سورة الشعراء، الآية 149
الجزء 19، الصفحة 373.
وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا فَـٰرِهِينَ ﴿١٤٩﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة الشعراء
تفسير الآية
التفسير الميسر
يشمل هذا التفسير الآيات 146 إلى 149
أيترككم ربكم فيما أنتم فيه من النعيم مستقرين في هذه الدنيا آمنين من العذاب والزوال والموت؟ في حدائق مثمرة وعيون جارية وزروع كثيرة ونخل ثمرها يانع لين نضيج، وتنحتون من الجبال بيوتًا ماهرين بنحتها، أَشِرين بَطِرين.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 141 إلى 159
{141 ـ 144}{كذبتۡ ثمودُ} القبيلةُ المعروفةُ في مدائن الحِجْر {المرسلينَ}: كذَّبوا صالحاً عليه السلام، الذي جاء بالتوحيد، الذي دعتْ إليه المرسلون، فكان تكذيبُهم له تكذيباً للجميع، {إذ قال لهم أخوهم صالحٌ}: في النسب برفقٍ ولينٍ: {ألا تتَّقونَ}: الله تعالى وَتَدَعون الشركَ والمعاصي. {إنِّي لكم رسولٌ}: من الله ربِّكم، أرْسَلَني إليكُم لطفاً بكم ورحمةً، فتلَقَّوا رحمته بالقَبول، وقابِلوها بالإذعان. {أمينٌ}: تعرفون ذلك منِّي، وذلك يوجِبُ عليكم أن تؤمِنوا بي وبما جئتُ به، {وما أسألُكُم عليه من أجرٍ}: فتقولون: يمنعُنا من اتِّباعكَ أنَّك تريدُ أخذَ أموالنا. {إنۡ أجۡرِيَ إلاَّ على ربِّ العالمينَ}؛ أي: لا أطلبُ الثوابَ إلاَّ منه.
{145 ـ 152}{أتُتۡرَكونَ في ما هاهنا آمنينَ. في جناتٍ وعيونٍ. وزُروعٍ ونَخۡلٍ طَلۡعُها هَضيمٌ}؛ أي: نضيدٌ كثيرٌ؛ أي: أتحسبونَ أنَّكم تُتْرَكونَ في هذه الخيرات والنِّعم سدىً تتنعَّمون وتمتعون كما تتمتَّع الأنعام؟ وتُتْركون سدىً لا تُؤْمَرون ولا تُنْهَوْن، وتستعينونَ بهذه النعم على معاصي الله، {وَتَنۡحِتونَ من الجبالِ بيُوتاً فارهينَ}؛ أي: بلغتْ بكم الفراهةُ والحِذْق إلى أن اتَّخذتُم بيوتاً من الجبال الصمِّ الصلابِ. {فاتقوا الله وأطيعونِ. ولا تُطيعوا أمرَ المسرفينَ}: الذين تجاوزوا الحدَّ، {الذين يُفۡسِدونَ في الأرض ولا يُصۡلحِونَ}؛ أي: الذين وصفُهم ودأبهم الإفسادُ في الأرض بعمل المعاصي والدعوةِ إليها إفساداً لا إصلاحَ فيه، وهذا أضرُّ ما يكون؛ لأنَّه شرٌّ محضٌ، وكأنَّ أناساً عندَهم مستعدُّون لمعارضة نبيِّهم. موضِعون في الدعوة لسبيل الغَيِّ، فنهاهم صالحٌ عن الاغترارِ بهم، ولعلَّهم الذين قال الله فيهم:{وكانَ في المدينةِ تسعةُ رَهۡطٍ يُفۡسِدونَ في الأرضِ ولا يُصۡلِحونَ}.
{153 ـ 154} فلم يُفِدْ فيهم هذا النهيُ والوعظُ شيئاً، فقالوا لصالح:{إنَّما أنتَ من المسحَّرينَ}؛ أي: قد سُحِرْتَ فأنت تهذي بما لا معنى له، و {ما أنت إلاَّ بشرٌ مثلُنا}؛ فأيُّ فضيلة فُقْتَنا بها حتى تَدْعُوَنا إلى اتِّباعك، {فأتِ بآيةٍ إن كنتَ من الصادقين}؛ هذا مع أن مجرَّدَ اعتبار حالته وحالةِ ما دعا إليه من أكبر الآيات البيناتِ على صحَّةِ ما جاء به وصدقِهِ، ولكنَّهم من قسوتهم سألوا آياتِ الاقتراح التي في الغالب لا يُفْلِحُ مَنْ طَلَبها؛ لكونِ طلبه مبنيًّا على التعنُّتِ لا على الاسترشاد.
