سورة القرآن surah-quran.com

سورة الزخرف

سورة الزخرف، الآية 51

الجزء 25، الصفحة 493.

وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِۦ قَالَ يَـٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلْأَنْهَـٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىٓ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴿٥١﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

يشمل هذا التفسير الآيات 51 إلى 52

ونادى فرعون في عظماء قومه متبجحًا مفتخرًا بمُلْك «مصر»: أليس لي مُلْك «مصر»، وهذه فروع نهر النِّيل تجري من تحت قَصْري ومن بين يديَّ في بساتيني، أفلا تبصرون عظمتي وقوتي، وضعف موسى وفقره؟ بل أنا خير من هذا الذي لا عزَّ معه، فهو يمتهن نفسه في حاجاته لضعفه وحقارته، ولا يكاد يُبِين الكلام لعِيِّ لسانه، وقد حمل فرعونَ على هذا القول الكفرُ والعنادُ والصدُّ عن سبيل الله.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 46 إلى 56

الآية 46: لما قال تعالى: {واسألۡ مَنۡ أرسلۡنا من قبلك من رسلنا أجَعَلۡنا من دونِ الرحمن آلهةً يُعۡبَدون}؛ بيَّن تعالى حالَ موسى ودعوتَهُ التي هي أشهرُ ما يكونُ من دَعَوات الرسل، ولأنَّ الله تعالى أكثر من ذِكْرِها في كتابه، فذكر حالَه مع فرعون [فقال]: {ولقد أرۡسَلۡنا موسى بآياتنا}: التي دلَّت دلالةً قاطعةً على صحَّة ما جاء به؛ كالعصا والحية وإرسال الجراد والقمَّل ... إلى آخر الآيات، {إلى فرعون وملئِهِ فقال إنِّي رسولُ ربِّ العالمين}: فدعاهم إلى الإقرار بربِّهم، ونهاهم عن عبادةِ ما سواه.

{47 ـ 48}{فلمَّا جاءهم بآياتِنا إذا هم منها يضحَكونَ}؛ أي: ردُّوها وأنكروها واستهزؤوا بها ظلماً وعلوًّا، فلم يكنْ لقصورٍ بالآيات وعدم وضوح فيها، ولهذا قال:{وما نُريهم من آيةٍ إلاَّ هي أكبرُ من أختِها}؛ أي: الآيةُ المتأخرةُ أعظم من السابقة، {وأخذناهم بالعذاب}: كالجراد والقمل والضفادع والدَّم آياتٍ مفصلاتٍ، {لعلَّهم يرجِعون}: إلى الإسلام ويُذْعِنون له؛ ليزولَ شركهم وشرُّهم.

الآية 49:{وقالوا} عندما نزل عليهم العذاب: {يا أيُّها الساحرُ}: يعنون: موسى عليه السلام، وهذا إمَّا من باب التهكُّم به، وإمَّا أن يكون هذا الخطاب عندهم مدحاً، فتضرَّعوا إليه بأن خاطبوه بما يخاطبون به مَنْ يزعُمون أنَّهم علماؤهم، وهم السحرة، فقالوا:{يا أيها الساحرُ ادعُ لنا ربَّك بما عَهِدَ عندك}؛ أي: بما خصَّك الله به وفضَّلك به من الفضائل والمناقب أن يكشفَ عنَّا العذاب، {إنَّنا لمهتدونَ}: إنْ كشف الله عنَّا ذلك.

الآية 50:{فلمَّا كَشَفۡنا عنهم العذابَ إذا هم ينكُثون}؛ أي: لم يفوا بما قالوا، بل غدروا، واستمرُّوا على كفرهم، وهذا كقولِهِ تعالى:{فأرسَلۡنا عليهم الطُّوفان والجرادَ والقمَّلَ والضفادع والدَّم آياتٍ مفصَّلات فاستكبروا وكانوا قوماً مجرِمين}، ولما وقع عليهم الرجزُ؛ قالوا:{يا موسى ادعُ لنا رَبَّكَ بما عهدَ عندك لئنۡ كَشَفۡتَ عنَّا الرجزَ لنؤمننَّ لك ولنرسلنَّ معك بني إسرائيلَ. فلمَّا كَشَفۡنا عنهم الرِّجۡزَ إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكُثونَ}.

