سورة القرآن surah-quran.com

سورة إبراهيم

سورة إبراهيم، الآية 9

الجزء 13، الصفحة 256.

أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا۟ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ۛ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۛ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَرَدُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فِىٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَقَالُوٓا۟ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴿٩﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

ألم يأتكم -يا أمَّة محمد- خبر الأمم التي سبقتكم، قوم نوح وقوم هود وقوم صالح، والأمم التي بعدهم، لا يحصي عددهم إلا الله، جاءتهم رسلهم بالبراهين الواضحات، فعضُّوا أيديهم غيظًا واستنكافًا عن قَبول الإيمان، وقالوا لرسلهم: إنا لا نصدِّق بما جئتمونا به، وإنا لفي شكٍّ مما تدعوننا إليه من الإيمان والتوحيد موجب للريبة.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 9 إلى 12

الآية 9: يقول تعالى مخوِّفاً عباده ما أحلَّه بالأمم المكذِّبة حين جاءتهم الرسل فكذَّبوهم، فعاقبهم بالعقاب العاجل الذي رآه الناس وسمعوه، فقال:{ألم يأتِكُم نبأ الذين من قبلكم قومُ نوح وعادٍ وثمودَ}: وقد ذكر الله قصصهم في كتابه وبسطها. {والذين من بعدِهم لا يعلمُهم إلاَّ الله}: من كثرتهم وكون أخبارهم اندرست؛ فهؤلاء كلُّهم {جاءتهم رسلُهم بالبيناتِ}؛ أي: بالأدلة الدالَّة على صدق ما جاؤوا به، فلم يرسل الله رسولاً إلا آتاه من الآيات ما يؤمِنُ على مثلِهِ البشرُ؛ فحين أتتهم رسلُهم بالبينات؛ لم ينقادوا لها، بل استكبروا عنها، {فردُّوا أيدِيَهم في أفواههم}؛ أي: لم يؤمنوا بما جاؤوا به، ولم يتفوَّهوا بشيء مما يدلُّ على الإيمان؛ كقوله:{جعلوا أصابِعَهم في آذانهم من الصواعِقِ حَذَرَ الموت}. {وقالوا} صريحاً لرسلهم: {إنَّا كَفَرۡنا بما أرسِلۡتم به وإنا لفي شكٍّ مما تدعوننا إليه مريبٍ}؛ أي: موقع في الريبة.

الآية 10: وقد كذبوا في ذلك وظلموا، ولهذا {قالتۡ} لهم {رسُلُهم أفي الله شكٌّ}؛ أي: فإنه أظهر الأشياء وأجلاها؛ فمن شَكَّ في الله {فاطرِ السمواتِ والأرضِ}: الذي وجود الأشياء مستندٌ إلى وجوده؛ لم يكن عنده ثقةٌ بشيء من المعلومات، حتى الأمور المحسوسة. ولهذا خاطبتهم الرسل خطابَ من لا يشكُّ فيه، ولا يصلح الريب فيه. {يدعوكم}: إلى منافعكم ومصالحكم، {ليغفرَ لكم من ذنوبكم ويؤخِّرَكم إلى أجل مسمًّى}؛ أي: ليثيبكم على الاستجابة لدعوته بالثواب العاجل والآجل، فلم يدعُكم لينتفع بعبادتكم، بل النفع عائد إليكم. فردُّوا على رسلهم ردَّ السفهاء الجاهلين، {وقالوا} لهم: {إنۡ أنتم إلاَّ بشرٌ مثلُنا}؛ أي: فكيف تَفْضُلوننا بالنبوة والرسالة؟ {تريدون أن تصدُّونا عما كان يعبد آباؤنا}: فكيف نترُكُ رأي الآباء وسيرتهم لرأيكم؟! وكيف نطيعكم وأنتم بشرٌ مثلنا؟! {فأتونا بسلطانٍ مبينٍ}؛ أي: بحجَّة وبيِّنة ظاهرة، ومرادهم بيِّنة يقترحونها هم، وإلاَّ؛ فقد تقدَّم أنَّ رسلهم جاءتهم بالبينات.

