سورة التوبة، الآية 72
الجزء 10، الصفحة 198.
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَـٰكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴿٧٢﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة التوبة
تفسير الآية
التفسير الميسر
وعد الله المؤمنين والمؤمنات بالله ورسوله جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، ماكثين فيها أبدًا، لا يزول عنهم نعيمها، ومساكن حسنة البناء طيبة القرار في جنات إقامة، ورضوان من الله أكبر وأعظم مما هم فيه من النعيم. ذلك الوعد بثواب الآخرة هو الفلاح العظيم.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 71 إلى 72
الآية 71: لما ذكر أنَّ المنافقين بعضهم من بعض ؛ ذكر أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، ووصفهم بضدِّ ما وصف به المنافقين، فقال:{والمؤمنون والمؤمناتُ}؛ أي: ذكورهم وإناثهم، {بعضُهم أولياءُ بعضٍ}: في المحبَّة والموالاة والانتماء والنُّصرة. {يأمرون بالمعروف}: وهو اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما عُرِف حسنه من العقائد الحسنة والأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة، وأول مَن يدخُلُ في أمرهم أنفسُهم. {وينهَوۡن عن المنكر}: وهو كلُّ ما خالف المعروف، وناقَضَه من العقائد الباطلة والأعمال الخبيثة والأخلاق الرذيلة، {ويطيعونَ الله ورسوله}؛ أي: لا يزالون ملازمين لطاعة الله ورسوله على الدوام. {أولئك سيرحمُهُم الله}؛ أي: يدخلهم في رحمته ويشمَلُهم بإحسانه. {إنَّ الله عزيزٌ حكيمٌ}؛ أي: قويٌّ قاهرٌ، ومع قوته؛ فهو حكيمٌ يضع كل شيء موضعَه اللائق به الذي يُحمد على ما خلقه وأمر به.
الآية 72: ثم ذكر ما أعد الله لهم من الثواب، فقال:{وعد الله المؤمنين والمؤمنات جناتٍ تجري من تحتها الأنهار}: جامعةٍ لكلِّ نعيم وفرح، خاليةٍ من كلِّ أذىً وتَرَح، تجري من تحت قصورها ودورها وأشجارها الأنهار الغزيرة المروية للبساتين الأنيقة التي لا يعلم ما فيها من الخيرات والبركات إلا الله تعالى. {خالدين فيها}: لا يبغون عنها حِوَلاً. {ومساكنَ طيبة في جنات عدن}: قد زخرفت وحسنت وأعِدَّت لعباد الله المتَّقين، قد طاب مرآها وطاب منزِلُها ومَقيلها، وجمعت من آلات المساكن العالية ما لا يتمنى فوقه المتمنُّون، حتى إن الله تعالى قد أعدَّ لهم غرفاً في غاية الصفاء والحسن، يُرى ظاهِرُها من باطنها، وباطِنُها من ظاهرها؛ فهذه المساكن الأنيقة التي حقيقٌ بأن تَسْكُنَ إليها النفوس وتنزِعَ إليها القلوب وتشتاقَ لها الأرواح؛ لأنَّها {في جنات عدنٍ}؛ أي: إقامة، لا يظعنون عنها ولا يتحوَّلون منها. {ورضوانٌ من الله}: يُحِلُّه على أهل الجنة {أكبر}: مما هم فيه من النعيم؛ فإنَّ نعيمهم لم يَطِبْ إلا برؤية ربِّهم ورضوانه عليهم، ولأنَّه الغاية التي أمَّها العابدون، والنهاية التي سعى نحوها المحبُّون؛ فرضا ربِّ الأرض والسماوات أكبرُ من نعيم الجنات. {ذلك هو الفوزُ العظيم}: حيث حَصلوا على كلِّ مطلوب، وانتفى عنهم كلُّ محذور، وحسنتْ وطابت منهم جميع الأمور، فنسأل الله أن يجعلنا معهم بجودِهِ.
