سورة هود، الآية 115
الجزء 12، الصفحة 234.
وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿١١٥﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة هود
تفسير الآية
التفسير الميسر
واصبر -أيها النبي- على الصلاة، وعلى ما تَلْقى من الأذى من مشركي قومك؛ فإن الله لا يضيع ثواب المحسنين في أعمالهم.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 114 إلى 115
الآية 114: يأمر تعالى بإقامة الصلاة كاملة {طَرَفي النهار}؛ أي: أوله وآخره، ويدخل في هذا صلاة الفجر وصلاتا الظهر والعصر، {وزُلَفاً من الليل}: ويدخل في ذلك صلاة المغرب والعشاء، ويتناول ذلك قيام الليل؛ فإنَّها مما تُزْلِفُ العبد وتقرِّبه إلى الله تعالى. {إنَّ الحسنات يُذۡهِبۡنَ السيِّئاتِ}؛ أي: فهذه الصلوات الخمس وما ألحق بها من التطوُّعات من أكبر الحسنات، وهي مع أنها حسنات تقرِّب إلى الله وتوجِبُ الثواب؛ فإنَّها تُذْهِبُ السيِّئات وتمحوها، والمرادُ بذلك الصغائر؛ كما قيَّدتها الأحاديث الصحيحة عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ مثل قوله:«الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان؛ مكفراتٌ لما بينهنَّ ما اجتُنِبَتِ الكبائر» ، بل كما قيَّدتها الآية التي في سورة النساء، وهي قوله عزَّ وجلَّ:{إن تَجۡتَنِبوا كبائِرَ ما تُنۡهَوۡنَ عنه نكفِّر عنكم سيئاتِكم وندخِلۡكم مُدۡخلاً كريماً}. {ذلك}: لعل الإشارة لكلِّ ما تقدَّم؛ من لزوم الاستقامة على الصراط المستقيم، وعدم مجاوزته وتعدِّيه، وعدم الرُّكون إلى الذين ظلموا، والأمر بإقامة الصلاة، وبيان أنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات؛ الجميع {ذكرى للذاكرينَ}: يفهمون بها ما أمرهم الله به ونهاهم، ويمتثلون لتلك الأوامر الحسنة المثمِرَة للخيرات الدَّافعة للشُّرور والسيئات.
الآية 115: ولكن تلك الأمور تحتاج إلى مجاهدة النفس والصبر عليها، ولهذا قال:{واصبِرۡ}؛ أي: احبس نفسك على طاعة اللَّه وعن معصيته وإلزامها لذلك واستمرَّ ولا تضجر. {فإنَّ اللَّه لا يُضيعُ أجۡرَ المحسنينَ}: بل يتقبَّل اللَّه عنهم أحسن الذي عملوا ويَجْزيهم أجْرَهم بأحسن ما كانوا يعملون. وفي هذا ترغيبٌ عظيمٌ للزوم الصبر بتشويق النفس الضعيفة إلى ثواب الله كلَّما وَنَتْ وَفَتَرَتْ.
تفسير الجلالين
﴿واصْبِرْ﴾ يا مُحَمَّد عَلى أذى قَوْمك أوْ عَلى الصَّلاة ﴿فَإنَّ اللَّه لا يُضِيع أجْر المُحْسِنِينَ﴾ بِالصَّبْرِ عَلى الطّاعَة
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 114 إلى 115
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ قَالَ: يَعْنِي الصُّبْحَ وَالْمَغْرِبَ وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ -فِي رِوَايَةٍ -وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ: هِيَ الصُّبْحُ وَالْعَصْرُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ الصُّبْحُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَالظُّهْرُ وَالْعَصْرُ مِنْ آخِرِهِ. وَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظي، والضحاك في رواية عنه.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَغَيْرُهُمْ: يَعْنِي صَلَاةَ الْعِشَاءِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ -فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالة، عَنْهُ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ يَعْنِي الْمَغْرِبَ وَالْعَشَاءَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هُمَا زُلْفَتَا [[في ت: "زلفيا".]] اللَّيْلِ: الْمَغْرِبُ وَالْعَشَاءُ" [[رواه الطبري في تفسيره (١٥/٥٠٨) .]] . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ: إِنَّهَا صَلَاةُ الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ.
وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ فَرْضِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يَجِبُ مِنَ الصَّلَاةِ صَلَاتَانِ: صَلَاةٌ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَصَلَاةٌ قَبْلَ غُرُوبِهَا. وَفِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ قِيَامٌ عَلَيْهِ وَعَلَى الْأُمَّةِ، ثُمَّ نُسِخَ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ، وَثَبَتَ وُجُوبُهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ نُسِخَ عَنْهُ أَيْضًا، فِي قَوْلٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ يَقُولُ: إِنَّ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ يُكَفِّرُ الذُّنُوبَ السَّالِفَةَ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: كُنْتُ إِذَا سمعتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعَنِي مِنْهُ، وَإِذَا حَدَّثَنِي عَنْهُ أَحَدٌ اسْتَحْلَفْتُهُ، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ، وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ -وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ -أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، فَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، إِلَّا غَفَرَ لَهُ" [[المسند (١/٢) وسنن أبي داود برقم (١٥٢١) وسنن الترمذي برقم (٤٠٦) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٠٢٤٧) وسنن ابن ماجه برقم (١٣٩٥) وقال الترمذي: "حديث علي حَدِيثٌ حَسَنٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوجه".]] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: أَنَّهُ تَوَضَّأَ لَهُمْ كوضُوء رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رأيتُ رَسُولَ اللَّهِ يَتَوَضَّأُ، وَقَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّث فِيْهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" [[صحيح البخاري برقم (١٥٩) وصحيح مسلم برقم (٢٤٥) .]] .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَقِيل زُهْرَة بْنِ مَعْبَد: أَنَّهُ سَمِعَ الْحَارِثَ مَوْلَى عُثْمَانَ يَقُولُ: جَلَسَ عُثْمَانُ يَوْمًا وَجَلَسْنَا مَعَهُ، فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ فَدَعَا عُثْمَانُ بِمَاءٍ فِي إِنَاءٍ أَظُنُّهُ سَيَكُونُ فِيهِ قَدْرَ مُدّ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى [[في ت: "يصلي".]] صَلَاةَ الظُّهْرِ، غُفِر لَهُ مَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَشَاءَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ لَعَلَّهُ يَبِيتُ يَتَمَرَّغُ لَيْلَتَهُ، ثُمَّ إِنْ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الصُّبْحَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَهُنَّ الْحَسَنَاتُ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ" [[المسند (١/٧١) وتفسير الطبري (١٥/٥١١) .]] .
وَفِي الصَّحِيحِ [[في ت: "وفي الصحيحين".]] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ أن بِبَابِ أَحَدِكُمْ نَهْرًا غَمْرًا يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يُبقي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا؟ " قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: قَالَ: "وَكَذَلِكَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الذُّنُوبَ وَالْخَطَايَا" [[صحيح البخاري برقم (٥٢٨) وصحيح مسلم برقم (٦٦٧) .]] .
وَقَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ [[في ت: "أبو طاهر".]] وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب، عَنْ أَبِي صَخْرٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ إِسْحَاقَ مَوْلَى زَائِدَةَ حَدَثه عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَات مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا [[في ت: "ما".]] اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ" [[صحيح مسلم برقم (٢٣٣) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا الحَكَم بْنُ نَافِعٍ [[في أ: "بن رافع".]] حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ ضَمْضَم بْنِ زُرْعَة، عَنْ شُرَيْح بْنِ عُبَيْدٍ، أَنَّ أَبَا رُهْم السَّمْعِيَّ كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "إِنَّ كُلَّ صَلَاةٍ تَحُطُّ مَا بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ خَطِيئَةٍ" [[المسند (٥/٤١٣) .]]
