سورة القرآن surah-quran.com

سورة الشعراء

سورة الشعراء، الآية 54

الجزء 19، الصفحة 369.

إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ﴿٥٤﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

يشمل هذا التفسير الآيات 54 إلى 56

قال فرعون: إن بني إسرائيل الذين فرُّوا مع موسى لَطائفة حقيرة قليلة العدد، وإنهم لمالئون صدورنا غيظًا؛ حيث خالفوا ديننا، وخرجوا بغير إذننا، وإنا لجميع متيقظون مستعدون لهم.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 10 إلى 68

{10 ـ 11} واذْكُرْ حالة موسى الفاضلة وقت نداء الله إيَّاه حين كلَّمه ونبَّأه وأرسله، فقال:{أنِ ائتِ القومَ الظَّالمين}: الذين تَكَبَّروا في الأرض وعَلَوْا على أهلها وادَّعى كبيرُهُم الربوبيَّة، {قومَ فرعونَ ألَا يَتَّقونَ}؛ أي: قُلْ لهم بلينِ قولٍ ولطفِ عبارةٍ: ألا تتَّقونَ اللهَ الذي خَلَقَكم ورَزَقَكُم فتترُكون ما أنتم عليه من الكفر.

{12 ـ 14} فقال موسى عليه السلام معتذراً من ربِّه ومبيِّناً لعذرِهِ وسائلاً له المعونَةَ على هذا الحمل الثقيل: {قال ربِّ إنِّي أخافُ أن يكذِّبونِ. ويضيقُ صَدۡري ولا يَنۡطَلِقُ لساني}، فقال:{ربِّ اشۡرَحۡ لي صَدۡري. ويَسِّرۡ لي أمري. واحۡلُلۡ عُقۡدَهً من لساني. يَفۡقَهوا قولي واجۡعَلۡ لي وزيراً من أهلي. هارونَ أخي}، {فأرسِلۡ إلى هارونَ}: فأجاب الله طلبتَهُ ونبَّأ أخاه [هارون] كما نبَّأه، {فأرۡسِلۡهُ معي رِدۡأً}؛ أي: معاوناً لي على أمري. {ولهم عليَّ ذنبٌ}؛ أي: في قتل القبطيِّ، {فأخافُ أن يَقۡتُلونِ}.

{15 ـ 17}{قال كلاَّ}؛ أي: لا يتمكَّنون من قتلِكَ؛ فإنَّا سنجعلُ لكما سلطاناً؛ فلا يصِلون إليكُما [بآياتنا] أنتما ومن اتَّبَعَكما الغالبون، ولهذا لم يتمكَّنْ فرعونُ من قتل موسى مع منابذتِهِ له غايةَ المنابذةِ وتسفيه رأيِهِ وتضليلِهِ وقومه، {فاذهبا بآياتنا}: الدالَّةِ على صدقِكُما وصحَّةِ ما جئتما به، {إنَّا معكم مستمعونَ}: أحفظُكُما وأكلؤُكُما، {فأتِيا فرعونَ فقولا إنَّا رسولُ ربِّ العالمينَ}؛ أي: أرسلنا إليك لِتُؤْمِنَ به وبنا، وتنقادَ لعبادتِهِ وتذعنَ لتوحيدِهِ. {أنۡ أرۡسِلۡ مَعَنا بني إسرائيلَ}: فكُفَّ عنهم عذَابَكَ، وارْفَعْ عنهم يَدَكَ؛ ليَعْبُدوا ربَّهم، ويُقيموا أمر دينِهِم.

{18 ـ 19} فلما جاءا لفرعونَ وقالا له ما قالَ الله لهما؛ لم يؤمنْ فرعونُ، ولم يَلِنْ، وجعل يعارض موسى، فقال:{ألم نُرَبِّكَ فينا وليداً}؛ أي: ألم ننعم عليكَ ونقوم بتربيتِكَ منذ كنت وليداً في مهدِكَ ولم تزل كذلك، {ولَبِثۡتَ فينا من عُمُرِكَ سنينَ. وفَعَلۡتَ فَعۡلَتَكَ التي فَعَلۡتَ}: وهي قتلُ موسى للقبطيِّ حين {استغاثَهُ الذي من شيعتِهِ على الذي من عَدُوِّه فَوَكَزَهُ موسى فقضى عليه ... } الآية. {وأنت من الكافرين}؛ أي: وأنت إذ ذاك طريقُك طريقُنا وسبيلُك سبيلُنا في الكفر، فأقرَّ على نفسِهِ بالكفرِ من حيث لا يدري.

