سورة القرآن surah-quran.com

سورة هود

سورة هود، الآية 77

الجزء 12، الصفحة 230.

وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ ﴿٧٧﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

ولما جاءت ملائكتنا لوطًا ساءه مجيئهم واغتمَّ لذلك؛ وذلك لأنه لم يكن يعلم أنهم رسل الله، فخاف عليهم من قومه، وقال: هذا يوم بلاء وشدة.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 69 إلى 83

الآية 69: أي: {ولقد جاءتۡ رُسُلُنا}: من الملائكة الكرام رسولَنا {إبراهيمَ} الخليل {بالبشرى}؛ أي: بالبشارة بالولد حين أرسلهم الله لإهلاك قوم لوط وأمَرَهم أنْ يمرُّوا على إبراهيم فيبشِّروه بإسحاق، فلما دخلوا عليه، {قالوا سلاماً قال سلامٌ}؛ أي: سلَّموا عليه وردَّ عليهم السلام. ففي هذا مشروعية السلام، وأنَّه لم يزْل من ملَّة إبراهيم عليه السلام، وأنَّ السلام قبل الكلام، وأنَّه ينبغي أن يكون الردُّ أبلغَ من الابتداء؛ لأنَّ سلامهم بالجملة الفعليَّة الدالَّة على التجدُّد، وردُّه بالجملة الاسمية الدالَّة على الثُّبوت والاستمرار، وبينهما فرقٌ كبيرٌ؛ كما هو معلومٌ في علم العربية. {فما لَبِثَ}: إبراهيمُ لما دخلوا عليه، {أن جاء بعجل حنيذ}؛ أي: بادر لبيته فاستحضر لأضيافه عجلاً مشويًّا على الرَّضْفِ سميناً، فقرَّبه إليهم فقال: ألا تأكلونَ.

الآية 70:{فلمَّا رأى أيديَهم لا تصلُ إليه}؛ أي: إلى تلك الضيافة، {نَكِرَهُم وأوجس منهم خِيفةً}: وظنَّ أنهم أتوه بشرٍّ ومَكْروه، وذلك قبلَ أن يعرِفَ أمرَهم، فقالوا:{لا تخفۡ إنَّا أرۡسِلۡنا إلى قوم لوطٍ}؛ أي: إنَّا رسلُ الله، أرسلنا الله إلى إهلاك قوم لوطٍ.

الآية 71: وامرأة إبراهيم {قائمةٌ}: تخدُمُ أضيافَه، {فضَحِكَتۡ}: حين سمعتْ بحالهم وما أرسلوا به تعجُّباً، {فبشَّرۡناها بإسحاقَ ومن وراءِ إسحاق يعقوبَ}.

الآية 72: فتعجَّبت من ذلك و {قالتۡ يا وَيۡلتا أألِدُ وأنا عجوزٌ وهذا بعلي شيخاً}: فهذان مانعان من وجود الولد. {إنَّ هذا لشيءٌ عجيبٌ}.

الآية 73:{قالوا أتَعۡجَبين من أمرِ الله}: فإنَّ أمره لا عجب فيه؛ لنفوذ مشيئته التامَّة في كل شيءٍ؛ فلا يُستغرب على قدرته شيء، وخصوصاً فيما يدبِّره ويمضيه لأهل هذا البيت المبارك. {رحمةُ الله وبركاتُهُ} عليكم أهل البيت؛ أي: لا تزال رحمته وإحسانه وبركاته، وهي الزيادة من خيره وإحسانه وحلول الخير الإلهي على العبد. {عليكم أهلَ البيت إنَّه حميدٌ مجيدٌ}؛ أي: حميد الصفات؛ لأنَّ صفاته صفات كمال، حميدُ الأفعال؛ لأنَّ أفعاله إحسانٌ وجودٌ وبرٌّ وحكمةٌ وعدلٌ وقِسْطٌ. {مجيدٌ}: والمجد هو عظمة الصفات وسَعَتُها؛ فله صفات الكمال، وله من كلِّ صفةِ كمالٍ أكملُها وأتمُّها وأعمُّها.