تفسير الجلالين
﴿وعَدَ اللَّه المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنات جَنّات تَجْرِي مِن تَحْتها الأَنْهار خالِدِينَ فِيها ومَساكِن طَيِّبَة فِي جَنّات عَدْن﴾ إقامَة ﴿ورِضْوان مِن اللَّه أكْبَر﴾ أعْظَم مِن ذَلِكَ كُلّه
تفسير ابن كثير
يُخْبِرُ تَعَالَى بِمَا أَعَدَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَالْمُؤْمِنَاتِ مِنَ الْخَيْرَاتِ وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ فِي ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أَيْ: مَاكِثِينَ فِيهَا أَبَدًا، ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ أَيْ: حَسَنَةَ الْبِنَاءِ، طَيِّبَةَ الْقَرَارِ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ" [[صحيح البخاري برقم (٤٨٧٨) وصحيح مسلم برقم (١٨٠) .]]
وَبِهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْمَة مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفة، طُولُهَا سِتُّونَ مِيلًا فِي السَّمَاءِ، لِلْمُؤْمِنِ فِيهَا أَهْلُونَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ، لَا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا" أَخْرَجَاهُ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٧٩) وصحيح مسلم برقم (٢٨٣٨) .]]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ، فَإِنَّ [[في ت، ك، أ: "كان".]] حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، هَاجَرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نُخْبِرُ النَّاسَ؟ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَمِنْهُ تَفَجَّر أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ" [[صحيح البخاري برقم (٧٤٢٣) من طريق فليح عَنْ هِلَالٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنه.]]
وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ، مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ. . . فَذَكَرَ مِثْلَهُ [[المعجم الكبير (٢٠/١٥٨) وسنن الترمذي برقم (٢٥٣٠) وعند ابن ماجه القطعة الثانية منه برقم (٤٣٣١) ، وقد أشار الحافظ إلى الاختلاف على عطاء بن يسار.]]
وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ عبادة بن الصامت، مثله [[سنن الترمذي برقم (٢٥٣١) .]] وَعَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ [[في ت: "سعيد".]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ الغُرفة فِي الْجَنَّةِ، كما تراؤون الْكَوْكَبَ فِي السَّمَاءِ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٦٥٥٥) وصحيح مسلم برقم (٢٨٣٠) .]]
ثُمَّ لِيُعْلَمَ [[في ت: "لتعلم".]] أَنَّ أَعْلَى مَنْزِلَةٍ فِي الْجَنَّةِ مكانٌ يُقَالُ لَهُ: "الْوَسِيلَةُ" لِقُرْبِهِ مِنَ الْعَرْشِ، وَهُوَ مَسْكَنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْجَنَّةِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ [بْنُ حَنْبَلٍ] [[زيادة من ت، أ.]]
حَدَّثَنَا عبد الرازق، أخبرنا سفيان، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ كَعْبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَيَّ فَسَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَسِيلَةُ؟ قَالَ: "أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، لَا يَنَالُهَا إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ" [[المسند (٢/٢٥٦) .]]
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَير، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صلُّوا عليَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنِّي أَكُونُ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حلت عليه الشَّفَاعَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[صحيح مسلم برقم (١٣٨٤) .]]
[وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، إِلَّا حَلَتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"] [[زيادة من ت، ك، أ. وهو في صحيح البخاري برقم (٦١٤) .]]
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سَلُوا اللَّهَ لي الوسيلة، فإنه لم يسألها لي عبد فِي الدُّنْيَا إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا -أَوْ شَفِيعًا -يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[المعجم الأوسط برقم (٦٣٩) "مجمع البحرين".]]
وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ [[في أ: "عن سعيد".]] أَبِي مُجَاهِدٍ الطَّائِيِّ، عَنْ أبي المدله، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنَا عَنِ الْجَنَّةِ، مَا بِنَاؤُهَا؟ قَالَ: "لَبِنَةُ ذَهَبٍ، وَلَبِنَةُ فِضَّةٍ، وَمِلَاطُهَا الْمِسْكُ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ، وَتُرَابُهَا الزَّعْفَرَانُ، مَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ لَا يَبْأَسُ، وَيَخْلُدُ لَا يَمُوتُ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ" [[المسند (٢/٣٠٤) .]]
