سورة التوبة، الآية 15
الجزء 10، الصفحة 189.
وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿١٥﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة التوبة
تفسير الآية
التفسير الميسر
يشمل هذا التفسير الآيات 14 إلى 15
يا معشر المؤمنين: قاتلوا أعداء الله يعذبهم عز وجل بأيديكم، ويُذِلَّهم بالهزيمة والخزي، ويَنصرْكم عليهم، ويُعْلِ كلمته، ويَشْفَ بهزيمتهم صدوركم التي طالما لحق بها الحزن والغم من كيد هؤلاء المشركين، ويُذهِبْ عن قلوب المؤمنين الغيظ. ومن تاب من هؤلاء المعاندين فإن الله يتوب على من يشاء. والله عليم بصدق توبة التائب، حكيم في تدبيره وصنعه ووَضْع تشريعاته لعباده.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 12 إلى 15
الآية 12: يقول تعالى بعدما ذكر أنَّ المعاهدين من المشركين إن استقاموا على عهدهم فاستقيموا لهم على الوفاء: {وإن نَكَثوا أيمانَهم من بعد عهِدهم}؛ أي: نقضوها وحلُّوها؛ فقاتلوكم أو أعانوا على قتالكم أو نقصوكم، {وطعنوا في دينكم}؛ أي: عابوه وسخروا منه، ويدخُل في هذا جميع أنواع الطعن الموجَّهة إلى الدين أو إلى القرآن، {فقاتِلوا أئمَّة الكفر}؛ أي: القادة فيه، الرؤساء الطاعنين في دين الرحمن، الناصرين لدين الشيطان. وخصَّهم بالذكر لعظم جنايتهم ولأنَّ غيرهم تَبَعٌ لهم، وليدلَّ على أن مَن طَعَنَ في الدين، وتصدَّى للردِّ عليه فإنه من أئمة الكفر. {إنهم لا أيۡمانَ لهم}؛ أي: لا عهود ولا مواثيق يلازمون على الوفاء بها، بل لا يزالون خائنين ناكثين للعهد لا يوثق منهم. {لعلَّهم}: في قتالكم إياهم {ينتهونَ}: عن الطعن في دينكم، وربما دخلوا فيه.
الآية 13: ثم حثَّ على قتالهم وهيَّج المؤمنين بذكر الأوصاف التي صدرت من هؤلاء الأعداء، والتي هم موصوفون بها، المقتضية لقتالهم، فقال:{ألا تقاتلون قوماً نَكَثوا أيۡمانهم وهَمُّوا بإخراج الرسول}: الذي يجب احترامه وتوقيره وتعظيمه، وهمُّوا أن يجلوه ويخرجوه من وطنه، وسعوا في ذلك ما أمكنهم، {وهم بدؤوكم أول مرة}: حيث نقضوا العهود، وأعانوا عليكم وذلك حيث أعانت قريش وهم معاهدون بني بكرٍ حلفاءهم على خزاعة حلفاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقاتلوا معهم كما هو مذكورٌ مبسوطٌ في السيرة. {أتخشَوۡنَهم}: في ترك قتالهم؟ {فالله أحقُّ أن تَخۡشَوۡه إن كنتم مؤمنين}: فالله أمركم بقتالهم، وأكَّد ذلك عليكم غاية التأكيد؛ فإن كنتم مؤمنين؛ فامتثلوا لأمر الله، ولا تخشوهم فتتركوا أمر الله.
الآية 14: ثم أمر بقتالهم، وذكر ما يترتب على قتالهم من الفوائد وكل هذا حثٌّ وإنهاضٌ للمؤمنين على قتالهم فقال:{قاتلوهم يعذِّبۡهم اللهُ بأيديكم}: بالقتل، {ويُخۡزِهِم}: إذا نصركم الله عليهم، وهم الأعداء الذين يطلب خزيهم ويحرص عليه، {ويَنصُرۡكم عليهم}: هذا وعدٌ من الله وبشارةٌ قد أنجزها، {ويَشۡفِ صدور قوم مؤمنين}.