الآية 74:{فلما ذَهَبَ عن إبراهيم الرَّوۡعُ}: الذي أصابه من خيفة أضيافه، {وجاءتۡه البُشرى}: بالولد؛ التفتَ حينئذٍ إلى مجادلة الرسل في إهلاك قوم لوطٍ، وقال لهم:{إنَّ فيها لوطاً. قالوا نحنُ أعلمُ بمَن فيها لَنُنَجِيَنَّه وأهۡلَه إلاَّ امرأتَهُ}.

الآية 75:{إنَّ إبراهيم لحليمٌ}؛ أي: ذو خُلُق [حسنٍ] وسعة صدر وعدم غضب عند جهل الجاهلين، {أوَّاهٌ}؛ أي: متضرِّع إلى الله في جميع الأوقات، {منيبٌ}؛ أي: رجَّاع إلى الله بمعرفته ومحبَّته والإقبال عليه والإعراض عمَّن سِواه؛ فلذلك كان يجادِلُ عن مَنْ حَتَّم الله بهلاكهم.

الآية 76: فقيل له: {يا إبراهيمُ أعۡرِضۡ عن هذا}: الجدال. {إنَّه قد جاءَ أمرُ ربِّك}: بهلاكهم، {وإنَّهم آتيهم عذابٌ غيرُ مردودٍ}: فلا فائدة في جدالك.

الآية 77:{ولما جاءت رسُلُنا}؛ أي: الملائكة الذين صدروا من إبراهيم، لما أتوا {لوطاً سيء بهم}؛ أي: شقَّ عليه مجيئهم، {وضاق بهم ذَرۡعاً وقال هذا يومٌ عصيبٌ}؛ أي: شديدٌ حرجٌ؛ لأنَّه علم أنَّ [قومَه] لا يتركونَهم؛ لأنَّهم في صور شباب جردٍ مردٍ في غاية الكمال والجمال.

الآية 78: ولهذا وَقَعَ ما خطر بباله، فجاءه {قومُهُ يُهۡرَعونَ إليه}؛ أي: يسرعون ويبادرون يريدون أضيافه بالفاحشة التي كانوا يعملونها، ولهذا قال:{ومِن قَبۡلُ كانوا يعملون السِّيئاتِ}؛ أي: الفاحشة التي ما سبقهم عليها أحدٌ من العالمين. {قال يا قوم هؤلاءِ بناتي هُنَّ أطهرُ لكم}: من أضيافي ـ وهذا كما عَرَضَ سليمانُ - صلى الله عليه وسلم - على المرأتين أن يَشُقَّ الولد المختصم فيه لاستخراج الحقِّ ـ ولعلمه أنَّ بناته ممتنعٌ منالهنَّ ولا حقَّ لهم فيهنَّ، والمقصود الأعظم دفعُ هذه الفاحشة الكبرى. {فاتَّقوا الله ولا تُخۡزونِ في ضيفي}؛ أي: إما أن تُراعوا تقوى الله، وإما أن تراعوني في ضَيْفي ولا تخزونِي عندهم. {أليس منكم رجلٌ رشيدٌ}: فينهاكم ويزجُرُكم. وهذا دليلٌ على مروجهم وانحلالهم من الخير والمروءة.

الآية 79: فـ {قَالُوا} له: {لقد علمتَ ما لنا في بناتِكَ من حقٍّ وإنَّك لتعلمُ ما نريدُ}؛ أي: لا نريد إلاَّ الرجال، ولا لنا رغبةٌ في النساء.

الآية 80: فاشتدَّ قلقُ لوطٍ عليه الصلاة والسلام و {قال لو أنَّ لي بكم قوَّةً أو آوي إلى ركنٍ شديدٍ}؛ كقبيلة مانعةٍ؛ لمنعتكم. وهذا بحسب الأسباب المحسوسة، وإلاَّ؛ فإنَّه يأوي إلى أقوى الأركان، وهو الله الذي لا يقوم لقوته أحدٌ.