{155 ـ 156} فقال صالح: {هذه ناقةٌ}: تخرُجُ من صخرةٍ صماءَ ملساءَ ـ تابَعْنا في هذا كثيراً من المفسرين، ولا مانع من ذلك ـ تَرَوْنَها وتشاهِدونها بأجْمَعِكم، {لها شِرۡبٌ ولكم شِرۡبُ يومٍ معلومٍ}؛ أي: تشربُ ماء البئر يوماً، وأنتم تشربونَ لَبَنَها، ثم تصدُرُ عنكم اليوم الآخر، وتشربون أنتم ماء البئر، {ولا تَمَسُّوها بسوءٍ}: بعقرٍ أو غيرِه؛ {فيأخُذَكُم عذابُ يومٍ عظيم}.
{157 ـ 159} فخرجتْ، واستمرَّتْ عندَهم بتلك الحال، فلم يؤمنوا، واستمرُّوا على طغيانهم، {فعقروها فأصبحوا نادمينَ. فأخَذَهُم العذابُ}: وهي صيحةٌ نزلت عليهم فدمَّرتهم أجمعينَ. {إنَّ في ذلك لآيةً}: على صدق ما جاءت به رُسْلُنا وبطلانِ قول معارضيهم. {وما كان أكثرُهُم مؤمنينَ. وإنَّ ربَّك لهو العزيزُ الرحيم}.
تفسير الجلالين
﴿وتَنْحِتُونَ مِن الجِبال بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ بَطِرِينَ وفِي قِراءَة فارِهِينَ حاذِقِينَ
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 146 إلى 152
يَقُولُ لَهُمْ وَاعِظًا لَهُمْ وَمُحَذِّرًا إِيَّاهُمْ نِقَمَ [[في ف، أ: "نقمة".]] اللَّهِ أَنْ تَحِلَّ بِهِمْ، وَمُذَكِّرًا بِأَنْعُمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِيمَا رَزَقَهُمْ مِنَ الْأَرْزَاقِ الدَّارَّةِ، وَجَعَلَهُمْ فِي أَمْنٍ مِنَ الْمَحْذُورَاتِ. وَأَنْبَتَ لَهُمْ مِنَ الْجَنَّاتِ [[في أ: "الحبات".]] ، وَأَنْبَعَ لَهُمْ مِنَ الْعُيُونِ الْجَارِيَاتِ، وَأَخْرَجَ لَهُمْ مِنَ الزُّرُوعِ وَالثَّمَرَاتِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ . قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْنَعَ وبَلَغ، فَهُوَ هَضِيمٌ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ يَقُولُ: مُعشبة.
[وَ] [[زيادة من أ.]] قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو -وَقَدْ أَدْرَكَ الصَّحَابَةَ -عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ قَالَ: إِذَا رطُب وَاسْتَرْخَى. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، قَالَ: ورُوي عَنْ أَبِي صالح نحو هذا.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ قَالَ: هُوَ الْمُذَنَّبُ مِنَ الرُّطَبِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الَّذِي إِذَا كُبس [[في ف، أ: "مس".]] تَهَشَّمَ وَتَفَتَّتَ وَتَنَاثَرَ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْكَرِيمِ أَبَا أُمَيَّةَ، سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ قَالَ: حِينَ يطلعُ تَقْبِضُ عَلَيْهِ فتهضَمه، فَهُوَ مِنَ الرُّطَبِ الْهَضِيمِ، وَمِنَ الْيَابِسِ الْهَشِيمِ، تَقْبِضُ عَلَيْهِ فَتُهَشِّمُهُ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: وقَتَادَةُ، الْهَضِيمُ: الرَّطْبُ اللَّيِّنُ.
