سورة هود، الآية 38
الجزء 12، الصفحة 226.
وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِۦ سَخِرُوا۟ مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا۟ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ﴿٣٨﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة هود
تفسير الآية
التفسير الميسر
ويصنع نوح السفينة، وكلَّما مر عليه جماعة من كبراء قومه سخروا منه، قال لهم نوح: إن تسخروا منا اليوم لجهلكم بصدق وعد الله، فإنا نسخر منكم غدًا عند الغرق كما تسخرون منا.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 25 إلى 49
الآية 25: أي: {ولقد أرسلۡنا نوحاً}: أول المرسلين {إلى قومه}: يدعوهم إلى الله وينهاهم عن الشرك، فقال:{إني لكم نذيرٌ مبينٌ}؛ أي: بينتُ لكم ما أنذرتكم به بياناً زال به الإشكال.
الآية 26:{أن لا تعبُدوا إلاَّ الله}؛ أي: أخلصوا العبادة لله وحده، واتركوا كلَّ ما يُعبد من دون الله. {إني أخافُ عليكم عذابَ يوم أليم}: إنْ لم تقوموا بتوحيد الله وتطيعوني.
الآية 27:{فقال الملأ الذين كَفَروا من قومِهِ}؛ أي: الأشراف والرؤساء رادِّين لدعوة نوح عليه السلام كما جَرَتِ العادة لأمثالهم أنَّهم أول مَن ردَّ دعوة المرسلين {ما نراك إلا بشراً مثلَنا}: وهذا مانعٌ بزعمهم عن اتِّباعه، مع أنه في نفس الأمر هو الصوابُ الذي لا ينبغي غيره؛ لأنَّ البشر يتمكَّن البشرُ أن يتلقَّوا عنه ويراجعوه في كلِّ أمرٍ؛ بخلاف الملائكة. {وما نراك اتَّبعك إلا الذين هم أراذِلُنا}؛ أي: ما نرى اتَّبعك منَّا إلا الأراذلُ والسَّفَلة ـ بزعمهم ـ وهم في الحقيقة الأشرافُ وأهل العقول، الذين انقادوا للحقِّ، ولم يكونوا كالأراذل الذين يُقال لهم: الملأ، الذين اتَّبعوا كل شيطان مَريدٍ، واتَّخذوا آلهة من الحجر والشجر يتقرَّبون إليها ويسجدون لها؛ فهل ترى أرذل من هؤلاء وأخس؟! وقولهم:{بادِيَ الرأي}؛ أي: إنما اتَّبعوك من غير تفكُّر ورويَّة، بل بمجرَّد ما دعوتهم اتَّبعوك؛ يعنون بذلك أنهم ليسوا على بصيرةٍ من أمرهم، ولم يعلموا أنَّ الحقَّ المبينَ تدعو إليه بداهةُ العقول، وبمجرَّد ما يصل إلى أولي الألباب يعرفونه ويتحقَّقونه، لا كالأمور الخفيَّة التي تحتاج إلى تأمُّل وفكر طويل. {وما نرى لكم علينا من فضل}؛ أي: لستم أفضل منا فننقادُ لكم، {بل نظنُّكم كاذبين}: وكذبوا في قولهم هذا؛ فإنَّهم رأوا من الآيات التي جعلها الله مؤيِّدة لنوح ما يوجِبُ لهم الجزم التامَّ على صدقه.
الآية 28: ولهذا {قال} لهم نوحٌ مجاوباً: {يا قوم أرأيتُم إن كنتُ على بيِّنةٍ من ربِّي}؛ أي: على يقين وجزم؛ يعني: وهو الرسول الكامل القدوة، الذي ينقاد له أولو الألباب، وتضمحِلُّ في جنب عقله عقول الفحول من الرجال، وهو الصادق حقًّا؛ فإذا قال: إني على بيِّنة من ربِّي؛ فحسبُك بهذا القول شهادةً له وتصديقاً. {وآتاني رحمةً من عنده}؛ أي: أوحى إليَّ وأرسلني ومنَّ عليَّ بالهداية، {فعُمِّيَتۡ عليكم}؛ أي: خفيت عليكم وبها تثاقلتم، {أنُلۡزِمُكموها}؛ أي: أنُكْرِهكم على ما تحقَّقناه، وشككتم أنتم فيه. وأنتم كارهونَ حتَّى حرصتُم على ردِّ ما جئتُ به، ليس ذلك ضارَّنا، وليس بقادح مِن يقيننا فيه، ولا قولكم وافتراؤكم علينا صادًّا لنا عمَّا كنَّا عليه، وإنَّما غايته أن يكون صادًّا لكم أنتم وموجباً لعدم انقيادكم للحقِّ الذي تزعمون أنَّه باطل؛ فإذا وصلت الحال إلى هذه الغاية؛ فلا نقدر على إكراهكم على ما أمر الله ولا إلزامكم ما نفرتُم عنه، ولهذا قال:{أنُلۡزِمُكموها وأنتم لها كارهون}؟!
الآية 29:{ويا قوم لا أسألُكم عليه}؛ أي: على دعوتي إياكم {مالاً}: فتستثقلون المغرم، {إنۡ أجرِيَ إلاَّ على الله}: وكأنهم طلبوا منه طردَ المؤمنين الضعفاء، فقال لهم:{وما أنا بطاردِ الذين آمنوا}؛ أي: ما ينبغي لي ولا يَليق بي ذلك، بل أتلقَّاهم بالرُّحب والإكرام والإعزاز والإعظام، {إنَّهم ملاقو ربِّهم}: فمثيبهم على إيمانهم وتقواهم بجنات النعيم. {ولكنِّي أراكم قوماً تجهلون}: حيث تأمرونني بطرد أولياء الله وإبعادهم عنِّي، وحيث رددتُم الحقَّ لأنهم أتباعه، وحيث استدللتم على بطلان الحقِّ بقولكم: إني بشرٌ مثلكم، وإنَّه ليس لنا عليكم من فضل.
