُذيبُ الجبالَ الصُّمَّ الصِّلابَ، وتتصدَّعُ لها أفئدةُ أولي الألباب، وجودُها وعدمُها عندهم على حدٍّ سواء؛ لَقَوْمٌ انتهى ظلمُهم واشتدَّ شقاؤُهم وانقطعَ الرجاءُ من هدايَتِهِم، ولهذا قالوا:{إنۡ هذا إلاَّ خُلُقُ الأوَّلينَ}؛ أي: هذه الأحوال والنعم ونحو ذلك عادةُ الأولينَ؛ تارةً يستغنون، وتارةً يفتقرونَ، وهذه أحوال الدَّهر؛ لأنَّ هذه محنٌ ومنحٌ من الله تعالى وابتلاءٌ لعباده. {وما نحن بِمُعَذَّبينَ}: وهذا إنكارٌ منهم للبعث، أو تنزُّلٌ مع نبيِّهم وتهكُّمٌ به؛ أنَّنا على فرض أنَّنا نُبْعَثُ؛ فإنَّنا كما أُدِرَّتْ علينا النعمُ في الدنيا؛ كذلك لا تزال مستمرةً علينا إذا بُعِثْنا.
{139 ـ 140}{فكذَّبوه}؛ أي: صار التكذيب سجيَّةً لهم وخُلُقاً لا يردعُهم عنه رادعٌ؛ {فأهۡلَكۡناهم}: {بريح صرصرٍ عاتيةٍ. سخَّرَها عليهم سبع ليال وثمانيةَ أيَّام حسوماً فترى القومَ فيها صَرۡعى كأنَّهم أعجازُ نخل خاوية}. {إنَّ في ذلك لآيةً}: على صِدْق نبيِّنا هودٍ عليه السلام، وصحَّة ما جاء به، وبطلانِ ما عليه قومُه من الشرك والجبروت. {وما كان أكثرُهُم مؤمنينَ}: مع وجود الآياتِ المقتضيةِ للإيمان، {وإنَّ ربَّك لهو العزيزُ}: الذي أهلكَ بقوتِهِ قومَ هودٍ على قوَّتِهِم وبطشِهِم. {الرحيم}: بنبيِّه هودٍ حيث نجَّاه ومَنْ معه من المؤمنين.
تفسير الجلالين
﴿وإذا بَطَشْتُمْ﴾ بِضَرْبٍ أوْ قَتْل ﴿بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ مِن غَيْر رَأْفَة
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 123 إلى 135
وَهَذَا إِخْبَارٌ مِنَ [اللَّهِ تَعَالَى عَنْ] [[زيادة من ف، أ.]] عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ هُودٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ دَعَا قَوْمَهُ عَادًا، وَكَانُوا قَوْمًا يَسْكُنُونَ الْأَحْقَافَ، وَهِيَ: جِبَالُ الرَّمَلِ قَرِيبًا مِنْ بِلَادِ حَضْرَمَوْتَ مُتَاخِمَةً [[في ف: "متخمة".]] لِبِلَادِ الْيَمَنِ، وَكَانَ زَمَانُهُمْ بَعْدَ قَوْمِ نُوحٍ، [كَمَا قَالَ فِي "سُورَةِ الْأَعْرَافِ": ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ] [[زيادة من ف، أ.]] وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً﴾ [الْأَعْرَافِ:٦٩] وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي غَايَةٍ مِنْ قُوَّةِ التَّرْكِيبِ، وَالْقُوَّةِ وَالْبَطْشِ الشَّدِيدِ، وَالطُّولِ الْمَدِيدِ، وَالْأَرْزَاقِ الدَّارَّةِ، وَالْأَمْوَالِ وَالْجَنَّاتِ [[في أ: "والجنان".]] وَالْعُيُونِ، وَالْأَبْنَاءِ وَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، وَكَانُوا مَعَ ذَلِكَ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ مَعَهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْهُمْ رَسُولَا وَبَشِيرًا وَنَذِيرًا، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ، وَحَذَّرَهُمْ نِقْمَتَهُ وَعَذَابَهُ فِي مُخَالَفَتِهِ، فَقَالَ لَهُمْ كَمَا قَالَ نُوحٌ لِقَوْمِهِ، إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ، اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الرِّيعِ بِمَا حَاصِلُهُ: أَنَّهُ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ عِنْدَ جَوَادِّ الطُّرُقِ الْمَشْهُورَةِ. تَبْنُونَ هُنَاكَ بِنَاءً مُحْكَمًا بَاهِرًا هَائِلًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾ أَيْ: مَعْلَمًا بِنَاءً مَشْهُورًا، تَعْبَثُونَ، وَإِنَّمَا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ عَبَثًا لَا لِلِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ؛ بَلْ لِمُجَرَّدِ اللَّعِبِ وَاللَّهْوِ وَإِظْهَارِ الْقُوَّةِ؛ وَلِهَذَا أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ نَبِيُّهُمْ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَضْيِيعٌ لِلزَّمَانِ وَإِتْعَابٌ لِلْأَبْدَانِ فِي غَيْرِ فَائِدَةٍ، وَاشْتِغَالٌ بِمَا لَا يُجْدِي فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ . قَالَ مُجَاهِدٌ: الْمَصَانِعُ: الْبُرُوجُ الْمُشَيَّدَةُ، وَالْبُنْيَانُ الْمُخَلَّدُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: بروج الحمام.
وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ مَأْخَذُ الْمَاءِ. قَالَ قَتَادَةُ: وَقَرَأَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ [[في ف: "الكوفيين".]] : وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ كَأَنَّكُمْ خَالِدُونَ".
وَفِي الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ أَيْ: لِكَيْ تُقِيمُوا فِيهَا أَبَدًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحَاصِلٍ لَكُمْ، بَلْ زَائِلٌ عَنْكُمْ، كَمَا زَالَ عَمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَجْلان، حَدَّثَنِي عَوْن بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَمَّا رَأَى مَا أَحْدَثَ الْمُسْلِمُونَ فِي الغُوطة مِنَ الْبُنْيَانِ وَنَصْبِ الشَّجَرِ، قَامَ فِي مَسْجِدِهِمْ فَنَادَى: يَا أَهْلَ دِمَشْقَ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا تَسْتَحْيُونَ! أَلَا تَسْتَحْيُونَ! تَجْمَعُونَ مَا لَا تَأْكُلُونَ، وَتَبْنُونَ مَا لَا تَسْكُنُونَ، وَتَأْمُلُونَ مَا لَا تُدْرِكُونَ، إِنَّهُ كَانَتْ قَبْلَكُمْ [[في ف: "قد كانت قبلكم" وفي أ: "قد كانت لكم".]] قُرُونٌ، يَجْمَعُونَ فَيُرْعُونَ، وَيَبْنُونَ فَيُوثِقُونَ [[في أ: "فيوبقون".]] ، وَيَأْمُلُونَ فَيُطِيلُونَ، فَأَصْبَحَ أَمَلُهُمْ غُرُورًا، وَأَصْبَحَ جَمْعُهُمْ بُورًا، وَأَصْبَحَتْ مَسَاكِنُهُمْ [[في ف: "منازلهم".]] قُبُورًا، أَلَا إِنَّ عَادًا مَلَكَتْ مَا بَيْنَ عَدَنَ وَعُمَانَ خَيْلًا وَرِكَابًا، فَمَنْ يَشْتَرِي مِنِّي مِيرَاثَ عَادٍ بِدِرْهَمَيْنِ؟.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ وَصَفَهُمْ بِالْقُوَّةِ وَالْغِلْظَةِ وَالْجَبَرُوتِ.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ أَيِ: اعْبُدُوا رَبَّكُمْ، وَأَطِيعُوا رَسُولَكُمْ.
ثُمَّ شَرَعَ يُذَكِّرُهُمْ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ. أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ. وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أَيْ: إِنْ كَذَّبْتُمْ وَخَالَفْتُمْ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ بِالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، فَمَا نَفَعَ فِيهِمْ.
تفسير الطبري
يشمل هذا التفسير الآيات 128 إلى 130
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) ﴾
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هود لقومه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ والريع: كل مكان مشرف من الأرض مرتفع، أو طريق أو واد؛ ومنه قول ذي الرُّمَّة:
طِرَاقُ الخَوَافِي مُشْرفٌ فَوْق رِيعَةٍ ... نَدَى لَيْلِه فِي ريشِهِ يَتَرَقْرَقُ [[البيت لذي الرمة (اللسان: ريع) قال: والريع: الجبل، والجمع أرياع، وريوع، ورياع. وقيل: الواحدة ريعة. والجمع: رياع. وحكى ابن برى عن أبي عبيدة: الريعة: جمع ريع، خلاف قول الجوهري، قال ذو الرمة: * طراق الخوافي واقعًا فوق ريعة *
والريع: السبيل، سلك أو لم يسلك. وقوله تعالى: (أتبون بكل ريع آية) . وقرئ: "بكل ريع"، (بفتح الراء) : قيل في تفسيره: بكل مكان مرتفع. وقيل معناه: بكل فج. والفج: الطريق المتفرج في الجبال خاصة. وقيل: بكل طريق. وقال الفراء: الريع والريع (بكسر الراء وفتحها) لغتان، مثل الرير والرير. اهـ. وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن (مصورة الجامعة ١٧٣) : (بكل ريع) ، وهو الارتفاع من الأرض، والطريق. والجمع أرياع وريعة. قال ذو الرمة: طِرَاقُ الخَوَافي مُشْرِفٌ فَوْقَ رِيعَةٍ ... نَدَى لَيْلِهِ فِي رِيشِهِ يَتَرَقْرَق
وفي (اللسان: طرق) : وطائر طراق الريش: إذا ركب بعضه بعضًا. قال ذو الرمة يصف بازيا: طِرَاقُ الخَوَافي وَاقِعٌ فَوْقَ رِيعِه ... نَدَى لَيْلِهِ فِي رِيشِهِ يَتَرَقْرَق
ويترقرق: يلمع. وكل شيء له بصيص وتلألؤ فهو رقراق. والخوافي: ما تحت القوادم في الطائر من الريش. والقوادم: جمع قادمة، وهي أربع ريشات طويلة في أول جناحه.]]
