سورة القرآن surah-quran.com

سورة لقمان

سورة لقمان، الآية 29

الجزء 21، الصفحة 414.

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِىٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿٢٩﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

ألم تر أن الله يأخذ من ساعات الليل، فيطول النهار ويقصر الليل، ويأخذ من ساعات النهار، فيطول الليل ويقصر النهار، وذلَّل لكم الشمس والقمر، يجري كل منهما في مداره إلى أجل معلوم محدد، وأن الله مُطَّلع على كل أعمال الخلق مِن خير أو شر، لا يخفى عليه منها شيء؟

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 29 إلى 30

الآية 29: وهذا فيه أيضاً انفرادُه بالتصرُّف والتدبير، وسعةِ تصرُّفه بإيلاج الليل في النهار وإيلاج النهارِ في الليل؛ أي: إدخال أحدِهِما على الآخر؛ فإذا دخل أحدُهما؛ ذهب الآخر، وتسخيره للشمس والقمر يجريان بتدبيرٍ ونظامٍ لم يختلَّ منذ خَلَقَهما؛ ليقيم بذلك من مصالح العباد ومنافِعِهم في دينهم ودُنياهم ما به يعتبِرون وينتَفِعون، و {كلٌّ} منهما {يجري إلى أجل مسمّى}: إذا جاء ذلك الأجل؛ انقطعَ جريانُهُما وتعطَّل سلطانُهما، وذلك في يوم القيامةِ حين تكوَّرُ الشمس، ويُخْسَفُ القمر، وتنتهي دار الدُّنيا، وتبتدئ الدار الآخرة. {وأنَّ الله بما تعملونَ}: من خيرٍ وشرٍّ. {خبيرٌ}: لا يخفى عليه شيء من ذلك، وسيجازيكم على تلك الأعمال بالثواب للمطيعين والعقاب للعاصين.

الآية 30:{ذلك}: الذي بيَّن لكم من عظمتِهِ وصفاتِهِ ما بيَّن {بأنَّ الله هو الحقُّ}: في ذاته وفي صفاته، ودينُهُ حقٌّ، ورسله حقٌّ، ووعدُه حقٌّ، ووعيده حقٌّ، وعبادتُه هي الحق. {وأنَّ ما يدعونَ من دونِهِ الباطلُ}: في ذاته وصفاته؛ فلولا إيجادُ الله له؛ لما وُجِدَ، ولولا إمدادُه؛ لما بقي؛ فإذا كان باطلاً؛ كانت عبادتُه أبطل وأبطل. {وأنَّ الله هو العليُّ}: بذاته فوق جميع مخلوقاته الذي علت صفاته أن يقاس بها صفات [أحدٍ من الخلق]، وعلا على الخلق؛ فقهرهم {الكبير}: الذي له الكبرياءُ في ذاته وصفاته، وله الكبرياءُ في قلوب أهل السماء والأرض.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿ألَمْ تَرَ﴾ تَعْلَم يا مُخاطَب ﴿أنَّ اللَّه يُولِج﴾ يُدْخِل ﴿اللَّيْل فِي النَّهار ويُولِج النَّهار﴾ يُدْخِلهُ ﴿فِي اللَّيْل﴾ فَيَزِيد كُلّ مِنهُما بِما نَقَصَ مِن الآخَر ﴿وسَخَّرَ الشَّمْس والقَمَر كُلّ﴾ مِنهُما ﴿يَجْرِي﴾ فِي فُلْكه ﴿إلى أجَل مُسَمّى﴾ هُوَ يَوْم القِيامَة