الآية 11:{قالت لهم رسلهم} مجيبين لاقتراحهم واعتراضهم: {إن نحن إلاَّ بشرٌ مثلُكم}؛ أي: صحيح وحقيقة أنَّا بشرٌ مثلكم. {ولكن} ليس في ذلك ما يدفعُ ما جئنا به من الحقِّ؛ فإنَّ {الله يَمُنُّ على مَن يشاء من عبادِهِ}؛ فإذا منَّ الله علينا بوحيه ورسالته؛ فذلك فضله وإحسانه، وليس لأحدٍ أن يَحْجُرَ على الله فضله ويمنعه من تفضله؛ فانظروا ما جئناكم به؛ فإنْ كان حقًّا؛ فاقبلوه، وإن كان غير ذلك؛ فردُّوه، ولا تجعلوا حالنا حجَّة لكم على ردِّ ما جئناكم به، وقولكم:{فائتونا بسلطانٍ مبين}، فإنَّ هذا ليس بأيدينا وليس لنا من الأمر شيء. {وما كان لنا أن نأتِيَكم بسلطانٍ إلاَّ بإذن الله}: فهو الذي إن شاء جاءكم به وإن شاء لم يأتِكُم به، وهو لا يفعل إلاَّ ما هو مقتضى حكمته ورحمته. {وعلى الله}: لا على غيره، {فليتوكَّل المؤمنون}: فيعتمدون عليه في جلب مصالحهم ودفع مضارِّهم؛ لعلمهم بتمام كفايته وكمال قدرتِهِ وعميم إحسانه، ويثقون به في تيسير ذلك، وبحسب ما معهم من الإيمان يكونُ توكُّلهم. فعُلم بهذا وجوب التوكُّل وأنَّه من لوازم الإيمان ومن العبادات الكبار التي يحبُّها الله ويرضاها لتوقُّف سائر العبادات عليه.

الآية 12:{وما لنا أن لا نتوكَّل على الله وقد هدانا سُبُلَنا}؛ أي: أيُّ شيء يمنعنا من التوكُّل على الله والحال أننا على الحقِّ والهدى، ومن كان على الحقِّ والهدى؛ فإنَّ هداه يوجب له تمام التوكُّل، وكذلك ما يُعْلَمُ من أنَّ الله متكفِّل بمعونة المهتدي وكفايته، يدعو إلى ذلك؛ بخلاف من لم يكن على الحقِّ والهدى؛ فإنَّه ليس ضامناً على الله؛ فإنَّ حاله مناقضةٌ لحال المتوكِّل؟! وفي هذا كالإشارة من الرسل عليهم الصلاة والسلام لقومهم بآيةٍ عظيمةٍ، وهو أنَّ قومهم في الغالب أنَّ لهم القهر والغلبة عليهم، فتحدَّتهم رسلُهم بأنَّهم متوكِّلون على الله في دفع كيدهم ومكرهم، وجازمون بكفايته إيَّاهم، وقد كفاهم الله شرَّهم مع حرصهم على إتلافهم وإطفاء ما معهم من الحقِّ، فيكون هذا كقول نوح لقومِهِ:{يا قوم إن كان كَبُرَ عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكَّلۡتُ فأجمِعوا أمرَكم وشُركاءَكم ثمَّ لا يكنۡ أمرُكم عليكم غُمَّة ثم اقضوا إليَّ ولا تُنظِرونِ ... } الآيات، وقول هود عليه السلام:{قالَ إنِّي أُشۡهِدُ الله واشۡهَدوا أني بريءٌ مما تشرِكونَ من دونِهِ فكيدوني جميعاً ثم لا تُنظِرونِ}. {ولَنَصۡبِرَنَّ على ما آذَيۡتُمونا}: ولنستمرنَّ على دعوتِكم ووعظِكم وتذكيركم، ولا نبالي بما يأتينا منكم من الأذى؛ فإنَّا سنوطِّن أنفسنا على ما ينالنا منكم من الأذى؛ احتساباً للأجر ونصحاً لكم، لعلَّ الله أن يهدِيَكم مع كثرة التذكير. {وعلى الله}: وحدَه لا على غيره، {فليتوكَّل المتوكِّلون}: فإنَّ التوكُّل عليه مفتاح لكل خير. واعلم أن الرسل عليهم الصلاة والسلام توكُّلهم في أعلى المطالب وأشرف المراتب، وهي التوكُّل على الله في إقامة دينه ونصره وهداية عبيده وإزالة الضَّلال عنهم. وهذا أكمل ما يكون من التوكُّل.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ اسْتِفْهام تَقْرِير ﴿نَبَأ﴾ خَبَر ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلكُمْ قَوْم نُوح وعادٍ﴾ قَوْم هُود ﴿وثَمُود﴾ قَوْم صالِح ﴿والَّذِينَ مِن بَعْدهمْ لا يَعْلَمهُمْ إلّا اللَّه﴾ لِكَثْرَتِهِمْ ﴿جاءَتْهُمْ رُسُلهمْ بِالبَيِّناتِ﴾ بِالحُجَجِ الواضِحَة عَلى صِدْقهمْ ﴿فَرَدُّوا﴾ أيْ الأُمَم ﴿أيْدِيهمْ فِي أفْواههمْ﴾ أيْ إلَيْها لِيَعَضُّوا عَلَيْها مِن شِدَّة الغَيْظ ﴿وقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ فِي زَعْمكُمْ ﴿وإنّا لَفِي شَكّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيب﴾ مُوقِع فِي الرِّيبَة