الآية 30:{ويا قومِ مَن ينصُرني من الله إن طَرَدۡتُهم}؛ أي: مَن يمنعني من عذابِهِ؛ فإنَّ طردهم موجب للعذاب والنَّكال الذي لا يمنعه من دون الله مانع. {أفلا تذكَّرونَ}: ما هو الأنفع لكم والأصلح وتدبَّرون الأمور؟!
الآية 31:{ولا أقول لكم عندي خزائنُ الله ولا أعلم الغيبَ ولا أقولُ إني مَلَكٌ}؛ أي: غايتي أني رسولُ الله إليكم؛ أبشِّركم وأنذركم، وما عدا ذلك؛ فليس بيدي من الأمر شيء، فليست خزائن الله عندي أدبِّرها أنا وأعطي مَنْ أشاء وأحْرُمُ مَن أشاء. {ولا أعلمُ الغيبَ}: فأخبركم بسرائِرِكم وبواطنكم، {ولا أقولُ إني مَلَك}: والمعنى أني لا أدَّعي رتبةً فوق رتبتي، ولا منزلةً سوى المنزلة التي أنزلني الله بها، ولا أحكم على الناس بظنِّي، فلا {أقول للذين تَزۡدَري أعيُنكم}؛ أي: الضعفاء المؤمنين الذين يحتقرهم الملأ الذين كفروا؛ {لن يؤتيهم الله خيراً اللهُ أعلم بما في أنفسِهم}: فإن كانوا صادقينَ في إيمانهم؛ فلهم الخير الكثير، وإن كانوا غير ذلك؛ فحسابهم على الله. {إني إذاً}؛ أي: إن قلتُ لكم شيئاً ممَّا تقدَّم، {لمن الظَّالمين}: وهذا تأييس منه عليه الصلاة والسلام لقومِهِ أن ينبذَ فقراء المؤمنين أو يمقتهم، وتقنيع لقومه بالطُّرق المقنعة للمنصف.
الآية 32: فلما رأوه لا ينكفُّ عما كان عليه من دعوتهم ولم يدرِكوا منه مطلوبَهم؛ {قالوا يا نوحُ قد جادَلۡتنا فأكثرتَ جِدالنا فأتِنا بما تَعِدُنا}[من العذابِ]{إنۡ كنتَ من الصادقين}: فما أجهلهم وأضلَّهم! حيثُ قالوا هذه المقالة لنبِّيهم الناصح؛ فهلاَّ قالوا إن كانوا صادقين: يا نوحُ! قد نصحتَنا وأشفقتَ علينا ودعوتَنا إلى أمرٍ لم يتبيَّن لنا فنريدُ منك أن تبيِّنه لنا لننقادَ لك، وإلاَّ فأنت مشكورٌ في نصحك؛ لكان هذا الجواب المنصف للذي قد دُعِيَ إلى أمرٍ خفي عليه، ولكنهم في قولهم كاذبون، وعلى نبيهم متجرِّئون، ولم يردُّوا ما قاله بأدنى شبهةٍ فضلاً عن أن يردُّوه بحجَّة، ولهذا عدلوا من جهلهم وظلمهم إلى الاستعجال بالعذاب وتعجيز الله.
الآية 33: ولهذا أجابهم نوحٌ عليه السلام بقوله: {إنَّما يأتيكم به الله إن شاءَ}؛ أي: إن اقتضتْ مشيئته وحكمتُه أن يُنْزِلَه بكم؛ فعل ذلك، {وما أنتم بمعجِزين}: لله، وأنا ليس بيدي من الأمر شيءٌ.
الآية 34:{ولا ينفعكم نُصحي إنۡ أردتُ أنۡ أنصَحَ لكم إن كان الله يريدُ أن يُغۡوِيَكم}؛ أي: إن إرادة الله غالبةٌ؛ فإنَّه إذا أراد أن يغوِيَكم لردِّكمُ الحقَّ؛ فلو حرصتُ غاية مجهودي ونصحتُ لكم أتمَّ النُّصح ـ وهو قد فعل عليه السلام ـ؛ فليس ذلك بنافع لكم شيئاً. {هو ربُّكم}: يفعلُ بكم ما يشاء ويحكُم فيكم بما يُريدُ، {وإليه تُرۡجَعون}: فيجازيكم بأعمالكم.
الآية 35:{أم يقولونَ افتراه}: هذا الضمير محتملٌ أن يعود إلى نوح كما كان السياق في قصتِهِ مع قومه، وأنَّ المعنى: إنَّ قومه يقولون: افترى على الله كذباً، وكَذَبَ بالوحي الذي يزعم أنَّه من الله، وأنَّ الله أمره أن يقول:{قلۡ إنِ افتريتُه فعليَّ إجرامي وأنا بريء مما تُجۡرِمون}؛ أي: كلٌّ عليه وزره، {ولا تَزِرُ وازرةٌ وِزۡرَ أخرى}. ويُحتمل أن يكون عائداً إلى النبيِّ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وتكون هذه الآية معترضةً في أثناء قصة نوح وقومه؛ لأنَّها من الأمور التي لا يعلمها إلا الأنبياء، فلما شرع الله في قصِّها على رسوله، وكانت من جملة الآيات الدالَّة على صدقه ورسالته؛ ذكر تكذيب قومه له، مع البيان التامِّ، فقال:{أم يقولونَ افتراه}؛ أي: هذا القرآن اختلقه محمدٌ من تلقاء نفسه؛ أي: فهذا من أعجب الأقوال وأبطلها؛ فإنَّهم يعلمون أنَّه لم يقرأ ولم يكتبْ ولم يرحلْ عنهم لدراسة على أهل الكتب، فجاء بهذا الكتاب الذي تحدَّاهم أن يأتوا بسورةٍ من مثله؛ فإذا زعموا مع هذا أنَّه افتراه؛ عُلِمَ أنَّهم معاندون، ولم يبقَ فائدةٌ في حجاجهم، بل اللائق في هذه الحال الإعراضُ عنهم، ولهذا قال:{قلۡ إنِ افتريتُهُ فعليَّ إجرامي}؛ أي: ذنبي وكذبي. {وأنا بريءٌ مما تجرِمون}؛ أي: فلم تستلِجُّون في تكذيبي؟
الآية 36: وقوله: {وأوحي إلى نوح أنَّه لن يؤمِنَ مِن قومِكَ إلاَّ مَنۡ قد آمنَ}؛ أي: قد قسوا {فلا تبتئِسۡ بما كانوا يفعلون}؛ أي: فلا تحزنْ ولا تبالِ بهم وبأفعالهم؛ فإنَّ الله قد مَقَتَهم وأحقَّ عليهم عذابه الذي لا يردُّ.
