سورة إبراهيم، الآية 52
الجزء 13، الصفحة 261.
هَـٰذَا بَلَـٰغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا۟ بِهِۦ وَلِيَعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ ﴿٥٢﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة إبراهيم
تفسير الآية
التفسير الميسر
هذا القرآن الذي أنزلناه إليك -أيها الرسول- بلاغ وإعلام للناس؛ لنصحهم وتخويفهم، ولكي يوقنوا أن الله هو الإله الواحد، فيعبدوه وحده لا شريك له، وليتعظ به أصحاب العقول السليمة.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 47 إلى 52
الآية 47: يقول تعالى: {فلا تحسبنَّ الله مُخۡلِفَ وعدِهِ رسلَه}: بنجاتهم ونجاة أتباعهم وسعادتهم، وإهلاك أعدائهم وخذلانهم في الدنيا وعقابهم في الآخرة؛ فهذا لا بدَّ من وقوعه؛ لأنَّه وعد به الصادقُ قولاً على ألسنة أصدق خلقه، وهم الرسل، وهذا أعلى ما يكون من الأخبار، خصوصاً وهو مطابقٌ للحكمة الإلهيَّة والسنن الربانيَّة وللعقول الصحيحة، والله تعالى لا يعجزه شيءٌ؛ فإنَّه {عزيزٌ ذو انتقام}؛ أي: إذا أراد أن ينتقم من أحدٍ؛ فإنه لا يفوته ولا يعجزه، وذلك في يوم القيامة.
الآية 48:{يوم تُبَدَّلُ الأرضُ غير الأرض والسمواتُ}: تُبَدَّلُ غيرَ السماوات، وهذا التبديل تبديل صفات لا تبديل ذات؛ فإنَّ الأرض يوم القيامة تُسَوَّى وتُمَدُّ كمدِّ الأديم، ويُلقى ما على ظهرها من جبل ومَعْلَم، فتصير قاعاً صفصفاً، لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، وتكونُ السماء كالمهل من شدَّة أهوال ذلك اليوم، ثم يطويها الله تعالى بيمينه. {وبرزوا}؛ أي: الخلائق من قبورهم إلى يوم بعثهم ونشورهم في محلٍّ لا يخفى منهم على الله شيء، {لله الواحد القهار}؛ أي: المنفرد بعظمته وأسمائه وصفاته وأفعاله العظيمة وقهره لكلِّ العوالم؛ فكلُّها تحت تصرُّفه وتدبيره؛ فلا يتحرَّك منها متحرِّك، ولا يسكنُ ساكنٌ إلاَّ بإذنِهِ.
الآية 49:{وترى المجرمين}؛ أي: الذين وصفُهم الإجرامُ وكثرة الذنوب في ذلك اليوم، {مقرَّنين في الأصفادِ}؛ أي: يُسَلْسَلُ كلُّ أهل عمل من المجرمين بسلاسل من نارٍ، فيُقادون إلى العذاب في أذلِّ صورة وأشنعها وأبشعها.
الآية 50:{سرابيلُهم}؛ أي: ثيابهم {من قَطِرانٍ}: وذلك لشدَّة اشتعال النار فيهم وحرارتها ونتن ريحها، {وتَغۡشى وجوهَهم}: التي هي أشرف ما في أبدانهم {النارُ}؛ أي: تحيط بها، وتَصلاها من كل جانب، وغير الوجوه من باب أولى وأحرى.
الآية 51: وليس هذا ظلماً من الله [لهم]، وإنما هو جزاءٌ لما قدَّموا وكسبوا، ولهذا قال تعالى:{لِيَجۡزِيَ الله كلَّ نفس ما كَسَبَتۡ}: من خير وشرٍّ بالعدل والقِسْط الذي لا جَوْر فيه بوجه من الوجوه. {إنَّ الله سريعُ الحساب}؛ كقوله تعالى:{اقتربَ للناس حسابُهم وهم في غفلةٍ معرضونَ}، ويُحتمل أن معناه سريع المحاسبة؛ فيحاسِبُ الخلق في ساعة واحدةٍ كما يرزقهم ويدبِّرهم بأنواع التدابير في لحظة واحدةٍ، لا يشغَلُه شأنٌ عن شأنٌ، وليس ذلك بعسير عليه.