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هَذَا مِنْ تَمَامِ قِيلِ [[في أ: "قول".]] موسى لقومه [[تفسير الطبري (١٦/٥٢٩) .]] .

يعني: وتذكاره إِيَّاهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ، بِانْتِقَامِهِ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ لِلرُّسُلِ.

وَفِيمَا قَالَ [[في ت، أ: "قاله".]] ابْنُ جَرِيرٍ نَظَرٌ؛ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِهَذِهِ الأمة، فإنه قد قيل: إِنَّ قِصَّةَ عَادٍ وَثَمُودَ لَيْسَتْ فِي التَّوْرَاةِ، فَلَوْ كَانَ هَذَا مِنْ كَلَامِ مُوسَى لِقَوْمِهِ وقَصَه عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَلَا شَكَّ [[في ت، أ: "لأوشك".]] أَنْ تَكُونَ هَاتَانِ الْقِصَّتَانِ فِي "التَّوْرَاةِ"، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَبِالْجُمْلَةِ فَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ قَصَّ عَلَيْنَا خَبَرَ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ لِلرُّسُلِ، مِمَّا لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ [[في ت، أ: "عدده".]] إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ، أَيْ: بِالْحُجَجِ وَالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَاتِ الْبَاهِرَاتِ الْقَاطِعَاتِ.

وَقَالَ ابْنُ [[في ت: "أبو".]] إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ﴾ كَذَبَ النَّسَّابُونَ.

وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: مَا وَجَدْنَا أَحَدًا يَعْرِفُ مَا بَعْدَ مَعَدِ بْنِ عَدْنَانَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَاهُ، فَقِيلَ: مَعْنَاهُ: أَنَّهُمْ أَشَارُوا إِلَى أَفْوَاهِ الرُّسُلِ يَأْمُرُونَهُمْ [[في ت: "يأمروهم".]] بِالسُّكُوتِ عَنْهُمْ، لَمَّا دَعَوْهُمْ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ.

وَقِيلَ: بَلْ وَضَعُوا أَيْدِيَهُمْ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ تَكْذِيبًا لَهُمْ.

وَقِيلَ: بَلْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ سُكُوتِهِمْ عَنْ جَوَابِ الرُّسُلِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَقَتَادَةُ: مَعْنَاهُ: أَنَّهُمْ كَذَّبُوهُمْ وَرَدُّوا عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَتَوْجِيهُهُ [[في ت: "ويوجهه"]] أَنَّ "فِي" ها هنا بِمَعْنَى "الْبَاءِ"، قَالَ: وَقَدْ سُمِعَ مِنَ الْعَرَبِ: "أَدْخَلَكَ اللَّهُ بِالْجَنَّةِ" يَعْنُونَ: فِي الْجَنَّةِ، وَقَالَ الشَّاعِرُ:

وَأَرْغَبُ فِيهَا عَن لَقيطٍ ورهْطه ... عَن سِنْبس لَسْتُ أرْغَب ...