{20 ـ 22} فقال موسى: {فعلتُها إذاً وأنا من الضَّالِّين}؛ أي: عن غير كفرٍ، وإنَّما كان عن ضلال وسَفَهٍ، فاستغفرتُ ربي فغفر لي، {ففررتُ منكم لمَّا خِفۡتُكم}: حين تراجعتُم بقتلي، فهربتُ إلى مدينَ، ومكثتُ سنينَ، ثم جئتُكم وقد وهب {لي ربِّي حُكماً وجَعَلني من المرسلين}. فالحاصلُ أنَّ اعتراضَ فرعونَ على موسى اعتراضُ جاهل أو متجاهل؛ فإنَّه جَعَلَ المانعَ من كونِهِ رسولاً أن جرى منه القتلُ، فبيَّن له موسى أن قَتْلَه على وجهِ الضلال والخطأ الذي لم يقصِدْ نفسَ القتل، وأنَّ فضل الله تعالى غيرُ ممنوع منه أحدٌ؛ فلم منعتُم ما منحني الله من الحكم والرسالة؟ بقي عليك يا فرعون إدلاؤُكَ بقولِكَ:{ألم نربِّكَ فينا وليداً}؟ وعند التحقيق يتبيَّن أن لا مِنَّةَ لك فيها، ولهذا قال موسى:{وتلك نعمةٌ} تمنُّ بها {عليَّ أنۡ عَبَّدۡتَ بني إسرائيلَ}؛ أي: تدلي عليَّ بهذه المنَّة لأنَّك سَخَّرْتَ بني إسرائيلَ، وجعلتَهم لك بمنزلةِ العبيدِ، وأنا قد أسْلَمْتَني من تعبيدِكَ وتسخيرِكَ، وجعلتها عليَّ نعمةً؛ فعند التصوُّرِ يتبيَّنُ أنَّ الحقيقةَ أنَّك ظلمتَ هذا الشعب الفاضل، وعذَّبْتَهم وسخَّرْتَهم بأعمالك، وأنا قد سلَّمنَي الله من أذاك، مع وصول أذاك لقومي؛ فما هذه المنة التي تَمُتُّ بها وتُدْلي بها؟!

{23 ـ 25}{قال فرعونُ وما ربُّ العالمينَ}: وهذا إنكارٌ منه لربِّه ظلماً وعلوًّا، مع تيقُّن صحة ما دعاه إليه موسى، {قال ربُّ السمواتِ والأرض وما بينَهما}؛ أي: الذي خَلَقَ العالم العلويَّ والسفليَّ، ودبَّره بأنوع التدبير، وربَّاه بأنواع التربية، ومن جملة ذلك أنتم أيُّها المخاطبون؛ فكيف تنكِرونَ خالقَ المخلوقات وفاطرَ الأرض والسماواتِ، {إنۡ كنتُم موقِنينَ}، فقال فرعون متجرهماً ومعجباً لقوله:{ألا تستمعونَ}: ما يقوله هذا الرجل.

{26 ـ 27} فقال موسى: {ربُّكم وربُّ آبائِكُمُ الأوَّلين}: تعجَّبْتُم أم لا، استكبرتُم أم أذعنتُم، فقال فرعون معانداً للحقِّ قادحاً بمن جاء به:{إنَّ رسولَكُم الذي أُرسِلَ إليكم لمجنونٌ}: حيث قال خلاف ما نحنُ عليه، وخالَفَنا فيما ذهبنا إليه؛ فالعقل عنده وأهل العقل مَنْ زَعموا أنَّهم لم يُخْلَقوا، أو أن السماواتِ والأرض ما زالتا موجودتين من غير موجدٍ، وأنهم بأنفسهم خُلِقوا من غير خالق! والعقلُ عنده أن يُعْبَدَ المخلوقُ الناقصُ من جميع الوجوه! والجنون عندَه أن يُثْبَتَ الربُّ الخالق للعالم العلويِّ والسفليِّ والمنعمُ بالنِّعم الظاهرةِ والباطنةِ ويُدْعى إلى عبادتِهِ! وزيَّنَ لقومِهِ هذا القول، وكانوا سفهاء الأحلام خفيفي العقول، {فاستخفَّ قومَه فأطاعوه إنَّهم كانوا قوماً فاسقينَ}.

الآية 28: فقال موسى عليه السلام مجيباً لإنكار فرعون وتعطيلِهِ لربِّ العالمين: {ربُّ المشرقِ والمغربِ وما بينَهما}: من سائر المخلوقات، {إنۡ كنتُم تعقِلونَ}: فقد أدَّيْتُ لكم من البيان والتبيينِ ما يفهمُهُ كلُّ من له أدنى مُسْكَةٍ من عقل؛ فما بالُكم تتجاهلون فيما أخاطبكم به؟! وفيه إيماءٌ وتنبيهٌ إلى أنَّ الذي رميتُم به موسى من الجنون أنَّه داؤُكم، فرميتُم أزكى الخلق عقلاً وأكملهم علماً [بالجنون]!، والحالُ أنَّكم أنتم المجانين؛ حيث ذهبتْ عقولُكم عن إنكار أظهر الموجودات؛ خالق الأرض والسماوات وما بينهما؛ فإذا جَحَدْتُموه؛ فأيُّ شيءٍ تثبتون؟! وإذا جهلِتموه؛ فأيُّ شيءٍ تعلمون؟! وإذا لم تؤمنوا به وبآياته؛ فبأيِّ شيء بعد الله وآياته تؤمنون؟! تالله؛ إنَّ المجانين الذين بمنزلة البهائم أعقل منكم، وإنَّ الأنعام السارحةَ أهدى منكم.

{29 ـ 33} فلما خنقت فرعونَ الحجةُ وعجزتْ قدرتُهُ وبيانُه عن المعارضة؛ {قال}: متوعداً لموسى بسلطانه: {لَئِنِ اتَّخذتَ إلهاً غيري لأجۡعَلَنَّكَ من المسجونينَ}: زعم قبَّحه الله أنَّه قد طمع في إضلال موسى، وأنْ لا يتَّخِذَ إلهاً غيرَه، وإلاَّ؛ فقد تقرَّر أنه هو ومن معه على بصيرةٍ من أمرهم، فقال له موسى:{أولو جئتُك بشيءٍ مُبين}؛ أي: آيةٍ ظاهرةٍ جليَّةٍ على صحَّة ما جئتُ به من خوارق العادات، {قال فأتِ به إن كنتَ من الصادقينَ. فألۡقى عصاه فإذا هي ثُعبانٌ}؛ أي: ذكر الحيات. {مبينٌ}: ظاهرٌ لكلِّ أحدٍ لا خيالٌ ولا تشبيهٌ، {ونَزَعَ يدَه}: من جيبه، {فإذا هي بيضاءُ للنَّاظِرينَ}؛ أي: لها نورٌ عظيم لا نقصَ فيه لمن نظر إليها.

{34 ـ 37}{قال} فرعون {للملأ حولَه}: معارضاً للحقِّ ومَنْ جاء به: {إنَّ هذا لساحرٌ عليمٌ. يريدُ أنۡ يُخۡرِجَكم من أرضِكُم}: موَّه عليهم لعلمِهِ بضَعْفِ عقولهم أنَّ هذا من جنس ما يأتي به السحرةُ؛ لأنَّه من المتقرِّر عندَهم أنَّ السحرة يأتون من العجائب بما لا يقدِرُ عليه الناس، وخوَّفَهم أن قصدَهُ بهذا السحر التوصُّل إلى إخراجهم من وطنهم؛ ليجدُّوا ويجتهدوا في معاداةِ مَنْ يريدُ إجلاءهم عن أولادِهِم وديارِهِم، {فماذا تأمرونَ} أن نَفْعَلَ به؟ {قالوا أرۡجِهۡ وأخاهُ}؛ أي: أخِّرْهما، {وابۡعَثۡ في المدائن حاشرينَ}: جامعين للناس، يأتوكَ أولئك [الحاشرون]{بكلِّ سَحَّارٍ عليم}؛ أي: ابعثْ في جميع مُدُنِكَ التي هي مقرُّ العلم ومعدنُ السحر مَنْ يجمعُ لك كلَّ ساحرٍ ماهرٍ عليم في سحرِهِ؛ فإنَّ الساحرَ يُقَابَلُ بسحرٍ من جنس سحرِهِ، وهذا من لطفِ الله؛ أن يريَ العبادَ بطلانَ ما موَّه به فرعونُ الجاهلُ الضالُّ المضلُّ أنَّ ما جاء به موسى سحرٌ؛ قيضهم أن جمعوا أهل المهارة بالسحر؛ لينعقد المجلسُ عن حضرةِ الخلق العظيم، فيظهر الحقُّ على الباطل، ويقر أهل العلم وأهل الصناعة بصحَّةِ ما جاء به موسى، وأنَّه ليس بسحر.

{38 ـ 40} فعمل فرعون برأيهم، فأرسل في المدائن من يَجْمَعُ السحرةَ، واجتهدَ في ذلك وجدَّ، {فَجُمِعَ السحرةُ لميقاتِ يوم معلوم}: قد واعَدَهم إيَّاه موسى، وهو يوم الزينةِ الذي يتفرَّغون فيه من أشغالهم، {وقيلَ للناس هل أنتم مُجۡتَمِعونَ}؛ أي: نودي بعموم الناس بالاجتماع في ذلك اليوم الموعود، {لعلَّنا نَتَّبعُ السحرةَ إن كانوا هم الغالبينَ}؛ أي: قالوا للناس: اجتَمِعوا لِتَنْظُروا غلبةَ السحرة لموسى، وأنَّهم ماهرون في صناعتِهِم، فنتَّبِعَهم ونعظِّمَهم ونعرفَ فضيلة علم السحر. فلو وُفِّقوا للحقِّ؛ لقالوا: لعلَّنا نتَّبِعُ المحقَّ منهم، ونعرفُ الصوابَ؛ فلذلك ما أفاد فيهم ذلك إلاَّ قيامَ الحجة عليهم.

{41 ـ 42}{فلما جاء السحرةُ}: ووصلوا لفرعونَ؛ قالوا له:{أإنَّ لنا لأجراً إنۡ كنَّا نحنُ الغالبينَ}: لموسى، {قال نعم}: لكم أجر وثواب، وإنَّكم لَمِنَ المقرَّبينَ عندي؛ وعَدَهم الأجرَ والقربةَ منه؛ ليزدادَ نشاطُهم ويأتوا بكلِّ مقدورِهم في معارضة ما جاء به موسى.

{43 ـ 45} فلما اجتمعوا للموعدِ هم وموسى وأهلُ مصر؛ وعَظَهم موسى وذكَّرهم وقال:{ويلَكُم لا تفتروا على الله كذباً فيُسۡحِتَكم بعذابٍ وقد خابَ مَنِ افۡتَرى}، فتنازعوا وتخاصموا، ثم شجَّعهم فرعونُ وشجَّع بعضُهم بعضاً، {قال لهم موسى ألقوا ما أنتم مُلۡقونَ}؛ أي: ألقوا كل ما في خواطركم إلقاؤه ولم يقيده بشيءٍ دون شيءٍ لجزمه ببطلان ما جاؤوا به من معارضة الحقِّ، {فألقَوۡا حبالَهُم وعِصِيَّهم}: فإذا هي حياتٌ تسعى، وسَحَروا بذلك أعين الناس. {وقالوا بعزَّة فرعونَ إنَّا لنحنُ الغالبونَ}: فاستعانوا بعزَّةِ عبدٍ ضعيفٍ عاجزٍ من كلِّ وجهٍ؛ إلاَّ أنَّه قد تجبَّر وحصلَ له صورة مُلْكٍ وجنودٍ، فغرَّتهم تلك الأبهة، ولم تنفذ بصائِرُهم إلى حقيقة الأمر، أو أنَّ هذا قَسَمٌ منهم بعزَّةِ فرعونَ، والمقسَم عليه أنَّهم غالبون، {فألقى موسى عصاه فإذا هي تَلۡقَفُ}: تبتلعُ وتأخُذُ {ما يأفِكونَ}: فَالْتَقَفتْ جميعَ ما ألقَوْا من الحبال والعصيِّ؛ لأنَّها إفكٌ وكذبٌ وزورٌ، وذلك كلُّه باطلٌ لا يقوم للحقِّ ولا يقاومُه.

