سورة القرآن surah-quran.com

سورة مريم

سورة مريم، الآية 47

الجزء 16، الصفحة 308.

قَالَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِى حَفِيًّا ﴿٤٧﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

قال إبراهيم لأبيه: سلام عليك مني فلا ينالك مني ما تكره، وسوف أدعو الله لك بالهداية والمغفرة. إن ربي كان رحيمًا رؤوفًا بحالي يجيبني إذا دعوته.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 41 إلى 50

الآية 41:{واذۡكُرۡ في الكتاب إبراهيم إنَّه كان صديقاً نبيًّا}: جمع الله له بين الصديقيَّة والنبوَّة؛ فالصِّدِّيق كثيرُ الصدق؛ فهو الصادق في أقوالِهِ وأفعالِهِ وأحوالِهِ، المصدِّق بكل ما أُمِرَ بالتصديق به، وذلك يستلزمُ العلم العظيم، الواصل إلى القلب، المؤثِّر فيه، الموجب لليقين، والعمل الصالح الكامل، وإبراهيم عليه السلام هو أفضلُ الأنبياء كلِّهم بعد محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وهو الأب الثالثُ للطوائف الفاضلة، وهو الذي جعلَ الله في ذُرِّيَّتِهِ النبوَّة والكتاب، وهو الذي دعا الخلق إلى الله، وصبر على ما ناله من العذاب العظيم، فدعا القريب والبعيد، واجتهد في دعوة أبيه مهما أمكنه.

الآية 42: وذكر الله مراجعته إيَّاه فقال: {إذۡ قال لأبيه}: مهجِّناً له عبادة الأوثان: {يا أبتِ لم تعبدُ ما لا يسمعُ ولا يبصِرُ ولا يغني عنك شيئاً}؛ أي: لم تعبد أصناماً ناقصةً في ذاتها وفي أفعالها؛ فلا تسمع، ولا تبصر، ولا تملِكُ لعابدها نفعاً ولا ضرًّا، بل لا تملِكُ لأنفسها شيئاً من النفع، ولا تقدِرُ على شيءٍ من الدفع؟! فهذا برهانٌ جليٌّ دالٌّ على أنَّ عبادة الناقص في ذاته وأفعاله مستقبحٌ عقلاً وشرعاً، ودلَّ تنبيهه وإشارتُه أنَّ الذي يجبُ ويحسُنُ عبادةُ مَنْ له الكمالُ، الذي لا يَنال العبادُ نعمةً إلاَّ منه، ولا يدفعُ عنهم نقمةً إلاَّ هو، وهو الله تعالى.

الآية 43:{يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك}؛ أي: يا أبت لا تَحْقِرْني وتقول: إنِّي ابنُك، وإنَّ عندك ما ليس عندي، بل قد أعطاني الله من العلم ما لم يُعْطِكَ، والمقصودُ من هذا قوله:{فاتَّبِعۡني أهۡدِكَ صراطاً سويًّا}؛ أي: مستقيماً معتدلاً، وهو عبادة الله وحدَه لا شريك له، وطاعتُهُ في جميع الأحوال. وفي هذا من لطف الخطاب ولينه ما لا يخفى، فإنَّه لم يقلْ: يا أبتِ أنا عالمٌ وأنت جاهلٌ، أو: ليس عندكَ من العلم شيءٌ، وإنَّما أتى بصيغة [تقتضي] أنَّ عندي وعندك علماً،، وأنَّ الذي وصل إليَّ لم يصِلْ إليكَ ولم يأتِكَ؛ فينبغي لك أن تَتَّبِعَ الحجة وتنقاد لها.

الآية 44:{يا أبتِ لا تعبُدِ الشيطانَ}: لأنَّ مَنْ عَبَدَ غير الله؛ فقد عبد الشيطان؛ كما قال تعالى:{ألم أعۡهَدۡ إليكُم يا بني آدمَ أن لا تعبُدوا الشيطانَ إنَّه لكم عدوٌّ مبينٌ}. {إنَّ الشيطان كانَ للرحمن عَصِيًّا}: فمن اتَّبع خطواتِهِ؛ فقد اتَّخذه وليًّا، وكان عاصياً لله بمنزلة الشيطان. وفي ذكر إضافة العصيان إلى اسم الرحمن إشارةٌ إلى أنَّ المعاصي تمنع العبدَ من رحمةِ الله وتُغْلِقُ عليه أبوابها؛ كما أنَّ الطاعة أكبر الأسباب لنيل رحمتِهِ.