الآية 81: ولهذا لمَّا بَلَغَ الأمرُ منتهاه واشتدَّ الكربُ؛ {قالوا} له: {إنَّا رسلُ ربِّك}؛ أي: أخبروه بحالهم ليطمئنَّ قلبُه، {لن يَصِلوا إليكَ}: بسوءٍ. ثم قال جبريل بجناحِهِ، فطمس أعينَهم، فانطلقوا يتوعَّدون لوطاً بمجيء الصبح، وأمر الملائكةُ لوطاً أن يَسْرِيَ بأهله {بِقِطۡع من الليل}؛ أي: بجانب منه قبل الفجر بكثير؛ ليتمكَّنوا من البعدِ عن قريتهم، {ولا يلتفتۡ منكُم أحدٌ}؛ أي: بادروا بالخروج، وليكن همُّكم النجاءَ، ولا تلتفِتوا إلى ما وراءكم، {إلاَّ امرأتَكَ إنَّه مصيبُها}: من العذاب {ما أصابهم}؛ لأنَّها تشارِكُ قومها في الإثم، فتدلُّهم على أضياف لوطٍ إذا نزل به أضيافٌ. {إنَّ موعِدَهم الصُّبحُ}: فكأنَّ لوطاً استعجلَ ذلك، فقيل له:{أليس الصبحُ بقريبٍ}.

الآية 82:{فلما جاء أمرُنا}: بنزولِ العذاب وإحلاله فيهم {جَعَلۡنا}: ديارهم {عالِيَها سافِلَها}؛ أي: قلبناها عليهم، {وأمۡطَرۡنا عليها حجارةً من سِجِّيلٍ}؛ أي: من حجارة النار الشديدة الحرارة، {منضودٍ}؛ أي: متتابعة تتبع من شذَّ عن القرية.

الآية 83:{مسوَّمةً عند ربِّك}؛ أي: معلمة عليها علامة العذاب والغضب، {وما هي من الظالمينَ}: الذين يشابهون لفعل قوم لوطٍ، {ببعيد}: فليحذرِ العبادُ أن يفعلوا كفعلهم؛ لئلاَّ يصيبَهم ما أصابهم.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ حَزِنَ بِسَبَبِهِمْ ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ صَدْرًا لِأَنَّهُمْ حِسان الوُجُوه فِي صُورَة أضْياف فَخافَ عَلَيْهِمْ قَوْمه ﴿وقالَ هَذا يَوْم عَصِيب﴾ شَدِيد

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 77 إلى 79

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ قُدوم رُسُلِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ [[في ت، أ: "من الملائكة الذين فارقوا إبراهيم الخليل عليه السلام بعد".]] بَعْدَ مَا أَعْلَمُوا [[في ت، أ: "أعلموه".]] إِبْرَاهِيمَ بِهَلَاكِهِمْ، وَفَارَقُوهُ وَأَخْبَرُوهُ بِإِهْلَاكِ اللَّهِ قَوْمَ لُوطٍ هَذِهِ اللَّيْلَةَ. فَانْطَلَقُوا مِنْ عِنْدِهِ، فَأَتَوْا لُوطًا [[في ت: "فأتوا على لوط"، وفي أ: "فأتوا لوط".]] عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ -عَلَى مَا [[في ت، أ: "وهو فيما".]] قِيلَ -فِي أَرْضٍ لَهُ [يَعْمُرُهَا] [[زيادة من ت، أ.]] وَقِيلَ: [بَلْ كَانَ] [[زيادة من ت، أ.]] فِي مَنْزِلِهِ، وَوَرَدُوا عَلَيْهِ وَهُمْ فِي أَجْمَلِ صُورَةٍ تَكُونُ، عَلَى هَيْئَةِ شُبَّانٍ [[في ت، أ: "شباب".]] حِسَانِ الْوُجُوهٍ، ابْتِلَاءً مِنَ اللَّهِ [وَاخْتِبَارًا] [[زيادة من ت، أ.]] وَلَهُ الْحِكْمَةُ وَالْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ، [فَنَزَلُوا عَلَيْهِ] [[زيادة من ت، أ.]] فَسَاءَهُ شَأْنُهُمْ وَضَاقَتْ نَفْسُهُ بِسَبَبِهِمْ، وَخَشِيَ إِنْ لَمْ يُضِفْهم [[في ت، أ: "يضيفهم".]] أَنْ يُضِيفَهُمْ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَيَنَالُهُمْ بِسُوءٍ، ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ [وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ] [[زيادة من ت، أ.]] وَغَيْرُ وَاحِدٍ [مِنَ الْأَئِمَّةِ] [[زيادة من ت، أ.]] شَدِيدٌ بَلَاؤُهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ سَيُدَافِعُ [قَوْمَهُ] [[زيادة من ت، أ.]] عَنْهُمْ، وَيَشُقُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ.

