سورة التكوير، الآية 19
الجزء 30، الصفحة 586.
إِنَّهُۥ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴿١٩﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة التكوير
تفسير الآية
التفسير الميسر
يشمل هذا التفسير الآيات 15 إلى 21
أقسم الله تعالى بالنجوم المختفية أنوارها نهارًا، الجارية والمستترة في أبراجها، والليل إذا أقبل بظلامه، والصبح إذا ظهر ضياؤه، إن القرآن لَتبليغ رسول كريم -هو جبريل عليه السلام-، ذي قوة في تنفيذ ما يؤمر به، صاحبِ مكانة رفيعة عند الله، تطيعه الملائكة، مؤتمنٍ على الوحي الذي ينزل به.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 15 إلى 29
{15 ـ 16} أقسم تعالى {بالخُنَّسِ}: وهي الكواكب التي تخنس؛ أي: تتأخَّر عن سير الكواكب المعتاد إلى جهة المشرق، وهي النجوم السبعة السيَّارة؛ الشمس والقمر والزُّهرة والمشتري والمريخ وزُحل وعطارد؛ فهذه السبعة لها سيران: سيرٌ إلى جهة المغرب مع سائر الكواكب والفلك. وسير معاكسٌ لهذا من جهة المشرق تختصُّ به هذه السبعة دون غيرها، فأقسم الله بها في حال خنوسها؛ أي: تأخُّرها، وفي حال جريانها، وفي حال كُنوسها؛ أي: استتارها بالنهار. ويُحتمل أنَّ المراد بها جميع الكواكب السيَّارة وغيرها.
{17 ـ 18}{والليل إذا عسعس}؛ أي: أقبل، وقيل أَدبر ، والنهار {إذا تَنَفَّسَ}؛ أي: بدت علائم الصبح، وانشقَّ النور شيئاً فشيئاً حتى يستكمل وتطلع الشمس.
الآية 19: وهذه آياتٌ عظامٌ أقسم الله عليها لقوَّة سند القرآن وجلالته وحفظه من كلِّ شيطانٍ رجيم، فقال:{إنَّه لَقولُ رسولٍ كريم}: وهو جبريل عليه السلام، نزل به من الله تعالى؛ كما قال تعالى:{وإنَّه لَتنزيل ربِّ العالمين. نَزَلَ به الرُّوحُ الأمينُ. على قلبكَ لتكونَ من المُنذِرينَ}. ووصفه الله بالكريم لكرم أخلاقِهِ و [كثرة] خصالِهِ الحميدة؛ فإنَّه أفضل الملائكة وأعظمهم رتبةً عند ربِّه.
الآية 20:{ذي قوَّةٍ}: على ما أمره الله به، ومن قوَّته أنَّه قَلَبَ ديار قوم لوطٍ بهم فأهلكهم، {عند ذي العرش}؛ أي: جبريل مقرَّبٌ عند الله، له منزلةٌ رفيعةٌ وخصيصةٌ من الله اختصَّه بها، {مكينٌ}؛ أي: له مكانةٌ ومنزلةٌ فوق منازل الملائكة كلِّهم.
الآية 21:{مطاع ثَمَّ}؛ أي: جبريل مطاعٌ في الملأ الأعلى؛ لأنَّه من الملائكة المقرَّبين، نافذ فيهم أمرُه، مطاعٌ رأيه، {أمينٍ}؛ أي: ذو أمانة وقيام بما أُمِرَ به، لا يزيد ولا ينقص ولا يتعدَّى ما حُدَّ له، وهذا كلُّه يدلُّ على شرف القرآن عند الله تعالى: فإنَّه بعث به هذا الملك الكريم الموصوف بتلك الصفات الكاملة، والعادةُ أنَّ الملوك لا ترسل الكريم عليها إلاَّ في أهمِّ المهمَّات وأشرف الرسائل.