الآية 15:{ويُذۡهِبۡ غيظَ قلوبِهم}: فإنَّ في قلوبهم من الحنق والغيظ عليهم ما يكون قتالهم وقتلُهم شفاءً لما في قلوب المؤمنين من الغمِّ والهمِّ؛ إذ يَرَوْن هؤلاء الأعداء محاربين لله ولرسوله، ساعين في إطفاء نور الله، وزوالاً للغيظ الذي في قلوبكم. وهذا يدلُّ على محبة الله للمؤمنين ، واعتنائه بأحوالهم، حتى إنه جعل من جملة المقاصد الشرعيَّة شفاء ما في صدورهم وذهاب غيظهم. ثم قال:{ويتوبُ الله على مَن يشاء}: من هؤلاء المحاربين؛ بأن يوفِّقهم للدخول في الإسلام ويزيِّنه في قلوبهم ويكرِّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان. {والله عليمٌ حكيمٌ}: يضع الأشياء مواضعها، ويعلم من يصلُحُ للإيمان فيهديه، ومن لا يصلُحُ فيبقيه في غيِّه وطغيانه.
تفسير الجلالين
﴿ويُذْهِب غَيْظ قُلُوبهمْ﴾ كَرْبها ﴿ويَتُوب اللَّه عَلى مَن يَشاء﴾ بِالرُّجُوعِ إلى الإسْلام كَأَبِي سُفْيان
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 13 إلى 15
وَهَذَا أَيْضًا تَهْيِيجٌ وَتَحْضِيضٌ وَإِغْرَاءٌ عَلَى قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ النَّاكِثِينَ لِأَيْمَانِهِمْ، الَّذِينَ هَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ مِنْ مَكَّةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الْأَنْفَالِ:٣٠] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ [إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي] ﴾ [[زيادة من أ.]] الْآيَةَ [الْمُمْتَحِنَةِ:١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلا قَلِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ:٧٦] وَقَوْلُهُ ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ قِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ يَوْمُ بَدْرٍ، حِينَ خَرَجُوا لِنَصْرِ عِيرِهِمْ [[في د: "خرجوا لعيرهم".]] فَلَمَّا نَجَتْ وَعَلِمُوا بِذَلِكَ اسْتَمَرُّوا عَلَى وُجُوهِهِمْ [[في ت، ك: "وجههم".]] طَلَبًا لِلْقِتَالِ، بَغْيًا وَتَكَبُّرًا، كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُ ذَلِكَ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ نَقْضُهُمُ الْعَهْدَ وَقِتَالُهُمْ [[في ت: "بقتالهم".]] مَعَ حُلَفَائِهِمْ بَنِي بَكْرٍ لِخُزَاعَةَ أَحْلَافِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى [[في ت: "حين".]] سَارَ إِلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ، وَكَانَ مَا كَانَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [[في ك: "أتخشوهم" وهو خطأ.]] يَقُولُ تَعَالَى: لَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ، فَأَنَا أَهْلٌ أَنْ يَخْشَى الْعِبَادُ مِنْ سَطْوَتِي وَعُقُوبَتِي، فَبِيَدِي الْأَمْرُ، وَمَا شِئْتُ كَانَ، وما لم أشأ لم يكن.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى عَزِيمَةً عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَبَيَانًا لِحِكْمَتِهِ فِيمَا شَرَعَ لَهُمْ مِنَ الْجِهَادِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى إِهْلَاكِ الْأَعْدَاءِ بِأَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ وَهَذَا عَامٌّ فِي الْمُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمة، وَالسُّدِّيُّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي: خُزَاعَةَ.
وَأَعَادَ [[في ت، د، ك: "وأعادوا".]] الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ عَلَيْهِمْ أَيْضًا.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ مؤذنٍ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا غَضِبَتْ أَخَذَ بِأَنْفِهَا، وَقَالَ: "يَا عُوَيْشُ، قَوْلِي: اللَّهُمَّ، رَبَّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ [[في ك: "محمدا".]] اغْفِرْ ذَنْبِي، وَأَذْهِبْ غَيْظَ قَلْبِي، وَأَجِرْنِي مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ".
سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أَحْمَدَ الْحَاكِمِ، عَنِ الْبَاغَنْدِيِّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْجَوْنِ، عَنْهُ [[تاريخ دمشق (١٩/٣٣٥) "المخطوط") ورواه ابن السني في عمل اليوم والليلة من طريق أبي العميس عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عن عائشة ومن طريق سلمة بن علي عن هشام بن عروة عن عائشة.]]
﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: مِنْ عِبَادِهِ، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أَيْ: بِمَا يُصْلِحُ عِبَادَهُ، ﴿حَكِيمٌ﴾ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ الْكَوْنِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ، فَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، وَهُوَ الْعَادِلُ الْحَاكِمُ الَّذِي لَا يَجُورُ أَبَدًا، وَلَا يُضِيعُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، بَلْ يُجَازِي عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
تفسير الطبري
القول في تأويل قوله: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول الله تعالى ذكره: ويذهب وَجْدَ قلوب هؤلاء القوم المؤمنين من خزاعة، [[انظر تفسير " الإذهاب " فيما سلف ١٢: ١٢٦ تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] على هؤلاء القوم الذين نكثوا أيمانهم من المشركين، وغمَّها وكربَها بما فيها من الوجد عليهم، بمعونتهم بكرًا عليهم، [[انظر تفسير " الغيظ " فيما سلف ٧: ٢١٥.]] كما:-
١٦٥٤٦- حدثني ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد العنقزي، عن أسباط، عن السدي: ﴿ويذهب غيظ قلوبهم﴾ ، حين قتلهم بنو بكر، وأعانتهم قريش.
١٦٥٤٧- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي، مثله = إلا أنه قال: وأعانتهم عليهم قريش. [[في المطبوعة: " وأعانهم "، وفي المخطوطة: " وأعلسهم، وصواب قراءتها ما أثبت. "]]
* *
وأما قوله: ﴿ويتوب الله على من يشاء﴾ ، فإنه خبر مبتدأ، ولذلك رفع، وجُزِم الأحرفُ الثلاثة قبل ذلك على وجه المجازاة، كأنه قال: قاتلوهم، فإنكم إن تقاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم، ويخزهم، وينصركم عليهم = ثم ابتدأ فقال: ﴿ويتوب الله على من يشاء﴾ ، لأن القتال غير موجب لهم التوبةَ من الله، وهو موجبٌ لهم العذابَ من الله، والخزيَ، وشفاءَ صدور المؤمنين، وذهابَ غيظ قلوبهم، فجزم ذلك شرطًا وجزاءً على القتال، ولم يكن موجبًا القتالُ التوبةَ، فابتُدِئ الخبرُ به ورُفع. [[في المطبوعة: " فابتدأ الحكم به "، والصواب ما أثبت من المخطوطة.]]
* *
ومعنى الكلام: ويمنّ الله على من يشاء من عباده الكافرين، فيقبل به إلى التوبة بتوفيقه إياه = ﴿والله عليم﴾ ، بسرائر عباده، ومَنْ هو للتوبة أهلٌ فيتوب عليه، ومَنْ منهم غير أهل لها فيخذله = ﴿حكيم﴾ ، في تصريف عباده من حال كفر إلى حال إيمان بتوفيقه من وفَّقه لذلك [[في المطبوعة: " بتوفيق "، وأثبت ما في المخطوطة.]] = ومن حال إيمان إلى كفر، بخذلانه من خذل منهم عن طاعته وتوحيده، [[السياق: " في تصريف عباده من حال كفر. . . ومن حال إيمان ".]] وغير ذلك من أمرهم. [[انظر تفسير " تاب "، و " عليم "، و " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة (توب) ، (علم) ، (حكم) .]]