وَقَالَ الضَّحَاكُ: إِذَا كَثُرَ حِمْلُ الثَّمَرَةِ [[في ف، أ: "حمل النخلة المثمرة".]] ، وَرَكِبَ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَهُوَ هَضِيمٌ.
وَقَالَ مُرَّةُ: هُوَ الطَّلْعُ حِينَ يَتَفَرَّقُ وَيَخْضَرُّ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: هُوَ الَّذِي لَا نَوَى لَهُ.
وَقَالَ أَبُو صَخْرٍ: مَا [[في ف، أ: "أما".]] رَأَيْتُ الطلعَ حِينَ يُشق [[في ف، أ: "يتشقق".]] عَنْهُ الْكُمُّ، فَتَرَى الطَّلْعَ قَدْ لَصِقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَهُوَ الْهَضِيمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: يَعْنِي: حَاذِقِينَ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: شَرِهِينَ أَشِرِينَ [[في ف: "أشرين شرهين".]] . وَهُوَ اخْتِيَارُ مُجَاهِدٍ وَجَمَاعَةٍ. وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ تِلْكَ الْبُيُوتَ الْمَنْحُوتَةَ فِي الْجِبَالِ أَشَرًا وَبَطَرًا وَعَبَثًا، مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى سُكْنَاهَا، وَكَانُوا حَاذِقِينَ [[في أ: "صادقين".]] مُتْقِنِينَ لِنَحْتِهَا وَنَقْشِهَا، كَمَا هُوَ الْمُشَاهَدُ مِنْ حَالِهِمْ لِمَنْ رَأَى مَنَازِلَهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ أَيْ: أَقْبِلُوا عَلَى عَمَل مَا يَعُودُ نفُعه عَلَيْكُمْ [[في ف، أ: "عليكم نفعه".]] فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، مِنْ عِبَادَةِ رَبِّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ لِتُوَحِّدُوهُ وَتَعْبُدُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا.
﴿وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ يَعْنِي: رُؤَسَاءَهُمْ وَكُبَرَاءَهُمْ، الدُّعَاةَ لَهُمْ إِلَى الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ، وَمُخَالَفَةِ الْحَقِّ.
تفسير الطبري
يشمل هذا التفسير الآيات 144 إلى 150
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) ﴾
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل صالح لقومه من ثمود: أيترككم يا قوم ربكم في هذه الدنيا آمنين، لا تخافون شيئا؟. ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ يقول: في بساتين وعيون ماء. ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ يعني بالطلع: الكُفُرَّى.
واختلف أهل التأويل في معنى قوله ﴿هَضِيمٌ﴾ فقال بعضهم: معناه اليانع النضيج.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ يقول: أينع وبلغ فهو هضيم.
وقال آخرون: بل هو المتهشم المتفتت.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ قال محمد بن عمرو في حديثه تهشم هشيما. وقال الحارث: تهشم تهشّما.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: سمعت عبد الكريم يقول: سمعت مجاهدا يقول في قوله: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ قال: حين تطلع يقبض عليه فيهضمه.
قال ابن جُرَيج: قال مجاهد: إذا مسّ تهشّم وتفتَّت، قال: هو من الرطب هضيم تقبض عليه فتهضمه.
وقال آخرون: هو الرطب اللين.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة قوله: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ قال: الهضيم: الرطب اللين.
وقال آخرون: هو الراكب بعضه بعضا.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ إذا كثر حمل النخلة فركب بعضها بعضا، حتى نقص بعضها بعضا، فهو حينئذ هضيم.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: الهضيم: هو المتكسر من لينه ورطوبته، وذلك من قولهم: هضم فلان حقه: إذا انتقصه وتحيفه، فكذلك الهضم في الطلع، إنما هو التنقص منه من رطوبته ولينه إما بمسّ الأيدي، وإما بركوب بعضه بعضا، وأصله مفعول صرف إلى فعيل.
* *
وقوله: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾
يقول تعالى ذكره: وتتخذون من الجبال بيوتا.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿فارهين﴾ فقرأته عامة قرّاء أهل الكوفة: ﴿فارهين﴾ بمعنى: حاذقين بنحتها.
وقرأته عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة: "فَرِهِينَ"بغير ألف، بمعنى: أشرين بطرين.
