سورة القرآن surah-quran.com

سورة الطور

سورة الطور، الآية 43

الجزء 27، الصفحة 525.

أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ ۚ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٤٣﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

أم لهم معبود يستحق العبادة غير الله؟ تنزَّه وتعالى عما يشركون، فليس له شريك في الملك، ولا شريك في الوحدانية والعبادة.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 29 إلى 43

الآية 29: يأمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يُذَكِّرَ الناس مسلمهم وكافرهم؛ لتقوم حجَّة الله على الظَّالمين، ويهتدي بتذكيره الموفَّقون، وأن لا يبالي بقول المشركين المكذِّبين وأذيَّتهم وأقوالهم التي يَصدُّون بها الناس عن اتِّباعه، مع علمهم أنَّه أبعدُ الناس عنها، ولهذا نفى عنه كلَّ نقص رَمَوْه به، فقال:{فما أنتَ بنعمةِ ربِّكَ}؛ أي: منَّه ولطفه {بكاهنٍ}؛ أي: له رِئْيٌ من الجنِّ يأتيه بخبر بعض الغيوب التي يضمُّ إليها مئة كذبةٍ، {ولا مجنونٍ}: فاقد العقل ، بل أنت أكملُ الناس عقلاً، وأبعدهم عن الشياطين، وأعظمهم صدقاً، وأجلُّهم، وأكملهم.

الآية 30: وتارةً {يقولون} فيه: إنَّه {شاعرٌ}: يقول الشعر، والذي جاء به شعرٌ، والله يقول:{وما علَّمناه الشعرَ وما ينبغي له}، {نتربَّصُ به ريبَ المَنونِ}؛ أي: ننتظر به الموتَ، فيبطُلُ أمرُه ونستريح منه.

الآية 31:{قل}: لهم جواباً لهذا الكلام السخيف: {تربَّصوا}؛ أي: انتظروا بي الموت، {فإنِّي معكم من المتربِّصين}: نتربَّص بكم أن يصيبكم الله بعذابٍ من عنده، أو بأيدينا.

الآية 32:{أم تأمُرُهم أحلامُهم بهذا أم هم قومٌ طاغونَ}؛ أي: أهذا التكذيبُ لك والأقوال التي قالوها؛ هل صدرتْ عن عقولِهم وأحلامِهم؛ فبئس العقولُ والأحلامُ التي هذه نتائجها وهذه ثمراتها ؛ فإنَّ عقولاً جعلتْ أكملَ الخلق عقلاً مجنوناً، وجعلت أصدقَ الصِّدق وأحقَّ الحقِّ كذِباً وباطلاً؛ لهي العقول التي ينزَّه المجانين عنها؟ أم الذي حملهم على ذلك ظلمُهم وطغيانُهم؟ وهو الواقع؛ فالطغيانُ ليس له حدٌّ يقف عليه؛ فلا يُستغرب من الطاغي المتجاوزِ الحدَّ ، كلُّ قول وفعل صَدَرَ منه.

الآية 33:{أم يقولون تَقَوَّلَه}؛ أي: تقوَّل محمدٌ القرآن وقاله من تلقاء نفسه، {بل لا يؤمنونَ}؛ فلو آمنوا؛ لم يقولوا ما قالوا.

الآية 34:{فَلۡيَأتوا بحديثٍ مثلِهِ إنۡ كانوا صادقينَ}: إنَّه تقوَّله؛ فإنَّكم العرب الفصحاء والفحول البلغاء، وقد تحدَّاكم أن تأتوا بمثلِهِ؛ فتصدق معارضتكم، أو تقرُّوا بصدقه، وإنكم لو اجتمعتم أنتم والإنس والجنُّ؛ لم تقدروا على معارضته والإتيان بمثله؛ فحينئذٍ أنتم بين أمرين: إمَّا مؤمنون به مقتدون بهديِهِ، وإمَّا معاندون متَّبعون لما علمتُم من الباطل.

الآية 35:{أم خُلِقوا من غير شيءٍ أم هُمُ الخالقونَ}: وهذا استدلالٌ عليهم بأمرٍ لا يمكنهم فيه إلاَّ التسليمُ للحقِّ، أو الخروج عن موجب العقل والدين. وبيان ذلك أنهم منكرون لتوحيد الله، مكذِّبون لرسوله، وذلك مستلزمٌ لإنكار أنَّ الله خَلَقَهم، وقد تقرَّر في العقل مع الشرع أنَّ ذلك لا يخلو من أحد ثلاثة أمورٍ: إمَّا أنهم {خُلِقوا من غير شيءٍ}؛ أي: لا خالق خلقهم؛ بل وجدوا من غير إيجادٍ ولا موجدٍ؛ وهذا عينُ المحال. {أم هم الخالقونَ}: لأنفسِهم؛ وهذا أيضاً محالٌ؛ فإنَّه لا يتصوَّر أن يوجِدَ أحدٌ نفسَه. فإذا بطل هذان الأمران وبان استحالتُهما؛ تعيَّن القسم الثالثُ، وهو أنَّ الله هو الذي خلقهم. وإذا تعين ذلك؛ عُلِمَ أنَّ الله تعالى هو المعبودُ وحدَه، الذي لا تنبغي العبادة ولا تَصْلُح إلاَّ له تعالى.