وروي عن ابن عمر مرفوعا، نحوه [[رواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٩٦) من طريق عمر بن ربيعة عن الحسن البصري عن ابن عمر رضي الله عنه مرفوعا نحو حديث أبي هريرة.]] وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لغُرفا يُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا، وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا". فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَنْ هِيَ؟ فَقَالَ: "لِمَنْ طَيَّبَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ" [[سنن الترمذي برقم (٢٥٢٧) .]]
ثُمَّ قَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَأَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ، كُلٌّ مِنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِنَحْوِهِ [[أما حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فرواه أيضا الإمام أحمد في مسنده (٢/١٧٣) من طريق حُيَيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما. وأما حديث أبي مالك الأشعري فهو في المعجم الكبير (٣/٣٠١) وسيأتي عند تفسير الآية: ٢٠ من سورة الزمر.]] وَكُلٌّ مِنَ الْإِسْنَادَيْنِ جَيِّدٌ حَسَنٌ، وَعِنْدَهُ [[في أ: "وعنه".]] أَنَّ السَّائِلَ هُوَ "أَبُو مَالِكٍ"، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا هَلْ مُشَمِّر إِلَى الْجَنَّةِ؟ فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَا خَطَر لَهَا، هِيَ -وَرَبِّ الْكَعْبَةِ -نُورٌ يَتَلَأْلَأُ وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزّ، وَقَصْرٌ مَشيدٌ، وَنَهْرٌ مُطَّرد، وَثَمَرَةٌ نَضِيجة، وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَميلة، وحُلَل كَثِيرَةٌ، وَمَقَامٌ فِي [[في ت: "ومقام به في".]] أَبَدٍ، فِي دَارٍ سَلِيمَةٍ، وَفَاكِهَةٍ وَخُضْرَةٍ وَحَبْرَةٍ وَنَعْمَةٍ فِي مَحَلَّةٍ عَالِيَةٍ بَهِيَّةٍ". قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ لَهَا، قَالَ: "قُولُوا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ". فَقَالَ الْقَوْمُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ [[سنن ابن ماجه برقم (٤٣٣٢) من طريق الضحاك المعافري، عن سليمان بن موسى، عن كريب، عن أسامة بن زيد به. وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣٢٥) : "هذا إسناد فيه مقال".]]
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أَيْ: رِضَا اللَّهِ عَنْهُمْ أَكْبَرُ وَأَجَلُّ وَأَعْظَمُ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْري، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ يَا رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدِكَ. فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعط أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ. فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا" أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ [[صحيح البخاري برقم (٦٥٤٩) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٩) .]]
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ الرُّخاميّ، حَدَّثَنَا الفِرْياني، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا فَأَزِيدُكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَبَّنَا، مَا خَيْرٌ مِمَّا أعطيتنا؟ قال: رضواني أكبر".
وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ، مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ [[ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٢٣٨) والحاكم في المستدرك (١/٨٢) من طريق محمد بن يوسف الفريابي به نحوه، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".]] وَقَالَ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ "صِفَةِ الْجَنَّةِ": هَذَا عِنْدِي عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، واللَّهُ أعلم.
تفسير الطبري
القول في تأويل قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وعد الله الذين صدقوا الله ورسوله، وأقرُّوا به وبما جاء به من عند الله، من الرجال والنساء = ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ ، يقول: بساتين تجري تحت أشجارها الأنهار [[انظر تفسير "جنة" فيما سلف من فهارس اللغة (جنن) .]] = ﴿خالدين فيها﴾ ، يقول: لابثين فيها أبدًا، مقيمين لا يزول عنهم نعيمها ولا يبيد [[انظر تفسير "الخلود" فيما سلف من فهارس اللغة (خلد) .]] = ﴿ومساكن طيبة﴾ ، يقول: ومنازل يسكنونها طيبةً. [[انظر تفسير " طيبة " فيما سلف من فهارس اللغة (طيب) .]]