وَذَكَرَ قَتَادَةُ أَنَّهُمْ أَتَوْهُ وَهُوَ فِي أَرْضٍ لَهُ [يَعْمَلُ فِيهَا] [[زيادة من ت، أ.]] فَتَضَيَّفُوهُ [[في ت، أ: "فيضيفوه".]] فَاسْتَحْيَا مِنْهُمْ، فَانْطَلَقَ أَمَامَهُمْ وَقَالَ [[في ت، أ: "فقال".]] لَهُمْ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، كَالْمُعَرِّضِ لَهُمْ بِأَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُ: إِنَّهُ وَاللَّهِ يَا هَؤُلَاءِ مَا أَعْلَمُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَهْلَ بَلَدٍ أَخْبَثَ مِنْ هَؤُلَاءِ. ثُمَّ مَشَى قَلِيلًا ثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، حَتَّى كَرَّرَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ قَالَ قَتَادَةُ: وَقَدْ كَانُوا أُمِرُوا أَلَّا يُهْلِكُوهُمْ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ نَبِيُّهُمْ بِذَلِكَ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ: خَرَجَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ عِنْدِ إبراهيم نحو قرية [[في ت: "قوم".]] لوط [[في ت، أ: "لوط فأتوها نصف النهار، فبلغوا".]] فبلغوا [[في ت، أ: "فلما بلغوا".]] نهر سدون نِصْفَ النَّهَارِ، وَلَقُوا بِنْتَ [[في ت، أ: "ابنة".]] لُوطٍ تَسْتَقِي [مِنَ الْمَاءِ لِأَهْلِهَا وَكَانَتْ لَهُ ابْنَتَانِ اسْمُ الْكُبْرَى رَثَيَا وَالصُّغْرَى زغرتا] [[زيادة من ت، أ.]] فَقَالُوا [لَهَا] [[زيادة من ت، أ.]] يَا جَارِيَةُ، هَلْ مِنْ مَنْزِلٍ؟ فَقَالَتْ [لَهُمْ] [[زيادة من ت، أ.]] مَكَانَكُمْ حَتَّى آتِيَكُمْ، وفَرقت عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْمِهَا، فَأَتَتْ أَبَاهَا فَقَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ، أَدْرَكْ فِتْيَانًا عَلَى بَابِ المدينة، ما رأيت وُجُوهَ قَوْمٍ [هِيَ] [[زيادة من ت، أ.]] أَحْسَنُ مِنْهُمْ، لَا يَأْخُذُهُمْ قَوْمُكَ فَيَفْضَحُوهُمْ، و [قَدْ] [[زيادة من ت، أ.]] كَانَ قَوْمُهُ نَهَوْهُ أَنْ يُضِيفَ رَجُلًا فَقَالُوا: خَلِّ عَنَّا فلْنُضِف [[في ت، أ: "فلنضيف".]] الرِّجَالَ. فَجَاءَ بِهِمْ، فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِمْ أَحَدٌ إِلَّا أَهْلُ بَيْتِهِ [[في ت، أ: "بيت لوط".]] فَخَرَجَتِ امْرَأَتُهُ فَأَخْبَرَتْ قَوْمَهَا [فَقَالَتْ: إِنْ فِي بَيْتِ لُوطٍ رِجَالًا مَا رَأَيْتُ مِثْلَ وُجُوهِهِمْ قَطُّ] [[زيادة من ت، أ.]] ، فَجَاءُوا [[في ت، أ: "فجاءه قومه".]] يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ أَيْ: يُسْرِعُونَ وَيُهَرْوِلُونَ [فِي مِشْيَتِهِمْ وَيُجْمِرُونَ] [[زيادة من ت، أ.]] مِنْ فَرَحِهِمْ بِذَلِكَ [وَرُوِيَ فِي هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَالضَّحَّاكِ وَالسُّدِّيِّ وَقَتَادَةَ وَشِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ] [[زيادة من ت، أ.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ أَيْ: لَمْ يَزَلْ هَذَا مِنْ سَجِيَّتِهِمْ [إِلَى وَقْتٍ آخَرَ] [[زيادة من ت، أ.]] حَتَّى أُخِذُوا وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ.