وقول الأعشى:
وَيهْماءُ قَفْرٍ تَجاوَزْتها ... إذَا خَبَّ فِي رِيعِها آلُهَا [[البيت نسبه المؤلف للأعشى (أعشى بني قيس بن ثعلبة) وفي ديوانه طبعة القاهرة بشرح الدكتور محمد حسين (ص ١٦٣- ١٦٩) قصيدة من هذا البحر المتقارب ومن القافية نفسها، عدتها ٤٧ بيتًا، يمدح بها إياس بن قبيصة الطائي. ولكن البيت سقط منها في نسخة الديوان، ولعله يوجد في نسخ أخرى منه قديمة واليهماء القازة لا ماء بها ولا أنيس وخب تحرك واضطراب والريع قد فسرناه في الشاهد قبل هذا، ونقلنا كلام العلماء والآل السراب وخب السراب أي تحرك ولمع وهذا الشاهد كالذي قبله يريد المؤلف أنه كل مكان مشرف من الأرض مرتفع، أو طريق أو واد وفيه لغتان ريع وريع بكسر الراء وفتحها كما قال، وكما قال غيره من أهل اللغة.]]
وفيه لغتان: ريع ورَيع بكسر الراء وفتحها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ يقول: بكلّ شرف.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾ قال: فجّ.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾ قال: بكل طريق.
⁕ حدثني سليمان بن عبيد الله الغيلاني، قال: ثنا أبو قتيبة، قال: ثنا مسلم بن خالد، قال: ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ قال: الريع: الثنية الصغيرة.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا يحيى بن حسان، عن مسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال عكرمة: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾ قال: فجّ وواد، قال: وقال مجاهد ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾ بين جبلين.
قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ قال: شرف ومنظر.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، في قوله: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾ قال: بكلّ طريق.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾ بكلّ طريق. ويعني بقوله ﴿آية﴾ بنيانا، علما.
وقد بينا في غير موضع من كتابنا هذا، أن الآية هي الدلالة والعلامة بالشواهد المغنية عن إعادتها في هذا الموضع.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في ألفاظهم في تأويله.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾ قال: الآية: علم.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾ قال: آية: بنيان.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: ﴿آية﴾ : بنيان.
⁕ حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، في قوله: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾ قال: بنيان الحمام.
* *
وقوله: ﴿تعبثون﴾
قال: تلعبون.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿تعبثون﴾ قال: تلعبون.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: ﴿تعبثون﴾ قال: تلعبون.
* *
وقوله: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾
اختلف أهل التأويل في معنى المصانع، فقال بعضهم: هي قصور مشيدة.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾ قال: قصور مشيدة، وبنيان مخلد.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: ﴿مصانع﴾ : قصور مشيدة وبنيان.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن مجاهد، قال: ﴿مصانع﴾ يقول: حصون وقصور.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا يحيى بن حسان، عن مسلم، عن رجل، عن مجاهد، قوله: ﴿مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ قال: أبرجة الحمام.
وقال آخرون: بل هي مآخذ للماء.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿مصانع﴾ قال: مآخذ للماء.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن المصانع جمع مصنعة، والعرب تسمي كل بناء مصنعة، وجائز أن يكون ذلك البناء كان قصورًا وحصونا مشيدة، وجائز أن يكون كان مآخذ للماء، ولا خبر يقطع العذر بأيّ ذلك كان، ولا هو مما يدرك من جهة العقل. فالصواب أن يقال فيه، ما قال الله: إنهم كانوا يتخذون مصانع.
* *
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾
يقول: كأنكم تخلدون، فتبقون في الأرض.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ يقول: كأنكم تخلدون.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: قال في بعض الحروف ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾ كأنكم تخلدون.
وكان ابن زيد يقول: "لعلكم"في هذا الموضع استفهام.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ قال: هذا استفهام، يقول: لعلكم تخلدون حين تبنون هذه الأشياء؟.
وكان بعض أهل العربية يزعم أن لعلكم في هذا الموضع بمعنى "كيما".
* *
وقوله: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾
يقول: وإذا سطوتم سطوتم قتلا بالسيوف، وضربا بالسياط.
كما:-
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جُرَيج: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ قال: القتل بالسيف والسياط.