الآية 51:{ونادى فرعونُ في قومه قال}: مستعلياً بباطلِهِ قد غرَّه مُلكه وأطغاه مالُه وجنودُه: {يا قوم أليس لي ملكُ مصرَ}؛ أي: ألست المالك لذلك المتصرف فيه؟ {وهذه الأنهار تجري من تحتي}؛ أي: الأنهار المنسحبة من النيل في وسط القصور والبساتين. {أفلا تبصِرونَ}: هذا الملكَ الطويلَ العريض؟! وهذا من جهله البليغ؛ حيث افتخر بأمرٍ خارج عن ذاته، ولم يفخرْ بأوصافٍ حميدةٍ، ولا أفعال سديدةٍ.

الآية 52:{أم أنا خيرٌ من هذا الذي هو مَهينٌ}؛ يعني قبَّحه الله بالمَهينِ موسى بن عمران كليم الرحمن الوجيه عند الله؛ أي: أنا العزيز وهو الذَّليل المهان المحتقر؛ فأَيُّنا خيرٌ؟! {و} مع هذا؛ فلا {يكادُ يُبينُ} عما في ضميرِهِ بالكلام؛ لأنَّه ليس بفصيح اللسان، وهذا ليس من العيوب في شيءٍ، إذا كان يُبين ما في قلبِهِ، ولو كان ثقيلاً عليه الكلام.

الآية 53: ثم قال فرعونُ: {فلولا ألۡقِيَ عليه أسورةٌ من ذهبٍ}؛ أي: فهلاَّ كان موسى بهذه الحالة: أن يكون مزيناً مجملاً بالحُلِيِّ والأساور، {أو جاء معه الملائكة مقترنين}: يعاونونه على دعوته ويؤيِّدونه على قوله.

الآية 54:{فاستخفَّ قومَه فأطاعوه}؛ أي: استخفَّ عقولَهم بما أبدى لهم من هذه الشُّبه، التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا حقيقة تحتها، وليست دليلاً على حقٍّ ولا على باطل، ولا تروج إلاَّ على ضعفاء العقول؛ فأيُّ دليل يدلُّ على أن فرعون محقٌّ لكون ملك مصرَ له وأنهاره تجري من تحته؟! وأيُّ دليل يدلُّ على بطلان ما جاء به موسى لقلَّة أتباعِهِ وثقل لسانِهِ وعدم تحليةِ الله له؟! ولكنَّه لقي ملأ لا معقول عندَهم؛ فمهما قال؛ اتَّبعوه؛ من حقٍّ وباطل. {إنَّهم كانوا قوماً فاسقينَ}: فبسبب فسقِهِم قيَّض لهم فرعونَ، يزيِّن لهم الشركَ والشرَّ.

{55 ـ 56}{فلمَّا آسفونا}؛ أي: أغضبونا بأفعالهم، {انتَقَمۡنا منهم فأغۡرَقۡناهم أجمعين. فجعلناهم سَلَفاً ومثلاً للآخرين}: ليعتبر بهم المعتبرونَ، ويتَّعِظَ بأحوالهم المتَّعظون.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿ونادى فِرْعَوْن﴾ افْتِخارًا ﴿فِي قَوْمه قالَ يا قَوْم ألَيْسَ لِي مُلْك مِصْر وهَذِهِ الأَنْهار﴾ مِن النِّيل ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ أيْ تَحْت قُصُورِي ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ عَظَمَتِي