و"طيبها" أنها، فيما ذكر لنا، كما:-
١٦٩٤٠- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا إسحاق بن سليمان، عن جَسْر، عن الحسن قال: سألت عمران بن حصين وأبا هريرة عن آية في كتاب الله تبارك وتعالى: ﴿ومساكن طيبة في جنات عدن﴾ ، فقالا على الخبير سقطت! سألنا رسول الله ﷺ فقال: قصرٌ في الجنة من لؤلؤ، فيه سبعون دارًا من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتًا من زمردة خضراء، في كل بيت سبعون سريرًا. [[الأثر: ١٦٩٤٠ - " إسحاق بن سليمان الرازي "، شيخ أبي كريب، ثقة، روى له الجماعة، مضى مرارًا، آخرها رقم: ١٣٢٢٤.
و" جسر " هو: " جسر بن فرقد، أبو جعفر القصاب "، روى عنه إسحاق بن سليمان، وروى هو عن الحسن وغيره، وكان رجلا صالحًا، ولكنه في الحديث ليس بشيء. مترجم في الكبير ١ \ ٢ \ ٢٤٥، وقال: "ليس بذاك"، وفي ابن أبي حاتم ١ \ ١ \ ٥٣٨، وميزان الاعتدال ١: ١٨٤، ولسان الميزان ٢: ١٠٤.
وكان في المطبوعة: "إسحاق بن سليمان، عن الحسن قال سألت"، واسقط اسم "جسر"، لأنه كان في المخطوطة قد كتب: "عن الحسن، عن الحسن"، ثم ضرب الناسخ على "الألف واللام" من "الحسن" الأولى، فظنه قد ضرب عليه كله، والصواب ما أثبت، وسيأتي في الإسناد التالي.
وهذا الخبر، ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ٣٠، ٣١، وقال: " رواه البزار والطبراني في الأوسط. وفيه جسر بن فرقد، وهو ضعيف، وقد وثقه سعيد بن عامر، وبقية رجال الطبراني ثقات".
ثم خرجه في مجمع الزوائد ١٠: ٤٢٠ وقال: " رواه الطبراني، وفيه: جسر بن فرقد، وهو ضعيف"، فاختصر ما سلف.
وهو إسناد ضعيف كما قال، فقد ضعف جسر بن فرقد، البخاري وغيره من الأئمة.]]
١٦٩٤١- حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال، حدثنا قرة بن حبيب، عن جَسْر بن فرقد، عن الحسن، عن عمران بن حصين وأبي هريرة قالا سئل رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿ومساكن طيبه في جنات عدن﴾ ، قال: قصر من لؤلؤة، في ذلك القصر سبعون دارًا من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتًا من زبرجدة خضراء، في كل بيت سبعون سريرًا، على كل سرير فراشًا من كل لون، على كل فراش زوجة من الحور العين، في كل بيت سبعون مائدة، على كل مائدة سبعون لونًا من طعام، في كل بيت سبعون وصيفة، ويعطى المؤمن من القوة في غَداةٍ واحدة ما يأتي على ذلك كله أجمع. [[١٦٩٤١ - " قرة بن حبيب بن يزيد بن شهرزاد القنوي الرماح "، ثقة. مترجم في التهذيب، والكبير ٤١ \ ١٨٣، وابن أبي حاتم ٣ \ ٢ \ ١٣٢.
و" جسر بن فرقد " سلف في الإسناد وقبله. وكان في المطبوعة والمخطوطة: " حسن بن فرقد "، وصوابه ما أثبت.
وهو إسناد ضعيف أيضًا.]]
* *
وأما قوله: ﴿في جنات عدن﴾ ، فإنه يعني: وهذه المساكن الطيبة التي وصفها جل ثناؤه، ﴿في جنات عدن﴾ .
* *
و"في" من صلة "مساكن".
* *
وقيل: "جنات عدن"، لأنها بساتين خلد وإقامة، لا يظعَنُ منها أحدٌ.