وقوله: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ يُرْشِدُهُمْ إِلَى نِسَائِهِمْ، فَإِنَّ النَّبِيَّ لِلْأُمَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ [لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ] [[زيادة من ت، أ.]] ، فَأَرْشَدَهُمْ إِلَى مَا هُوَ أَنْفَعُ [[في ت: "الأنفع".]] لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، كَمَا قَالَ لَهُمْ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٦٥، ١٦٦] ، وَقَوْلُهُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [الْحِجْرِ:٧٠] أَيْ: أَلَمْ [[في ت، أ: "أو لم".]] نَنْهَكَ عَنْ ضِيَافَةِ الرِّجَالِ ﴿قَالَ هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ. لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الْحِجْرِ:٧١، ٧٢] ، وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ قَالَ [[في ت، أ: "وقال".]] مُجَاهِدٌ: لَمْ يَكُنَّ بَنَاتِهِ، وَلَكِنْ كُنَّ مِنْ أمَّتِهِ، وَكُلُّ نَبِيٍّ أَبُو أمَّتِه.

وَكَذَا رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ.

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج: أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَزَوَّجُوا النِّسَاءَ، وَلَمْ يَعْرِضْ عَلَيْهِمْ سِفَاحًا.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَعْنِي نِسَاءَهُمْ، هُنَّ بَنَاته، وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ [[في ت، أ: "هن بناته هو نبيهم".]] وَيُقَالُ فِي بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ [[في ت، أ: "القراءة".]] النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ.

وَكَذَا رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَقَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَغَيْرِهِمْ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ أَيْ: اقْبَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ مِنَ الِاقْتِصَارِ عَلَى نِسَائِكُمْ [[في ت، أ: "أي اقبلوا ما آمركم به من إتيانكم نساءكم واقتصاركم عليهن وترككم الفواحش من إتيان الذكران من العالمين".]] ، ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ أَيْ: [لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ] [[زيادة من ت، أ.]] فِيهِ خَيْرٌ، يَقْبَلُ مَا آمره به، ويترك ما أنهاه عَنْهُ؟

﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ أَيْ: إِنَّكَ تَعْلَمُ [[في ت، أ: "لتعلم".]] أَنَّ نِسَاءَنَا لَا أَرَبَ لَنَا فِيهِنَّ وَلَا نَشْتَهِيهِنَّ، ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَنَا غَرَضٌ إِلَّا فِي الذُّكُورِ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ ذَلِكَ، فَأَيُّ حَاجَةٍ فِي تَكْرَارِ الْقَوْلِ عَلَيْنَا فِي ذَلِكَ؟

قَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ إِنَّمَا نُرِيدُ الرِّجَالَ.

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 76 إلى 77

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قول رسله لإبراهيم: ﴿يا إبراهيم أعرض عن هذا﴾ ، وذلك قيلهم له حين جَادلهم في قوم لوط، فقالوا: دع عنك الجدالَ في أمرهم والخصومة فيه [[انظر تفسير " الإعراض " فيما سلف ١٤: ٤٢٥، تعليق: ٤، والمراجع هناك.]] = فإنه ﴿قد جاء أمر ربكَ﴾ يقول: قد جاء أمر ربك بعذابهم. وحقَّ عليهم كلمة العذاب، ومضى فيهم بهلاكهم القضاء = ﴿وإنهم آتيهم عذاب غير مردود﴾ ، يقول: وإن قوم لوط، نازلٌ بهم عذابٌ من الله غير مدفُوع.