يُرِيدُ: أَرْغَبُ بِهَا [[تفسير الطبري (١٦/٥٣٤) .]] .

قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُ قَوْلَ مُجَاهِدٍ تَفْسِيرُ ذَلِكَ بِتَمَامِ الْكَلَامِ: ﴿وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ فَكَأَنَّ هَذَا [وَاللَّهُ أَعْلَمُ] [[زيادة من ت، أ.]] تَفْسِيرٌ لِمَعْنَى رَدِّ أَيْدِيهِمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ.

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ قَالَ: عَضُّوا عَلَيْهَا غَيْظًا.

وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، أَبِي هُبَيرَْة ابْنِ مَرْيَمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا. وَقَدِ اخْتَارَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَوَجَّهَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مُخْتَارًا لَهُ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى عَنِ الْمُنَافِقِينَ: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١١٩] .

وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا سُمِعُوا كِتَابَ [[في ت: "كلام".]] اللَّهِ عَجبوا، ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم.

وَقَالُوا: ﴿إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ يَقُولُونَ: لَا نُصَدِّقُكُمْ فِيمَا جِئْتُمْ بِهِ؛ فَإِنَّ عِنْدَنَا فِيهِ شَكًّا قَوِيًّا.

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، مخبرًا عن قيل موسى لقومه: يا قوم ﴿ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم﴾ ، يقول: خبر الذين من قبلكم من الأمم التي مضت قبلكم [[انظر تفسير " النبأ " فيما سلف ١٥: ١٤٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = ﴿قومِ نوح وعاد وثمودَ﴾ ، وقوم نوح مُبيَّنٌ بهم عن "الذين"، [[في المطبوعة والمخطوطة: " وقوم عاد فبين بهم عن الذين "، وهذا كلام لا معنى له، وإنما سها الناسخ، ومراده أن " قوم نوح "، بدل من " الذين "، و " التبيين "، هو البدل، ذكر ذلك الأخفش (همع الهوامع ٢: ١٢٥) . ويقال له أيضًا " التفسير "، كما أسلفت في الجزء ١٢: ٧، تعليق: ١، ويقال له أيضًا: " التكرير "، (همع الهوامع ٢: ١٢٥) .]] و"عاد" معطوف بها على "قوم نوح"،= ﴿والذين من بعدهم﴾ ، يعني من بعد قوم نوح وعاد وثمود = ﴿لا يعلمهم إلا الله﴾ ، يقول: لا يحصي عَدَدهم ولا يعلَمُ مبلغهم إلا الله، كما: -

٢٠٥٩٠- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون: ﴿وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله﴾ ، قال: كذَب النسَّابون. [[الآثار: ٢٠٥٩٠ - ٢٠٥٩٣ - خرجها السيوطي في الدر المنثور ٤: ٧١، وزاد نسبته إلى عبيد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.

وإسناد هذا الخبر صحيح.]]

٢٠٥٩١- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعود، بمثل ذلك.

٢٠٥٩٢- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال، حدثنا ابن مسعود، أنه كان يقرؤها: "وَعَادًا وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللهُ"، ثم يقول: كذب النسابون.

٢٠٥٩٣- حدثني ابن المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عيسى بن جعفر، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله، مثله. [[الأثر: ٢٠٥٩٣ - " ابن المثنى "، هو " محمد بن المثنى العنزي "، الحافظ، المعروف بالزمن، شيخ الطبري، روي عنه ما لا يحصى كثرة، مضى مرارًا، انظر: ٢٧٣٤، ٢٧٤٠، ٥٤٤٠، ١٠٣١٤.

و" عيسى بن جعفر "، هذا خطأ لا شك فيه، وإنما الصواب " محمد بن جعفر الهذلي "، وهو " غندر "، روي عند " ابن المثنى " في مواضع من التفسير لا تعد كثرة، انظر ما سلف من الأسانيد مثلا: ٣٥، ١٠١، ١٩٤، ٢٠٨، ٤١٩، في الجزء الأول من التفسير، وفي الجزء الثامن: ٨٧٦١، ٨٨١٠، ٨٨٦٣، ٨٩٧٣، وفيه " المثنى "، وصوابه " ابن المثنى ". وغير هذه كثير.]]