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 29 إلى 30

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ بِمَعْنَى: يَأْخُذُ مِنْهُ فِي النَّهَارِ، فيطولُ ذَلِكَ وَيَقْصُرُ هذا، وَهَذَا يَكُونُ زَمَنَ الصَّيْفِ يَطُولُ النَّهَارُ إِلَى الْغَايَةِ، ثُمَّ يُسْرِعُ فِي النَّقْصِ فَيَطُولُ اللَّيْلُ وَيَقْصُرُ النَّهَارُ، وَهَذَا يَكُونُ فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ، ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قِيلَ: إِلَى غَايَةٍ مَحْدُودَةٍ. وَقِيلَ: إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَكِلَا الْمَعْنِيِّينَ صَحِيحٌ، وَيُسْتَشْهِدُ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟ ". قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "فَإِنَّهَا تَذْهَبُ فَتَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ، ثُمَّ تَسْتَأْذِنُ ربَّها فَيُوشِكُ أَنْ يُقَالَ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ" [[صحيح البخاري برقم (٤٨٠٣) وصحيح مسلم برقم (١٥٩) .]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي الْحَاتِمِ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنُ جُرَيْج، عَنْ عَطَاء بْنِ أَبِي رَبَاحٍ [[في ت: "وروى ابن أبي حاتم بإسناده".]] ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الشَّمْسُ بِمَنْزِلَةِ السَّاقِيَةِ، تَجْرِي بِالنَّهَارِ فِي السَّمَاءِ فِي فَلَكِهَا، فَإِذَا غَرَبَتْ جَرَتْ بِاللَّيْلِ فِي فَلَكِهَا تَحْتَ الْأَرْضِ حَتَّى تَطْلُعَ مِنْ مَشْرِقِهَا، قَالَ: وَكَذَلِكَ الْقَمَرُ. إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ، كَقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ [الْحَجِّ: ٧٠] . [[في ت: "السموات" وهو خطأ.]] وَمَعْنَى هَذَا: أَنَّهُ تَعَالَى الْخَالِقُ الْعَالِمُ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، كَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنزلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطَّلَاقِ: ١٢] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ أَيْ: إِنَّمَا يُظْهِرُ لَكُمْ آيَاتِهِ لِتَسْتَدِلُّوا بِهَا عَلَى أَنَّهُ الْحَقُّ، أَيِ: الْمَوْجُودُ الْحَقُّ، الْإِلَهُ الْحَقُّ، وَأَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ بَاطِلٌ فَإِنَّهُ الْغَنِيُّ عَمَّا سِوَاهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ ما [[في ت: "من".]] في السموات وَالْأَرْضِ الْجَمِيعُ خَلْقُهُ وَعَبِيدُهُ، لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى تَحْرِيكِ ذَرّة إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَوِ اجْتَمَعَ كُلُّ أَهْلِ الْأَرْضِ عَلَى أَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا لَعَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ أَيِ: الْعَلِيُّ: الَّذِي لَا أَعْلَى مِنْهُ، الْكَبِيرُ: الَّذِي هُوَ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، فكل [[في ت، ف: "وكل".]] شيء خاضع حقير بالنسبة إليه.

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ﴾

يقول تعالى ذكره: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ يا محمد بعينك ﴿أنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ﴾ يقول: يزيد من نقصان ساعات الليل في ساعات النهار ﴿وَيُولجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ يقول: يزيد ما نقص من ساعات النهار في ساعات اللَّيل.

كما:-

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ نقصان الليل في زيادة النهار ﴿وَيُولجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ نقصان النهار في زيادة الليل.

* *

وقوله: ﴿وَسَخَّر الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَل مُسَمًّى﴾

يقول تعالى ذكر: وسخر الشمس والقمر لمصالح خلقه ومنافعهم، ﴿كلٌّ يجري﴾ يقول: كلّ ذلك يجري بأمره إلى وقت معلوم، وأجل محدود إذا بلغه كوّرت الشمس والقمر.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يقول: لذلك كله وقت وحد معلوم، لا يجاوزه ولا يعدوه.

* *

وقوله: ﴿وَأنَّ اللهَ بمَا تَعْلَمُونَ خَبِيرٌ﴾

يقول: وإن الله بأعمالكم أيها الناس من خير أو شرّ ذو خبرة وعلم، لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم على جميع ذلك، وخرج هذا الكلام خطابا لرسول الله ﷺ، والمعنيّ به المشركون، وذلك أنه تعالى ذكره: نبه بقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ على موضع حجته من جهل عظمته، وأشرك في عبادته معه غيره، يدلّ على ذلك قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ .