سورة القرآن surah-quran.com

سورة التوبة

سورة التوبة، الآية 82

الجزء 10، الصفحة 200.

فَلْيَضْحَكُوا۟ قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا۟ كَثِيرًا جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ﴿٨٢﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

فليضحك هؤلاء المنافقون الذين تخلَّفوا عن رسول الله في غزوة «تبوك» قليلًا في حياتهم الدنيا الفانية، وليبكوا كثيرًا في نار جهنم؛ جزاءً بما كانوا يكسبون في الدنيا من النفاق والكفر.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 81 إلى 83

الآية 81: يقول تعالى مبيناً تبجُّح المنافقين بتخلُّفهم وعدم مبالاتهم بذلك الدالِّ على عدم الإيمان واختيار الكفر على الإيمان: {فرِحَ المخلَّفون بمَقۡعَدِهم خلافَ رسول الله}: وهذا قدر زائد على مجرَّد التخلُّف؛ فإنَّ هذا تخلُّفٌ محرَّمٌ، وزيادةُ رضا بفعل المعصية وتبجحٍ به. {وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله}: وهذا بخلاف المؤمنين، الذين إذا تخلَّفوا ولو لعذرٍ؛ حزنوا على تخلُّفهم، وتأسَّفوا غاية الأسف، ويحبُّون أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله؛ لما في قلوبهم من الإيمان، ويرجون من فضل الله وإحسانه وبره وامتنانه. {وقالوا}؛ أي: المنافقون: {لا تنفِروا في الحرِّ}؛ أي: قالوا: إنَّ النفير مشقَّةٌ علينا بسبب الحرِّ فقدموا راحة قصيرة منقضية على الراحة الأبدية التامة، وحذروا من الحرِّ الذي يقي منه الظلال ويُذْهِبُه البكر والآصال على الحرِّ الشديد الذي لا يُقادَرُ قدره، وهو النار الحامية، ولهذا قال:{قل نارُ جهنَّم أشدُّ حرًّا لو كانوا يفقهون}.

الآية 82: لَمَّا آثروا ما يفنى على ما يبقى، ولَمَّا فرُّوا من المشقَّة الخفيفة المنقضية إلى المشقَّة الشديدة الدائمة؛ قال تعالى:{فَلۡيَضۡحكوا قليلاً ولۡيَبۡكوا كثيراً}؛ أي: فليتمتَّعوا في هذه الدار المنقضية، ويفرحوا بلذَّاتها، ويَلْهوا بلعبها، فسيبكون كثيراً في عذاب أليم. {جزاءً بما كانوا يكسِبونَ}: من الكفر والنفاق وعدم الانقياد لأوامر ربِّهم.

الآية 83:{فإن رَجَعَكَ الله إلى طائفةٍ منهم}: وهم الذين تخلَّفوا من غير عذرٍ ولم يحزنوا على تخلُّفهم. {فاستأذنوك للخروج}: لغير هذه الغزوة إذا رأوا السهولة، {فقل} لهم عقوبةً: {لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدوًا}: فسيُغني الله عنكم، {إنَّكم رضيتُم بالقعود أولَ مرَّةٍ فاقعُدوا مع الخالفين}: وهذا كما قال تعالى: {ونُقَلِّبُ أفئِدَتَهم وأبصارَهم كما لم يؤمِنوا به أولَ مرَّةٍ}؛ فإنَّ المتثاقل المتخلِّف عن المأمور به عند انتهازِ الفرصة لن يوفَّق له بعد ذلك ويُحال بينه وبينه، وفيه أيضاً تعزيرٌ لهم؛ فإنَّه إذا تقرَّر عند المسلمين أنَّ هؤلاء من الممنوعين من الخروج إلى الجهاد لمعصيتهم؛ كان ذلك توبيخاً لهم وعاراً عليهم ونَكالاً أن يفعلَ أحدٌ كفعلِهم.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ فِي الدُّنْيا ﴿ولْيَبْكُوا﴾ فِي الآخِرَة وهُوَ خَبَر عَنْ حالهمْ بِصِيغَةِ الأَمْر