الآية 22: ولما ذكر فضل الرسول الملكيِّ الذي جاء بالقرآن؛ ذكر فضل الرسول البشريِّ الذي نزل عليه القرآنُ، ودعا إليه الناس، فقال:{وما صاحِبُكم}: وهو محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - {بمجنونٍ}؛ كما يقوله أعداؤه المكذِّبون برسالته، المتقوِّلون عليه [من] الأقوال التي يريدون أن يطفِئوا بها ما جاء به ، بل هو أكملُ الناس عقلاً، وأجزلُهم رأياً، وأصدقُهم لهجةً.
الآية 23:{ولقد رآه بالأفُقِ المُبين}؛ أي: رأى محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - جبريل عليه السلام بالأفُقِ البيِّن الذي هو أعلى ما يلوح للبصر.
الآية 24:{وما هو على الغيب بضَنينٍ}؛ أي: وما هو على ما أوحاه الله إليه بِمُتَّهَم يزيد فيه أو ينقص أو يكتم بعضه، بل هو - صلى الله عليه وسلم - أمينُ أهل السماء وأهل الأرض، الذي بلَّغ رسالات ربِّه البلاغَ المبين، فلم يَشُحَّ بشيءٍ منه عن غنيٍّ ولا فقيرٍ ولا رئيسٍ ولا مرؤوسٍ ولا ذكرٍ ولا أنثى ولا حضريٍّ ولا بدويٍّ، ولذلك بعثه الله في أمَّةٍ أميَّةٍ جاهلةٍ جهلاء، فلم يمت - صلى الله عليه وسلم - حتى كانوا علماء ربَّانيِّين وأحباراً متفرِّسين، إليهم الغاية في العلوم، وإليهم المنتهى في استخراج الدقائق والمفهوم ، وهم الأساتذة، وغيرهم قصاراه أن يكون من تلاميذهم.
الآية 25:{وما هو بقول شيطانٍ رجيمٍ}: لما ذكر جلالة كتابه وفضلَه بذكر الرسولين الكريمين اللذين وَصَلَ إلى الناس على أيديهما، وأثنى الله عليهما بما أثنى؛ دَفَعَ عنه كلَّ آفةٍ ونقصٍ مما يقدحُ في صدقه، فقال:{وما هو بقول شيطانٍ رجيمٍ}؛ أي: في غاية البعد عن الله وعن قربه.
الآية 26:{فأين تذهبون}؛ أي: كيف يخطر هذا ببالكم؟! وأين عَزَبَتْ عنكم أذهانكم حتى جعلتم الحقَّ الذي هو في أعلى درجات الصدق بمنزلة الكذب الذي هو أنزلُ ما يكون وأرذلُ وأسفلُ الباطل؟! هل هذا إلاَّ من انقلاب الحقائق؟!
الآية 27:{إنۡ هو إلاَّ ذكرٌ للعالمين}: يتذكَّرون به ربَّهم وماله من صفات الكمال وما ينزَّه عنه من النقائص والرذائل والأمثال، ويتذكَّرون به الأوامر والنواهي وحكمها؛ ويتذكَّرون به الأحكام القدريَّة والشرعيَّة والجزائيَّة، وبالجملة يتذكَّرون به مصالح الدارين، وينالون بالعمل به السعادتين.
الآية 28:{لمن شاء منكم أن يَسۡتَقيمَ}: بعد ما تبيَّن الرشد من الغيِّ والهدى من الضَّلال.
الآية 29:{وما تشاؤون إلاَّ أن يشاء الله ربُّ العالمين}؛ أي: فمشيئتُه نافذةٌ لا يمكن أن تعارضَ أو تمانع. وفي هذه الآية وأمثالها ردٌّ على فرقتي القدريَّة النُّفاة والقدريَّة المجبرة؛ كما تقدَّم مثالها. والله أعلم والحمد لله.