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ عَوْفٍ [[في ت: "عون".]] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ زُرْعَةَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "جُعِلَتِ الصَّلَوَاتُ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [[تفسير الطبري (١٥/٥١٣) ومحمد بن إسماعيل ضعيف ولم يسمع من أبيه.]] .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ قُبْلَة، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ فَقَالَ الرَّجُلُ: إِلَىَّ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ [[في ت: "يا رسول +ألى هذا".]] قَالَ: "لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ".
هَكَذَا رَوَاهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَأَخْرَجَهُ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ مُسَدَّد، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيع، بِنَحْوِهِ [[صحيح البخاري برقم (٥٢٦) وبرقم (٤٦٨٧) .]] وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَحْمَدُ، وَأَهْلُ السُّنَنِ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلّ، بِهِ [[وصحيح مسلم برقم (٢٧٦٣) والمسند (١/٣٨٥) وسنن الترمذي برقم (٣١١٤) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٢٤٧) وسنن ابن ماجه برقم (١٣٩٨) .]] .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، والترمذي، والنسائي، وابن جرير -وهذا لفظه - مِنْ طُرُق: عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْبٍ: أَنَّهُ سَمِعَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ يَزِيدَ يُحدِّث عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ [[في ت، أ: "رسول الله".]] ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً فِي بُسْتَانٍ، فَفَعَلْتُ بِهَا كُلَّ شَيْءٍ، غَيْرَ أَنِّي لَمْ أُجَامِعْهَا، قَبَّلتها وَلَزِمْتُهَا، وَلَمْ أَفْعَلْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَافْعَلْ بِي مَا شِئْتَ. فَلَمْ يَقُلْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا، فَذَهَبَ الرَّجُلُ، فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ، لَوْ سَتَرَ عَلَى نَفْسِهِ. فَأَتْبَعُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بصرَه ثُمَّ قَالَ: "رُدُّوهُ عَلَيَّ". فَرَدُّوهُ عَلَيْهِ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ فَقَالَ مُعَاذٌ -وَفِي رِوَايَةِ عُمَرَ -: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَهُ وَحْدَهُ، أَمْ لِلنَّاسِ كَافَّةً؟ فَقَالَ: "بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً" [[المسند (١/٤٤٥) وصحيح مسلم برقم (٢٧٦٣) وسنن أبي داود برقم (٤٤٦٨) وسنن الترمذي برقم (٣١١٢) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٧٣٢٣) وتفسير الطبري (١٥/٥١٥) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُرّة الهَمْداني، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رسول الله صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَخْلَاقَكُمْ [[في ت، أ: "آجالكم".]] كَمَا قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ، وَإِنَّ اللَّهَ يُعْطِي [[في ت: "معطى".]] الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الدِّينَ [[في ت، أ: "الآخرة".]] إِلَّا مَنْ أَحَبَّ. فَمَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحَبَّهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُسْلِمُ عَبْدٌ حَتَّى يُسْلِمَ قَلْبُهُ وَلِسَانُهُ، وَلَا يُؤْمِنُ حَتَّى يَأْمَنَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ". قَالَ: قُلْنَا: وَمَا بَوَائِقُهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ [[في أ: "يا رسول الله".]] ؟ قَالَ: "غِشُّهُ وَظُلْمُهُ، وَلَا يكسِبُ عَبْدٌ مَالًا حَرَامًا فَيُنْفِقَ مِنْهُ فَيُبَارَكَ لَهُ فِيهِ، وَلَا يَتَصَدَّقُ فَيُقْبَلَ مِنْهُ، وَلَا يَتْرُكُهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ إِلَّا كَانَ زادَه إِلَى النَّارِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَمْحُو السَّيِّئَ بِالسَّيِّئِ، وَلَكِنَّهُ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالْحَسَنِ، إِنَّ الْخَبِيثَ لَا يَمْحُو الْخَبِيثَ" [[المسند (١/٣٨٧) .]] .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو السَّائِبِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانَ فُلَانُ ابْنُ مُعَتِّبٍ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَخَلْتُ عَلَى امْرَأَةٍ فنِلْتُ مِنْهَا مَا يَنَالُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ، إِلَّا أَنِّي لَمْ أُجَامِعْهَا فَلَمْ يَدْرِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا يُجِيبُهُ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [[في ت، أ: "أقم" وهو خطأ.]] فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَرَأَهَا عَلَيْهِ [[تفسير الطبري (١٥/٥١٩) .]] .