* *

وقد [مضى] ذكر الرواية بما ذكرنا فيه عمن ذكر ذلك عنه. [[الزيادة بين القوسين يقتضيها السياق.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولما جاءت ملائكتنا لوطًا، ساءَه مَجيئهم = وهو "فعل" من "السوء" = ﴿وضاق بهم﴾ ، بمجيئهم ﴿ذَرْعًا﴾ ، يقول: وضاقت نفسه غما بمجيئهم. وذلك أنه لم يكن يعلم أنهم رسلُ الله في حال ما ساءه مجيئهم، وعلم من قومه ما هم عليه من إتيانهم الفاحشة، وخاف عليهم، فضاق من أجل ذلك بمجيئهم ذرعًا، وعلم أنه سيحتاج إلى المدافعة عن أضيافه، ولذلك قال: ﴿هذا يوم عصيب﴾ .

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل

ذكر من قال ذلك:

١٨٣٥٠- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿ولما جاءت رسلنا لوطًا سيء بهم وضاق بهم ذراعًا﴾ ، يقول: ساء ظنًا بقومه وضاق ذرعًا بأضيافه.

* *

١٨٣٥١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن حذيفة أنه قال: لما جاءت الرسل لوطًا أتوه وهو في أرض له يعمل فيها، وقد قيل لهم، والله أعلم: لا تهلكوهم حتى يشهدَ لوط. قال: فأتوه فقالوا: إنا مُتَضيِّفوك الليلة، فانطلق بهم، فلما مضى ساعةً التفت فقال: أما تعلمون ما يعمَل أهل هذه القرية؟ والله ما أعلم على ظهر الأرض أناسًا أخبث منهم! قال: فمضى معهم. ثم قال الثانية مثل ما قال، فانطلق بهم. فلما بصرت بهم عجوزُ السَّوْء امرأته، انطلقَت فأنذرتهم. [[الأثر: ١٨٣٥١ - رواه الطبري في تاريخه ١: ١٥٤.]]

١٨٣٥٢- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال، قال حذيفة، فذكر نحوه.

١٨٣٥٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا الحكم بن بشير قال، حدثنا عمرو بن قيس الملائي، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، قال: أتت الملائكة لوطًا وهو في مزرعة له، وقال الله للملائكة: إن شهد لوط عليهم أربعَ شهادات فقد أذنت لكم في هَلكتهم. فقالوا: يا لوط، إنا نريد أن نُضيِّفك الليلة. فقال: وما بلغكم من أمرهم؟ قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله إنها لشرُّ قرية في الأرض عملا! يقول ذلك أربع مرات، فشهد عليهم لوط أربع شهادات، فدخلوا معه منزله. [[الأثر: ١٨٣٥٣ - رواه الطبري في تاريخه ١: ١٥٤.]]

١٨٣٥٤- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال، خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط، فأتوها نصف النهار، فلما بلغوا نهر سَدُوم لقوا ابنة لوط تستقي من الماء لأهلها، وكانت له ابنتان، اسم الكبرى "ريثا"، والصغرى "زغرتا"، [[هكذا في المخطوطة منقوطة نقطًا واضحًا، على قلة النقط في مواضع منها. وفي التاريخ: " رعزيا "، وتحقيق ذلك يحتاج إلى وقت غير هذا.]] فقالوا لها: يا جارية، هل من منزل؟ قالت: نعم، فَمكانَكم لا تدخُلوا حتى آتيكم! فَرِقَتْ عليهم من قَوْمها. [[أي: خافت عليهم.]] فأتت أباها فقالت: يا أبتاه أرادك فتيان على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم أحسنَ منهم، لا يأخذهم قومك فيفضحوهم! وقد كان قومه نهوه أن يُضيف رجلا فقالوا: خَلّ عنَّا فلنضِف الرجال! فجاء بهم، فلم يعلم أحدٌ إلا أهل بيت لوط، فخرجت امرأته فأخبرت قومها، قالت: إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قَطّ! فجاءه قومه يُهْرَعون إليه. [[الأثر: ١٨٣٥٤ - رواه الطبري في تاريخه ١: ١٥٤، تام الإسناد، مطولا.]]

١٨٣٥٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: خرجت الرسل فيما يزعم أهل التوراة من عند إبراهيم إلى لوط بالمؤتفكة، فلما جاءت الرسل لوطًا سيء بهم وضاق بهم ذرعًا، وذلك من تخوف قومه عليهم أن يفضحُوه في ضيفه، فقال: ﴿هذا يوم عصيبٌ﴾ .