* * *
تفسير الجلالين
﴿إنَّهُ﴾ أيْ القُرْآن ﴿لَقَوْل رَسُول كَرِيم﴾ عَلى اللَّه تَعالى وهُوَ جِبْرِيل أُضِيفَ إلَيْهِ لِنُزُولِهِ بِهِ
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 15 إلى 29
رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ، مِنْ حَدِيثِ مِسْعر بْنِ كِدَام، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ سَرِيع، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيث قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ الصُّبْحَ، فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِي الْكُنَّسِ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [[صحيح مسلم برقم (٤٥٦) ، وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٥١) .]] .
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ بُنْدَارٍ، عَنْ غُنْدَر، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيث، بِهِ نَحْوَهُ [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٥٠) .]] .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ مُرَادٍ، عَنْ عَلِيٍّ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِي الْكُنَّسِ﴾ قَالَ: هِيَ النُّجُومُ تَخْنِسُ بِالنَّهَارِ، وَتَظْهَرُ بِاللَّيْلِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ عَرْعَرَةَ، سَمِعْتُ عَلِيًّا وَسُئِلَ عَنْ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِي الْكُنَّسِ﴾ فَقَالَ: هِيَ النُّجُومُ، تخنِس بِالنَّهَارِ وَتَكْنُسُ بِاللَّيْلِ [[تفسير الطبري (٣٠/٤٧) .]] .
وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ سِماك، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: هِيَ النُّجُومُ.
وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ صَحِيحٌ إِلَى خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ، وَهُوَ السَّهْمِيُّ الْكُوفِيُّ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: رَوَى عَنْ عَلِيٍّ، وَرَوَى عَنْهُ سِمَاكٌ وَالْقَاسِمُ بْنُ عَوْفٍ الشَّيْبَانِيُّ [[الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٣/٣٤٣) .]] وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ جَرْحًا وَلَا تَعْدِيلًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَرَوَى يُونُسُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّهَا النُّجُومُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَكَذَا رُوي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ، وَغَيْرِهِمْ: أَنَّهَا النُّجُومُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا هَوذة بْنُ خَلِيفَةَ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِي الْكُنَّسِ﴾ قَالَ: هِيَ النُّجُومُ الدَّرَارِيُّ، الَّتِي تَجْرِي تستقبل المشرق.
وَقَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: إِنَّمَا قِيلَ لِلنُّجُومِ: "الْخُنَّسُ"، أَيْ: فِي حَالِ طُلُوعِهَا، ثُمَّ هِيَ جِوَارٌ فِي فَلَكِهَا، وَفِي حَالِ غَيْبُوبَتِهَا يُقَالُ لَهَا: "كُنَّس" مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: أَوَى الظَّبْيُ إِلَى كنَاسة: إِذَا تَغَيَّبَ فِيهِ.
وَقَالَ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ قَالَ: بَقَرُ الْوَحْشِ. وَكَذَا قَالَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِي الْكُنَّسِ﴾ مَا هِيَ يَا عَمْرُو؟ قُلْتُ: الْبَقَرُ. قَالَ: وَأَنَا أَرَى ذَلِكَ.
وَكَذَا رَوَى يُونُسُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿الْجَوَارِي الْكُنَّسِ﴾ قَالَ: الْبَقَرُ [الْوَحْشُ] [[زيادة من م.]] تَكْنُسُ إِلَى الظِّلِّ. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هِيَ الظِّبَاءُ. وَكَذَا قَالَ سَعِيدٌ أَيْضًا، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ.