{46 ـ 48} فلما رأى السحرةُ هذه الآية العظيمةَ؛ تيقَّنوا لعلمِهِم أن هذا ليس بسحرٍ، وإنَّما هو آيةٌ من آياتِ الله ومعجزةٌ تنبئ بصدق موسى وصحَّة ما جاء به، {فأُلۡقِيَ السحرةُ ساجدينَ}: لربِّهم، {قالوا آمنَّا بربِّ العالمينَ. ربِّ موسى وهارونَ}: وانقمع الباطلُ في ذلك المجمع، وأقرَّ رؤساؤُهُ ببطلانِهِ، ووضَحَ الحقُّ وظهر، حتى رأى ذلك الناظرون بأبصارهم.

{49 ـ 51} ولكنْ أبى فرعونُ إلاَّ عتوًّا وضلالاً وتمادياً في غيِّه وعناداً، فقال للسحرة:{آمنتُم له قبلَ أنۡ آذَنَ لكم} يتعجَّبُ ويُعَجِّبُ قومَه من جراءتهم عليه وإقدامِهِم على الإيمانِ من غير إذنِهِ ومؤامرتِهِ، {إنَّه لَكبيرُكُم الذي علَّمَكُمُ السحرَ}: هذا؛ وهو الذي جمع السحرةَ، وملؤه الذين أشاروا عليه بجمعِهِم من مدائنِهِم، وقد علموا أنَّهم ما اجتمعوا بموسى ولا رأوه قبل ذلك، وأنهم جاؤوا من السحر بما يحيِّرُ الناظرين ويُهيلُهم، ومع ذلك؛ فراجَ عليهم هذا القولُ الذي هم بأنفُسِهم وقفوا على بطلانِهِ؛ فلا يُسْتَنْكَرُ على أهل هذه العقول أن لا يُؤْمنوا بالحقِّ الواضح والآيات الباهرةِ؛ لأنَّهم لو قال لهم فرعون عن أيِّ شيءٍ كان، أنَّه على خلاف حقيقته؛ صدَّقوه. ثم توعَّد السحرةَ، فقال:{لأُقَطِّعَنَّ أيۡدِيَكُم وأرۡجُلَكُم من خِلافٍ}؛ أي: اليد اليمنى والرجل اليسرى؛ كما يفعل بالمُفْسِدِ في الأرض، {ولأصَلِّبَنَّكُم أجمعينَ}: لتختزوا وتذلُّوا، فقال السحرةُ حين وجدوا حلاوةَ الإيمان وذاقوا لَذَّتَه:{لا ضَيۡرَ}؛ أي: لا نُبالي بما توعَّدْتَنا به، {إنَّا إلى ربِّنا مُنۡقَلِبونَ. إنَّا نطمعُ أن يَغۡفِرَ لنا ربُّنا خطايانا}: من الكفر والسحر وغيرهما {أنۡ كُنَّا أولَ المؤمنينَ}: بموسى من هؤلاء الجنود. فثبَّتَهم اللهُ وصبَّرهم؛ فيُحْتَمَلُ أنَّ فرعون فعل [بهم] ما توعدهم به لسلطانه واقتداره إذ ذاك، ويحتمل أنَّ الله منعه منهم.

الآية 52: ثم لم يزل فرعونُ وقومُهُ مستمرِّين على كفرِهِم؛ يأتيهم موسى بالآيات البيناتِ، وكلما جاءتهم آيةٌ وبلغت منهم كلَّ مبلغ؛ وعدوا موسى وعاهَدوه لَئِنْ كشفَ اللهُ عنهم؛ ليؤمننَّ به وليرسلنَّ معه بني إسرائيل، فيكشِفُه الله، ثم ينكثونَ. فلمَّا يَئِسَ موسى من إيمانِهِم، وحقَّتْ عليهم كلمةُ العذاب، وآن لبني إسرائيل أن ينجيهم من أسرِهِم ويمكِّنَ لهم في الأرض؛ أوحى الله إلى موسى:{أنۡ أسۡرِ بعبادي}؛ أي: اخرُجْ ببني إسرائيلَ أولَ الليل؛ ليتمادَوْا ويتمَهَّلوا في ذَهابهم {إنَّكُم مُتَّبَعونَ}؛ أي: سيتبعُكم فرعونُ وجنودُه. ووقع كما أخبر؛ فإنَّهم لما أصبحوا، وإذا بنو إسرائيل قد سَرَوْا كلُّهم مع موسى.