الآية 36: وقوله: {أم خَلَقوا السمواتِ والأرضَ}: وهذا استفهامٌ يدلُّ على تقرير النفي؛ أي: ما خلقوا السماواتِ والأرضَ، فيكونوا شركاء لله، وهذا أمرٌ واضحٌ جدًّا. {بل} المكذبونَ {لا يوقنونَ}؛ أي: ليس عندهم [علم تامٌّ و] يقينٌ يوجب لهم الانتفاع بالأدلَّة الشرعيَّة والعقليَّة.

الآية 37:{أمۡ عندَهم خزائنُ ربِّك أم هم المُصَيۡطِرونَ}؛ أي: أعند هؤلاء المكذِّبين خزائنُ رحمة ربِّك، فيعطوا من يشاؤون ويمنعوا من يشاؤون ؛ أي: فلذلك حجروا على الله أن يُعطي النبوَّة عبدَه ورسولَه محمداً - صلى الله عليه وسلم -، وكأنَّهم الوكلاء المفوَّضون على خزائن رحمة الله، وهم أحقرُ وأذلُّ من ذلك؛ فليس في أيديهم لأنفسهم نفعٌ ولا ضرٌّ ولا موتٌ ولا حياةٌ ولا نشورٌ؛ {أهم يقسِمونَ رحمةَ ربِّك نحنُ قَسَمۡنا بينهم معيشَتَهم في الحياة الدُّنيا}؟ {أم هم المُصَيۡطِرُونَ}؛ أي: المتسلِّطون على خلق الله وملكه بالقهر والغلبة؟! ليس الأمر كذلك، بل هم العاجزون الفقراء.

الآية 38:{أمۡ لهم سُلَّمٌ يستمعون فيه}؛ أي: ألهم اطِّلاع على الغيب واستماعٌ له بين الملأ الأعلى، فيخبرون عن أمورٍ لا يعلمُها غيرُهم، {فليأتِ مستمِعُهم}: المدَّعي لذلك {بسلطانٍ مبينٍ}: وأنَّى له ذلك والله تعالى عالم الغيب والشهادة؛ فلا يُظْهِرُ على غيبه أحداً؛ إلاَّ من ارتضى من رسولٍ يخبره بما أراد من علمِهِ، وإذا كان محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، أفضل الرسل وأعلمهم وإمامهم، وهو المخبر بما أخبر به من توحيد الله ووعده ووعيده وغير ذلك من أخباره الصادقة، والمكذِّبون هم أهل الجهل والضَّلال والغيِّ والعناد؛ فأيُّ المخبرين أحقُّ بقَبول خبره، خصوصاً والرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أقام من الأدلَّة والبراهين على ما أخبر به ما يوجِبُ أن يكون ذلك عين اليقين وأكمل الصدق، وهم لم يُقيموا على ما ادَّعَوْه شبهةً فضلاً عن إقامة حجَّة؟!

الآية 39: وقوله: {أم له البناتُ}: كما زعمتُم، {ولكم البنونَ}: فتجمعون بين المحذورَيْن: جَعْلُكُم له الولد، واختيارُكُم له أنقص الصنفين؛ فهل بعد هذا التنقُّص لربِّ العالمين غايةٌ أو دونه نهايةٌ؟!

الآية 40:{أم تسألُهُم}: يا أيُّها الرسولُ، {أجراً}: على تبليغ الرسالة، {فهم من مَغۡرَمٍ مُثۡقَلونَ}: ليس الأمر كذلك، بل أنت الحريص على تعليمهم تبرُّعاً من غير شيء، بل تبذلُ لهم الأموالَ الجزيلة على قَبول رسالتك والاستجابة لأمرِك ودعوتك ، وتعطي المؤلَّفة قلوبهم؛ ليتمكَّن العلم والإيمان من قلوبهم.

