سورة الزمر، الآية 52
الجزء 24، الصفحة 464.
أَوَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٥٢﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة الزمر
تفسير الآية
التفسير الميسر
أولم يعلم هؤلاء أن رزق الله للإنسان لا يدل على حسن حال صاحبه، فإن الله لبالغ حكمته يوسِّع الرزق لمن يشاء مِن عباده، صالحًا كان أو طالحًا، ويضيِّقه على مَن يشاء منهم؟ إن في ذلك التوسيع والتضييق في الرزق لَدلالات واضحات لقوم يُصدِّقون أمر الله ويعملون به.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 49 إلى 52
الآية 49: يخبر تعالى عن حالة الإنسان وطبيعته أنَّه حين يَمَسُّه ضرٌّ من مرض أو شدَّة أو كربٍ، {دعانا}: ملحًّا في تفريج ما نَزَلَ به، {ثم إذا خَوَّلۡناه نعمةً مِنَّا}: فكشفنا ضُرَّه، وأزَلْنا مَشَقَّتَه؛ عاد بربِّه كافراً ولمعروفه منكراً، و {قال إنَّما أوتيتُهُ على علم}؛ أي: علم من الله أنِّي له أهلٌ وأنِّي مستحقٌّ له؛ لأني كريم عليه، أو على علم منِّي بطُرُق تحصيله، قال تعالى:{بل هي فتنةٌ}: يبتلي اللهُ به عبادَه لينظُرَ من يَشْكُرُه ممَّن يكفُرُه. {ولكنَّ أكثرَهم لا يعلمونَ}: فلذلك يعدُّون الفتنة منحةً، ويشتبهُ عليهم الخيرُ المحضُ بما قد يكون سبباً للخير أو للشرِّ.
الآية 50: قال تعالى: {قد قالَها الذين من قَبۡلِهِم}؛ أي: قولهم: {إنَّما أوتيتُهُ على علم}؛ فما زالت متوارثةً عند المكذِّبين، لا يقرُّون بنعمةِ ربِّهم، ولا يَرَوْنَ له حقًّا، فلم يزل دأبُهم حتى أهْلِكوا، ولم يغنِ {عنهم ما كانوا يكسِبونَ}: حين جاءهم العذابُ!
الآية 51:{فأصابَهم سيئاتُ ما كَسَبوا}: والسيئاتُ في هذا الموضع العقوباتُ؛ لأنَّها تَسوءُ الإنسانَ وتُحْزِنُه. {والذين ظلموا من هؤلاء سَيصيبُهم سيئاتُ ما كَسَبوا}: فليسوا خيراً من أولئك، ولم يُكْتَبْ لهم براءةٌ في الزُّبُر.
الآية 52: ولما ذكر أنهم اغترُّوا بالمال وزعموا بِجَهْلِهِم أنَّه يدلُّ على حسن حال صاحبه؛ أخبرهم تعالى أنَّ رزقَه لا يدلُّ على ذلك، وأنه {يَبۡسُطُ الرزقَ لِمَن يشاءُ}: من عبادِهِ، سواء كان صالحاً أو طالحاً. {ويَقۡدِرُ}: الرزق؛ أي: يضيِّقُه على مَنْ يشاء صالحاً أو طالحاً؛ فرِزْقُهُ مشتركٌ بين البريَّة، والإيمانُ والعملُ الصالح يخصُّ به خَيْرَ البريَّة {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون}؛ أي: بَسْطُ الرزق وقبضُه؛ لعلمهم أنَّ مرجع ذلك عائدٌ إلى الحكمةِ والرحمةِ، وأنَّه أعلمُ بحال عبيدِهِ؛ فقد يضيِّقُ عليهم الرزقَ لطفاً بهم؛ لأنَّه لو بَسَطَه؛ لَبَغَوْا في الأرض، فيكون تعالى مراعياً في ذلك صلاح دينهم الذي هو مادةُ سعادتِهِم وفلاحِهم. والله أعلم.
تفسير الجلالين
﴿أوَ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّه يَبْسُط الرِّزْق﴾ يُوَسِّعهُ ﴿لِمَن يَشاء﴾ امْتِحانًا ﴿ويَقْدِر﴾ يُضَيِّقهُ لِمَن يَشاء ابْتِلاء ﴿إنّ فِي ذَلِكَ لَآيات لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بِهِ
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 49 إلى 52
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ [[في ت: "عن حال".]] الْإِنْسَانِ أَنَّهُ فِي حَالِ الضَّرَّاءِ يَضْرَع إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَيُنِيبُ إِلَيْهِ وَيَدْعُوهُ، وَإِذَا [[في ت: "فإذا".]] خَوَّلَهُ مِنْهُ نِعْمَةً بَغَى وَطَغَى، وَقَالَ: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ أَيْ: لِمَا يَعْلَمُ اللَّهُ مِنِ اسْتِحْقَاقِي لَهُ، وَلَوْلَا أَنِّي عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى خِصِّيصٌ لَمَا خَوَّلني هَذَا!
قَالَ قَتَادَةُ: ﴿عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ عَلَى خيرٍ عِنْدِي.
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا، بَلْ [إِنَّمَا] [[زيادة من ت، أ.]] أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ لِنَخْتَبِرَهُ فِيمَا أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ، أَيُطِيعُ أَمْ يَعْصِي؟ مَعَ عِلْمِنَا الْمُتَقَدِّمِ بِذَلِكَ، فَهِيَ فِتْنَةٌ أَيِ: اخْتِبَارٌ، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فَلِهَذَا يَقُولُونَ مَا يَقُولُونَ، وَيَدْعُونَ مَا يَدْعُونَ.
﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أَيْ: قَدْ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ وَزَعَمَ هَذَا الزَّعْمَ وَادَّعَى هَذِهِ الدَّعْوَى، كَثِيرٌ مِمَّنْ سَلَفَ مِنَ الْأُمَمِ ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أَيْ: فَمَا صَحَّ قَوْلُهُمْ وَلَا مَنَعَهُمْ جَمْعُهُمْ وَمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ.
﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ﴾ أَيْ: مِنَ الْمُخَاطَبِينَ [[في ت: "المخلطين".]] ﴿سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ أَيْ: كَمَا أَصَابَ أُولَئِكَ، ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ قَارُونَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ قَوْمَهُ: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الْقَصَصِ:٧٦-٧٨] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سَبَأٍ:٣٥] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أَيْ: يُوَسِّعُهُ عَلَى قَوْمٍ وَيُضَيِّقُهُ عَلَى آخَرِينَ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لعبرا وحججا.
تفسير الطبري
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) ﴾
يقول تعالى ذكره: أولم يعلم يا محمد هؤلاء الذين كشفنا عنهم ضرهم، فقالوا: إنما أوتيناه على علم منا، أن الشدة والرخاء والسعة والضيق والبلاء بيد الله، دون كل من سواه، يبسط الرزق لمن يشاء، فيوسعه عليه، ويقدر ذلك على من يشاء من عباده، فيضيقه، وأن ذلك من حجج الله على عباده، ليعتبروا به ويتذكروا، ويعلموا أن الرغبة إليه والرهبة دون الآلهة والأنداد. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾ يقول: إن في بسط الله الرزق لمن يشاء، وتقتيره على من أراد لآيات، يعني: دلالات وعلامات ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يعني: يصدقون بالحقّ، فيقرّون به إذا تبينوه وعلموا حقيقته أن الذي يفعل ذلك هو الله دون كل ما سواه.