* *

وقوله: ﴿جاءتهم رسلهم بالبينات﴾ ، يقول: جاءت هؤلاء الأمم رسلُهم الذين أرسلهم الله إليهم بدعائهم إلى إخلاص العبادة له = "بالبينات"، يعني بحججٍ ودلالاتٍ على حقيقة ما دعوهم إليه من مُعْجِزاتٍ. [[انظر تفسير " البينات " فيما سلف ١٣: ١٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

= هذا، وكان في المطبوعة: " يعني بالحجج الواضحات، والدلالات البينات الظاهرات على حقيقة ما دعوهم إليه معجزات "، زاد في الكلام غثاء كثيرًا، كأنه غمض عليه نص أبي جعفر، فأراد أن يوضحه بما ساء وناء.]]

* *

وقوله: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ ، اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم: معنى ذلك: فعضُّوا على أصابعهم، تغيُّظًا عليهم في دعائهم إياهم إلى ما دَعَوهم إليه.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٥٩٤- حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى، قالا حدثنا عبد الرحمن، قال حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ ، قال: عضوا عليها تغيُّظًا.

٢٠٥٩٥- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، في قوله: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ ، قال: غيظًا، هكذا، وعضَّ يده.

٢٠٥٩٦- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ ، قال: عضُّوها. [[الآثار: ٢٠٥٩٤ - ٢٠٥٩٦ - خبر " سفيان الثوري، عن أبي إسحق "، أخرجه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٥١، من طريق عبد الرزاق، وهو هنا رقم: ٢٠٥٩٥، ولفظه في المستدرك:

" قال عبد الله كذا، وردَّ يده في فيه، وعضَّ يده، وقال: عضُّوا على أصابعهم غيظًا ".

قال الحاكم: " هذا حديث صحيح بالزيادة على شرطهما "، ووافقه الذهبي.

وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٤: ٧٢، وزاد نسبته إلى عبد الرزاق، والفريابي، وأبي عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني. وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ٤٣، وقال: رواه الطبراني عن شيخه، عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، وهو ضعيف ". ولم يذكر هو ولا السيوطي الحديث بزيادة الحاكم.

وسيأتي الخبر عن " سفيان الثوري " و " إسرائيل " برقم: ٢٠٦٠٣.]]

٢٠٥٩٧- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن رجاء البصريّ قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله في قول الله عز وجل: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ ، قال: عضوا على أصابعهم. [[الأثر: ٢٠٥٩٧ - " إسرائيل "، هو " إسرائيل بن يونس بن أبي إسحق السبيعي "، روى عن جده، ومضى مرارًا كثيرة لا تعد.

و" عبد الله بن رجاء بن عمرو الغداني البصري "، ثقة، كان حسن الحديث عن " إسرائيل " سلفت ترجمته برقم: ٢٨١٤، ٢٩٣٩، ١٦٩٧٣.

وهذا الخبر، رواه الحاكم في المستدرك، من طريق: " عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل "،

وقال: " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي، وسيأتي من طريق أبي أحمد الزبيري، عن إسرائيل، وسفيان جميعًا برقم: ٢٠٦٠٣. وانظر تخريج الآثار السالفة.]]

٢٠٥٩٨- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ ، قال: عضوا على أطراف أصابعهم. [[الأثر: ٢٠٥٩٨ - هذه طريق ثالثة لخبر أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود: " شريك، عن أبي إسحق: عن أبي الأحوص، عن عبد الله "،. وانظر الآثار السالفة.]]

٢٠٥٩٩- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن هبيرة، عن عبد الله أنه قال في هذه الآية: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ ، قال: أن يجعل إصْبعه في فيه.

٢٠٦٠٠- حدثنا الحسن بن محمد، قالا حدثنا أبو قطن قال، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن هبيرة، عن عبد الله في قول الله عز وجلّ: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ ، ووضع شُعبة أطرافَ أنامله اليُسرى على فيه.