وَقَالَ أَبُو الشَّعْثَاءِ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ: هِيَ الظِّبَاءُ وَالْبَقَرُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا هُشَيْم، أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ [[في أ: "سفيان".]] عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَمُجَاهِدٍ: أَنَّهُمَا تَذَاكَرَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِي الْكُنَّسِ﴾ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِمُجَاهِدٍ: قُلْ فِيهَا بِمَا سَمِعْتَ. قَالَ: فَقَالَ مُجَاهِدٌ: كُنَّا نَسْمَعُ فِيهَا شَيْئًا، وَنَاسٌ يَقُولُونَ: إِنَّهَا النُّجُومُ. قَالَ: فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: قُلْ فِيهَا بِمَا سَمِعْتَ. قَالَ: فَقَالَ مُجَاهِدٌ: كُنَّا نَسْمَعُ أَنَّهَا بَقَرُ الْوَحْشِ حِينَ تَكْنُسُ فِي حُجْرتها. قَالَ: فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّهُمْ يَكْذِبُونَ عَلَى عَلَيٍّ، هَذَا كَمَا رَوَوْا عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ ضَمَّنَ الْأَسْفَلُ الْأَعْلَى، وَالْأَعْلَى الْأَسْفَلَ.
وَتَوَقَّفَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿الْخُنَّسِ الْجَوَارِي الْكُنَّسِ﴾ هَلْ هُوَ النُّجُومُ، أَوِ الظِّبَاءُ وَبَقَرُ الْوَحْشِ؟ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ مُرَادًا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ فِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِقْبَالُهُ بِظَلَامِهِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: أَظْلَمَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِذَا نَشَأَ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إِذَا غَشى النَّاسَ. وَكَذَا قَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، وَالْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ إِذَا أَدْبَرَ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَكَذَا قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ أَيْ: إِذَا ذَهَبَ فَتَوَلَّى.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي البَخْتَري، سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا عَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حِينَ ثَوّب الْمُثَوِّبُ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَقَالَ: أَيْنَ السَّائِلُونَ عَنِ الْوِتْرِ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ ؟ هذا حين أدبر حسن.
وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ إِذَا أَدْبَرَ. قَالَ لِقَوْلِهِ: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ أَيْ: أَضَاءَ، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ [[البيت في تفسير الطبري (٣٠/٥٠) منسوبا إلى علقمة بن قرط.]] أَيْضًا:
حَتّى إِذَا الصُّبحُ لَهُ تَنَفَّسا ... وانجابَ عَنها لَيلُها وعَسعَسَا ...
أَيْ: أَدْبَرَ. وَعِنْدِي أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿عَسْعَسَ﴾ إِذَا أَقْبَلَ، وَإِنْ كَانَ يَصِحُّ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْإِدْبَارِ، لَكِنَّ الْإِقْبَالَ هَاهُنَا أَنْسَبُ؛ كَأَنَّهُ أَقْسَمَ تَعَالَى بِاللَّيْلِ [[في م: "بالفجر".]] وَظَلَامِهِ إِذَا أَقْبَلَ، وَبِالْفَجْرِ وَضِيَائِهِ إِذَا أَشْرَقَ، كَمَا قَالَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [اللَّيْلِ: ١، ٢] ، وَقَالَ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضُّحَى: ١، ٢] ، وَقَالَ ﴿فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩٦] ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُصُولِ: إِنَّ لَفْظَةَ "عَسْعَسَ" تُسْتَعْمَلُ فِي الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ عَلَى وَجْهِ الِاشْتِرَاكِ، فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ يَزْعُمُ أَنَّ "عَسْعَسَ": دَنَا مِنْ أَوَّلِهِ وَأَظْلَمَ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: كَانَ أَبُو الْبِلَادِ [[في أ: "أبو التلاد".]] النَّحْوِيُّ يُنشد بَيْتًا:
عَسعَس حَتَّى لَوْ يَشَاءُ ادَّنَا ... كانَ لَهُ مِنِ ضَوئه مَقبس ...