{53 ـ 56}{فأرسَلَ فرعونُ في المدائن حاشرينَ}: يجمعون الناس؛ ليوقع ببني إسرائيل، ويقولُ مشجعاً لقومه:{إنَّ هؤلاءِ}؛ أي: بني إسرائيل {لَشِرۡذِمَةٌ قليلونَ. وإنَّهم لَنا لَغائِظونَ}: فنريد أن ننفذَ غيظَنا في هؤلاء العبيدِ الذين أبقُوا منَّا، {وإنَّا لجميعٌ حاذِرونَ}؛ أي: الحذر على الجميع منهم، وهم أعداء للجميع، والمصلحة مشتركة.

{57 ـ 59} فخرج فرعونُ وجنودُه في جيش عظيم ونفيرٍ عامٍّ، لم يتخلَّف منهم سوى أهل الأعذار الذين منعهم العجزُ؛ قال الله تعالى:{فأخۡرَجۡناهم من جنَّاتٍ وعيونٍ}؛ أي: بساتين مصر وجنانها الفائقة وعيونها المتدفِّقة وزروع قد ملأت أراضيهم وعمرت بها حاضرتهم وبواديهم، {ومقام كريم}: يُعْجِبُ الناظرين ويُلهي المتأمِّلين؛ تمتَّعوا به دهراً طويلاً، وقضوا بلذَّاتِهِ وشهواتِهِ عمراً مديداً على الكفر والعناد والتكبُّر على العباد والتيه العظيم، {كذلك وأوۡرَثۡناها}؛ أي: هذه البساتين والعيون والزُّروع والمقام الكريم {بني إسرائيلَ}: الذين جَعَلوهم من قَبْلُ عبيدَهم وسُخِّروا في أعمالهم الشاقَّة؛ فسبحان مَنْ يؤتي الملكَ مَنْ يشاءُ وينزِعُه عمَّن يشاءُ ويعزُّ من يشاءُ بطاعتِهِ، ويذلُّ من يشاء بمعصيتِهِ.

{60 ـ 62}{فأتۡبَعوهم مشرقينَ}؛ أي: اتَّبع قومُ فرعون قومَ موسى وقتَ شُروقِ الشمس، وساقوا خلفَهم مُحِثِّينَ على غيظٍ وحنقٍ قادرين، {فلما تراءى الجمعانِ}؛ أي: رأى كلٌّ منهما صاحبه، {قال أصحابُ موسى}: شَاكِينَ لموسى وحزنين: {إنَّا لَمُدۡرَكونَ}. فقال موسى مثبِّتاً لهم ومخبراً لهم بوعدِ ربِّه الصادق:{كلاَّ}؛ أي: ليس الأمر كما ذكرتُم أنَّكم مُدْرَكون، {إنَّ معي ربِّي سَيَهۡدِينِ}: لما فيه نجاتي ونجاتُكم.

{63 ـ 68}{فأوۡحَيۡنا إلى موسى أنِ اضۡرِب بعصاك البحرَ}: فضربه، {فانفَلَقَ}: اثني عشر طريقاً، {فكانَ كُلُّ فِرۡقٍ كالطودِ}؛ أي: الجبل {العظيم}: فدخله موسى وقومُهُ، {وأزۡلَفۡنا ثَمَّ}: في ذلك المكان {الآخَرينَ}؛ أي: فرعون [و] قومه، وقرَّبْناهم، وأدخَلْناهم في ذلك الطريق الذي سلك منه موسى وقومه، {وأنجَيۡنا موسى ومَن معه أجمعين}: استَكْمَلوا خارجين، لم يتخلَّفْ منهم أحدٌ، {ثم أغۡرَقۡنا الآخَرينَ}: لم يتخلَّفْ منهم عن الغرقِ أحدٌ. {إنَّ في ذلك لآيةً}: عظيمةً على صدقِ ما جاء به موسى عليه السلام وبطلانِ ما عليه فرعونُ وقومُه، {وما كان أكثرُهُم مؤمنينَ}: مع هذه الآيات المقتضيةِ للإيمان؛ لفسادِ قلوبِكم، {وإنَّ ربَّكَ لهو العزيزُ الرحيمُ}: بعزَّتِهِ أهلكَ الكافرين المكذِّبين، وبرحمتِهِ نجَّى موسى ومن معه أجمعين.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿إنّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَة﴾ طائِفَة ﴿قَلِيلُونَ﴾ قِيلَ كانُوا سِتّمِائَةِ ألْف وسَبْعِينَ ألْفًا ومُقَدَّمَة جَيْشه سَبْعمِائَةِ ألْف فَقَلَّلَهُمْ بِالنَّظَرِ إلى كَثْرَة جَيْشه