٢٠٦٠١- حدثنا الحسن قال، حدثنا يحيى بن عباد قال، حدثنا شعبة قال، أخبرنا أبو إسحاق، عن هبيرة قال، قال عبد الله ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ ، قال: هكذا، [[" قال هكذا "، أي أشار. وقد سلف مرارًا تفسير " قال " بهذا المعنى.]] وأدخل أصابعه في فيه.

٢٠٦٠٢- حدثنا الحسن قال، حدثنا عفان قال، حدثنا شعبة، قال أبو إسحاق: أنبأنا عن هبيرة، عن عبد الله أنه قال في هذه الآية: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ ، قال أبو علي: وأرَانا عفان، وأدخل أطراف أصابع كفّه مبسوطةً في فيه، وذكر أن شعبة أراه كذلك. [[الآثار: ٢٠٥٩٩ - ٢٠٦٠٢ - هذه الثلاثة، طريق أخرى لخبر عبد الله بن مسعود، من حديث هبيرة عنه.

و" أبو قطن "، هو " عمرو بن الهثيم بن قطن الزبيري "، " أبو قطن البصري "، ثقة، في الطبقة الرابعة من أصحاب شعبة. مضى برقم: ١٨٦٧٤، ٢٠٠٩١، ٢٠٤٢٠.

و" يحيى بن عباد الضبعي "، " أبو عباد "، من شيوخ أحمد، والحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، ثقة، ولكنه ضعيف. مضى برقم: ٢٠٠١٠، ٢٠٠٩١

و" هبيرة بن مريم الشبامي "، تابعي ثقة، لم يرو عنه غير أبي إسحق السبيعي، مضى برقم: ٣٠٠١، ٥٤٦٨.]]

٢٠٦٠٣- حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ ، قال: عضُّوا على أناملهم. وقال سفيان: عضُّوا غيظًا. [[الأثر: ٢٠٦٠٣ - انظر التعليق على الآثار السالفة.]]

٢٠٦٠٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ ، فقرأ: " عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنَامِلَ مِنَ الْغيْظِ " [سورة آل عمران: ١١٩] ، قال: هذا، ﴿ردُّوا أيديهم في أفواههم﴾ . [[في المطبوعة: " وقال: معنى: ردوا أيديهم في أفواههم "، عبث باللفظ وأساء غاية الإساءة.]] قال: أدخلوا أصابعهم في أفواههم. وقال: إذا اغتاظ الإنسان عضَّ يده.

* *

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم لما سمعوا كتابَ الله عجبوا منه، ووضعوا أيديهم على أفواههم.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٦٠٥- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ ، قال: لما سمعوا كتابَ الله عجِبُوا ورَجَعوا بأيديهم إلى أفواههم.

* *

وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم كذبوهم بأفواههم.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٦٠٦- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد = ح وحدثني الحارث قال، حدثنا الحسن قال، حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ ، قال: ردوا عليهم قولهم وكذَّبوهم.

٢٠٦٠٧- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

٢٠٦٠٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

٢٠٦٠٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم﴾ ، يقول: قومُهم كذّبوا رسلهم وردُّوا عليهم ما جاءوا به من البينات، وردُّوا عليهم بأفواههم، وقالوا: إنا لفي شك مما تَدعوننا إليه مُرِيب.

٢٠٦١٠- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ ، قال: ردوا على الرسل ما جاءت به.

* *

قال أبو جعفر: وكأنّ مجاهدًا وجَّه قوله: ﴿فردُّوا أيديهم في أفواههم﴾ ، إلى معنى: ردُّوا أيادى الله التي لو قبلوها كانت أياديَ ونعمًا عندهم، فلم يقبلوها= ووجَّه قوله: ﴿في أفواههم﴾ ، إلى معنى: بأفواههم، يعني: بألسنتهم التي في أفواههم [[انظر ما سلف: ٥١٥، تعليق: ٦.]] .

* *

وقد ذكر عن بعض العرب سَماعًا:" أدخلك الله بالجنَّة"، يعنون: في الجنة، وينشد هذا البيت [[لم أعرف قائله. ومنشده هو الفراء، كما في اللسان (فيا) .]]

