سورة مريم، الآية 51
الجزء 16، الصفحة 308.
وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مُوسَىٰٓ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا ﴿٥١﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة مريم
تفسير الآية
التفسير الميسر
واذكر -أيها الرسول- في القرآن قصة موسى -عليه السلام- إنه كان مصطفى مختارًا، وكان رسولًا نبيًّا مِن أولي العزم من الرسل.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 51 إلى 53
الآية 51: أي: واذكر في هذا القرآن العظيم موسى بن عمران على وجه التَّبْجيل له والتعظيم والتعريف بمقامه الكريم وأخلاقه الكاملة. {إنَّه كان مُخۡلَصاً}: قُرئ بفتح اللام على معنى أنَّ الله تعالى اختاره، واستخلصه، واصطفاه على العالمين، وقرئ بكسرها على معنى أنَّه {مخلِصاً} لله تعالى في جميع أعماله وأقواله ونيَّاتِهِ، فوصفُهُ الإخلاص في جميع أحواله، والمعنيان متلازمان؛ فإنَّ الله أخلصه لإخلاصه، وإخلاصُه موجبٌ لاستخلاصه، وأجلُّ حالةٍ يوصَف بها العبدُ الإخلاص منه والاستخلاص من ربِّه. {وكان رسولاً نبيًّا}؛ أي: جمع الله له بين الرسالة والنبوَّة؛ فالرسالة تقتضي تبليغ كلام المرسِل وتبليغَ جميع ما جاء به من الشرع دقِّه وجِلِّه، والنبوَّة تقتضي إيحاءَ الله إليه وتخصيصه بإنزال الوَحْي إليه؛ فالنبوَّة بينه وبين ربِّه، والرسالة بينَه وبين الخَلْق.
الآية 52: بل خصَّه الله من أنواع الوحي بأجلِّ أنواعه وأفضلها، وهو تكليمُه تعالى وتقريبُه مناجياً لله تعالى، وبهذا اختُصَّ من بين الأنبياء بأنَّه كليم الرحمن، ولهذا قال:{ونادَيۡناه من جانب الطُّورِ الأيمن}؛ أي: الأيمن من موسى في وقت مسيرِه، أو: الأيمن؛ أي: الأبرك من اليُمْن والبركة، ويدلُّ على هذا المعنى قوله تعالى:{أن بورِكَ مَن في النار ومَنۡ حولَها}. {وقرَّبَّناه نَجِيًّا}: والفرق بين النداء والنجاء: أنَّ النداء هو الصوتُ الرفيع، والنجاء ما دون ذلك. وفي هذا إثبات الكلام لله تعالى وأنواعه من النِّداء والنجاء؛ كما هو مذهبُ أهل السنة والجماعة؛ خلافاً لمن أنكر ذلك من الجهميَّة والمعتزلة، ومن نحا نحوهم.
الآية 53: وقوله: {ووهَبۡنا له من رحمتنا أخاه هارونَ نبيًّا}: هذا من أكبر فضائل موسى وإحسانه ونصحِهِ لأخيه هارون: أنَّه سأل ربَّه أن يُشْرِكَه في أمرِهِ وأن يجعلَه رسولاً مثله، فاستجاب الله له ذلك، ووهب له من رحمتِهِ أخاه هارونَ نبيًّا؛ فنبوَّة هارونَ تابعةٌ لنبوَّة موسى عليهما السلام، فساعده على أمرِهِ وأعانه عليه.
تفسير الجلالين
﴿واذْكُرْ فِي الكِتاب مُوسى إنّهُ كانَ مُخْلَصًا﴾ بِكَسْرِ اللّام وفَتْحها مِن أخْلَصَ فِي عِبادَته وخَلَّصَهُ اللَّه مِن الدَّنَس
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 51 إلى 53
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، عَطَفَ بِذِكْرِ الْكَلِيمِ، فَقَالَ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾ قَرَأَ بَعْضُهُمْ بِكَسْرِ اللَّامِ، مِنَ الْإِخْلَاصِ فِي الْعِبَادَةِ.