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ عَمْرُو بْنُ غَزِيَّة الْأَنْصَارِيُّ التَّمَّارُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ أَبُو نُفَيْلٍ عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَذَكَرَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ أَنَّهُ أَبُو اليَسر: كعب بن عمرو.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يُونُسُ وَعَفَّانُ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -يَعْنِي: ابْنَ سَلَمَةَ -عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ -قَالَ عَفَّانُ: أَنْبَأَنَا عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مٍهْران، عن ابن عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ قَالَ [[في ت: "فقال".]] امْرَأَةٌ جَاءَتْ تُبَايِعُهُ، فَأَدْخَلْتُهَا الدَّوْلَجَ، فَأَصَبْتُ مِنْهَا مَا دُونُ الْجِمَاعِ، فَقَالَ: وَيَحْكَ. لَعَلَّهَا مُغِيبة فِي سبيل الله؟ قال: أجل. قال: فائت أَبَا بَكْرٍ فَاسْأَلْهُ [[في ت: "فسله".]] قَالَ: فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: لَعَلَّهَا مُغيبة فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِ عُمَرَ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ: "فَلَعَلَّهَا مُغيبة فِي سَبِيلِ اللَّهِ". وَنَزَلَ الْقُرْآنُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [[في ت، أ: "أقم" وهو خطأ.]] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِيَ خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً؟ فَضَرَبَ -يَعْنِي: عُمَرَ -صَدْرَهُ [[في ت: "عن صدره".]] بِيَدِهِ وَقَالَ: لَا وَلَا نُعمَة عَيْنٍ، بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "صَدَقَ عُمَرُ" [[المسند (١/٢٤٥) وعلى بن زيد ضعيف.]] .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهِبٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي الْيَسَرِ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: أَتَتْنِي امْرَأَةٌ تَبْتَاعُ مِنِّي بِدِرْهَمٍ تَمْرًا، فَقُلْتُ: إِنَّ فِي الْبَيْتِ تَمْرًا أَطْيَبُ وَأَجْوَدُ مِنْ هَذَا، فَدَخَلَتْ، فَأَهْوَيْتُ إِلَيْهَا فَقَبَّلْتُهَا، فَأَتَيْتُ عُمَرَ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ، وَاسْتُرْ عَلَى نَفْسِكَ، وَلَا تُخْبِرَنَّ أَحَدًا. فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى أَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ، وَاسْتُرْ عَلَى نَفْسِكَ، وَلَا تُخْبِرَنَّ أَحَدًا. قَالَ: فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: "أخَلَفتَ رَجُلًا غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي أَهْلِهِ بِمِثْلِ هَذَا؟ " حَتَّى ظَنَنْتُ أَنِّي مِنْ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ سَاعَتَئِذٍ. فَأَطْرَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاعَةً، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: " [أَيْنَ] [[زيادة من ت، أ، والطبري.]] أَبُو الْيَسَرِ؟ ". فَجِئْتُ، فَقَرَأَ عَلَيَّ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ إِلَى ﴿ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ فَقَالَ إِنْسَانٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَهُ خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً؟ قَالَ [[في ت: "فقال".]] " لِلنَّاس عَامَّةً" [[تفسير الطبري (١٥/٥٢٣) .]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ؛ أَنَّهُ كَانَ قَاعِدًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ لَا تَحِلُّ لَهُ، فَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا يُصِيبُهُ الرَّجُلُ مِنِ امْرَأَتِهِ إِلَّا قَدْ أَصَابَ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُجَامِعْهَا؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "تَوَضَّأْ وُضُوءًا حَسَنا، ثُمَّ قُمْ فَصْلِّ" [[في ت: "فصلى".]] قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ، يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ فَقَالَ مُعَاذٌ: أُهِيَ لَهُ خَاصَّةً أَمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟ قَالَ: "بل للمسلمين عامة".