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 81 إلى 82

يَقُولُ تَعَالَى ذَامّا لِلْمُنَافِقِينَ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ صَحَابَةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ [[في ت، أ: "بقعودهم".]] بَعْدَ خُرُوجِهِ، ﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا﴾ مَعَهُ ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا﴾ أَيْ: بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْخُرُوجَ فِي [[في ت، أ: "إلى".]] غَزْوَةِ تَبُوكَ كَانَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، عِنْدَ طِيبِ الظِّلَالِ وَالثِّمَارِ، فَلِهَذَا قَالُوا [[في ك: "قال".]] ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ: ﴿قُلْ﴾ لَهُمْ: ﴿نَارُ جَهَنَّمَ﴾ الَّتِي تَصِيرُونَ إِلَيْهَا بِسَبَبِ مُخَالَفَتِكُمْ ﴿أَشَدُّ حَرًّا﴾ مِمَّا فَرَرْتُمْ مِنْهُ مِنَ الْحَرِّ، بَلْ أَشَدُّ حَرًّا مِنَ النَّارِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّناد، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "نَارُ بَنِي آدَمَ الَّتِي يُوقِدُونَ بِهَا جزءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا [مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ" فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةٌ. قَالَ [[في ت، ك، أ: "فقال".]] إِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا] [[زيادة من ت، ك، أ، والموطأ.]] أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، بِهِ [[الموطأ (٢/٩٩٤) وصحيح البخاري برقم (٣٢٦٥) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٤٣) من طريق الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ به.]]

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ [[في ك: "أن رسول الله".]] ﷺ قَالَ: "إِنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَضُرِبَتْ بِالْبَحْرِ مَرَّتَيْنِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا جَعَلَ [اللَّهُ] [[زيادة من ت، ك، أ،. والمسند.]] فِيهَا مَنْفَعَةً لِأَحَدٍ" [[المسند (٢/٢٤٤) .]] وَهَذَا أَيْضًا إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ [[في ت، أ: "إسناد جيد صحيح".]]

وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عَبَّاسٍ الدُّورِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي بُكَيْرٍ [[في أ: "بكر".]] عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احمرَّت، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابيضَّت، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ، فَهِيَ سَوْدَاءُ كَاللَّيْلِ الْمُظْلِمِ". ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ غَيْرَ يَحْيَى [[سنن الترمذي برقم (٢٥٩١) وسنن ابن ماجه برقم (٤٣٢٠) وقال الترمذي: "حديث أبي هريرة في هذا موقوف أصح، ولا أعلم أحدا رفعه غير يحيى بن أبي بكير عن شريك".]]

كَذَا قَالَ. وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ محمد بن الحسين بن مُكْرَمٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ [[في ت، ك، أ: "سعيد".]] عَنْ عَمِّهِ، عَنْ شَرِيكٍ -وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ -بِهِ. وَرَوَى أَيْضًا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التَّحْرِيمِ:٦] قَالَ: "أُوقد عَلَيْهَا أَلْفَ عَامٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ، وَأَلْفَ عَامٍ حَتَّى احْمَرَّتْ، وَأَلْفَ عَامٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ، فَهِيَ سَوْدَاءُ كَاللَّيْلِ، لَا يُضِيءُ لَهَبُهَا" [[ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٧٩٩) من طريق سهل بن حماد عن مبارك بن فضالة به نحوه.]]

وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ تَمَّامِ بْنِ نَجِيح -وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ -عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: "لَوْ أَنَّ شَرَارَةً بِالْمَشْرِقِ -أَيْ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ -لَوَجَدَ حَرَّهَا مَنْ بِالْمَغْرِبِ" [[المعجم الأوسط برقم (٤٨٤١) "مجمع البحرين" وأشار الحافظ هنا إلى الاختلاف في حال تمام بن نجيح، قال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/٣٦٢) : "في إسناده احتمال للتحسين".]]

وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَدَّادِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ [[في جميع النسخ: "حسام" والتصويب من أبي يعلى.]] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَبِيبٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ كَانَ هَذَا الْمَسْجِدُ مِائَةَ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَتَنَفَّسَ فَأَصَابَهُمْ نَفَسُهُ، لَاحْتَرَقَ الْمَسْجِدُ وَمَنْ فِيهِ" [[مسند أبي يعلى (١٢/٢٢) ورواه أبو نعيم في الحلية (٤/٣٠٧) من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل به، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/٣٦٣) : "إسناده حسن، وفي متنه نكارة".]] غَرِيبٌ.

وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمَنْ لَهُ نَعْلَانِ وشِرَاكان مِنْ نَارٍ، يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ، لَا يَرَى أَحَدًا مِنْ أَهْلِ النَّارِ أشدُّ عَذَابًا مِنْهُ، وَإِنَّهُ أَهُوَنُهُمْ عَذَابًا". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ [[صحيح البخاري برقم (٦٥٦٢) وصحيح مسلم برقم (+٢١٣) .]]

وَقَالَ مُسْلِمٌ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْر [[في أ: "بكر".]] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ [[في أ: "عباس".]] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَنْتَعِلُ بِنَعْلَيْنِ مِنْ نَارٍ، يَغْلِي دِمَاغُهُ مِنْ حَرَارَةِ نَعْلَيْهِ" [[صحيح مسلم برقم (٢١١) .]]

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا رَجُلٌ يُجْعَلُ لَهُ نَعْلَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ" [[المسند (٢/٤٣٨) .]]

وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ، رجاله على شرط مسلم، والله أعلم.

وَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ النَّبَوِيَّةُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿كَلا إِنَّهَا لَظَى نزاعَةً لِلشَّوَى﴾ [الْمَعَارِجِ: ١٥، ١٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الْحَجِّ: ١٩-٢٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النِّسَاءِ: ٥٦]

وَقَالَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ [الْأُخْرَى] [[زيادة من ت، ك، أ.]] ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ أَيْ: لَوْ أَنَّهُمْ يَفْقَهُونَ وَيَفْهَمُونَ لَنَفَرُوا مَعَ الرَّسُولِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي الْحَرِّ، لِيَتَّقُوا بِهِ حَرَّ جَهَنَّمَ، الَّذِي هُوَ أَضْعَافُ أَضْعَافِ هَذَا، وَلَكِنَّهُمْ كَمَا قَالَ الْآخَرُ [[وصدر البيت: والمستجير بعمرو عند كربته وذكره داود الأنطاكي في مصارع العشاق (ص ٢١٩) .]]

كَالْمُسْتَجِيرِ مِنَ الرَّمْضَاءِ بِالنَّارِ

وَقَالَ الْآخَرُ:

عُمرُكَ بالحميَة أفْنَيْتَه ... مَخَافَةَ الْبَارِدِ والحَار ...

وَكانَ أولَى بِكَ أنْ تَتقي ... مِنَ المعَاصِي حَذرَ النَّار ...

ثُمَّ قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من ت، ك، أ.]] تَعَالَى جَلَّ جَلَالُهُ، مُتَوَعِّدًا لِهَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ عَلَى صَنِيعِهِمْ هَذَا: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾

قَالَ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الدُّنْيَا قَلِيلٌ، فَلْيَضْحَكُوا فِيهَا مَا شَاءُوا، فَإِذَا انْقَطَعَتِ الدُّنْيَا وَصَارُوا إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، اسْتَأْنَفُوا بُكَاءً لَا يَنْقَطِعُ أَبَدًا. وَكَذَا قَالَ أَبُو رَزِين، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ خُثَيم، وَعَوْنٌ الْعُقَيْلِيُّ [[في أ: "الفضلي".]] وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ.

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ أَبِي خِدَاشٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ [[في جميع النسخ: "محمد بن جبير" والتصويب من أبي يعلى.]] عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ الرَّقاشي، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ابْكُوا، فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا، فَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ يَبْكُونَ حَتَّى تَسِيلَ دُمُوعُهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ كَأَنَّهَا جَدَاوِلُ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ فَتَسِيلَ الدِّمَاءُ فَتَقَرَّحُ الْعُيُونُ. فَلَوْ أَنَّ سُفُنًا أُزْجِيَتْ فِيهَا لَجرَت".

وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الأعمش، عن يزيد الرقاشي، به [[مسند أبي يعلى (٧/١٦١ - ١٦٢) وسنن ابن ماجه برقم (٤٣٢٤) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣٢٣) : "هذا إسناد فيه يزيد بن أبان الرقاشي وهو ضعيف".]] وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ الْجَزَرِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ رُفَيْع، رَفَعَهُ قَالَ: "إِنَّ أَهْلَ النَّارِ إِذَا دَخَلُوا النَّارَ بَكَوُا الدُّمُوعَ زَمَانًا، ثُمَّ بَكَوُا الْقَيْحَ زَمَانًا" قَالَ: "فَتَقُولُ لَهُمُ الخَزَنَة: يَا مَعْشَرَ الْأَشْقِيَاءِ، تَرَكْتُمُ الْبُكَاءَ فِي الدَّارِ الْمَرْحُومِ فِيهَا أَهْلُهَا فِي الدُّنْيَا، هَلْ تَجِدُونَ الْيَوْمَ مَنْ تَسْتَغِيثُونَ بِهِ؟ قَالَ: فَيَرْفَعُونَ [[في ت: "فيرفعوا".]] أَصْوَاتَهُمْ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، يَا مَعْشَرَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْأَوْلَادِ، خَرَجْنَا مِنَ الْقُبُورِ عِطَاشًا، وَكُنَّا طُولَ الْمَوْقِفِ عِطَاشًا، وَنَحْنُ الْيَوْمَ عِطَاشٌ، فَأَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ، فَيَدْعُونَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَا يُجِيبُهُمْ، ثُمَّ يُجِيبُهُمْ: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٧] فَيَيْأَسُونَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ" [[صفة النار (ق ١٥٢ ظاهرية) وله شواهد من حديث أبي موسى الأشعري وأبي سعيد الخدري، رضي الله عنهما.]]