الآية 37:{واصنع الفُلۡكَ بأعيُننا ووَحۡينا}؛ أي: بحفظنا ومرأىً منَّا وعلى مرضاتنا، {ولا تخاطِبۡني في الذين ظلموا}؛ أي: لا تراجِعْني في إهلاكهم، {إنَّهم مُغۡرَقون}؛ أي: قد حقَّ عليهم القولُ، ونَفَذَ فيهم القدرُ.
الآية 38: فامتثلَ أمر ربِّه، وجَعَلَ يصنع الفلك، {وكلما مرَّ عليه ملأ من قومِهِ}: ورأوا ما يصنع، {سَخِروا منه قال إن تَسۡخَروا منَّا}: الآن، {فإنَّا نسخَرُ منكم كما تسخَرونَ}.
الآية 39:{فسوفَ تعلمونَ مَن يأتيه عذابٌ يُخۡزيه ويَحِلُّ عليه عذابٌ مقيمٌ}: نحنُ أم أنتم؟ وقد علموا ذلك حين حلَّ بهم العقاب.
الآية 40:{حتَّى إذا جاء أمرُنا}؛ أي: قدرُنا بوقتِ نزول العذاب بهم، {وفار التنُّور}؛ أي: أنزل الله السماء بالماء المنهمر، وفجَّر الأرض كلَّها عيوناً، حتى التنانير التي هي محلُّ النار في العادة وأبعد ما يكون عن الماء تفجَّرت، فالتقى الماءُ على أمرٍ قد قُدِرَ، {قُلۡنا} لنوح: {احملۡ فيها مِن كلٍّ زوجين اثنين}؛ أي: من كلِّ صنف من أصناف المخلوقات ذكر وأنثى؛ لتبقى مادَّة سائر الأجناس، وأما بقيَّة الأصناف الزائدة عن الزوجين؛ فلأنَّ السفينة لا تُطيق حملها، {وأهۡلَكَ إلاَّ مَن سَبَقَ عليه القولُ}: ممَّن كان كافراً؛ كابنه الذي غرق. {ومَنۡ آمن و} ـ الحال أنه ـ {ما آمَنَ معه إلا قليلٌ}.
الآية 41:{وقال} نوحٌ لمن أمره الله أن يحمِلَهم: {ارۡكَبوا فيها بسم الله مَجۡريها ومُرۡساها}؛ أي: تجري على اسم الله وترسي [على اسم الله وتجري] بتسخيره وأمره. {إنَّ ربِّي لغفورٌ رحيمٌ}: حيث غَفَرَ لنا، ورَحِمنا، ونجَّانا من القوم الظالمين.
الآية 42: ثم وصف جريانَها كأنَّا نشاهدها، فقال:{وهي تجري بهم}؛ أي: بنوح ومَنْ رَكِبَ معه {في موج كالجبال}: والله حافِظُها، وحافظُ أهلها، {ونادى نوحٌ ابنَه}: لما ركب ليركبَ معه، {وكان} ابنُه {في مَعۡزِل}: عنهم حين ركبوا؛ أي: مبتعداً، وأراد منه أن يقرب ليركبَ، فقال له:{يا بنيَّ اركب معنا ولا تَكُن مع الكافرين}: فيصيُبك ما يصيبهم.
الآية 43: فقال ابنُه مكذِّباً لأبيهِ أنَّه لا ينجو إلاَّ مَنْ رَكِبَ [معه] السفينة: {سآوي إلى جبل يَعۡصِمُني من الماء}؛ أي: سأرتقي جبلاً أمتنع به من الماء. فقال نوحٌ:{لا عاصِمَ اليوم من أمرِ الله إلاّ مَن رَحِمَ}: فلا يعصمُ أحداً جبلٌ ولا غيرُه، ولو تسبَّب بغاية ما يمكِنُه من الأسباب؛ لَمَا نجا إن لم يُنْجِهِ الله، {وحال بينَهما الموجُ فكانَ} الابنُ {من المغرَقين}.
الآية 44: فلمَّا أغرَقَهم الله ونجَّى نوحاً ومن معه؛ و {قيل يا أرضُ ابلَعي ماءَك}: الذي خرج منك، والذي نزل إليك، ابلعي الماء الذي على وجهك، {ويا سماءُ أقلِعي}: فامتَثَلَتا لأمر الله، فابتلعتِ الأرضُ ماءها، وأقلعتِ السماء فنضب الماء من الأرض، {وقُضِيَ الأمرُ}: بهلاك المكذِّبين ونجاة المؤمنين، {واسۡتَوَت} السفينةُ {على الجوديِّ}؛ أي: أرست على ذلك الجبل المعروف في أرض الموصل، {وقيلَ بُعداً للقوم الظالمين}؛ أي: أُتْبِعوا بهلاكهم لعنةً وبُعداً وسُحْقاً لا يزال معهم.