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، بِهِ [[سنن الدارقطني (١/١٣٤) وتفسير الطبري (١٥/٥٢٠ - ٥٢٢) ورواه الترمذي في السنن برقم (٣١١٣) من طريق عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ بِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: "هذا حديث ليس إسناده بمتصل، عبد الله بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ، وروى شعبة هذا الحديث عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرحمن بن أبي ليلى، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مرسل".]] .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ؛ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ذَكَرَ امْرَأَةً وَهُوَ جَالِسٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَاسْتَأْذَنَهُ لِحَاجَةٍ، فَأَذِنَ لَهُ، فَذَهَبَ يَطْلُبُهَا فَلَمْ يَجِدْهَا، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ يُرِيدُ أَنْ يُبَشِّرَ النَّبِيَّ ﷺ بِالْمَطَرِ، فَوَجَدَ الْمَرْأَةَ جَالِسَةً عَلَى غَدِيرٍ، فَدَفَعَ فِي صَدْرِهَا وَجَلَسَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا، فَصَارَ ذَكَرُهُ مِثْلَ الهُدْبة، فَقَامَ نَادِمًا حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِمَا صَنَعَ، فَقَالَ لَهُ: "اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ، وَصَلِّ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ". قَالَ: وَتَلَا عَلَيْهِ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ الْآيَةَ [[تفسير عبد الرزاق (١/٢٧٤) .]] .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَبّويه، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنْ سَلِيمِ بْنِ عَامِرٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أَقِمْ فِيَّ حَدَّ اللَّهِ -مَرَّةً أَوْ ثنْتِين -فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ: "أَيْنَ هَذَا الرَّجُلُ الْقَائِلُ: أَقِمْ فِيَّ حَدَّ اللَّهِ؟ " قَالَ: أَنَا ذَا: قَالَ: "أَتْمَمْتَ الْوُضُوءَ وَصَلَّيْتَ مَعَنَا آنِفًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَإِنَّكَ مِنْ خَطِيئَتِكَ كَمَا وَلَدَتْكَ أُمُّكَ، وَلَا تَعُدْ". وأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [[في ت: "على رسوله".]] : ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [[تفسير الطبري (١٥/٥٢١) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٢٧٦٥) من طريق شداد بن عبد الله، عن أبي أمامة بنحوه.]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَنْبَأَنَا عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَأَخَذَ مِنْهَا غُصْنا يَابِسًا فَهَزَّهُ حَتَّى تحاتَّ وَرَقُةٌ [[في ت، أ: "ورقه".]] ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا عُثْمَانَ، أَلَا تَسْأَلُنِي لِمَ أَفْعَلُ هَذَا؟ فَقُلْتُ: لِمَ تَفْعَلُهُ [[في ت: "قلت ولم يفعله".]] ؟ قَالَ: هَكَذَا فَعَلَ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا مَعَهُ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَأَخَذَ مِنْهَا يَابِسًا فَهَزَّهُ حَتَّى تَحَاتَّ وَرَقُةٌ، فَقَالَ: "يَا سَلْمَانُ، أَلَا تَسْأَلُنِي: لِمَ أَفْعَلُ هَذَا؟ ". قُلْتُ: وَلِمَ تَفْعَلُهُ؟ فَقَالَ: "إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، تَحَاتَّتْ خَطَايَاهُ كَمَا يَتَحَاتُّ [[في ت: "يتحاتت".]] هَذَا الْوَرَقُ. وَقَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [[في ت: "أقم" وهو خطأ.]] [[المسند (٥/٤٣٧) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ مَيْمُونِ بن أبي شَبِيبٍ، عَنْ مُعَاذٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قال لَهُ: "يَا مُعَاذُ، أَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ" [[المسند (٥/٢٢٨) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍ؛ أَنَّ رَسُولَ [[في ت، أ: "أن النبي".]] اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ" [[المسند (٥/١٥٣) .]] .