الآية 52: فلما بيَّن البيان المبين في هذا القرآن؛ قال في مدحه:{هذا بلاغٌ للناس}؛ أي: يتبلَّغون به ويتزوَّدون إلى الوصول إلى أعلى المقامات وأفضل الكرامات؛ لما اشتمل عليه من الأصول والفروع وجميع العلوم التي يحتاجها العباد، {ولِيُنۡذَروا به}: لما فيه من الترهيب من أعمال الشرِّ وما أعدَّ الله لأهلها من العقاب، {ولِيَعۡلموا أنَّما هو إلهٌ واحدٌ}: حيث صرف فيه من الأدلَّة والبراهين على ألوهيَّته ووحدانيَّته ما صار ذلك حق اليقين، {ولِيَذَّكَّرَ أولو الألباب}؛ أي: العقول الكاملة ما ينفعهم فيفعلونه وما يضرُّهم فيتركونه، وبذلك صاروا أولي الألباب والبصائر؛ إذ بالقرآن ازدادت معارفهم وآراؤهم، وتنوَّرت أفكارهم لَمَّا أخذوه غضًّا طريًّا؛ فإنَّه لا يدعو إلاَّ إلى أعلى الأخلاق والأعمال وأفضلها، ولا يستدلُّ على ذلك إلا بأقوى الأدلة وأبينها، وهذه القاعدة إذا تدرَّب بها العبد الذكيُّ؛ لم يزل في صعود ورقيٍّ على الدوام في كلِّ خصلة حميدة. والحمد لله رب العالمين.
تم تفسير سورة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام.
* * *
تفسير الجلالين
﴿هَذا﴾ القُرْآن ﴿بَلاغ لِلنّاسِ﴾ أيْ أُنْزِلَ لِتَبْلِيغِهِمْ ﴿ولِيُنْذَرُوا بِهِ ولِيَعْلَمُوا﴾ بِما فِيهِ مِن الحُجَج ﴿أنَّما هُوَ﴾ أيْ اللَّه ﴿إلَه واحِد ولِيَذَّكَّرَ﴾ بِإدْغامِ التّاء فِي الأَصْل فِي الذّال يَتَّعِظ ﴿أُولُو الأَلْباب﴾ أصْحاب العُقُول
تفسير ابن كثير
يَقُولُ تَعَالَى: هَذَا الْقُرْآنُ بَلَاغٌ لِلنَّاسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٩] ، أَيْ: هُوَ بَلَاغٌ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ مِنْ إِنْسٍ وَجَانٍّ، كَمَا قَالَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ: ﴿الر كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾
﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ أَيْ: لِيَتَّعِظُوا [[في ت، أ: "يتعظوا".]] بِهِ، ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أَيْ: يَسْتَدِلُّوا بِمَا فِيهِ مِنَ الْحُجَجِ وَالدَّلَالَاتِ عَلَى أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [[في ت، أ: "إلا الله".]] ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ أَيْ: ذَوُو الْعُقُولِ.
تفسير الطبري
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبَابِ (٥٢) ﴾
يقول تعالى ذكره: هذا القرآن بلاغ للناس، أبلغ الله به إليهم في الحجة عليهم، وأعذر إليهم بما أنزل فيه من مواعظه وعبره ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ يقول: ولينذروا عقاب الله، ويحذروا به نقماته، أنزله إلى نبيه ﷺ ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ يقول: وليعلموا بما احتجّ به عليهم من الحجج فيه أنما هو إله واحد، لا آلهة شتى، كما يقول المشركون بالله، وأن لا إله إلا هو الذي له ما في السماوات وما في الأرض، الذي سخر لهم الشمس والقمر والليل والنهار وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لهم، وسخر لهم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لهم الأنهار. ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ يقول: وليتذكر فيتعظ بما احتجّ الله به عليه من حججه التي في هذا القرآن، فينزجر عن أن يجعل معه إلها غيره، ويُشْرِك في عبادته شيئا سواه أهلُ الحجى والعقول، فإنهم أهل الاعتبار والادّكار دون الذين لا عقول لهم ولا أفهام، فإنهم كالأنعام بل هم أضلّ سبيلا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ﴾ قال: القرآن ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ قال: بالقرآن. ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾
آخر تفسير سورة إبراهيم ﷺ، والحمد لله ربّ العالمين.