الآية 45: ولهذا قال: {يا أبتِ إنِّي أخافُ أن يمسَّكَ عذابٌ من الرحمن}؛ أي: بسبب إصرارك على الكفر، وتماديك في الطغيان، {فتكونَ للشَّيۡطانِ وليًّا}؛ أي: في الدُّنيا والآخرة، فتنزل بمنازله الذَّميمة، وترتع في مراتعه الوخيمة، فتدرَّج الخليل عليه السلام بدعوة أبيه بالأسهل فالأسهل، فأخبره بعلمه، وأنَّ ذلك موجبٌ لاتِّباعك إيَّاي، وأنَّك إن أطعتني؛ اهتديتَ إلى صراط مستقيم. ثم نهاه عن عبادةِ الشيطان، وأخبره بما فيها من المضارِّ. ثم حذَّره عقاب الله ونقمته إنْ أقام على حاله، وأنَّه يكون وليًّا للشيطان.

الآية 46: فلم ينجعْ هذا الدعاء بذلك الشقيِّ، وأجاب بجواب جاهل وقال:{أراغبٌ أنت عن آلهتي يا إبراهيمُ}: فتبجَّح بآلهته التي هي من الحجرِ والأصنام، ولَامَ إبراهيم عن رغبتِهِ عنها، وهذا من الجهل المفرِطِ والكفر الوخيم؛ يتمدَّح بعبادةِ الأوثانِ ويدعو إليها. {لئن لم تَنۡتَهِ}؛ أي: عن شتم آلهتي ودعوتي إلى عبادة الله، {لأرجُمَنَّكَ}؛ أي: قتلاً بالحجارة، {واهۡجُرۡني ملياً}؛ أي: لا تكلِّمْني زماناً طويلاً.

الآية 47: فأجابه الخليل جوابَ عباد الرحمن عند خطاب الجاهلين، ولم يشتِمْه، بل صبر، ولم يقابل أباه بما يكره، وقال:{سلامٌ عليك}؛ أي: ستسلم من خطابي إياك بالشتم والسبِّ وبما تكره، {سأستغفر لك ربِّي إنَّه كان بي حَفِيًّا}؛ أي: لا أزال أدعو الله لك بالهداية والمغفرة بأن يهدِيَك للإسلام الذي به تحصُلُ المغفرة؛ فإنَّه كان بي حَفِيًّا؛ أي: رحيماً رءوفاً بحالي معتنياً بي، فلم يزلْ يستغفرُ الله له رجاء أن يهدِيَه الله، فلما تبيَّن له أنَّه عدوٌّ لله، وأنَّه لا يفيدُ فيه شيئاً؛ ترك الاستغفار له وتبرَّأ منه. وقد أمرنا الله باتِّباع ملَّة إبراهيم؛ فمن اتِّباع ملَّته سلوك طريقه في الدَّعوة إلى الله بطريق العلم والحكمة واللين والسهولة والانتقال من رتبةٍ إلى رتبةٍ ، والصبر على ذلك، وعدم السآمة منه، والصبر على ما ينال الداعي من أذى الخَلْق بالقول والفعل، ومقابلة ذلك بالصفح والعفو، بل بالإحسان القوليِّ والفعليِّ.