الآية 45:{ونادى نوحٌ ربَّه فقالَ ربِّ إنَّ ابني من أهلي وإنَّ وعدَكَ الحقُّ}؛ [أي]: وقد قلتَ لي: فاحملْ فيها من كلٍّ زوجين اثنين وأهلَكَ، ولن تُخْلِفَ ما وَعَدْتَني به. لعلَّه عليه الصلاة والسلام ـ حملتْه الشفقةُ وأنَّ الله وعده بنجاة أهلِهِ ـ ظنَّ أنَّ الوعد لعمومهم؛ مَن آمن ومَن لم يؤمن؛ فلذلك دعا ربَّه بذلك الدُّعاء، ومع هذا؛ ففوَّض الأمر لحكمة الله البالغة.
الآية 46: فقال اللهُ له: {إنَّه ليس من أهلك}: الذين وعدتُك بإنجائهم، {إنَّه عملٌ غيرُ صالح}؛ أي: هذا الدُّعاء الذي دعيتَ به لنجاة كافر لا يؤمنُ بالله ولا رسوله، {فلا تَسۡألۡنِ ما ليس لك به علمٌ}؛ أي: ما لا تعلم عاقبته ومآله، وهل يكون خيراً أو غير خير. {إني أعظُك أن تكونَ من الجاهلين}؛ أي: إني أعظُك وعظاً تكون به من الكاملين، وتنجو به من صفات الجاهلين.
الآية 47: فحينئذٍ ندمَ نوحٌ عليه السلام ندامةً شديدةً على ما صَدَرَ منه، و {قال ربِّ إنِّي أعوذُ بك أن أسألَكَ ما ليس لي به علمٌ وإلاَّ تَغۡفِرۡ لي وترحَمۡني أكن من الخاسرينَ}: فبالمغفرة والرحمة ينجو العبدُ من أن يكون من الخاسرين. ودلَّ هذا على أنَّ نوحاً عليه السلام لم يكنْ عندَه علمٌ بأنَّ سؤاله لربِّه في نجاة ابنه محرَّمٌ داخلٌ في قوله:{ولا تخاطِبۡني في الذين ظَلَموا إنَّهم مغرقونَ}، بل تعارض عندَه الأمران، وظنَّ دخوله في قوله:{وأهلَكَ}، وبعد هذا تبيَّن له أنَّه داخلٌ في المنهيِّ عن الدعاء لهم والمراجعة فيهم.
الآية 48:{قيل يا نوحُ اهبطۡ بسلام منَّا وبركاتٍ عليك وعلى أمم ممَّن معكَ}: من الآدميين وغيرهم من الأزواج التي حملها معه، فبارك الله في الجميع، حتى ملؤوا أقطار الأرض ونواحيها {وأممٌ سنمتِّعهم}: في الدُّنيا، {ثم يمسُّهم منَّا عذابٌ أليمٌ}؛ أي: هذا الإنجاء ليس بمانع لنا من أنَّ مَنْ كَفَرَ بعد ذلك؛ أحلَلْنا به العقاب، وإنْ مُتِّعوا قليلاً؛ فسيؤخذون بعد ذلك.
الآية 49: قال الله لنبيِّه محمد - صلى الله عليه وسلم - بعدما قصَّ عليه هذه القصة المبسوطة التي لا يعلمها إلاَّ مَنْ مَنَّ عليه برسالته:{تلك من أنباء الغيبِ نوحيها إليكَ ما كنتَ تعلمُها أنت ولا قومُك مِن قَبۡلِ هذا}: فيقولوا: إنَّه كان يعلمها؛ فاحمدِ الله واشكُرْه واصبرْ على ما أنت عليه من الدِّين القويم والصِّراط المستقيم والدَّعوة إلى الله. {إنَّ العاقبةَ للمتَّقين}: الذين يتَّقون الشرك وسائر المعاصي، فستكون لك العاقبةُ على قومِكَ كما كانت لنوح على قومِهِ.
تفسير الجلالين
﴿ويَصْنَع الفُلْك﴾ حِكايَة حال ماضِيَة ﴿وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأ﴾ جَماعَة ﴿مِن قَوْمه سَخِرُوا مِنهُ﴾ اسْتَهْزَءُوا بِهِ ﴿قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَر مِنكُمْ كَما تَسْخَرُونَ﴾ إذا نَجَوْنا وغَرِقْتُمْ
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 36 إلى 39
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ أَوْحَى إِلَى نُوح لَمَّا اسْتَعْجَلَ قومُه نِقْمَةَ اللَّهِ بِهِمْ وَعَذَابَهُ لَهُمْ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ نوحُ دَعْوَتَهُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى [[في أ: "عز وجل".]] مُخْبِرًا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٦] ، ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [الْقَمَرِ: ١٠] ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ فَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا يَهُمَّنك أَمْرُهُمْ.
﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ يَعْنِي: السَّفِينَةَ ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ أَيْ: بِمَرْأَى مِنَّا، ﴿وَوَحْيِنَا﴾ أَيْ: وَتَعْلِيمِنَا لَكَ مَاذَا تَصْنَعُهُ، ﴿وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ .
فَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يغرِز [[في أ: "يغرس".]] الْخَشَبَ ويقطِّعه وَيُيَبِّسَهُ، فَكَانَ ذَلِكَ فِي مِائَةِ سَنَةٍ، ونَجَرها فِي مِائَةِ سَنَةٍ أُخْرَى، وَقِيلَ: فِي أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَاللَّهُ [[في ت: "والله".]] أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ التَّوْرَاةِ: أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ أَنْ يَصْنَعَهَا مِنْ خَشَبِ السَّاجِ، وَأَنْ يَجْعَلَ طُولَهَا ثَمَانِينَ ذِرَاعًا وَعَرْضَهَا خَمْسِينَ ذِرَاعًا.
وَأَنْ يَطْلِيَ بَاطِنَهَا وَظَاهِرَهَا بِالْقَارِ، وَأَنْ يَجْعَلَ لَهَا جُؤْجُؤًا أَزْوَرَ يَشُقُّ الْمَاءَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ طُولُهَا ثَلَاثَمِائَةِ ذِرَاعٍ، فِي عَرْضِ خَمْسِينَ.
وَعَنِ الْحَسَنِ: طُولُهَا سِتُّمِائَةِ ذِرَاعٍ وَعَرْضُهَا ثَلَاثُمِائَةِ ذِرَاعٍ.
وَعَنْهُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ: طُولُهَا أَلْفٌ وَمِائَتَا ذِرَاعٍ، فِي عَرْضِ سِتِّمِائَةٍ.
وَقِيلَ: طُولُهَا أَلْفَا ذِرَاعٍ، وَعَرْضُهَا مِائَةُ ذِرَاعٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالُوا كُلُّهُمْ: وَكَانَ ارْتِفَاعُهَا فِي السَّمَاءِ ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا، ثَلَاثُ طَبَقَاتٍ، كُلُّ طَبَقَةٍ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ، فَالسُّفْلَى لِلدَّوَابِّ وَالْوُحُوشِ: وَالْوُسْطَى لِلْإِنْسِ: وَالْعُلْيَا لِلطُّيُورِ. وَكَانَ بَابُهَا فِي عَرْضِهَا، وَلَهَا غِطَاءٌ مِنْ فَوْقِهَا مُطْبِقٌ عَلَيْهَا.
وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ أَثَرًا غَرِيبًا، مِنْ حَدِيثِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَان، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْران، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ الْحَوَارِيُّونَ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ: لَوْ بَعَثْتَ لَنَا رَجُلًا شَهِدَ السَّفِينَةَ فَحَدَّثَنَا عَنْهَا. قَالَ: فَانْطَلَقَ بِهِمْ حَتَّى أَتَى [[في ت، أ: "انتهى".]] إِلَى كَثيب مِنْ تُرَابٍ، فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ ذَلِكَ التُّرَابِ بِكَفِّهِ، قَالَ [[في أ: "فقال".]] أَتُدْرُونَ مَا هَذَا؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: هَذَا كَعْبُ [[في أ: "قبر".]] حَامِ بْنِ نُوحٍ. قَالَ: وَضَرَبَ الْكَثِيبَ بِعَصَاهُ، قَالَ: قُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ ينفُض التُّرَابَ عَنْ رَأْسِهِ، قَدْ شَابَ. قَالَ لَهُ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: هَكَذَا هَلَكْتَ؟ قَالَ: لَا. وَلَكِنِّي مُتُّ وَأَنَا شَابٌّ، وَلَكِنَّنِي ظَنَنْتُ أَنَّهَا السَّاعَةُ، فَمِنْ ثمَّ شِبْتُ. قَالَ: حدِّثنا عَنْ سَفِينَةِ نُوحٍ؟ قَالَ: كَانَ طُولُهَا أَلْفَ ذِرَاعٍ وَمِائَتَيْ [[في أ: "ومائتا".]] ذِرَاعٍ، وَعَرْضُهَا سِتَّمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَكَانَتْ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ، فَطَبَقَةٌ فِيهَا الدَّوَابُّ وَالْوُحُوشُ، وَطَبَقَةٌ فِيهَا الْإِنْسُ، وَطَبَقَةٌ فِيهَا الطَّيْرُ، فَلَمَّا كَثُرَ أَرْوَاثُ الدَّوَابِّ، أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنِ اغْمِزْ ذَنَب الْفِيلِ، فَغَمَزَهَ، فَوَقَعَ مِنْهُ خِنْزِيرٌ وَخِنْزِيرَةٌ، فَأَقْبَلَا عَلَى الرَّوْثِ، فَلَمَّا وَقَعَ الْفَأْرُ بخَرَزِ السَّفِينَةِ يُقْرِضُهُ وَحِبَالَهَا، أَوْحَى إِلَى نُوحٍ؛ أَنِ اضْرِبْ بَيْنَ عَيْنَيِ الْأَسَدِ، فَخَرَجَ مِنْ مَنْخَرِهِ سنَّور وَسَنَّوْرَةٌ، فَأَقْبَلَا عَلَى الْفَأْرِ. فَقَالَ لَهُ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: كَيْفَ عَلِمَ نُوحٌ أَنَّ الْبِلَادَ قَدْ غَرِقَتْ؟ قَالَ: بَعَثَ الْغُرَابَ يَأْتِيهِ بِالْخَبَرِ، فَوَجَدَ جِيفَةً فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَدَعَا عَلَيْهِ بِالْخَوْفِ، فَلِذَلِكَ لَا يَأْلَفُ الْبُيُوتَ قَالَ: ثُمَّ بَعَثَ الْحَمَامَةَ، فَجَاءَتْ بِوَرَقِ زَيْتُونٍ بِمِنْقَارِهَا، وَطِينٍ بِرِجْلَيْهَا، فَعَلِمَ أَنَّ الْبِلَادَ قَدْ غَرِقت. قَالَ: فطوّقَها الْخُضْرَةَ الَّتِي فِي عُنُقِهَا، وَدَعَا لَهَا أَنْ تَكُونَ فِي أُنْسٍ وَأَمَانٍ، فَمِنْ ثَمَّ تَأْلَفُ الْبُيُوتَ. قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَّا نَنْطَلِقُ بِهِ [[في أ: "بنا".]] إِلَى أَهْلِينَا فَيَجْلِسُ مَعَنَا وَيُحَدِّثُنَا؟ قَالَ: كَيْفَ يَتْبَعُكُمْ مَنْ لَا رِزْقَ لَهُ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُ: عُدْ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَعَادَ تُرَابًا [[تفسير الطبري (١٥/٣١١) .]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ أَيْ: يَطْنزون بِهِ وَيُكَذِّبُونَ بِمَا يَتَوَعَّدُهُمْ بِهِ مِنَ الْغَرَقِ، ﴿قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وَعِيدٌ شَدِيدٌ، وَتَهْدِيدٌ أَكِيدٌ، ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ أَيْ: يُهِنْهُ فِي الدُّنْيَا، ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أَيْ: دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا.
