سورة القرآن surah-quran.com

سورة التوبة

سورة التوبة، الآية 42

الجزء 10، الصفحة 194.

لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَـٰكِنۢ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ ۚ وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ ﴿٤٢﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

وبَّخ الله - جلَّ جلاله - جماعة من المنافقين استأذنوا رسول الله ﷺ في التخلف عن غزوة «تبوك»، مبينًا أنه لو كان خروجهم إلى غنيمة قريبة سهلة المنال، وسفرٍ لا مشقة فيه لاتَّبعوك، ولكن لما دُعوا إلى قتال الروم في أطراف بلاد «الشام» في وقت الحر تخاذلوا، وتخلفوا، وسيعتذرون لتخلفهم عن الخروج، حالفين بالله بأنهم لا يستطيعون ذلك، يهلكون أنفسهم بالكذب والنفاق، والله يعلم إنهم لكاذبون فيما يبدون لك من الأعذار.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 41 إلى 42

الآية 41: يقول تعالى لعباده المؤمنين مهيِّجاً لهم على النفير في سبيله، فقال:{انفِروا خفافاً وثقالاً}: في العسر واليسر، والمنشط والمكره، والحرِّ والبرد، وفي جميع الأحوال، {وجاهدوا بأموالكم وأنفسِكم في سبيل الله}؛ أي: ابذلوا جهدكم في ذلك، واستفرغوا وُسْعَكم في المال والنفس. وفي هذا دليلٌ على أنه كما يجب الجهادُ في النفس يجب [الجهادُ] في المال حيث اقتضت الحاجة ودعت لذلك. ثم قال:{ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمونَ}؛ أي: الجهاد في النفس والمال خيرٌ لكم من التقاعد عن ذلك؛ لأنَّ فيه رضا الله تعالى والفوز بالدرجات العاليات عنده والنصر لدين الله والدُّخول في جملة جنده وحزبه.

الآية 42:{لو كان}: خروجُهم لطلب عرض قريبٍ أو منفعةٍ دنيويَّة سهلة التناول. أو كان السفرُ {سفراً قاصداً}؛ أي: قريباً سهلاً {لاتَّبعوك}: لعدم المشقَّة الكثيرة، {ولكن بَعُدَتۡ عليهم الشُّقَّةُ}؛ أي: طالت عليهم المسافة، وصعب عليهم السفر؛ فلذلك تثاقلوا عنك، وليس هذا من أمارات العبوديَّة، بل العبد حقيقةً المتعبِّدُ لربِّه في كلِّ حال، القائم بالعبادة السهلة والشاقَّة؛ فهذا العبد لله على كلِّ حال. {وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم}؛ أي: سيحلفون أن تخلفهم عن الخروج أنَّ لهم عذراً، وأنهم لا يستطيعون ذلك، {يُهۡلِكون أنفسَهم}: بالقعود والكذب والإخبار بغير الواقع. {والله يعلم إنَّهم لكاذبونَ}. وهذا العتاب إنما هو للمنافقين، الذين تخلَّفوا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك، وأبدوا من الأعذار الكاذبة ما أبدوا، فعفا النبي - صلى الله عليه وسلم - عنهم بمجرَّد اعتذارهم، من غير أن يمتَحِنهم فيتبيَّن له الصادق من الكاذب، ولهذا عاتبه الله على هذه المسارعة إلى عذرهم، فقال:

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿لَوْ كانَ﴾ ما دَعَوْتهمْ إلَيْهِ، ونَزَلَ فِي المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا ﴿عَرَضًا﴾ مَتاعًا مِن الدُّنْيا ﴿قَرِيبًا﴾ سَهْل المَأْخَذ ﴿وسَفَرًا قاصِدًا﴾ وسَطًا ﴿لاتَّبَعُوك﴾ طَلَبًا لِلْغَنِيمَةِ ﴿ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمْ الشُّقَّة﴾ المَسافَة فَتَخَلَّفُوا ﴿وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ ﴿لَوْ اسْتَطَعْنا﴾ الخُرُوج ﴿لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أنْفُسهمْ﴾ بِالحَلِفِ الكاذِب ﴿واللَّه يَعْلَم إنّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ فِي قَوْلهمْ ذَلِكَ