* *
وقيل: إنما قيل لها ﴿جنات عدن﴾ ، لأنها دارُ الله التي استخلصها لنفسه، ولمن شاء من خلقه = من قول العرب: "عَدَن فلان بأرض كذا"، إذا أقام بها وخلد بها، ومنه "المَعْدِن"، ويقال: "هو في معدِن صدق"، يعني به: أنه في أصلٍ ثابت. وقد أنشد بعض الرواة بيت الأعشى:
وَإنْ يَسْتَضِيفُوا إلَى حِلْمِه ... يُضَافُوا إلَى رَاجِحٍ قَدْ عَدَن [[ديوانه: ١٧، ومخطوطة ديوانه القصيدة رقم: ١٥، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٦٤، واللسان " وزن "، وهي من كلمته الأولى التي أقبل بها على قيس بن معد يكرب الكندي، ورواية الديوان "إلى حكمه"، ولكنها في المخطوطة ومجاز القرآن كما أثبتها، ولكن المطبوعة كتب "حكمه".
يقول قبله: ولكنّ رَبِّي كَفَى غُرْبتِي ... بِحَمْدِ الإِلَهِ، فقد بَلَّغَنْ
أَخَا ثِقَةٍ عَاليًا كَعْبُهْ ... جَزيلَ العَطاء كَرِيمَ المِنَنْ
كَرِيمًا شَمائلُهُ، مِنْ بَني ... مُعَاوِيةَ الأَكْرَمِينَ السُّنَنْ
فَإنْ يَتْبَعُوا أَمْرَهُ يَرْشُدُوا ... وَإنْ يَسْأَلُوا مَالَهُ لا يَضِنّْ
و"استضاف إليه"، لجأ إليه عند الحاجة.]] وينشد: "قد وَزَن". [[في المطبوعة والمخطوطة: "قد وزن"، بالواو ورواية الديوان: "قد رزن" بالراء، وكله صحيح المعنى. وهذه التي ذكرها الطبري، هي الرواية التي فسرها صاحب اللسان في "وزن".
يقال: "وزن الشيء"، أي: رجح، و "وزن الرجل وزانة"، إذا كان متثبتًا، و "رجل وزين الرأي"، أصيله. و "رزن" بالراء مثله في المعنى، يقال: "رجل رزين"، أي: وقور.]]
* *
وكالذي قلنا في ذلك كان ابن عباس وجماعة معه فيما ذكر، يتأوّلونه.
١٦٩٤٢- حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال، حدثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿جنات عدن﴾ ، قال: "معدن الرجل"، الذي يكون فيه.
١٦٩٤٣- حدثنا محمد بن سهل بن عسكر قال، حدثنا ابن أبي مريم قال، حدثنا الليث بن سعد، عن زيادة بن محمد، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: إن الله يفتح الذكرَ في ثلاث ساعات يبقين من الليل، في الساعة الأولى منهن ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت. ثم ينزل في الساعة الثانية إلى جنة عدن، وهي في داره التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر، وهي مسكنه، ولا يسكن معه من بني آدم غير ثلاثة: النبيين، والصديقين، والشهداء، ثم يقول: طوبى لمن دخلك، وذكر في الساعة الثالثة. [[الأثران: ١٦٩٤٣، ١٦٩٤٤ - " زيادة بن محمد الأنصاري "، منكر الحديث، مترجم في التهذيب والكبير ٢ \ ١ \ ٤٠٧، وذكر إسناد هذا الخبر، وابن أبي حاتم ١ \ ٢ \ ٦١٩، وميزان الاعتدال ١: ٣٦١، وساق هذا الحديث بطوله، وفيه ذكر الساعة الثالثة، ثم قال: "وهذه ألفاظ منكرة، لم يأت بها غير زيادة".
وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠: ٤١٢ وقال: "رواه البزار، وفيه زيادة بن محمد، وهو ضعيف".
وكان في المطبوعة في الخبر الأول: " الكندي سعد، عن زيادة بن محمد "، وصوابه " الليث بن سعد "، لم يحسن قراءة المخطوطة، لأنه وصل الحروف بعضها ببعض.]]
١٦٩٤٤- حدثني موسى بن سهل قال، حدثنا آدم قال، حدثنا الليث بن سعد قال، حدثنا زيادة بن محمد، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: عدن دارُه = يعني دار الله = التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر، وهي مسكنه، ولا يسكنها معه من بني آدم غير ثلاثة: النبيين، والصديقين، والشهداء. يقول الله تبارك وتعالى: طوبى لمن دخلك. [[الأثر: ١٦٩٤٤ - انظر التعليق السالف. و "آدم"، هو "آدم بن أبي إياس".]]