وَأَرْغَبُ فِيهَا عَنْ لَقِيطٍ وَرَهْطِهِ ... وَلَكِنَّنِي عَنْ سِنْبِسٍ لَسْتُ أَرْغَبُ [[اللسان (فيا) ، وسيأتي في التفسير ١٧: ١٠٥ (بولاق) وأنشده في اللسان عن الفراء: وأَرغبُ فيها عن عُبَيْدٍ ورَهْطِهِ ... ولكنْ بِهَا عن سِنْبسٍ لستُ أَرغَبُ]]

يريد: وأرغب بها، يعنى بابنة له، [[كان في المطبوعة: " يريد: وأرغب فيها، يعني أرغب بها عن لقيط "، لم يحسن قراءة المخطوطة لأن فيها " وأرغب فيها " مكان " وأرغب بها "، ولأنه كتبت " بابنت " بتاء مفتوحة، وغير منقوطة فضل، فتصرف، فأضل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.]] عن لقيط، ولا أرغبُ بها عن قبيلتي.

* *

وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم كانوا يَضَعُون أيديهم على أفواه الرّسل ردًّا عليهم قولَهم، وتكذيبًا لهم.

* *

وقال آخرون: هذا مَثَلٌ، وإنما أُرِيد أنهم كفُّوا عَمَّا أُمروا بقَوْله من الحق، [[في مجاز القرآن لأبي عبيدة " بقوله "، مكان " بقبوله " فأثبته، ولم أثبت ما في المخطوطة والمطبوعة، وما وافقهما في فتح الباري (٨: ٢٨٥) ، لأن قول أبي جعفر بعد: " لأن الله عز وجل قد أخبر عنهم أنهم قالوا ... "، دليل على صوابه.]] ولم يؤمنوا به ولم يسلموا. وقال: يقال لِلرَّجل إذا أمسَك عن الجواب فلم يجبْ: " ردّ يده في فمه ". وذكر بعضهم أن العرب تقول: " كلمت فلانًا في حاجة فرَدّ يدَه في فيه"، إذا سكت عنه فلم يجب. [[هذا قول أبي عبيدة في مجاز القرآن ١: ٣٣٦، ولكنه في المطبوع من مجاز القرآن مختصر جدًا، وكأن هذا الموضع من " مجاز القرآن " مضطرب وفيه خروم، كما أسلفت بيان ذلك في ص: ٥١٩ تعليق رقم: ٢.]]

* *

قال أبو جعفر: وهذا أيضًا قول لا وَجْه له، لأن الله عزَّ ذكره، قد أخبر عنهم أنهم قالوا: " إنا كفرنا بما أرسلتم به"، فقد أجابوا بالتكذيب.

* *

قال أبو جعفر:-

وأشبه هذه الأقوال عندي بالصواب في تأويل هذه الآية، القولُ الذي ذكرناه عن عبد الله بن مسعود: أنهم ردُّوا أيديهم في أفواههم، فعضُّوا عليها، غيظاً على الرسل، كما وصف الله جل وعز به إخوانهم من المنافقين، فقال: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [سورة آل عمران: ١١٩] . فهذا هو الكلام المعروف والمعنى المفهوم من "ردِّ اليدِ إلى الفم".

* *

وقوله: ﴿وقالوا إنّا كفرنا بمَا أرسلتم به﴾ ، يقول عز وجل: وقالوا لرسلهم: إنا كفرنا بما أرسلكم به مَنْ أرسلكم، من الدعاء إلى ترك عبادة الأوثان والأصنام = ﴿وإنا لفي شك﴾ من حقيقة ما تدعوننا إليه من توحيد الله = ﴿مُريب﴾ ، يقول: يريبنا ذلك الشك، أي يوجب لنا الريبَة والتُّهمَةَ فيه.

* *

= يقال منه:" أرابَ الرجل"، إذا أتى بريبة، "يُريبُ إرابةً". [[انظر تفسير " الريب " فيما سلف من فهارس اللغة (ريب) ، وتفسير " الإرابة فيما سلف ١٥: ٣٧٠، ٤٩٣.]]