تفسير الطبري
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ويصنع نوح السفينة، وكلما مرّ عليه جماعة من كبراء قومه [[انظر تفسير " الملأ " فيما سلف ص: ٢٩٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿سخروا منه﴾ ، يقول: هزئوا من نوح، ويقولون له: أتحوّلت نجارًا بعد النبوّة، وتعمل السفينة في البر؟ = فيقول لهم نوح: ﴿إن تسخروا منا﴾ ، إن تهزءوا منا اليوم، فإنا نهزأ منكم في الآخرة، كما تهزءون منا في الدنيا [[انظر تفسير " سخر " فيما سلف ١٤: ٣٨٢، تعليق: ٢.]] = ﴿فسوف تعلمون﴾ ، إذا عاينتم عذابَ الله، مَن الذي كان إلى نفسه مُسِيئًا منَّا.
* *
وكانت صنعة نوح السفينة، كما:-
١٨١٣٣- حدثني المثنى وصالح بن مسمار قالا حدثنا ابن أبي مريم قال، أخبرنا موسى بن يعقوب قال، حدثني فائد مولى عبيد الله بن علي بن أبي رافع: أنّ إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة، أخبره: أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرته: أن رسول الله ﷺ قال: لو رحم الله أحدًا من قوم نوح لرحم أم الصبي! قال رسول الله ﷺ: كان نوح مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله، حتى كان آخر زمانه غَرس شجرةً، فعظمت وذهبت كلَّ مذهب، ثم قطعها، ثم جعل يعمل سفينة، ويمرُّون فيسألونه، فيقول: أعملها سفينة! فيسخرون منه ويقولون: تعمل سفينةً في البر فكيف تجري! فيقول: سوف تعلمون. فلما فرغ منها، وفارَ التنور، وكثر الماء في السكك، خشيت أمُّ الصبيِّ عليه، وكانت تحبّه حبًّا شديدًا، فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثُلُثه. فلما بلغها الماء خرجت حتى بلغت ثلثي الجبل. فلما بلغها الماء خرجت، حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء رقبتها رفعتْه بين يديها، حتى ذهب بها الماء. فلو رحم الله منهم أحدًا لرحم أمّ الصبيّ. [[الأثر: ١٨١٣٣ - " ابن أبي مريم "، هو: " سعيد بن أبي مريم "، ثقة: روى له الجماعة، سلف مرارًا، آخرها: ١٢٧٧١." وموسى بن يعقوب بن يعقوب الزمعي "، ثقة، متكلم فيه، مضى توثيقه برقم: ٩٩٢٣، ورقم: ١٥٧٥٦، ١٥٨٢٢، وقال علي بن المديني: " ضعيف الحديث، منكر الحديث "، وقال الأثرم: سألت أحمد عنه، فكأنه لم يعجبه. " وفائد، مولى عبيد الله بن بن علي بن أبي رافع، عبادل "، وهو " فائد، مولى عبادل "، ثقة لا باس به. مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ١ / ١٣١، وابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ٨٤. " وإبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة المخزومي "، هو " إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة "، ثقة، روى عن خالته عائشة، مترجم في التهذيب، والكبير ١ / ١ / ٢٩٦، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ١١١.هذا إسناد " حسن ". ورواه الطبري بهذا الإسناد نفسه في تاريخه ١: ٩١. وقد رواه من هذه الطريق نفسها، الحاكم في المستدرك ٢: ٣٤٢، ٥٤٧ ثم قال: " هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه "، ولكن الذهبي قال: " إسناده مظلم. وموسى، ليس بذاك "، وهذا شديد، وأقرب منه ما قاله ابن كثير في تفسيره ٤: ٣٦٧، ٣٦٨، ورواه عن هذا الموضع من تفسير الطبري، ومن تفسير الحبر أبي محمد بن أبي حاتم، ثم قال: " وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وقد روى عن كعب الأحبار، ومجاهد بن جبير، قصة هذا الصبي وأمه بنحو هذا ". وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٨: ٢٠٠، وقال: " رواه الطبراني في الأوسط، وفيه موسى بن يعقوب الزمعي، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه ابن المديني، وبقية رجاله ثقات ".]]
١٨١٣٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن طول السفينة ثلاث مائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعًا، وطولها في السماء ثلاثون ذراعًا، وبابها في عرضها
١٨١٣٥- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا مبارك، عن الحسن، قال: كان طول سفينة نوح ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ست مائة ذراع.