* *
وقال آخرون: معنى ﴿جنات عدن﴾ ، جنات أعناب وكروم.
ذكر من قال ذلك:
١٦٩٤٥- حدثني أحمد بن أبي سريج الرازي قال، حدثنا زكريا بن عدي قال، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث: أن ابن عباس سأل كعبًا عن جنات عدن، فقال: هي الكروم والأعناب، بالسريانية. [[الأثر: ١٦٩٤٥ - " أحمد بن أبي سريج الرازي "، هو " أحمد بن الصباح النهشلي الرازي "، شيخ أبي جعفر. روى عنه البخاري، وأبو داود، والنسائي. ثقة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ١ \ ١ \ ٥٦.
و" زكريا بن عدي بن زريق التيمي "، ثقة، مضى برقم: ١٥٤٤٦.
و" عبيد الله بن عمرو الرقي "، ثقة، روى له الجماعة، مضى مرارًا، منها رقم: ٧١٨٧.
و"زيد بن أبي أنيسة الجزري"، ثقة، مضى مرارًا آخرها: ١٣٨٥٥.
و"يزيد بن أبي زياد القرشي"، مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، ثقة، يضعف حديثه. مضى مرارًا، آخرها رقم: ١٣٣٠٨.
و"عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي"، روى له الجماعة، مضى أيضا، برقم: ١٣٣٠٨.]]
* *
وقال آخرون: هي اسم لبُطْنان الجنة ووَسطها.
ذكر من قال ذلك:
١٦٩٤٦- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا شعبة، عن سليمان الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله قال: "عدن"، بُطْنان الجنة.
١٦٩٤٧- حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان وشعبة، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله في قوله: ﴿جنات عدن﴾ ، قال: بُطْنان الجنة = قال ابن بشار في حديثه، فقلت: ما بطنانها؟ = وقال ابن المثنى في حديثه، فقلت للأعمش: ما بطنان الجنة؟ = قال: وَسطها.
١٦٩٤٨- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، وأبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله: ﴿جنات عدن﴾ ، قال: بطنان الجنة.
١٦٩٤٩-...... قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله، بمثله.
١٦٩٥٠- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله، مثله.
١٦٩٥١- حدثنا أحمد بن أبي سريج قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، وعبد الله بن مرة، عنهما جميعًا، أو عن أحدهما، عن مسروق، عن عبد الله: ﴿جنات عدن﴾ ، قال: بطنان الجنة.
١٦٩٥٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود في قول الله: ﴿جنات عدن﴾ ، قال: بُطْنان الجنة.
* *
وقال آخرون: "عدن"، اسم لقصر.
ذكر من قال ذلك:
١٦٩٥٣- حدثني علي بن سعيد الكندي قال، حدثنا عبدة أبو غسان، عن عون بن موسى الكناني، عن الحسن قال: "جنات عدن"، وما أدراك ما جنات عدن؟ قصرٌ من ذهَب، لا يدخله إلا نبي، أو صدّيق، أو شهيد، أو حكم عدل، ورفع به صوته. [[الأثر: ١٦٩٥٣ - " عبدة، أبو غسان "، لم أعرف من يكون؟
و"عون بن موسى الكنافي الليثي"، أبو روح، ثقة سمع الحسن. مترجم في الكبير ٤ \ ١ \ ١٧، وابن أبي حاتم ٣ \ ١ \ ٣٨٦.]]
١٦٩٥٤- حدثنا أحمد بن أبي سريج قال، حدثنا عبد الله بن عاصم قال، حدثنا عون بن موسى قال: سمعت الحسن بن أبي الحسن يقول: جنات عدن، وما أدراك ما جنات عدن؟ قصر من ذهب، لا يدخله إلا نبيّ، أو صدّيق، أو شهيد، أو حكم عدل = رفع الحسن به صوته. [[الأثر: ١٦٩٥٤ - " أحمد بن أبي سريج "، مضى برقم: ١٦٩٤٥.