الآية 48: فلما أيس من قومه وأبيه؛ قال:{وأعتزِلُكم وما تدعونَ من دون الله}؛ أي: أنتم وأصنامكم، {وأدعو ربِّي}: وهذا شاملٌ لدعاء العبادة ودعاء المسألة، {عسى أن لا أكونَ بدُعاء ربِّي شَقِيًّا}؛ أي: عسى الله أن يسعِدَني بإجابة دعائي وقَبول أعمالي، وهذه وظيفةُ من أيس ممَّن دعاهم ـ فاتَّبعوا أهواءهم، فلم تنجَعْ فيهم المواعظُ، فأصرُّوا في طغيانهم يعمهون ـ أنْ يشتغلَ بإصلاح نفسه، ويرجو القبولَ من ربِّه، ويعتزل الشرَّ وأهله.

الآية 49: ولما كان مفارقةُ الإنسان لوطنه ومألفه وأهله وقومه من أشقِّ شيءٍ على النفس لأمورٍ كثيرةٍ معروفةٍ، ومنها انفرادُه عمن يتعزَّز بهم ويتكثَّر، وكان مَنْ ترك شيئاً لله؛ عوَّضه الله خيراً منه، واعتزل إبراهيمُ قومه؛ قال الله في حقِّه:{فلمَّا اعتزَلَهم وما يعبُدون من دون الله وَهَبۡنا له إسحاقَ ويعقوبَ وكلاًّ}: من إسحاقَ ويعقوبَ، {جَعَلۡنا نبيًّا}: فحصل له ولهؤلاء الصالحين المرسلين إلى الناس، الذين خصَّهم الله بوحيه، واختارهم لرسالته، واصطفاهم من العالمين.

الآية 50:{ووهبنا لهم}؛ أي: لإبراهيم وابنيه إسحاق ويعقوب، {من رَحۡمَتِنا}: وهذا يشمَلُ جميع ما وَهَبَ الله لهم من الرحمة من العلوم النافعة والأعمال الصالحة والذُّرِّيَّة الكثيرة المنتشرة، الذين قد كَثُر فيهم الأنبياء والصالحون، {وجَعَلۡنا لهم لسانَ صدقٍ عليًّا}: وهذا أيضاً من الرحمة التي وَهَبَها لهم؛ لأنَّ الله وعد كلَّ محسن أن ينشُرَ له ثناءً صادقاً بحسب إحسانه، وهؤلاء من أئمة المحسنين، فنشر الله الثناء الحسن الصادق غير الكاذب العالي غير الخفيِّ، فِذكْرُهم ملأ الخافقين، والثناء عليهم ومحبَّتُهم امتلأت بها القلوب وفاضت بها الألسنةُ، فصار قدوةً للمقتدين وأئمة للمهتدينَ، ولا تزال أذكارُهم في سائر العصور متجدِّدة، وذلك فضلُ الله يؤتيه مَنْ يشاءُ، والله ذو الفضل العظيم.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿قالَ سَلام عَلَيْك﴾ مِنِّي أيْ لا أُصِيبك بِمَكْرُوهٍ ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَك رَبِّي إنّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ مِن حَفِيَ أيْ بارًّا فَيُجِيب دُعائِي وقَدْ أوْفى بِوَعْدِهِ المَذْكُور فِي الشُّعَراء ﴿واغْفِرْ لِأَبِي﴾ وهَذا قَبْل أنْ يَتَبَيَّن لَهُ أنَّهُ عَدُوّ اللَّه كَما ذَكَرَهُ فِي بَراءَة

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 46 إلى 48

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ جَوَابِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ [لِوَلَدِهِ إِبْرَاهِيمَ] [[زيادة من ف، أ.]] فِيمَا دَعَاهُ إِلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ يَعْنِي: [إِنْ كُنْتَ لَا] [[زيادة من ف، أ، وفي هـ: "أما".]] تُرِيدُ عِبَادَتَهَا وَلَا تَرْضَاهَا، فَانْتَهِ عَنْ سَبِّهَا وَشَتْمِهَا وَعَيْبِهَا، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَنْتَهِ عَنْ ذَلِكَ اقتصصتُ مِنْكَ وَشَتَمْتُكَ وَسَبَبْتُكَ، وَهُوَ [[في أ: "وهي".]] قَوْلُهُ: ﴿لأرْجُمَنَّكَ﴾ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ : قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: يَعْنِي دَهْرًا.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: زَمَانًا طَوِيلًا. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قَالَ: أَبَدًا.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، وَالْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قَالَ: سَوِيًّا سَالِمًا، قَبْلَ أَنْ تُصِيبَكَ مِنِّي عُقُوبَةٌ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وقَتَادَةُ وَعَطِيَّةُ الجَدَلي وَ [أَبُو] [[زيادة من ف، أ.]] مَالِكٍ، وَغَيْرُهُمْ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

فَعِنْدَهَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي صِفَةِ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الْفَرْقَانِ: ٦٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] .