يُرِيدُ: لَوْ يَشَاءُ إِذْ دَنَا، أُدْغِمَ الذَّالَ فِي الدَّالِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: وَكَانُوا يَرَون أَنَّ هَذَا الْبَيْتَ مَصْنُوعٌ [[تفسير الطبري (٣٠/٥٠)]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ: إِذَا طَلَعَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: إِذَا أَضَاءَ وَأَقْبَلَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِذَا نَشَأَ. وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي: وَضَوءُ النَّهَارِ إِذَا أَقْبَلَ وَتَبَيَّن.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يَعْنِي: أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ لتبليغُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، أَيْ: مَلَكٌ شَرِيفٌ حَسَن الْخَلْقِ، بَهِيُّ الْمَنْظَرِ، وَهُوَ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْران، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَغَيْرُهُمْ.
﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ [فَاسْتَوَى] [[زيادة من أ.]] ﴾ [النَّجْمِ: ٥، ٦] ، أَيْ: شَدِيدُ الخَلْق، شَدِيدُ الْبَطْشِ وَالْفِعْلِ، ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ أَيْ: لَهُ مَكَانَةٌ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَنْزِلَةٌ رَفِيعَةٌ.
قَالَ أَبُو صَالِحٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ قَالَ: جبريل يدخل في سبعين حجابا من نُورٍ بِغَيْرِ إِذْنٍ، ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ﴾ أَيْ: لَهُ وَجَاهَةٌ، وَهُوَ مَسْمُوعُ الْقَوْلِ مُطَاعٌ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى.
قَالَ قَتَادَةُ: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ﴾ أَيْ: فِي السَّمَوَاتِ، يَعْنِي: لَيْسَ هُوَ مِنْ أَفْنَادِ الْمَلَائِكَةِ، بَلْ هُوَ مِنَ السَّادَةِ وَالْأَشْرَافِ، مُعتَنى بِهِ، انْتُخِبَ لِهَذِهِ الرِّسَالَةِ الْعَظِيمَةِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أَمِينٍ﴾ صِفَةٌ لِجِبْرِيلَ بِالْأَمَانَةِ، وَهَذَا عَظِيمٌ جِدًّا أَنَّ الرَّبَّ عَزَّ وَجَلَّ يُزَكِّي عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ الْمَلَكِيَّ جِبْرِيلَ كَمَا زَكَّى عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ الْبَشَرِيَّ مُحَمَّدًا ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾
قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَمَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﷺ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ﴾ يَعْنِي: وَلَقَدْ رَأَى محمدٌ جِبْرِيلَ الَّذِي يَأْتِيهِ بِالرِّسَالَةِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا لَهُ سِتُّمِائَةُ جَنَاحٍ ﴿بِالأفُقِ الْمُبِينِ﴾ أَيِ: الْبَيِّنُ، وَهِيَ الرُّؤْيَةُ الْأَوْلَى الَّتِي كَانَتْ بِالْبَطْحَاءِ، وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالأفُقِ الأعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إَلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النَّجْمِ: ٥ -١٠] ، كَمَا تَقَدَّمَ تفسيرُ ذَلِكَ وَتَقْرِيرُهُ. والدليلُ أَنَّ المرادَ بِذَلِكَ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَالظَّاهِرُ-وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا إِلَّا هَذِهِ الرُّؤْيَةَ وَهِيَ الْأُولَى، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نزلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النَّجْمِ: ١٣ -١٦] ، فَتِلْكَ إِنَّمَا ذُكِرَتْ فِي سُورَةِ "النَّجْمِ"، وَقَدْ نَزَلَتْ بَعْدَ [سُورَةِ] [[زيادة من م.]] الْإِسْرَاءِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ أَيْ: وَمَا مُحَمَّدٌ عَلَى مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ بِظَنِينٍ، أَيْ: بِمُتَّهَمٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ بِالضَّادِ، أَيْ: بِبَخِيلٍ، بَلْ يَبْذُلُهُ لِكُلِّ أَحَدٍ.
قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَينة: ظَنِينٌ وَضَنِينٌ سَوَاءٌ، أَيْ: مَا هُوَ بِكَاذِبٍ، وَمَا هُوَ بِفَاجِرٍ. وَالظَّنِينُ: الْمُتَّهَمُ، وَالضَّنِينُ: الْبَخِيلُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ الْقُرْآنُ غَيْبًا، فَأَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ، فَمَا ضَنّ بِهِ عَلَى النَّاسِ، بَلْ بَلَّغه وَنَشَرَهُ وَبَذَلَهُ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَهُ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَاخْتَارَ ابنُ جَرِيرٍ قِرَاءَةَ الضَّادِ [[تفسير الطبري (٣٠/٥٣) .]] .
قُلْتُ: وَكِلَاهُمَا مُتَوَاتِرٌ، وَمَعْنَاهُ صَحِيحٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ أَيْ: وَمَا هَذَا الْقُرْآنُ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ، أَيْ: لَا يَقْدِرُ عَلَى حَمْلِهِ، وَلَا يُرِيدُهُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ. كَمَا قَالَ: ﴿وَمَا تَنزلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ -٢١٢] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ ؟ أَيْ: فَأَيْنَ تَذْهَبُ عُقُولُكُمْ فِي تَكْذِيبِكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ، مَعَ ظُهُورِهِ وَوُضُوحِهِ، وَبَيَانِ كَوْنِهِ جَاءَ [[في م "حقا".]] مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، كَمَا قَالَ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لِوَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ حِينَ قَدِمُوا مُسْلِمِينَ، وَأَمَرَهُمْ فَتَلَوْا عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ قُرْآنِ مُسَيْلِمَةَ الَّذِي هُوَ فِي غَايَةِ الْهَذَيَانِ وَالرَّكَاكَةِ، فَقَالَ: وَيْحَكُمْ، أَيْنَ يُذهَب بِعُقُولِكُمْ [[في م: "أين تذهب عقولكم".]] ؟ وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ إلٍّ، أَيْ: مِنْ إِلَهٍ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ أَيْ: عَنْ كِتَابِ اللَّهِ وَعَنْ طَاعَتِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: هَذَا الْقُرْآنُ ذِكْرٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ، يَتَذَكَّرُونَ بِهِ وَيَتَّعِظُونَ، ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ أَيْ: مَنْ أَرَادَ الْهِدَايَةَ فَعَلَيْهِ بِهَذَا الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ منجاةٌ لَهُ وَهِدَايَةٌ، وَلَا هِدَايَةَ فِيمَا سِوَاهُ، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: لَيْسَتِ الْمَشِيئَةُ مَوْكُولَةً إِلَيْكُمْ، فَمَنْ شَاءَ اهْتَدَى وَمَنْ شَاءَ ضَلَّ، بَلْ ذَلِكَ كُلُّهُ تَابِعٌ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ قَالَ أَبُو جَهْلٍ: الْأَمْرُ إِلَيْنَا، إِنْ شِئْنَا اسْتَقَمْنَا، وَإِنْ شِئْنَا لَمْ نَسْتَقِمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [[رواه الطبري في تفسيره (٣٠/٥٣) .]] ﴾ .
آخِرُ تَفْسِيرِ سورة "التكوير" ولله الحمد [والمنة] [[زيادة من م.]] .
تفسير الطبري
يشمل هذا التفسير الآيات 17 إلى 20
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) ﴾
.
أقسم ربنا جلّ ثناؤه بالليل إذا عسعس، يقول: وأقسم بالليل إذا عسعس.
واختلف أهل التأويل في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ فقال بعضهم: عُنِيَ بقوله: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ إذا أدبر.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ يقول: إذا أدبر.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ يعني: إذا أدبر.
⁕ حدثنا عبد الحميد بن بيان اليشكري، قال: ثنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن رجل عن أبي ظَبيان، قال: كنت أتبع عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو خارج نحو المشرق، فاستقبل الفجر، فقرأ هذه الآية: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ .
⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، عن الحسن بن عبيد الله، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، قال: خرج عليّ عليه السلام مما يلي باب السوق، وقد طلع الصبح أو الفجر، فقرأ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ أين السائل عن الوتر، نعم ساعة الوتر هذه.
ثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ قال: إقباله، ويقال: إدباره.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ : إذا أدبر.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ قال: إذا أدبر.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ إذا أدبر.
⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن مسعر، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن، قال: خرج عليّ عليه السلام بعد ما أذّن المؤذّن بالصبح، فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ أين السائل عن الوتر؟ قال: نعم ساعة الوتر هذه.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ قال: عسعس تولى، وقال: تنفس الصبح من هاهنا، وأشار إلى المشرق طلاع الفجر.
وقال آخرون: عُني بقوله: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ إذا أقبل بظلامه.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ قال: إذا غَشِيَ الناسَ.
⁕ حدثنا الحسين بن عليّ الصدائي، قال: ثني أبي، عن الفضيل، عن عطية (وَاللّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ) قال: أشار بيده إلى المغرب.
وأولى التأويلين في ذلك بالصواب عندي قول من قال: معنى ذلك: إذا أدبر، وذلك لقوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ فدلّ بذلك على أن القسم بالليل مدبرًا، وبالنهار مقبلا والعرب تقول: عسعس الليل، وسَعْسَع الليل: إذا أدبر، ولم يبق منه إلا اليسير؛ ومن ذلك قول رُؤْبة بن العجاج:
يا هِنْدُ ما أسْرَعَ ما تَسَعْسَعا ... وَلَوْ رَجا تَبْعَ الصِّبا تَتَبَّعا [[الجبرية والجبروت واحد، وهو من صفات الله العلي. الجبار: القاهر فوق عباده، يقهرهم على ما أراد من أمر ونهي، سبحانه وتعالى.]]
فهذه لغة من قال: سعسع؛ وأما لغة من قال: عسعس، فقول علقمة بن قُرْط:
حتى إذَا الصُّبْحُ لَهَا تَنَفَّسا ... وانْجابَ عَنْها لَيْلُها وَعَسْعَسا [[الصغرة جمع صاغر: وهو الراضي بالذل المقر به. والأذلة جمع ذليل.]]
يعني أدبر. وقد كان بعض أهل المعرفة بكلام العرب، يزعم أن عسعس: دنا من أوّله وأظلم. وقال الفراء: كان أبو البلاد النحوي ينشد بيتا:
عَسْعَسَ حتى لَوْ يشاءُ إدَّنا ... كانَ لَه مِنْ ضَوْئِهِ مَقْبَسُ [[الخبر ١٦٦ - سبق الكلام مفصلا في ضعف هذا الإسناد ١٣٧. وهذا الخبر، مع باقيه الآتي ١٦٧ نقله ابن كثير ١: ٤٦ دون إسناد ولا نسبة، ونقله السيوطي ١: ١٤ ونسبه أيضًا لابن أبي حاتم. وقال ابن كثير: " وكذلك قال غيره من الصحابة والتابعين والسلف. وهو ظاهر".]]
يقول: لو يشاء إذ دنا، ولكنه أدغم الذال في الدال، قال الفراء: فكانوا يرون أن هذا البيت مصنوع.
* *
وقوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾
يقول: وضوء النهار إذا أقبل وتبين.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد، في قوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ قال: إذا نشأ.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ : إذا أضاء وأقبل.
* *
وقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾
يقول تعالى ذكره: إن هذا القرآن لتنزيل رسول كريم؛ يعني: جبريل، نزله على محمد بن عبد الله.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، أنه كان يقول: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يعني: جبريل.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، أنه كان يقول: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ قال: هو جبريل.
* *
وقوله: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾
يقول تعالى ذكره: ذي قوّة، يعني: جبرائيل على ما كلف من أمر غير عاجز ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ يقول: هو مكين عند ربّ العرش العظيم.