" عبد الله بن عاصم الحماني "، صدوق، روى عنه أبو حاتم، وأبو زرعة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ \ ٢ \ ١٣٤.
"عون بن موسى الكناني"، مضى قبله.]]
١٦٩٥٥- حدثنا أحمد قال، حدثنا يزيد قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن نافع بن عاصم، عن عبد الله بن عمرو قال: إن في الجنة قصرًا يقال له "عدن"، حوله البروج والرُّوح، له خمسون ألف باب، على كل باب حِبَرة، [["الحبرة" (بكسر الحاء وفتح الباء) : ضرب من برود اليمن منمر. وقالوا: " ليس: حبرة، موضعًا أو شيئًا معلومًا، إنما هو شيء ". وكأنه هو المراد في مثل هذا الخبر، أي: ستور موشية.]] لا يدخله إلا نبيّ أو صدّيق.
١٦٩٥٦- حدثنا الحسن بن ناصح قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة، عن يعلى بن عطاء قال: سمعت يعقوب بن عاصم يحدث، عن عبد الله بن عمرو: إن في الجنة قصرًا يقال له "عدن"، له خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف حِبَرة، لا يدخله إلا نبي أو صدّيق أو شهيد. [[الأثر: ١٦٩٥٦ - "الحسن بن ناصح"، هو "الحسن بن ناصح البصري السراج"، قال ابن أبي حاتم: "روى عن عثمان بن عثمان الغطفاني، ومعتمر بن سليمان، ومعاذ بن معاذ، ويحيى بن راشد، سمع منه أبي في المرحلة الثانية "، الجرح والتعديل ١ \ ٢ \ ٣٩، تاريخ بغداد ٧: ٤٣٥.
وهناك أيضا: " الحسن بن ناصح الخلال المخرمي "، روى عن إسحاق بن منصور، وغيره قال ابن أبي حاتم: " أدركته. ولم أكتب عنه، وكان صدوقًا "، وكأن هذا هو شيخ الطبري.
مترجم في ابن أبي حاتم ١ \ ٢ \ ٣٩، وتاريخ بغداد ٧: ٤٣٥.
وكان في المطبوعة: " الحسن بن ناجح "، وهو مخالفة لما في المخطوطة.
و" يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي "، ذكره ابن حبان في الثقات، مترجم في التهذيب، والكبير ٤ \ ٢ \ ٣٨٨، وابن أبي حاتم ٤ \ ٢ \ ٢١١.]]
* *
وقيل: هي مدينة الجنة.
ذكر من قال ذلك:
١٦٩٥٧- حدثت عن عبد الرحمن المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: في ﴿جنات عدن﴾ ، قال: هي مدينة الجنة، فيها الرُّسُل والأنبياء والشهداء، وأئمة الهدى، والناس حولهم بعدُ، والجنات حولها.
* *
وقيل: إنه اسم نهر.
ذكر من قال ذلك:
١٦٩٥٨- حدثت عن المحاربي، عن واصل بن السائب الرقاشي، عن عطاء قال: "عدن"، نهر في الجنة، جنّاته على حافتيه.
* *
وأما قوله: ﴿ورضوان من الله أكبر﴾ ، فإن معناه: ورضَى الله عنهم أكبر من ذلك كله، [[انظر تفسير "الرضوان" فيما سلف ص ١٧٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] وبذلك جاء الخبر عن رسول الله ﷺ.
١٦٩٥٩- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال: أخبرنا ابن المبارك، عن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبّيك ربَّنَا وسعْدَيك! فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تُعْطِ أحدًا من خلقك؟ فيقول: أنا أعطيكم أفضلَ من ذلك. قالوا: يا ربّ، وأيُّ شيء أفضل من ذلك! قال: أحِلّ عليكم رضوَاني، فلا اسخط عليكم بعده أبدًا. [[الأثر: ١٦٩٥٩ - هذا حديث صحيح رواه البخاري بهذا الإسناد نفسه، وبلفظه في صحيحه (الفتح ١١: ٣٦٣، ٣٦٤) ، واستوفى الكلام عليه الحافظ ابن حجر في شرحه. ورواه مسلم في صحيحه ١٧: ١٦٨، وانظر ما سلف رقم: ٦٧٥١، ١٦٥٦٧، من حديث جابر بن عبد الله، غير مرفوع، وما علقت به عليه هناك. وذكره ابن كثير في تفسيره في هذا الموضع ٤: ٢٠٢ وقال: "رواه البزار في مسنده، من حديث الثوري. وقال الحافظ الضياء المقدسي في كتابه صفة الجنة. هذا عندي على شرط الصحيح".]]
