سورة القرآن surah-quran.com

سورة غافر

سورة غافر، الآية 6

الجزء 24، الصفحة 467.

وَكَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ﴿٦﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

وكما حق العقاب على الأمم السابقة التي كذَّبت رسلها، حق على الذين كفروا أنهم أصحاب النار.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 4 إلى 6

الآية 4: يخبر تبارك وتعالى أنَّه ما يجادِلُ في آياتِه إلاَّ الذينَ كَفَروا، والمرادُ بالمجادلة هنا المجادلةُ لردِّ آيات الله ومقابلَتِها بالباطل؛ فهذا من صنيع الكفارِ، وأمَّا المؤمنونَ؛ فيخضعون للحقِّ لِيُدْحِضوا به الباطلَ ، ولا ينبغي للإنسان أن يغترَّ بحالةِ الإنسان الدنيويَّة ويظنَّ أنَّ إعطاء اللهِ إيَّاه في الدُّنيا دليلٌ على محبَّتِهِ له وأنَّه على الحقِّ، ولهذا قال:{فلا يَغۡرُرۡكَ تقلُّبُهم في البلادِ}؛ أي: تردُّدهم فيها بأنواع التجاراتِ والمكاسبِ، بل الواجبُ على العبدِ أن يَعْتَبِرَ الناس بالحقِّ وينظُرَ إلى الحقائق الشرعيَّةِ ويزنَ بها الناسَ، ولا يزنُ الحقَّ بالناس كما عليه مَنْ لا علم ولا عقلَ له.

الآية 5: ثم هدَّدَ مَنْ جادَلَ بآيات الله لِيُبْطِلَها كما فعل مَنْ قَبْلَه من الأمم من {قوم نوح} وعاد {والأحزاب من بعدِهِم}، الذين تحزَّبوا وتجمَّعوا على الحقِّ ليبطلوه وعلى الباطل لينصُروه، {و} أنَّه بلغت بهم الحالُ وآلَ بهم التحزُّبُ إلى أنَّه {همَّتۡ كلُّ أمةٍ}: من الأمم {برسولهم ليأخذوهُ}؛ أي: يقتلوه، وهذا أبلغ ما يكون للرسل، الذين هم قادةُ أهل الخير، الذين معهم الحقُّ الصرفُ، الذي لا شك فيه ولا اشتباه، همُّوا بقتلهم؛ فهل بعد هذا البغي والضلال والشقاء إلاَّ العذاب العظيم الذي لا يخرجون منه؟! ولهذا قال في عقوبتهم الدنيويَّة والأخرويَّة:{فأخذۡتُهم}؛ أي: بسبب تكذيبهم وتحزُّبهم {فكيف كان عقاب}: كان أشدَّ العقاب وأفظَعَه، إنْ هو إلا صيحةٌ أو حاصبٌ ينزل عليهم، أو يأمر الأرضَ أن تأخُذَهم أو البحرَ أن يُغْرقَهم؛ فإذا هم خامدونَ.

الآية 6:{وكذلك حَقَّتۡ كلمةُ ربِّك على الذين كَفَروا}؛ أي: كما حقَّتْ على أولئك حقَّتْ عليهم كلمةُ الضلال التي نشأت عنها كلمةُ العذاب، ولهذا قال:{إنَّهم أصحابُ النارِ}.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَة رَبّك﴾ أيْ ﴿لَأَمْلَأَنّ جَهَنَّم﴾ الآيَة ﴿عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهُمْ أصْحاب النّار﴾ بَدَل مِن كَلِمَة

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 4 إلى 6

يَقُولُ تَعَالَى: مَا يَدْفَعُ الْحَقَّ وَيُجَادِلُ فِيهِ بَعْدَ الْبَيَانِ وَظُهُورِ الْبُرْهَانِ ﴿إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيِ: الْجَاحِدُونَ لِآيَاتِ اللَّهِ وَحُجَجِهِ وَبَرَاهِينِهِ، ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ أَيْ: فِي أَمْوَالِهِمْ وَنَعِيمِهَا وَزَهْرَتِهَا، كَمَا قَالَ: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٩٦،١٩٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لُقْمَانَ: ٢٤] .

