سورة هود، الآية 112
الجزء 12، الصفحة 234.
فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا۟ ۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿١١٢﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة هود
تفسير الآية
التفسير الميسر
فاستقم -أيها النبي- كما أمرك ربك أنت ومَن تاب معك، ولا تتجاوزوا ما حدَّه الله لكم، إن ربَّكم بما تعملون من الأعمال كلها بصير، لا يخفى عليه شيء منها، وسيجازيكم عليها.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 110 إلى 113
الآية 110: يخبر تعالى أنه آتى موسى الكتاب الذي هو التوراة، الموجب للاتفاق على أوامره ونواهيه والاجتماع، ولكن مع هذا؛ فإنَّ المنتسبين إليه اختلفوا فيه اختلافاً أضرَّ بعقائدهم وبجامعتهم الدينيَّة. {ولولا كلمةٌ سبقتۡ من ربِّك}: بتأخيرهم وعدم معاجلتهم بالعذاب، {لَقُضِيَ بينَهم}: بإحلال العقوبة بالظَّالم، ولكنَّه تعالى اقتضت حكمته أن أخَّر القضاء بينَهم إلى يوم القيامة، وبَقوا في شكٍّ مريبٍ. وإذا كانت هذه حالُهم مع كتابهم؛ فمع القرآن الذي أوحاه الله إليك غير مستغربٍ من طائفة اليهود أن لا يؤمنوا به، وأن يكونوا في شكٍّ منه مريب.
الآية 111:{وإن كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُم ربُّك أعمالَهم}؛ أي: لا بدَّ أن يقضي الله بينهم يوم القيامة بحكمه العدل، فيجازي كلاًّ بما يستحقُّه. {إنه بما يعملون}: من خير وشرٍّ، {خبيرٌ}: فلا يَخْفى عليه شيء من أعمالهم؛ دقيقِها وجليلِها.
الآية 112: ثم لما أخبر بعدم استقامتهم التي أوجبتِ اختلافَهم وافتراقَهم؛ أمر نبيَّه محمداً - صلى الله عليه وسلم - ومَنْ معه من المؤمنين أن يستقيموا كما أمِروا، فيسلكوا ما شرعه الله من الشرائع، ويعتقِدوا ما أخبر الله به من العقائد الصحيحة، ولا يَزيغوا عن ذلك يمنةً ولا يسرةً، ويدوموا على ذلك، ولا يَطْغَوْا بأنْ يتجاوزوا ما حدَّه الله لهم من الاستقامة، وقوله:{إنَّه بما تعملون بصيرٌ}؛ أي: لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، وسيجازيكم عليها. ففيه ترغيبٌ لسلوك الاستقامة وترهيبٌ من ضدِّها.
الآية 113: ولهذا حذَّرهم عن الميل إلى من تعدَّى الاستقامة، فقال:{ولا تَرۡكَنوا}؛ [أي: لا تميلوا]{إلى الذين ظلموا}: فإنَّكم إذا ملتم إليهم وافقتموهم على ظلمهم أو رضيتم ما هم عليه من الظُّلم؛ {فَتَمَسَّكُم النارُ}: إن فعلتُم ذلك. {وما لكم من دون الله من أولياء}: يمنعونكم من عذاب الله، ولا يحصِّلون لكم شيئاً من ثواب الله. {ثم لا تُنصرون}؛ أي: لا يدفع عنكم العذابُ إذا مسَّكم. ففي هذه الآية التحذير من الركون إلى كلِّ ظالم، والمرادُ بالرُّكون: الميل والانضمام إليه بظلمه وموافقته على ذلك والرضا بما هو عليه من الظلم، وإذا كان هذا الوعيد في الركون إلى الظلمة؛ فكيف حال الظلمة بأنفسهم؟! نسأل الله العافية من الظلم.
تفسير الجلالين
﴿فاسْتَقِمْ﴾ عَلى العَمَل بِأَمْرِ رَبّك والدُّعاء إلَيْهِ ﴿كَما أُمِرْت و﴾ لِيَسْتَقِمْ ﴿مَن تابَ﴾ آمَنَ ﴿مَعَك ولا تَطْغَوْا﴾ تُجاوِزُوا حُدُود اللَّه ﴿إنّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ فَيُجازِيكُمْ بِهِ
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 112 إلى 113
يَأْمُرُ تَعَالَى رَسُولَهُ وَعِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالثَّبَاتِ وَالدَّوَامِ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ، وَذَلِكَ مِنْ أَكْبَرِ الْعَوْنِ عَلَى النَّصْرِ عَلَى الْأَعْدَاءِ وَمُخَالَفَةِ الْأَضْدَادِ وَنَهَى عَنِ الطُّغْيَانِ، وَهُوَ الْبَغْيُ، فَإِنَّهُ مَصرَعة حَتَّى وَلَوْ كَانَ عَلَى مُشْرِكٍ. وَأَعْلَمَ تَعَالَى أَنَّهُ بَصِيرٌ بِأَعْمَالِ الْعِبَادِ، لَا يَغْفُلُ عَنْ شَيْءٍ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا تُدهنُوا وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ الرُّكُونُ إِلَى الشِّرْكِ.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لَا تَرْضَوْا أَعْمَالَهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَلَا تَمِيلُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا وَهَذَا الْقَوْلُ حَسَنٌ، أَيْ: لَا تَسْتَعِينُوا بِالظَّلَمَةِ فَتَكُونُوا كَأَنَّكُمْ قَدْ رَضِيتُمْ بِبَاقِي صَنِيعِهِمْ، ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَكُمْ مَنْ دُونِهِ [[في أ: "من دون الله".]] مَنْ وَلِيٍّ يُنْقِذُكُمْ، وَلَا نَاصِرٍ يُخَلِّصُكُمْ مِنْ عَذَابِهِ.
تفسير الطبري
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فاستقم أنت، يا محمد، على أمر ربك، والدين الذي ابتعثك به، والدعاء إليه، كما أمرك ربك [[لنظر تفسير " الاستقامة " فيما سلف ص: ١٨٧.]] = ﴿ومن تاب معك﴾ ، يقول: ومن رجع معك إلى طاعة الله والعمل بما أمره به ربه من بعد كفره = ﴿ولا تطغوا﴾ ، يقول: ولا تعدوا أمره إلى ما نهاكم عنه. [[لنظر تفسير " طغى " فيما سلف ص: ٣٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] ﴿إنه بما تعملون بصير﴾ ، يقول: إن ربكم، أيها الناس، بما تعملون من الأعمال كلِّها، طاعتها ومعصيتها= "بصير"، ذو علم بها، لا يخفى عليه منها شيء، وهو لجميعها مبصرٌ. [[لنظر تفسير " بصير " فيما سلف من فهارس اللغة (بصر) .]] يقول تعالى ذكره: فاتقوا الله، أيها الناس، أن يطَّلع عليكم ربكم وأنتم عاملون بخلاف أمره، فإنه ذو علم بما تعلمون، وهو لكم بالمرصاد.
* *
وكان ابن عيينة يقول في معنى قوله: ﴿فاستقم كما أمرت﴾ ، ما:-
١٨٦٠٠- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن سفيان في قوله: ﴿فاستقم كما أمرت﴾ ، قال: استقم على القرآن.
١٨٦٠١- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿ولا تطغوا﴾ ، قال: الطغيان: خلاف الله، وركوب معصيته. ذلك "الطغيان".