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ شَمْر بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ أَشْيَاخِهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي. قَالَ: "إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَأَتْبِعْهَا حَسَنَةً تَمْحُهَا". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمِنَ الْحَسَنَاتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: "هِيَ أَفْضَلُ الْحَسَنَاتِ" [[المسند (٥/١٦٩) .]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ: حَدَّثَنَا هُذَيْلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الجُمَّاني، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ، مِنْ وَلَدِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا قَالَ عَبْد: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، إِلَّا طَلَست مَا فِي الصَّحِيفَةِ مِنَ السَّيِّئَاتِ، حَتَّى تَسْكُنَ إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْحَسَنَاتِ" [[مسند أبي يعلى (٦/٢٠٤) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٨٢) : "فيه عثمان بن عبد الرحمن الزهري، وهو متروك".]] .
عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، يُقَالُ لَهُ: الْوَقَّاصِيُّ. فِيهِ ضَعْفٌ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ آدَمَ وَزَيْدُ بْنُ أَخْرَمَ قَالَا حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَد، حَدَّثَنَا مَسْتُورُ بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَرَكْتُ مِنْ حَاجَةٍ وَلَا دَاجَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ ". قَالَ: بَلَى. قَالَ: "فَإِنَّ هَذَا يَأْتِي عَلَى ذَلِكَ" [[مسند البزار برقم (٣٠٦٧) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٨٣) : "رجاله ثقات".]] .
تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَسْتُورٌ.
تفسير الطبري
يشمل هذا التفسير الآيات 115 إلى 116
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واصبر، يا محمد، على ما تلقى من مشركي قومك من الأذى في الله والمكروه، رجاءَ جزيل ثواب الله على ذلك، فإن الله لا يضيع ثوابَ عمل من أحسن فأطاع الله واتبع أمره، فيذهب به، بل يوَفّره أحوجَ ما يكون إليه.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلا قَلِيلا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فهلا كان من القرون الذين قصصت عليك نبأهم في هذه السورة، الذين أهلكتهم بمعصيتهم إياي، وكفرهم برسلي [[انظر تفسير " القرن " فيما سلف ١١: ٢٦٣ / ١٥: ٣٧.]] من قبلكم. ﴿أولو بقية﴾ ، يقول: ذو بقية من الفهم والعقل، [[انظر تفسير " البقية " فيما سلف ص: ٤٤٧ - ٤٤٩.]] يعتبرون مواعظَ الله ويتدبرون حججه، فيعرفون ما لهم في الإيمان بالله، وعليهم في الكفر به [[في المطبوعة والمخطوطة: " وعليهم " بإسقاط " ما "، والأجود إثباتها.]] = ﴿ينهون عن الفساد في الأرض﴾ ، يقول: ينهون أهل المعاصي عن معاصيهم، وأهل الكفر بالله عن كفرهم به، في أرضه [[انظر تفسير " الفساد في الأرض " فيما سلف من فهارس اللغة (فسد) .]] = ﴿إلا قليلا ممن أنجينا منهم﴾ ، يقول: لم يكن من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض، إلا يسيرًا، فإنهم كانوا ينهون عن الفساد في الأرض، فنجاهم الله من عذابه، حين أخذ من كان مقيمًا على الكفر بالله عذابُه = وهم اتباع الأنبياء والرسل.