١٦٩٦٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثني يعقوب، عن حفص، عن شمر قال: يجيء القرآن يوم القيامة في صورة الرجل الشاحب، إلى الرجل حين ينشقُّ عنه قبره، فيقول: أبشر بكرامة الله! أبشر برضوان الله! فيقول مثلك من يبشِّر بالخير؟ ومن أنت؟ فيقول: أنا القرآن الذي كُنْت أسهِر ليلك، وأُظمئ نهارك! فيحمله على رقبته حتى يُوافي به ربَّه، فيمثُلُ بين يديه فيقول: يا رب، عبدك هذا، اجزه عني خيرًا، فقد كنت أسهر ليله، وأظمئ نهاره، وآمره فيطيعني، وأنهاه فيطيعني. فيقول الرب تبارك وتعالى: فله حُلَّة الكرامة. فيقول: أي ربّ، زدْهُ، فإنه أهلُ ذلك! فيقول: فله رِضْواني = قال: ﴿ورضوان من الله أكبر﴾ . [[الأثر: ١٦٩٦٠ - "يعقوب"، هو: "يعقوب بن عبد الله القمي"، ثقة، مضى مرارًا، منها: ١٣٠٤٥.
و"حفص" هو "حفص بن حميد القمي"، ثقة، مضى برقم: ٨٥١٨.
و"شمر" هو "شمر بن عطية الأسدي الكاهلي"، ثقة، مضى برقم: ١١٥٤٥.
وانظر شواهد لبعض ألفاظ هذا الخبر فيما رواه الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ١٥٩ - ١٦٥.
ولم أجد هذا الخبر مسندًا بلفظه هذا.]] وابتُدِئ الخبر عن "رضوان الله" للمؤمنين والمؤمنات أنه أكبر من كلّ ما ذكر جل ثناؤه، فرفع، وإن كان "الرضوان" فيما قد وعدهم. ولم يعطف به في الإعراب على "الجنات" و"المساكن الطيبة"، ليعلم بذلك تفضيلُ الله رضوانَه عن المؤمنين، على سائر ما قسم لهم من فضله، وأعطاهم من كرامته، نظير قول القائل في الكلام لآخر: "أعطيتك ووصلتك بكذا، وأكرمتك، ورضاي بعدُ عنك أفضل لك". [[في المطبوعة، جعل الكلام هكذا: " أفضل ذلك، هذه الأشياء التي وعدت المؤمنين والمؤمنات. . . "، وهو غير مستقيم، والذي أثبته هو الذي في المخطوطة، ولكن ظاهر أنه قد سقط من الناسخ بعض كلام أبي جعفر. فاستظهرت أن السياق هو ذكر لفظ الآية، ثم تفسير " ذلك " بقوله: " هذه الأشياء. . . "، فأثبتها كذلك، وفصلت بين الكلامين فصلا تامًا.
وانظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٤٦.]]
* *
= ﴿ذلك هو الفوز العظيم﴾ ، هذه الأشياء التي وعدت المؤمنين والمؤمنات = ﴿هو الفوز العظيم﴾ ، يقول: هو الظفر العظيم، والنجاء الجسيم، لأنهم ظفروا بكرامة الأبد، ونَجوْا من الهوان في سَقَر، [[في المطبوعة والمخطوطة: " الهوان في السفر "، وهو لا معنى له، والصواب ما أثبت.]] فهو الفوز العظيم الذي لا شيء أعظم منه. [[انظر تفسير " الفوز " فيما سلف، ١١: ٢٨٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]