١٨١٣٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن مفضل بن فضالة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: قال الحواريُّون لعيسى ابن مريم: لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة فحدَّثنا عنها! قال: فانطلق بهم حتى انتهى بهم إلى كثيب من تراب، فأخذ كفًّا من ذلك التراب بكفه، قال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا كعب حام بن نوح. قال: فضرب الكثيب بعصاه، قال: قم بإذن الله! فإذا هو قائمٌ ينفُض التراب عن رأسه قد شَابَ، قال له عيسى: هكذا هلكت؟ قال: لا ولكن مِتُّ وأنا شابّ، ولكني ظننت أنها الساعة، فمن ثَمَّ شِبتُ. قال: حدثنا عن سفينة نوح. قال: كان طولها ألف ذرع ومائتي ذراع، وعرضها ست مائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات، فطبقة فيها الدوابُّ والوحش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير. فلما كثر أرواث الدوابِّ، أوحى الله إلى نوح أن اغمز ذَنب الفيل، فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة، فأقبلا على الرَّوْث. فلما وقع الفأر بجَرَز السفينة يقرضه، [[في المطبوعة " بحبل السفينة "، وفي المخطوطة: " يحرر " غير منقوطة، ورأيت أن أقرأها كذلك، و " الجرز " (بفتح الجيم والزاي) صدر الإنسان أو وسطه، كما قالوا له: " الجؤجؤ "، وهو صدر الطائر. وفي تاريخ الطبري " بخرز "، كأن جمع " خرزة ".]] أوحى الله إلى نوح أن اضرب بين عيني الأسد، فخرج من منخره سِنَّور وسنّورة، فأقبلا على الفأر، فقال له عيسى: كيف علم نوح أنّ البلاد قد غرقت؟ قال: بعث الغرابَ يأتيه بالخبر، فوجد جيفةً فوقع عليها، فدعا عليه بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت قال: ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجليها، فعلم أن البلاد قد غرقت قال: فطوَّقَها الخضرة التي في عنقها، ودعا لها أن تكون في أنسٍ وأمان، فمن ثم تألف البيوت. قال: فقلنا يا رسول الله ألا ننطلق به إلى أهلينا، فيجلس معنا، ويحدثنا؟ قال: كيف يتبعكم من لا رزق له؟ قال: فقال له: عُدْ بإذن الله، قال: فعاد ترابًا. [[الأثر ١٨١٣٦ - " المفضل بن فضالة بن أبي أمية القرشي " ليس بذاك، وقيل: في حديثه نكارة. مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ١ / ٤٠٥، وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٣١٧، وميزان الاعتدال ٣: ١٩٥." وعلي بن زيد بن جدعان "، سلف مرارًا، آخرها رقم: ١٧٨٦١، وقد ذكرت هناك توثيق أخي السيد أحمد رحمه الله، له. وذكرت تضعيف الأئمة لحديثه، ورجحت أن يعتبر بحديثه. وهذا خبر لا شك أنه من بقية أخبار بني إسرائيل وأشباههم، لا يبلغ أن يكون شيئا.
ورواه الطبري في تاريخه ١: ٩١، ٩٢.]]
١٨١٣٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق عمن لا يتَّهم عن عبيد بن عمير الليثي: أنه كان يحدّث أنه بلغه أنهم كانوا يبطشون به = يعني قوم نوح = فيخنقونه حتى يغشى عليه، فإذا أفاق قال: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"، حتى إذا تمادوا في المعصية، وعظمت في الأرض منهم الخطيئة، وتطاول عليه وعليهم الشأن، واشتد عليه منهم البلاء، وانتظر النَّجْل بعد النَّجْل، فلا يأتي قرن إلا كان أخبث من القرن الذي قبله، حتى إن كان الآخر منهم ليقول: "قد كان هذا مع آبائنا ومع أجدادنا هكذا مجنونًا"! لا يقبلون منه شيئًا. حتى شكا ذلك من أمرهم نوح إلى الله تعالى، كما قص الله علينا في كتابه: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا﴾ ، إلى آخر القصة، حتى قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ ، إلى آخر القصة [سورة نوح: ٥ -٢٧] . فلما شكا ذلك منهم نوح إلى الله واستنصره عليهم، أوحى الله إليه ﴿أن اصطنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا﴾ ، أي: بعد اليوم، ﴿إنهم مغرقون﴾ . فأقبل نوح على عمل الفلك، ولَهِيَ عن قومه، وجعل يقطع الخشب، ويضرب الحديد، ويهيئ عدة الفلك من القَار وغيره مما لا يصلحه إلا هو، وجعل قومه يمرُّون به وهو في ذلك من عمله، فيسخرون منه ويستهزئون به، فيقول: (إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمونَ من يأتيه عذاب يخزيه ويحلّ عليه عذاب مقيم) ، قال: ويقولون فيما بلغني: يا نوح قد صرت نجَّارًا بعد النبوّة! قال: وأعقم الله أرحام النساء، فلا يولد لهم ولد. قال: ويزعم أهل التوراة أن الله أمره أن يصنع الفلك من خشب السّاج، وأن يصنعه أزْوَر، [[" أزور "، من " الزور "، (بفتح فسكون) وهو الصدر، و " الزور " (بفتحتين) ، وهو عوج الزور، وهو أن يستدق جوشن الصدر، ويخرج الكلكل، كأنه عصر من جانبيه.]] وأن يطليه بالقار من داخله وخارجه، وأن يجعل طوله ثمانين ذراعًا، وأن يجعله ثلاثة أطباق: سفلا ووسطًا وعلوًا، وأن يجعل فيه كُوًى. ففعل نوح كما أمره الله، حتى إذا فرغ منه وقد عهد الله إليه ﴿إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل﴾ وقد جعل التَّنُّور آية فيما بينه وبينه، فقال: ﴿إذا جاء أمرنا وفار التَّنُّور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين﴾ ، واركب. فلما فار التنور، حمل نوح في الفلك من أمره الله، وكانوا قليلا كما قال الله، وحمل فيها من كل زوجين اثنين مما فيه الروح والشجر، ذكر وأنثى، فحمل فيه بنيه الثلاثة: سام وحام ويافث ونساءهم، وستة أناس ممن كان آمن به، فكانوا عشرة نفر: نوح وبنوه وأزواجهم، ثم أدخل ما أمره به من الدوابّ، وتخلف عنه ابنه يَام، وكان كافرًا. [[الأثر: ١٨١٣٧ - رواه الطبري في تاريخه ١: ٩٢، ٩٣.]]