* *
ونصب "قليلا" لأن قوله: ﴿إلا قليلا﴾ استثناء منقطع مما قبله، كما قال: ﴿إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا﴾ ، [سورة يونس: ٩٨] . وقد بينا ذلك في غير موضع، بما أغنى عن إعادته. [[انظر فهارس مباحث العربية والنحو وغيرهما.]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٨٦٩٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: اعتذر فقال: ﴿فلولا كان من القرون من قبلكم﴾ ، حتى بلغ: ﴿إلا قليلا ممن أنجينا منهم﴾ ، فإذا هم الذين نجوا حين نزل عذاب الله. وقرأ: ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه﴾ .
١٨٦٩١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية﴾ ، إلى قوله: ﴿إلا قليلا ممن أنجينا منهم﴾ ، قال: يستقلَّهم الله من كل قوم.
١٨٦٩٢- حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن داود قال: سألني بلال عن قول الحسن في القدر، [[في المطبوعة والمخطوطة هنا: " في العذر "، والصواب ما أثبت، وانظر التعليق التالي.]] قال: فقال: سمعت الحسن يقول: ﴿قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم﴾ ، قال: بعث الله هودًا إلى عاد، فنجى الله هودًا والذين آمنوا معه وهلك المتمتعون. وبعث الله صالحًا إلى ثمود، فنجى الله صالحًا وهلك المتمتعون. فجعلت أستقريه الأمم، فقال: ما أراه إلا كان حسَّن القول في القَدر. [[في المطبوعة وحدها: " في العذر، والصواب من المخطوطة. ويعني أنه أمر قد فرغ منه، لقول الله سبحانه لنوح: " وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم "، وذلك قبل أن يكونوا، وهو قول أهل الإثبات، من أهل الحق.]]
١٨٦٩٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم﴾ ، أي: لم يكن من قبلكم من ينهى عن الفساد في الأرض = ﴿إلا قليلا ممن أنجينا منهم﴾ .
* *
وقوله: ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه﴾ ، يقول تعالى ذكره: واتبع الذين ظلموا أنفسهم فكفروا بالله ما أترفوا فيه.
ذكر من قال ذلك:
١٨٦٩٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه﴾ ، قال: ما أُنْظروا فيه.
١٨٦٩٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه﴾ ، من دنياهم.
=وكأنّ هؤلاء وجَّهوا تأويل الكلام: واتبع الذين ظلموا الشيء الذي أنظرهم فيه ربُّهم من نعيم الدنيا ولذاتها، إيثارًا له على عمل الآخرة وما ينجيهم من عذاب الله.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: واتبع الذين ظلَموا ما تجبَّروا فيه من الملك، وعتَوْا عن أمر الله.
ذكر من قال ذلك:
١٨٦٩٦- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه﴾ ، قال: في ملكهم وتجبُّرهم، وتركوا الحق.
١٨٦٩٧- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه، إلا أنه قال: وتركِهم الحق.
١٨٦٩٨- حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثل حديث محمد بن عمرو سواء.
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر تعالى ذكره: أن الذين ظلموا أنفسهم من كل أمة سلفت فكفروا بالله، اتبعوا ما أنظروا فيه من لذات الدنيا، فاستكبروا وكفروا بالله، واتبعوا ما أنظروا فيه من لذات الدنيا، فاستكبروا عن أمر الله وتجبروا وصدوا عن سبيله.
* *
= وذلك أن المترف في كلام العرب: هو المنعم الذي قد غُذِّي باللذات، ومنه قول الراجز: [[هو رؤبة.]]
نُهْدِي رُءُوسَ المُتْرَفينَ الصُّدَّادْ ... إلى أمِير المُؤْمِنِينَ المُمْتَادْ [[سلف البيت وتخريجه وشرح فيما سلف ١١: ٢٢٣، تعليق: ١.، " الممتاد "، الذي نسأله العطاء فيعطي.]]
* *
وقوله: ﴿وكانوا مجرمين﴾ ، يقول: وكانوا مكتسبي الكفر بالله. [[انظر تفسير " الإجرام " فيما سلف من فهارس اللغة (جرم) .]]