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 51 إلى 56

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ فِرْعَوْنَ وَتَمَرُّدِهِ وَعُتُوِّهِ وَكُفْرِهِ وَعِنَادِهِ: أَنَّهُ جَمَعَ قَوْمَهُ، فَنَادَى فِيهِمْ مُتَبَجِّحًا مُفْتَخِرًا بِمُلْكِ مِصْرَ وَتَصَرُّفِهِ فِيهَا: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ ، قَالَ قَتَادَةُ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ جِنَانٌ وَأَنْهَارُ مَاءٍ، ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ؟ أَيْ: أَفَلَا تَرَوْنَ مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الْعَظْمَةِ وَالْمُلْكِ، يَعْنِي: وَمُوسَى وَأَتْبَاعُهُ [[في أ: "ومن معه".]] فُقَرَاءُ ضُعَفَاءُ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى. فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى. فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأولَى﴾ [النَّازِعَاتِ: ٢٣ -٢٥] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ قَالَ السُّدِّيُّ: يَقُولُ: بَلْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ. وَهَكَذَا قَالَ بَعْضُ نُحَاةِ الْبَصْرَةِ: إِنَّ "أَمْ" هَاهُنَا بِمَعْنَى "بَلْ". وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا حَكَاهُ الْفَرَّاءُ عَنْ بَعْضِ الْقُرَّاءِ أَنَّهُ قَرَأَهَا: "أَمَا أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ". قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَلَوْ صَحَّتْ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ لَكَانَ مَعْنَاهَا صَحِيحًا وَاضِحًا، وَلَكِنَّهَا خِلَافُ قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ، فَإِنَّهُمْ قرؤوا: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ ؟ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ.

قُلْتُ: وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَإِنَّمَا يَعْنِي فِرْعَوْنُ -عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ [[في ت، م، أ: "لعنة الله".]] -أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَدْ كَذَبَ فِي قَوْلِهِ هَذَا كَذِبًا بَيِّنًا وَاضِحًا، فَعَلَيْهِ لِعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿مَهِينٌ﴾ كَمَا قَالَ سُفْيَانُ: حَقِيرٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ والسدي: يعني: ضعيف. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي: لَا مُلْكَ لَهُ وَلَا سُلْطَانَ وَلَا مَالَ.

﴿وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ يَعْنِي: لَا يَكَادُ يُفْصِحُ عَنْ كَلَامِهِ [[في ت: "بكلامه".]] ، فَهُوَ عَيِيٌّ حَصِرٌ. [[في ت، أ: "حصير".]]

قَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ أَيْ: لَا يَكَادُ يُفْهِمُ. وَقَالَ قَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي عَيِيَّ اللِّسَانِ. وَقَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي فِي لِسَانِهِ شَيْءٌ مِنَ الْجَمْرَةِ حِينَ [[في ت: "التي".]] وَضَعَهَا فِي فِيهِ وَهُوَ صَغِيرٌ.

وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِرْعَوْنُ -لَعَنَهُ اللَّهُ-كَذِبٌ وَاخْتِلَاقٌ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى هَذَا الْكُفْرُ وَالْعِنَادُ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِعَيْنٍ كَافِرَةٍ شَقِيَّةٍ، وَقَدْ كَانَ مُوسَى [[في ت: "الموسى".]] ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنَ الْجَلَالَةِ وَالْعَظَمَةِ وَالْبَهَاءِ فِي صُورَةٍ يُبْهِرُ [[في ت، م: "تبهر".]] أَبْصَارَ ذَوِي [الْأَبْصَارِ وَ] [[زيادة من ت.]] الْأَلْبَابِ. وَقَوْلُهُ: ﴿مَهِينٌ﴾ كَذِبٌ، بَلْ هُوَ الْمَهِينُ الْحَقِيرُ خِلْقةً وَخُلُقًا وَدِينًا. وَمُوسَى [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من ت، م.]] هُوَ الشَّرِيفُ الرَّئِيسُ الصَّادِقُ الْبَارُّ الرَّاشِدُ [[في ت: "الرشيد".]] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ افْتِرَاءٌ أَيْضًا، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَصَابَ لِسَانَهُ فِي حَالِ صِغَرِهِ شَيْءٌ مِنْ جِهَةِ تِلْكَ الْجَمْرَةِ، فَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، أَنْ يَحُلَّ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِهِ لِيَفْقَهُوا قَوْلَهُ، وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ [[في ت: "استجاب الله دعاءه له".]] لَهُ فِي [ذَلِكَ فِي] [[زيادة من ت، م.]] قَوْلِهِ: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ٢٦] ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ قَدْ بَقِيَ شَيْءٌ لَمْ يَسْأَلْ إِزَالَتَهُ، كَمَا قَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَإِنَّمَا سَأَلَ زَوَالَ مَا يَحْصُلُ مَعَهُ الْإِبْلَاغُ وَالْإِفْهَامُ، فَالْأَشْيَاءُ الْخِلْقِيَّةِ [[في ت: "الخلقية"، وفي م: "الخلقة".]] الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ فِعْلِ الْعَبْدِ لَا يُعَابُ بِهَا وَلَا يُذَمُّ عَلَيْهَا، وَفِرْعَوْنُ وَإِنْ كَانَ يَفْهَمُ وَلَهُ عَقْلٌ فَهُوَ يَدْرِي هَذَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ التَّرْوِيجَ عَلَى رَعِيَّتِهِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا جَهَلَةً أَغْبِيَاءَ، وَهَكَذَا كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسَاوِرَةٌ [[في أ: "أسورة".]] مِنْ ذَهَبٍ﴾ أَيْ: وَهِيَ مَا يُجْعَلُ فِي الْأَيْدِي مِنَ الْحُلِيِّ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ أَيْ: يَكْتَنِفُونَهُ خِدْمَةً لَهُ وَيَشْهَدُونَ بِتَصْدِيقِهِ، نَظَرَ [[في ت، أ: "نظرا".]] إِلَى الشَّكْلِ الظَّاهِرِ، وَلَمْ يَفْهَمِ السِّرَّ الْمَعْنَوِيَّ الَّذِي هُوَ أَظْهَرُ مِمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ، لَوْ كَانَ يَعْلَمُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ أَيِ: اسْتَخَفَّ عُقُولَهُمْ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الضَّلَالَةِ فَاسْتَجَابُوا لَهُ، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ .

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿آسَفُونَا﴾ أَسْخَطُونَا.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنْهُ: أَغْضَبُونَا. وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ [[في ت: "غير واحد".]] مِنَ الْمُفَسِّرِينَ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] ابْنِ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمِّي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ التُّجِيبِيِّ [[في ت: "وروى ابن أبي حاتم بإسناده".]] عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُعْطِي الْعَبْدَ مَا شَاءَ، وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَى مَعَاصِيهِ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ اسْتِدْرَاجٌ مِنْهُ لَهُ" ثُمَّ تَلَا ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [[ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٤٩٢٦) "مجمع البحرين"، والبيهقي في شعب الإيمان برقم (٤٥٤٠) من طريق عبد الله ابن صالح عن حرملة بن عمران به، ورواه أحمد في مسنده (٤/١٤٥) عن رشدين بن سعد، والدولابي في الكنى (١/١١١) عن حجاج بن سليمان كلاهما عن حرملة بن عمران به، وقد حسنه الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء.]] .

وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الحِمَّاني، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ [[في ت: "وروى أيضا".]] ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ فَذُكِرَ عِنْدَهُ مَوْتُ الْفَجْأَةِ، فَقَالَ: تَخْفِيفٌ عَلَى الْمُؤْمِنِ، وَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ .

وَقَالَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَجَدْتُ النِّقْمَةَ مَعَ الْغَفْلَةِ، يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلا لِلآخِرِينَ﴾ : قَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: ﴿سَلَفًا﴾ لِمِثْلِ مَنْ عمل بعملهم.

وَقَالَ هُوَ وَمُجَاهِدٌ: ﴿وَمَثَلًا﴾ أَيْ: عِبْرَةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ.

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١) ﴾

يقول تعالى ذكره: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ من القبط، فـ ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ يعنى بقوله: ﴿مِنْ تَحْتِي﴾ : من بين يدي في الجنان.

كما:-

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَهَذِهِ الأنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي) قال: كانت لهم جنات وأنهار ماء.

* *

وقوله: ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾

يقول: أفلا تبصرون أيها القوم ما أنا فيه من النعيم والخير، وما فيه موسى من الفقر وعيّ اللسان، افتخر بملكه مصر عدوّ الله، وما قد مكَّن له من الدنيا استدراجا من الله له، وحسب أن الذي هو فيه من ذلك ناله بيده وحوله، وأن موسى إنما لم يصل إلى الذي يصفه، فنسبه من أجل ذلك إلى المهانة محتجًا على جهلة قومه بأن موسى عليه السلام لو كان محقًا فيما يأتي به من الآيات والعبر، ولم يكن ذلك سحرا، لأكسب نفسه من الملك والنعمة، مثل الذي هو فيه من ذلك جهلا بالله واغترارًا منه بإملائه إياه.