١٨١٣٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: سمعته يقول: كان أوّل ما حمل نوح في الفلك من الدوابّ الذرّة، وآخر ما حمل الحمار، فلما أدخل الحمار وأدخَل صدره، تعلق إبليس بذنبه، [[في المطبوعة: " فلما دخل الحمار وأدخل رأسه مسك إبليس "، وفي المخطوطة: " فلما أدخل الحمار، وأدخل صدره إبليس بذنبه "، الأولى " أدخل "، وبين الكلامين بياض، وأثبت الصواب من تاريخ الطبري.]] فلم تستقلّ رجلاه، فجعل نوح يقول: ويحك ادخل! فينهض فلا يستطيع. حتى قال نوح: ويحك ادخل وإن كان الشيطان معك! قال: كلمة زلَّت عن لسانه، فلما قالها نوح خلَّي الشيطان سبيله، فدخل ودخل الشيطانُ معه، فقال له نوح: ما أدخلك عليّ يا عدوَّ الله؟ فقال: ألم تقل: "ادخل وإن كان الشيطان معك"؟ قال: اخرج عنّي يا عدوّ الله! فقال: ما لك بدٌّ من أن تحملني! فكان، فيما يزعمون، في ظهر الفلك، فلما اطمأن نوح في الفلك، وأدخل فيه من آمن به، وكان ذلك في الشهر. . . . [[سقط من المخطوطة والمطبوعة عدد الشهر الذي ذكره، وساق الكلام سياقًا واحدًا، فوضعت النقط دلالة على هذا السقط، ولكن هكذا جاء أيضًا في التاريخ.]] من السنة التي دخل فيها نوح بعد ست مائة سنة من عمره، لسبع عشرة ليلة مضت من الشهر، فلما دخل وحمل معه من حمل، تحرك ينابيع الغوط الأكبر، [[" الغوط " (بفتح فسكون) و" الغائط "، المتسع من الأرض من طمأنينة، وهو هنا: عمق الأرض الأبعد.]] وفتح أبواب السماء، كما قال الله لنبيه محمد ﷺ: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ ، [سورة القمر: ١١-١٢] . فدخل نوح ومن معه الفلك، وغطاه عليه وعلى من معه بطَبَقه، [[" الطبق "، غطاء كل شيء. وكان في المطبوعة: " بطبقة "، وهو خطأ.]] فكان بين أن أرسل الله الماء وبين أن احتمل الماء الفلك أربعون يومًا وأربعون ليلة، ثم احتمل الماء كما تزعم أهل التوراة، وكثر الماء واشتد وارتفع، يقول الله لمحمد: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ ، [سورة القمر: ١٣] ، و"الدسر"، المسامير، مسامير الحديد = فجعلت الفلك تجري به، وبمن معه في موج كالجبال، ونادي نوح ابنه الذي هلك فيمن هلك، وكان في معزلٍ حين رأى نوحٌ من صدق موعد ربه ما رَأى، فقال: ﴿يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين﴾ ، وكان شقيًّا قد أضمر كفرًا. ﴿قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء﴾ ، وكان عَهِد الجبال وهي حِرْزٌ من الأمطار إذا كانت، فظنّ أن ذلك كما كان يعهد. قال نوح: ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين﴾ ، وكثر الماء حتى طغى، وارتفع فوق الجبال، كما تزعم أهل التوراة، بخمسة عشر ذراعًا، فباد ما على وجه الأرض من الخلق، من كل شيء فيه الروح أو شجر، فلم يبق شيء من الخلائق إلا نوح ومن معه في الفلك، وإلا عُوج بن عُنُق فيما يزعم أهل الكتاب، فكان بين أن أرسل الله الطوفان وبين أن غاض الماء ستة أشهر وعشر ليالٍ. [[الأثر: ١٨١٣٨ - رواه الطبري في تاريخه ١: ٩٣، ٩٤.]]
١٨١٣٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن علي بن زيد بن جدعان = قال ابن حميد، قال سلمة، وحدثني علي بن زيد عن يوسف بن مهران، قال: سمعته يقول: لما آذى نوحًا في الفلك عَذِرة الناس، أمر أن يمسح ذنب الفيل، فمسحه، فخرج منه خنزيران، وكفي ذلك عنه. وإن الفأر توالدت في الفلك، فلما آذته، أمر أن يأمر الأسد يعطس، فعطس، فخرج من منخريه هِرّان يأكلان عنه الفأر.
١٨١٤٠- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: لما كان نوح في السفينة، قرض الفأر حبالَ السفينة، فشكا نوح، فأوحى الله إليه، فمسح ذنب الأسد، فخرج سِنَّوران. وكان في السفينة عذرة، فشكا ذلك إلى ربه، فأوحى الله إليه، فمسح ذنب الفيل، فخرج خنزيران
١٨١٤١- حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني قال، حدثنا الأسود بن عامر قال، أخبرنا سفيان بن سعيد، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، بنحوه. [[الأثر: ١٨١٤١ - " إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق الجوزجاني، السعدي، شيخ الطبري، كان من الحفاظ، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ١٤٨ "." والأسود بن عامر، شاذان "، ثقة، مضى برقم: ١٣٩٢٧.]]
١٨١٤٢- حدثت عن المسيب بن أبي روق، عن الضحاك، قال: قال سليمان القراسي: عمل نوح السفينة في أربع مائة سنة، وأنبت الساج أربعين سنة، حتى كان طوله أربع مائة ذراع، والذراع إلى المنكب. [[الأثر: ١٨١٤٢ - " المسيب "، هو " المسيب بن شريك التميمي "، متروك سلف برقم: ١٦٨٠٦. " وسليمان القراسي "، لم أعرف من يكون.وكان في المخطوطة والمطبوعة: " المسيب بن أبي روق "، وهو خطأ صرف وسيأتي على الصواب برقم: ١٨١٧٣.قلت: وهذه الأخبار الآنفة، كلها رجم من رجم أصحاب الكتب السالفة، لا خير فيها، إلا أنهم ربما أثبتوها في كتبهم، لأنه كان هكذا يروى، ولكن ما من أحد من أهل العلم يعدها حجة على شيء، أو مظنة اعتقاد بصحتها.]]