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُسَلِّيًا لِنَبِيِّهِ [[في ت: "لرسوله".]] مُحَمَّدٍ ﷺ فِي تَكْذِيبِ مَنْ كَذَّبَهُ مِنْ قَوْمِهِ، بِأَنَّ لَهُ أُسْوَةَ مَنْ سَلَفَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ كَذَّبَهُمْ [[في س، أ: "كذبتهم".]] أُمَمُهُمْ وَخَالَفُوهُمْ، وَمَا آمَنَ بِهِمْ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ [[في ت، س: "القليل".]] ، فَقَالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ وَهُوَ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثه اللَّهُ يَنْهَى عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، ﴿وَالأحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أَيْ: مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ، ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ أَيْ: حَرَصُوا عَلَى قَتْلِهِ بِكُلِّ مُمْكِنٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَتَلَ رَسُولَهُ [[في ت، س، أ: "رسولهم".]] ، ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ أَيْ: مَاحَلُوا بِالشُّبْهَةِ [[في ت، أ: "ما جاءوا به من الشبهة".]] لِيَرُدُّوا الْحَقَّ الْوَاضِحَ الْجَلِيَّ.

وَقَدْ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا عَارِمٌ أَبُو النعمان، حدثنا مُعْتَمِر ابن سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ حَنَش، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [[في ت: "وقد روى الطبراني بإسناده".]] [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مِنْ أَعَانَ بَاطِلًا لِيَدْحَضَ بِبَاطِلِهِ حَقًّا، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ" [[المعجم الكبير (١١/٢١٥) ورواه الحاكم في المستدرك (٤/١٠٠) من طريق علي بن عبد العزيز به موقوفا وقال: "صحيح الإسناد" وتعقبه الذهبي بقوله: "فيه حنش الرحبي وهو ضعيف".]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ أَيْ: أَهْلَكَتْهُمْ عَلَى مَا صَنَعُوا مِنْ هَذِهِ الْآثَامِ وَالذُّنُوبِ الْعِظَامِ، ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ أَيْ: فَكَيْفَ بَلَغَكَ عَذَابِي لَهُمْ، وَنَكَالِي بِهِمْ؟ قَدْ كَانَ شَدِيدًا مُوجِعًا مُؤْلِمًا.

قَالَ قتادة: كان والله شديدًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أَيْ: كَمَا حَقَّتْ كلمةُ الْعَذَابِ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، كَذَلِكَ حَقَّتْ عَلَى الْمُكَذِّبِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَّبُوكَ وَخَالَفُوكَ يَا مُحَمَّدُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى؛ لِأَنَّ مَنْ كَذَّبَكَ [[في س: "كذب بك".]] فَلَا وُثُوقَ لَهُ بِتَصْدِيقِ غَيْرِكَ.

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٦) ﴾

يقول تعالى ذكره: وكما حق على الأمم التي كذبت رسلها التي قصصت عليك يا محمد قصصها عذابي، وحل بها عقابي بتكذيبهم رسلهم، وجدالهم إياهم بالباطل، ليدحضوا به الحق، كذلك وجبت كلمة ربك على الذين كفروا بالله من قومك، الذين يجادلون في آيات الله.

* *

وقوله: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾

اختلف أهل العربية في موضع قوله ﴿أنَّهُمْ﴾ ، فقال بعض نحويّي البصرة: معنى ذلك: حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار: أي لأنهم، أو بأنهم، وليس أنهم في موضع مفعول ليس مثل قولك: أحققت أنهم لو كان كذلك كان أيضا أحققت، لأنهم. وكان غيره يقول:"أنهم" بدل من الكلمة، كأنه أحقت الكلمة حقا أنهم أصحاب النار.

والصواب من القول في ذلك، أن قوله"أنهم" ترجمة عن الكلمة، بمعنى: وكذلك حقّ عليهم عذاب النار، الذي وعد الله أهل الكفر به.