الآية 41:{أم عندَهم الغيبُ فهم يكتبونَ}: ما كانوا يعلمونَه من الغُيوب، فيكونون قد اطِّلعوا على ما لم يطَّلع عليه رسولُ الله، فعارضوه وعاندوه بما عندَهم من علم الغيب، وقد عُلِمَ أنَّهم الأمَّة الأميَّة الجهَّال الضَّالون، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي عنده من العلم أعظم من غيره، وأنبأه الله من علم الغيب على ما لم يَطَّلِعْ عليه أحدٌ من الخلق، وهذا كلُّه إلزامٌ لهم بالطرق العقليَّة والنقليَّة على فساد قولهم وتصوير بطلانِهِ بأحسن الطُّرق وأوضحها وأسلمها من الاعتراض.

الآية 42: وقوله: {أم يريدون}: بقدحِهِم فيك وفيما جئتَ به {كيداً}: يُبْطلونَ به دينَك، ويفسدون به أمرَك. {فالذين كفروا هُمُ المَكيدونَ}؛ أي: كيدُهم في نحورهم، ومضرَّته عائدةٌ إليهم، وقد فعل الله ذلك، ولله الحمد، فلم يُبْقِ الكفارُ من مقدورهم من المكر شيئاً إلاَّ فعلوه، فنصر الله نبيَّه عليهم، وأظهر دينَه ، وخَذَلَهُم وانتصر منهم.

الآية 43:{أم لهم إلهٌ غير اللهِ}؛ أي: ألهم إلهٌ يُدعى ويرجى نفعُه ويُخاف من ضرِّه غير الله تعالى؟ {سبحان اللهِ عمَّا يشرِكون}: فليس له شريكٌ في الملك، ولا شريكٌ في الوحدانيَّة والعبادة، وهذا هو المقصود من الكلام الذي سيق لأجله، وهو بطلانُ عبادة ما سوى الله، وبيانُ فسادها بتلك الأدلَّة القاطعة، وأنَّ ما عليه المشركون هو الباطل، وأنَّ الذي ينبغي أن يُعْبَدَ ويصلَّى له ويُسْجَدَ ويُخْلَصَ له دعاءُ العبادة ودعاءُ المسألة هو الله المألوهُ المعبود، كاملُ الأسماء والصفاتِ، كثيرُ النعوتِ الحسنة والأفعال الجميلة، ذو الجلال والإكرام والعزِّ الذي لا يُرام، الواحد الأحدُ، الفردُ الصمدُ، الكبيرُ الحميدُ المجيدُ.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿أمْ لَهُمْ إلَه غَيْر اللَّه سُبْحان اللَّه عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ بِهِ مِن الآلِهَة والِاسْتِفْهام بِأَمْ فِي مَواضِعها لِلتَّقْبِيحِ والتَّوْبِيخ

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 35 إلى 43

هَذَا الْمَقَامُ فِي إِثْبَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ وَتَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ أَيْ: أَوُجِدُوا مِنْ غَيْرِ مُوجِدٍ؟ أَمْ هُمْ أَوْجَدُوا أَنْفُسَهُمْ؟ أَيْ: لَا هَذَا وَلَا هَذَا، بَلِ اللَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَهُمْ وَأَنْشَأَهُمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا.

قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا الحُمَيديّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثُونِي عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جبير ابن مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ. أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ. أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٥٤) .]] .

وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٧٦٥) ، (٤٠٢٣) وصحيح مسلم برقم (٤٦٣) .]] . وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ كَانَ قَدْ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ فِي فِدَاءِ الْأُسَارَى، وَكَانَ إِذْ ذَاكَ مُشْرِكًا، وَكَانَ سَمَاعُهُ هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ مِنْ جُمْلَةِ مَا حَمَلَهُ عَلَى الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ ذَلِكَ.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ﴾ أَيْ: أَهُمْ خَلَقُوا السموات وَالْأَرْضَ؟ وَهَذَا إِنْكَارٌ عَلَيْهِمْ فِي شِرْكِهِمْ بِاللَّهِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْخَالِقُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ. وَلَكِنَّ عَدَمَ إِيقَانِهِمْ هُوَ الَّذِي يَحْمِلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ أَيْ: أَهُمْ يَتَصَرَّفُونَ فِي الْمُلْكِ وَبِيَدِهِمْ مَفَاتِيحُ الْخَزَائِنِ، ﴿أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ أَيُ: الْمُحَاسِبُونَ لِلْخَلَائِقِ، لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلِ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، هُوَ الْمَالِكُ الْمُتَصَرِّفُ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أَيْ: مَرْقَاةٌ إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى، ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أَيْ: فَلْيَأْتِ الَّذِي يَسْتَمِعُ لَهُمْ بِحُجَّةٍ ظَاهِرَةٍ.

عَلَى صِحَّةِ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْفِعَالِ وَالْمَقَالِ، أَيْ: وَلَيْسَ لَهُمْ سَبِيلٌ إِلَى ذَلِكَ، فَلَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ، وَلَا لَهُمْ دَلِيلٌ.