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك على نحو اختلاف القرّاء في قراءته، فقال بعضهم: معنى فارهين: حاذقين.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثام، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح وعبد الله بن شدّاد: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ قال أحدهما: حاذقين، وقال الآخر: يتجبرون.
⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا مروان، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ قال: حاذقين بنحتها.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿فارهين﴾ يقول: حاذقين.
وقال آخرون: معنى فارهين: مستفرهين متجبرين.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن عبد الله بن شداد في قوله: "فَرِهِينَ"قال: يتجبرون.
قال أبو جعفر: والصواب: فارهين.
وقال آخرون ممن قرأه فارهين: معنى ذلك: كيسين.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿فارهين﴾ قال: كيسين.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد، عن الضحاك أنه قرأ ﴿فارهين﴾ قال: كيسين.
وقال آخرون: فرهين: أشرين.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ يقول: أشرين، ويقال: كيسين.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: "بيوتا فرهين"قال: شرهين.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، بمثله.
وقال آخرون: معنى ذلك: أقوياء.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ"قال: الفره: القويّ.
وقال آخرون في ذلك بما:-
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن قتادة، في قوله: "فَرِهِينَ"قال: معجبين بصنيعكم. والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن قراءة من قرأها ﴿فارهين﴾ وقراءة من قرأ "فَرِهِينَ"قراءتان معروفتان، مستفيضة القراءة بكل واحدة منهما في علماء القرّاء، فبأتيهما قرأ القارئ فمصيب. ومعنى قراءة من قرأ ﴿فارهين﴾ : حاذقين بنحتها، متخيرين لمواضع نحتها، كيسين، من الفراهة. ومعنى قراءة من قرأ "فَرِهِينَ": مرحين أشرين. وقد يجوز أن يكون معنى فاره وفره واحدا، فيكون فاره مبنيا على بنائه، وأصله من فعل يفعل، ويكون فره صفة، كما يقال: فلان حاذق بهذا الأمر وحذق. ومن الفاره بمعنى المرح قول الشاعر عديّ بن وادع العوفي من الأزد:
لا أسْتَكِينُ إذا ما أزْمَةٌ أزَمَتْ ... وَلَنْ تَرَانِي بِخَيْرٍ فارِهَ الطَّلَبِ [[البيت لعدي بن وادع الشاعر الأزدي الأعمى، (كما سماه صاحب معجم الشعراء ص ٢٥٢) ، وكما في مجاز القرآن لأبي عبيدة (مصورة الجامعة ص ١٧٣) قال (وتنحتون من الجبال بيوتًا فارهين) أي مرحين. قال عدي بن وادع العفوي من العفاة بن عمرو بن فهم من الأزد: لا أسْتَكِينُ إذَا مَا أزْمَةٌ أزَمَتْ ... وَلَنْ تَرَاني بِخَيْرٍ فَارِهَ اللَّبَبِ
أي مرح اللبب. قال: ويجوز: "فرهين" في معنى "فارهين".
أو هو ابن وادع العوفي، كما في (اللسان: فره) قال: الفاره: الحاذق بالشيء والفروهة والفراهة والفراهية: النشاط. وفره بالكسر: أشر وبطر، ورجل فره نشيط أشر. وفي التنزيل: (وتنحتون من الجبال بيوتًا فرهين) . فمن قرأه كذلك، فهو من هذا: شرهين بطرين. ومن قرأه: "فارهين"، فهو من فره بالضم. قال ابن برى عند هذا الموضع: قال ابن وادع العوفي: لا أستكين إذا ما أزمة أزمت ... ولن تراني بخير فاره الطلب
قال الفراء: معنى فارهين: حاذقين. اهـ. وأما "اللبب" في رواية أبي عبيدة، فلعلها الرواية الصحيحة. ومعناه: البال. يقال: إنه لرخى اللبب. وفي التهذيب: فلان في بال رخى، ولبب رخى: أي في سعة وخصب وأمن.]] أي مرح الطلب.
* *
وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾
يقول تعالى ذكره: فاتقوا عقاب الله أيها القوم على معصيتكم ربكم، وخلافكم أمره، وأطيعون في نصيحتي لكم، وإنذاري إياكم عقاب الله ترشدوا.