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 52 إلى 59

لَمَّا طَالَ مُقام مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِبِلَادِ مِصْرَ، وَأَقَامَ بِهَا حُجَج اللَّهِ [[في ف: "وأقام حجج الله بها"]] وَبَرَاهِينَهُ عَلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يُكَابِرُونَ وَيُعَانِدُونَ، لَمْ يَبْقَ لَهُمْ إِلَّا الْعَذَابُ وَالنَّكَالُ، فَأَمَرَ اللَّهُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ لَيْلًا مِنْ مِصْرَ، وَأَنْ يَمْضِيَ بِهِمْ حَيْثُ يؤُمَر، فَفَعَلَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ. خَرَجَ بِهِمْ بَعْدَمَا اسْتَعَارُوا مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ حُلِيًّا كَثِيرًا، وَكَانَ خُرُوجُهُ بِهِمْ، فِيمَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، وَقْتَ طُلُوعِ الْقَمَرِ. وَذَكَرَ مُجَاهِدٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ، أَنَّهُ كُسِف الْقَمَرُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَنَّ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، سَأَلَ عَنْ قَبْرِ يُوسُفَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَدَلَّتْهُ امْرَأَةٌ عَجُوزٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَيْهِ، فَاحْتَمَلَ تَابُوتَهُ مَعَهُمْ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ هُوَ الَّذِي حَمَلَهُ بِنَفْسِهِ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَكَانَ يُوسُفُ قَدْ أَوْصَى بِذَلِكَ إِذَا خَرَجَ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنْ يَحْمِلُوهُ [[في أ: "يحتملوه".]] مَعَهُمْ، وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فَقَالَ:

حدَّثنا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ [[في هـ: "عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان".]] بْنِ أَبَانِ بْنِ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ [[في هـ: "فضل" والمثبت من أ.]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ [[في أ: "يونس".]] بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ ابْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَعْرَابِيٍّ فَأَكْرَمَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: تَعَاهَدْنَا. فَأَتَاهُ الْأَعْرَابِيُّ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا حَاجَتُكَ؟ " قَالَ [[في ف، أ "فقال".]] نَاقَةٌ بِرَحْلِهَا وَأَعْنُزٌ [[في أ: "وأعنق".]] يَحْتَلِبُهَا أَهْلِي، فَقَالَ: "أَعْجَزْتَ أَنْ تَكُونَ مِثْلَ عَجُوزِ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ " فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: وَمَا عَجُوزُ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "إِنَّ مُوسَى لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَسِيرَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَضَلَّ الطَّرِيقَ، فَقَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ لَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ: نَحْنُ نحِّدثك أَنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَخَذَ عَلَيْنَا مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ أَلَّا نَخْرُجَ مِنْ مِصْرَ حَتَّى نَنْقُلَ تَابُوتَهُ مَعَنَا، فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: فَأَيُّكُمْ يَدْرِي أَيْنَ قَبْرُ يُوسُفَ؟ قَالُوا: مَا يَعْلَمُهُ إِلَّا عَجُوزٌ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَقَالَ [[في أ: "وقال".]] لَهَا: دُلِّينِي عَلَى قَبْرِ يُوسُفَ. فَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ حَتَّى تُعْطِيَنِي حُكْمِي. قَالَ لَهَا: وَمَا حُكْمُكِ؟ قَالَتْ [[في أ: "قال".]] : حُكْمِي أَنْ أَكُونَ مَعَكَ فِي الْجَنَّةِ. فَكَأَنَّهُ ثَقُلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: أَعْطِهَا حُكْمَهَا. قَالَ: فَانْطَلَقَتْ مَعَهُمْ إِلَى بُحَيْرَةٍ -مُسْتَنْقَعِ مَاءٍ -فَقَالَتْ لَهُمْ: أَنْضِبُوا هَذَا الْمَاءَ. فَلَمَّا أَنْضَبُوهُ قَالَتِ: احْتَفِرُوا، [[في أ: "احفروا".]] فَلَمَّا احْتَفَرُوا اسْتَخْرَجُوا قَبْرَ يُوسُفَ، فَلَمَّا احْتَمَلُوهُ إِذَا الطَّرِيقُ مِثْلَ ضَوْءِ النهار [[ورواه أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ (١٣/٢٣٦) وَابْنُ حِبَّانَ فِي صحيحه برقم (٢٤٣٥) "موارد"، والحاكم في المستدرك (٢/٥٧١) من طريق محمد بن فُضَيْلٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أبي بردة عن أبي موسى به. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/١٧٠) : "رجال أبي يعلى رجال الصحيح".]] ".

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جَدًّا، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَلَمَّا أَصْبَحُوا وَلَيْسَ فِي نَادِيهِمْ دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، غَاظَ ذَلِكَ فِرْعَوْنَ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ لِمَا يُرِيدُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الدَّمَارِ، فَأَرْسَلَ سَرِيعًا فِي بِلَادِهِ حَاشِرِينَ، أَيْ: مَنْ يَحْشُرُ الجندَ وَيَجْمَعُهُ، كَالنُّقَبَاءِ والحُجَّاب، وَنَادَى فِيهِمْ: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ﴾ -يَعْنِي: بَنِي إِسْرَائِيلَ - ﴿لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ أَيْ: لِطَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ.

﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ أَيْ: كُلَّ وَقْتٍ يَصِلُ لَنَا مِنْهُمْ مَا يَغِيظُنَا.

﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ أَيْ: نَحْنُ كُلَّ وَقْتٍ نَحْذَرُ مِنْ غَائِلَتِهِمْ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْتَأْصِلَ شَأْفَتَهُمْ، وَأُبِيدَ خَضْرَاءَهُمْ. فَجُوزِيَ فِي نَفْسِهِ وَجُنْدِهِ بِمَا أَرَادَ لَهُمْ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ أَيْ: فَخَرَجُوا مِنْ هَذَا النَّعِيمِ إِلَى الْجَحِيمِ، وَتَرَكُوا تِلْكَ الْمَنَازِلَ الْعَالِيَةَ وَالْبَسَاتِينَ وَالْأَنْهَارَ وَالْأَمْوَالَ وَالْأَرْزَاقَ وَالْمُلْكَ وَالْجَاهَ الْوَافِرَ فِي الدُّنْيَا.

﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ:١٣٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [الْقَصَصِ:٥، ٦] .

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 53 إلى 56

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦) ﴾

يقول تعالى ذكره: فأرسل فرعون في المدائن يحشر له جنده وقومه ويقول لهم ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ﴾ يعني بهؤلاء: بني إسرائيل ﴿لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ يعني بالشرذمة: الطائفة والعصبة الباقية من عصب جبيرة، وشرذمة كل شيء: بقيته القليلة؛ ومنه قول الراجز:

جَاءَ الشِّتَاءُ وقَمِيصِي أخْلاقْ ... شَرَاذِمٌ يَضْحَكُ مِنْهُ التَّوَّاقْ [[البيت في (اللسان: خلق) منسوب لراجز. قال: يقال: ثوب أخلاق، يصفون به الواحد، إذا كانت الخلوقة فيه كله، كما قالوا: برمة أعشار، وحبل أرمام، وأرض سباسب، وكذلك برمة أخلاق عن اللحياني، أي نواحيها أخلاق. وقال الراجز: "جاء الشتاء.." البيت اهـ. كأنه لما صار خلقًا كله، كان كل جزء فيه خلقًا، فجمعه باعتبار أجزائه، كما تفيده عبارة اللحياني. والتواق: اسم ولد الراجز. وفي (اللسان: شرذم) الشرذمة: القطعة من الشيء، والجمع شراذم والشرذمة: الجماعة من الناس القليلة، وفي التنزيل: (إن هؤلاء لشرذمة قليلون) وثياب شراذم أي: أخلاق متقطعة وثوب شراذم أي قطع. وأنشد البيت عن ابن برى.]]

وقيل: قليلون، لأن كل جماعة منهم كان يلزمها معنى القلة؛ فلما جمع جمع جماعاتهم قيل: قليلون، كما قال الكُمَيت:

فَرَدَّ قَوَاصِيَ الأحْيَاء مِنْهُمْ ... فَقَدْ صَارُوا كَحَيّ وَاحدينا [[البيت للكميت (اللسان: وحد) . قال الجوهري: العرب تقول: أنتم حي واحد، وحي واحدون، كما يقال: شرذمة قليلون، وأنشد للكميت: "فرد قواصي الأحياء.." البيت. وهو يشبه كلام الفراء في معاني القرآن (مصورة الجامعة الورقة ٢٢٩) قال: وقوله: (إن هؤلاء لشرذمة قليلون) يقول: عصبة قليلة، وقليلون وكثيرون. وأكثر كلام العرب أن يقولوا: قومك قليل وقومنا كثير. وقليلون وكثيرون: جائز عربي، وإنما جاز لأن القلة إنما تدخلهم جميعًا، فقيل: قليل؛ وأوثر "قليل" على "قليلين"، وجاز الجمع إذا كانت القلة تلزم جميعهم في المعنى، فظهرت أسماؤهم على ذلك. ومثله أنتم حي واحد، وحي واحدون. ومعنى واحدون: واحد، كما قال الكميت: "فرد قواصي الأحياء.." البيت.]]

وذكر أن الجماعة التي سماها فرعون شرذمة قليلين، كانوا ستّ مئة ألف وسبعين ألفا.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ ، قال: كانوا ستّ مئة وسبعين ألفا.

⁕ قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عُبيدة، عن عبد الله، قال: الشرذمة: ستّ مئة ألف وسبعون ألفا.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبد الله بن شدّاد بن الهاد، قال: اجتمع يعقوب وولده إلى يوسف، وهم اثنان وسبعون، وخرجوا مع موسى وهم ستّ مئة ألف، فقال فرعون ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ ، وخرج فرعون على فرس أدهم حصان على لون فرسه في عسكره ثمان مئة ألف.

⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن سعيد الجريري، عن أبي السليل، عن قيس بن عباد، قال: وكان من أكثر الناس أو أحدث الناس عن بني إسرائيل، قال: فحدثنا أن الشرذمة الذين سماهم فرعون من بني إسرائيل كانوا ستّ مئة ألف، قال: وكان مقدمة فرعون سبعة مئة ألف، كل رجل منهم على حصان على رأسه بيضة، وفي يده حربة، وهو خلفهم في الدهم. فلما انتهى موسى ببني إسرائيل إلى البحر، قالت بنو إسرائيل. يا موسى أين ما وعدتنا، هذا البحر بين أيدينا، وهذا فرعون وجنوده قد دهمنا من خلفنا، فقال موسى للبحر: انفلق أبا خالد، قال: لا لن أنفلق لك يا موسى، أنا أقدم منك خلقا؛ قال: فنودي أن أضرب بعصاك البحر، فضربه، فانفلق البحر، وكانوا اثني عسر سبطا. قال الجريري. فأحسبه قال: إنه كان لكل سبط طريق، قال: فلما انتهى أول جنود فرعون إلى البحر، هابت الخيل اللهب؛ قال: ومثل لحصان منها فرس وديق، فوجد ريحها فاشتدّ، فاتبعه الخيل؛ قال: فلما تتام آخر جنود فرعون في البحر، وخرج آخر بني إسرائيل، أمر البحر فانصفق عليهم، فقالت بنو إسرائيل: ما مات فرعون وما كان ليموت أبدا، فسمع الله تكذيبهم نبيه عليه السلام، قال: فرمى به على الساحل، كأنه ثور أحمر يتراءاه بنو إسرائيل.

⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ يعني بني إسرائيل.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قال: هم يومئذ ستّ مئة ألف، ولا يحصى عدد أصحاب فرعون.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ قال: أوحى الله إلى موسى أن اجمع بني إسرائيل، كل أربعة أبيات في بيت، ثم اذبحوا أولاد الضأن، فاضربوا بدمائها على الأبواب، فإني سآمر الملائكة أن لا تدخل بيتا على بابه دم، وسآمرهم بقتل أبكار آل فرعون من أنفسهم وأموالهم، ثم اخبزوا خبزا فطيرا، فإنه أسرع لكم، ثم أسر بعبادي حتى تنتهي للبحر، فيأتيك أمري، ففعل؛ فلما أصبحوا قال فرعون: هذا عمل موسى وقومه قتلوا أبكارنا من أنفسنا وأموالنا، فأرسل في أثرهم ألف ألف وخمس مئة ألف وخمس مئة ملك مسوّر، مع كل ملك ألف رجل، وخرج فرعون في الكرش العظمى، وقال ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قال: قطعة، وكانوا ستّ مئة ألف، مئتا ألف منهم أبناء عشرين سنة إلى أربعين.

قال: ثني حجاج، عن أبي بكر بن حوشب، عن ابن عباس، قال: كان مع فرعون يومئذ ألف جبار، كلهم عليه تاج، وكلهم أمير على خيل.

قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: كانوا ثلاثين ملكا ساقة خلف فرعون يحسبون أنهم معهم وجبرائيل أمامهم، يرد أوائل الخيل على أواخرها، فأتبعهم حتى انتهى إلى البحر، وقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ يقول: وإن هؤلاء الشرذمة لنا لغائظون، فذكر أن غيظهم إياهم كان قتل الملائكة من قتلت من أبكارهم.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ يقول: بقتلهم أبكارنا من أنفسنا وأموالنا. وقد يحتمل أن يكون معناه: وإنهم لنا لغائظون بذهابهم منهم بالعواريّ التي كانوا استعاروها منهم من الحليّ، ويحتمل أن يكون ذلك بفراقهم إياهم، وخروجهم من أرضهم بكره لهم لذلك.

* *

وقوله ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾

اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الكوفة ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ بمعنى: أنهم معدون مؤدون ذوو أداة وقوّة وسلاح. وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة: "وأنا لجميع حذرون"بغير ألف. وكان الفرّاء يقول: كأن الحاذر الذي يحذرك الآن، وكأن الحذر المخلوق حذرا لا تلقاه إلا حذرا؛ ومن الحذر قول ابن أحمر:

هَلْ أُنسَأَنْ يَوْما إلى غَيْرِهِ ... إنِّي حَوَالِيٌّ وآنّي حَذِر [[البيت لابن أحمر الباهلي. قاله المؤلف. ونسبه في (اللسان: حول) إلى المرار بن منقذ العدوي. قال: ويقال رجل حوالي: للجيد الرأي ذي الحيلة كما قال ابن أحمر، ويقال للمرار بن منقذ العدوي * أو تنسأن يومي إلى غيره *

وقال في "حذر": ورجل حذر وحذر (بكسر الذال وضمها) وحاذورة، وحذريان: متيقظ، شديد الحذر والفزع متحرز. وحاذر: متأهب معد، كأنه يحذر أن يفاجأ. والجمع "حذرون وحذارى". وفي التنزيل: (وإنا لجميع حاذرون"، وقرئ "حذرون" و "حذرون". الأخيرة بضم الذال، حكاه الأخفش. ومعنى "حاذرون" متأهبون، ومعنى "حذرون" خائفون. وقيل: معنى "حذرون" معدون. الأزهري. من قرأ (وإنا لجميع حاذرون) أي مستعدون. ومن قرأ "حذرون" فمعناه: إنا نخاف شرهم. وقال الفراء في معاني القرآن (مصورة الجامعة، الورقة ٢٢٩) : وقوله: "حاذرون، وحذرون: حدثني أبو ليلى السجستاني، عن ابن جرير قاضي سجستان، أن ابن مسعود قرأ: (وإنا لجميع حاذرون) . يقولون: مؤدون في السلاح. يقولون: ذوو أداة من السلاح. و "حذرون" وكأن الحاذر: الذي يحذرك الآن؛ وكأن "الحذر": المخلوق حذرًا:، لا تلقاه إلا حذرًا. اهـ.]]

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان في قرّاء الأمصار متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ، فمصيب الصواب فيه.

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، قال: سمعت الأسود بن زيد يقرأ: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ قال: مقوون مؤدون.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عيسى بن عبيد، عن أيوب، عن أبي العرجاء، عن الضحاك بن مزاحم أنه كان يقرأ: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ يقول: مؤدون.

⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ في قوله: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ يقول: حذرنا، قال: جمعنا أمرنا.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ قال: مؤدون معدون في السلاح والكراع.

ثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج أبو معشر، عن محمد بن قيس قال: كان مع فرعون ست مئة ألف حصان أدهم سوى ألوان الخيل.

⁕ حدثنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا سليمان بن معاذ الضبي، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي رزين، عن ابن عباس أنه قرأها: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ قال: مؤدون مقوون.