ثُمَّ قَالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ فِيمَا نَسَبُوهُ إِلَيْهِ مِنَ الْبَنَاتِ، وَجَعْلِهِمُ الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا، وَاخْتِيَارِهِمْ لِأَنْفُسِهِمُ الذُّكُورَ عَلَى الْإِنَاثِ، بِحَيْثُ إِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ. هَذَا وَقَدْ جَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ بَنَاتِ اللَّهِ، وَعَبَدُوهُمْ مَعَ اللَّهِ، فَقَالَ: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ وَهَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ، ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾ أَيْ: أُجْرَةٌ عَلَى إِبْلَاغِكَ إِيَّاهُمْ رِسَالَةَ اللَّهِ؟ أَيْ: لَسْتَ تَسْأَلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا، ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أَيْ: فَهُمْ [[في م، أ: "فإنهم".]] مِنْ أَدْنَى شَيْءٍ يَتَبَرَّمُونَ مِنْهُ، وَيُثْقِلُهُمْ وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ، ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ من أهل السموات وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ، ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى: أَمْ يريد هؤلاء بقولهم هَذَا فِي الرَّسُولِ وَفِي الدِّينِ غُرُورَ النَّاسِ وَكَيْدَ الرَّسُولِ وَأَصْحَابِهِ، فَكَيْدُهُمْ إِنَّمَا يَرْجِعُ وَبَالُهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ، ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . وَهَذَا إِنْكَارٌ شَدِيدٌ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي عِبَادَتِهِمُ الْأَصْنَامَ وَالْأَنْدَادَ مَعَ اللَّهِ. ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ الْكَرِيمَةَ عَمَّا يَقُولُونَ وَيَفْتَرُونَ وَيُشْرِكُونَ، فَقَالَ: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 42 إلى 45

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣) ﴾

يقول تعالى ذكره: بل يريد هؤلاء المشركون يا محمد بك، وبدين الله كيدا ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ يقول: فهم المكيدون الممكورُ بهم دونك، فثق بالله، وامض لما أمرك به.

* *

وقوله ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾

يقول جلّ ثناؤه: أم لهم معبود يستحق عليهم العبادة غير الله، فيجوز لهم عبادته، يقول: ليس لهم إله غير الله الذي له العبادة من جميع خلقه ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يقول: تنزيها لله عن شركهم وعبادتهم معه غيره.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) ﴾

يقول تعالى ذكره: وإن ير هؤلاء المشركون قطعا من السماء ساقطا، والكِسْف: جمع كِسفة، مثل التمر جمع تمرة، والسِّدر جمع سِدْرة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿كِسَفًا﴾ يقول: قِطعا.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا﴾ يقول: وإن يروا قطعا ﴿مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ يقول جلّ ثناؤه: يقولوا لذلك الكِسْف من السماء الساقط: هذا سحاب مركوم، يعني بقوله مركوم: بعضه على بعض.

وإنما عنى بذلك جلّ ثناؤه المشركين من قريش الذين سألوا رسول الله ﷺ الآيات، فقالوا له: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ ... إلى قوله ﴿عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ فقال الله لنبيه محمد ﷺ: وإن ير هؤلاء المشركون ما سألوا من الآيات، فعاينوا كِسَفا من السماء ساقطا، لم ينتقلوا عما هم عليه من التكذيب، ولقالوا. إنما هذا سحاب بعضه فوق بعض، لأن الله قد حتم عليهم أنهم لا يؤمنون.

كما:-

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة يقولوا ﴿سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ يقول: لا يصدّقوا بحديث، ولا يؤمنوا بآية.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ قال: حين سألوا الكِسْف قالوا: أسقط علينا كِسْفا من السماء إن كنت من الصادقين؛ قال: يقول: لو أنا فعلنا لقالوا: سحاب مركوم.

* *

وقوله ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فدع يا محمد هؤلاء المشركين حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يهلكون، وذلك عند النفخة الأولى.

واختلفت القراء في قراءة قوله: ﴿فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ فقرأته عامة قرّاء الأمصار سوى عاصم بفتح الياء من ﴿يَصْعَقُونَ﴾ ، وقرأه عاصم ﴿يُصْعَقُونَ﴾ بضم الياء، والفتح أعجب القراءتين إلينا، لأنه أفصح اللغتين وأشهرهما، وإن كانت الأخرى جائزة، وذلك أن العرب تقول: صعق الرجل وصعِق، وسَعد وسُعد.

وقد بيَّنا معنى الصَّعْق بشواهده، وما قال فيه أهل التأويل فيما مضى بما أغنى عن إعادته.