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فرح هؤلاء المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله، فليضحكوا فرحين قليلا في هذه الدنيا الفانية بمقعدهم خلاف رسول الله ولَهْوهم عن طاعة ربهم، فإنهم سيبكون طويلا في جهنم مكانَ ضحكهم القليل في الدنيا = ﴿جزاء﴾ ، يقول: ثوابًا منا لهم على معصيتهم، بتركهم النفر إذ استنفروا إلى عدوّهم، وقعودهم في منازلهم خلافَ رسول الله [[انظر تفسير "الجزاء" فيما سلف من فهارس اللغة (جزى) .]] = ﴿بما كانوا يكسبون﴾ ، يقول: بما كانوا يجترحون من الذنوب. [[انظر تفسير " الكسب " فيما سلف من فهارس اللغة (كسب) .]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٧٠٣٧- حدثني أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل، عن أبي رزين: ﴿فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرًا﴾ ، قال يقول الله تبارك وتعالى: الدنيا قليل، فليضحكوا فيها ما شاءوا، فإذا صاروا إلى الآخرة بكوا بكاءً لا ينقطع. فذلك الكثير.

١٧٠٣٨- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان، عن منصور، عن أبي رزين، عن الربيع بن خثيم: ﴿فليضحكوا قليلا﴾ ، قال: في الدنيا = ﴿وليبكوا كثيرًا﴾ ، قال: في الآخرة.

١٧٠٣٩- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن ويحيى قالا حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين في قوله: ﴿فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرًا﴾ ، قال: في الآخرة.

١٧٠٤٠- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن منصور، عن أبي رزين أنه قال في هذه الآية: ﴿فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرًا﴾ ، قال: ليضحكوا في الدنيا قليلا وليبكوا في النار كثيرًا. وقال في هذه الآية: ﴿وإذا لا تمتعون إلا قليلا﴾ ، [سورة الأحزاب: ١٦] ، قال: إلى آجالهم = أحد هذين الحديثين رفعه إلى ربيع بن خثيم. [[الأثر: ١٧٠٤٠ - سيأتي هذا الجزء نفسه بإسناده في تفسيره آية " سورة الأحزاب ". وكان في المطبوعة هنا: " قال: أجلهم "، وفي المخطوطة: " قال: آجالهم "، أسقط " إلى "، أثبتها من نص الخبر في تفسير سورة الأحزاب.

وكان في المطبوعة في هذا الأثر، والذي قبله، وما سيأتي: " الربيع بن خيثم "، والصواب: " خيثم "، كما سلف مرارًا، فغيرته، ولم أنبه عليه.]]

١٧٠٤١- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن: ﴿فليضحكوا قليلا﴾ ، قال: ليضحكوا قليلا في الدنيا = ﴿وليبكوا كثيرًا﴾ ، في الآخرة، في نار جهنم = ﴿جزاء بما كانوا يكسبون﴾ .

١٧٠٤٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فليضحكوا قليلا﴾ ،: أي في الدنيا = ﴿وليبكوا كثيرًا﴾ ،: أي في النار. ذكر لنا أن نبي الله ﷺ قال: والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا. ذكر لنا أنه نودي عند ذلك، أو قيل له: لا تُقَنِّط عبادي.

١٧٠٤٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رزين، عن الربيع بن خثيم، ﴿فليضحكوا قليلا﴾ ، قال: في الدنيا = ﴿وليبكوا كثيرًا﴾ ، قال: في الآخرة.

١٧٠٤٤-...... قال، حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين: ﴿فليضحكوا قليلا﴾ ، قال: في الدنيا، فإذا صاروا إلى الآخرة بكوا بكاءً لا ينقطع، فذلك الكثير.

١٧٠٤٥- حدثنا علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرًا﴾ ، قال: هم المنافقون والكفار، الذين اتخذوا دينهم هُزُوًا ولعبًا. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿فليضحكوا قليلا﴾ ، في الدنيا = ﴿وليبكوا كثيرًا﴾ ، في النار.

١٧٠٤٦- حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿فليضحكوا﴾ ، في الدنيا، ﴿قليلا﴾ = ﴿وليبكوا﴾ ، يوم القيامة، ﴿كثيرًا﴾ . وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ، حتى بلغ: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ، [سورة المطففين: ٣٦] .