وَمَعْنَى قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ يَعْنِي: أَمَّا أَنَا فَلَا يَنَالُكَ مِنِّي مَكْرُوهٌ وَلَا أَذًى، وَذَلِكَ لِحُرْمَةِ الْأُبُوَّةِ، ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ أَيْ: وَلَكِنْ سَأَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى فِيكَ أَنْ يَهْدِيَكَ وَيَغْفِرَ ذَنْبَكَ، ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: لَطِيفًا، أَيْ: فِي أَنْ هَدَانِي لِعِبَادَتِهِ وَالْإِخْلَاصِ لَهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمَا: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ قَالَ [[في أ: "قالوا".]] : [و] [[زيادة من ت.]] عَوّدَه الْإِجَابَةَ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ: "الْحَفِيُّ": الَّذِي يَهْتَم بِأَمْرِهِ.

وَقَدِ اسْتَغْفَرَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَبَعْدَ أَنْ هَاجَرَ إِلَى الشَّامِ وَبَنَى الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَبَعْدَ أَنْ وُلِدَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فِي قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنَا [[في ت، ف، أ: "رب".]] اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٤١] .

وَقَدِ اسْتَغْفَرَ الْمُسْلِمُونَ لِقَرَابَاتِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ اقْتِدَاءً بِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ فِي ذَلِكَ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الْآيَةَ [الْمُمْتَحِنَةِ: ٤] ، يَعْنِي إِلَّا فِي هَذَا الْقَوْلِ، فَلَا [[في ت: "ولا".]] تَتَأَسَّوْا بِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَقْلَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَرَجَعَ عَنْهُ، فَقَالَ [[في ت: "وقال".]] تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١٣، ١١٤] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي﴾ أَيْ: أَجْتَنِبُكُمْ وَأَتَبَرَّأُ مِنْكُمْ وَمِنْ آلِهَتِكُمُ الَّتِي تَعْبُدُونَهَا [مِنْ دُونِ اللَّهِ] [[زيادة من ف، أ.]] ، ﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾ أَيْ: وَأَعْبُدُ رَبِّي وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، ﴿عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ وَ "عَسَى" هَذِهِ مُوجِبَةٌ لَا مَحَالَةَ، فَإِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، سَيِّدُ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ.

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 47 إلى 48

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) ﴾

يقول تعالى ذكره: قال إبراهيم لأبيه حين توعَّده على نصيحته إياه ودعائه إلى الله بالقول السيئ والعقوبة: سلام عليك يا أبت، يقول: أمنة مني لك أن أعاودك فيما كرهت، ولدعائك إليّ ما توعدتني عليه بالعقوبة، ولكني ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ يقول: ولكني سأسأل ربي أن يستر عليك ذنوبك بعفوه إياك عن عقوبتك عليها ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ يقول: إن ربي عهدته بي لطيفا يجيب دعائي إذا دعوته، يقال منه: تحفى بي فلان. وقد بيَّنت ذلك بشواهده فيما مضى، بما أغنى عن إعادته هاهنا.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ يقول: لطيفا.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ قال: إنه كان بي لطيفا، فإن الحفيّ: اللطيف.

* *

وقوله ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾

يقول: وأجتنبكم وما تدعون من دون الله من الأوثان والأصنام ﴿وأدْعُو رَبّي﴾ يقول: وأدعو ربي، بإخلاص العبادة له، وإفراده بالربوبية ﴿عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ يقول: عسى أن لا أشقى بدعاء ربي، ولكن يجيب دعائي، ويعطيني ما أسأله.