* *

وأما قوله: ﴿وقال هذا يوم عصيب﴾ ، فإنه يقول: وقال لوط: هذا اليوم يوم شديد شره، عظيم بلاؤه،

* *

يقال منه: عصب يومنا هذا يعصب عصبًا، ومنه قول عدي بن زيد:

وَكُنْتُ لِزَازَ خَصْمِكَ لمْ أُعَرِّدْ ... وَقَدْ سَلَكُوكَ فِي يَوْمٍ عَصِيب [[الأغاني ٢: ١١١، مجاز القرآن ١: ٢٩٤، اللسان (سلك) ، وسيأتي في التفسير ١٤: ٨ / ١٨: ١٣ (بولاق) . من قصيدة له طويلة، قالها وهو في حبس النعمان بن المنذر، يقول للنعمان قبله: سَعَى الأَعْدَاءُ لاَ يَأْلُونَ شَرًّا ... عَلَيَّ وَربِّ مَكَّةَ والصَّلِيبِ

أَرَادُوا كي تُمَهَّلَ عَنْ عَدِيٍّ ... لِيُسْجَنَ أَو يُدَهُدَهَ فِي القَلِيبِ

وَكُنْتُ لِزازَ خَصْمِكَ. . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أُعَالِنُهُم وأُبْطِنُ كُلَّ سِرٍّ ... كَمَا بَيْنَ اللِّحَاءِ إِلَى العَسِيبِ

فَفُزْتُ عَلَيْهِمْ لَمّا الْتَقَيْنَا ... بِتَاجِكَ فَوْزَةَ القِدْحِ الأرِيبِ

" دهدهه "، دحرجه من علو إلى سفل، و " القليب "، البئر، إنما عنى القبر هنا. و " لزاز الخصم "، الشديد المعاند ذو البأس في الملمات. و"عرد عن خصمه"، أحجم ونكص. وكان في المطبوعة هنا " أعدد "، وفي المخطوطة: " أعود "، والصواب ما أثبت. و" اللحاء " قشر العود، و " العسيب " جريد النخل، يقول: سرك كما بين هذين، يعني خفي لا يرى. و" القدح الأريب " من قداح الميسر، هو القدح ذو الآراب الكثيرة، و"الآراب" أعضاء الجذور.]] وقول الراجز:

يَوْمٌ عَصِيبٌ يَعْصِبُ الأَبْطَالا ... عَصْبَ القَوِيِّ السَّلَمَ الطِّوَالا [[لم أعرف قائله، وهو في مجاز القرآن ١: ٢٩٤.]]

وقول الآخر:

وَإنَّكَ إنْ لا تُرْضِ بَكْرَ بنَ وَائِلٍ ... يَكُنْ لَكَ يَوْمٌ بالعِرَاقِ عَصِيبِ [[لم أعرف قائله، وهو في مجاز القرآن ١: ٢٩٤.]]

وقال كعب بن جعيل:

ومُلَبُّونَ بِالحَضِيضِ فِئامٌ ... عَارِفاتٌ مِنْهُ بِيَوْمٍ عَصِيبِ [[لم أجد البيت في مكان آخر، وفي المطبوعة: " ويلبون "، وفي المخطوطة مثله، إلا أن فيه خطأ في النقط وأظن الصواب ما أثبت، من قولهم: " ألب بالمكان "، إذا لزمه ولم يفارقه. " والحضيض "، منخفض من الأرض عند منقطع الجبل. و" فئام"، جماعات. وكأن هذا البيت من شعره الذي رثى به عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وروى أبياتا منه المصعب الزبيري في نسب قريش ص: ٣٢٥، وكان كعب بن جعيل مداحًا له.]]

* *

ونحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٣٥٦- حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿عصيب﴾ ،: شديد

١٨٣٥٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ﴿هذا يوم عصيب﴾ ، يقول شديد.

١٨٣٥٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: ﴿هذا يوم عصيب﴾ ، أي يوم بلاء وشدة.

١٨٣٥٩- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿يوم عصيب﴾ ، شديد.

١٨٣٦٠- حدثني علي قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿وقال هذا يوم عصيب﴾ ، أي: يوم شديد.