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يَقُولُ تَعَالَى مُوَبِّخًا لِلَّذِينِ تَخَلَّفُوا عَنِ النَّبِيِّ [[في أ: "رسول الله".]] ﷺ فِي غزوة تَبُوكَ، وَقَعَدُوا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ مَا اسْتَأْذَنُوهُ فِي ذَلِكَ، مُظْهِرِينَ أَنَّهُمْ ذَوُو أَعْذَارٍ، وَلَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ، فَقَالَ: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: غَنِيمَةٌ قَرِيبَةٌ، ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾ أَيْ: قَرِيبًا أَيْضًا، ﴿لاتَّبَعُوكَ﴾ أَيْ: لَكَانُوا جَاءُوا مَعَكَ لِذَلِكَ، ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ أَي: الْمَسَافَةُ إِلَى الشَّامِ، ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ أَيْ: لَكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ أَيْ: لَوْ لَمْ تَكُنْ لَنَا أَعْذَارٌ لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه للنبي ﷺ، وكانت جماعة من أصحابه قد استأذنوه في التخلُّف عنه حين خرج إلى تبوك، فأذن لهم: لو كان ما تدعو إليه المتخلفين عنك والمستأذنيك في ترك الخروج معك إلى مغزاك الذي استنفرتهم إليه = ﴿عرضا قريبا﴾ ، يقول: غنيمة حاضرة [[انظر تفسير " العرض " فيما سلف ص: ٥٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿وسفرًا قاصدًا﴾ ، يقول: وموضعًا قريبًا سهلا = ﴿لاتبعوك﴾ ، ونفروا معك إليهما، ولكنك استنفرتهم إلى موضع بعيد، وكلفتهم سفرًا شاقًّا عليهم، لأنك استنهضتهم في وقت الحرّ، وزمان القَيْظ وحين الحاجة إلى الكِنِّ = ﴿وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم﴾ ، يقول تعالى ذكره: وسيحلف لك، يا محمد، هؤلاء المستأذنوك في ترك الخروج معك، اعتذارًا منهم إليك بالباطل، لتقبل منهم عذرهم، وتأذن لهم في التخلُّف عنك، بالله كاذبين = "لو استطعنا لخرجنا معكم"، يقول: لو أطقنا الخروجَ معكم بوجود السَّعة والمراكب والظهور وما لا بُدَّ للمسافر والغازي منه، وصحة البدن والقوى، لخرجنا معكم إلى عدوّكم = ﴿يهلكون أنفسهم﴾ ،

يقول: يوجبون لأنفسهم، بحلفهم بالله كاذبين، الهلاك والعطب، [[انظر تفسير " الهلاك " فيما سلف ١٣: ١٥٠. تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] لأنهم يورثونها سَخَط الله، ويكسبونها أليم عقابه = ﴿والله يعلم إنهم لكاذبون﴾ ، في حلفهم بالله: ﴿لو استطعنا لخرجنا معكم﴾ ، لأنهم كانوا للخروج مطيقين، بوجود السبيل إلى ذلك بالذي كان عندهم من الأموال، مما يحتاج إليه الغازي في غزوه، والمسافر في سفره، وصحة الأبدان وقوَى الأجسام.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٦٧٦٠- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿لو كان عرضًا قريبًا﴾ ، إلى قوله ﴿لكاذبون﴾ ، إنهم يستطيعون الخروج، ولكن كان تَبْطِئَةً من عند أنفسهم والشيطان، وزَهَادة في الخير.

١٦٧٦١- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿لو كان عرضًا قريبًا﴾ ، قال: هي غزوة تبوك.

١٦٧٦٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿والله يعلم إنهم لكاذبون﴾ ، أي: إنهم يستطيعون. [[الأثر: ١٦٧٦٢ - سيرة ابن هشام ٤: ١٩٤، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٦٦٩٩.]]