قَالَ الثَّوْرِيُّ [[في أ: "قال العوفي".]] ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيع [[في ت: "نفيع".]] ، عَنْ أَبِي لُبَابَةَ [[في ت: "تمامة".]] قَالَ: قَالَ الْحَوَارِيُّونَ: يَا رُوحَ اللَّهِ، أَخْبِرْنَا عَنِ الْمُخْلِصِ لِلَّهِ. قَالَ: الَّذِي يَعْمَلُ لِلَّهِ، لَا يُحِبُّ أَنْ يَحْمَدَهُ النَّاسُ.
وَقَرَأَ الْآخَرُونَ [[في أ: "قرأ آخرون".]] بِفَتْحِهَا، بِمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ مُصْطَفًى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٤٤] .
﴿وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ ، جُمِع لَهُ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ الْكِبَارِ أُولِي [[في ت: "وأولي".]] الْعَزْمِ الْخَمْسَةِ، وَهُمْ: نُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ، وَمُوسَى، وَعِيسَى، وَمُحَمَّدٌ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ أَجْمَعِينَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾ أَيِ: الْجَبَلِ ﴿الأيْمَنِ﴾ أَيْ: مِنْ جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ مِنْ مُوسَى حِينَ ذَهَبَ يَبْتَغِي مِنْ تِلْكَ النَّارِ جَذْوَةً، رَآهَا تَلُوحُ فَقَصَدَهَا، فَوَجَدَهَا فِي جَانِبِ الطُّوْرِ الْأَيْمَنِ مِنْهُ [[في ت، ف، أ: "منه غربية".]] ، عِنْدَ شَاطِئِ الْوَادِي. فَكَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، نَادَاهُ وَقَرَّبَهُ وَنَاجَاهُ [[في ت: "ناداه أو قربه فناجاه".]] . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ [[في ت: "ابن يسار".]] ، حَدَّثَنَا يَحْيَى -هُوَ الْقَطَّانُ-حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ [[في ت: "ابن يساري"، وفي أ: "ابن يسار".]] ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جبير، عن ابن عباس: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ قَالَ: أُدْنِيَ حَتَّى سَمِعَ [[في ت: "يسمع".]] صَرِيفَ القلم.
وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَغَيْرُهُمْ. يَعْنُونَ صَرِيفَ الْقَلَمِ بِكِتَابَةِ التَّوْرَاةِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ قَالَ: أُدْخِلَ فِي السَّمَاءِ فَكُلِّمَ، وَعَنْ مجاهد نَحْوَهُ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ قَالَ: نَجَا بِصِدْقِهِ [[في ت: "لصدقه".]]
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْحَرَّانِيُّ، عَنْ أَبِي الْوَصْلِ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَب، عن عمرو بن معد يكرب قَالَ: لَمَّا قَرَّبَ اللَّهُ مُوسَى نَجِيًّا بِطُورِ سَيْنَاءَ، قَالَ: يَا مُوسَى، إِذَا خَلَقْتُ لَكَ قَلْبًا شَاكِرًا، وَلِسَانًا ذَاكِرًا، وَزَوْجَةً تُعِينُ عَلَى الْخَيْرِ، فَلَمْ أُخَزِّنْ عَنْكَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا، وَمَنْ أُخَزِّنُ عَنْهُ هَذَا فَلَمْ أَفْتَحْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ أَيْ: وَأَجَبْنَا سُؤَالَهُ وَشَفَاعَتَهُ فِي أَخِيهِ، فَجَعَلْنَاهُ نَبِيًّا، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [الْقَصَصِ: ٣٤] ، وَقَالَ [[في ت، ف: "إلى أن قال".]] : ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طَهَ: ٣٦] ، وَقَالَ: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ. وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٣، ١٤] ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَا شُفِّعَ أَحَدٌ فِي أَحَدٍ شَفَاعَةً فِي الدُّنْيَا أَعْظَمُ مِنْ شَفَاعَةِ مُوسَى فِي هَارُونَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّة، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَوْلُهُ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ ، قَالَ: كَانَ هَارُونُ أَكْبَرَ مِنْ مُوسَى، وَلَكِنْ أَرَادَ: وَهَبَ لَهُ نُبُوَّتَهُ.
وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مُعَلَّقًا، عَنْ يَعْقُوبَ وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، بِهِ.
تفسير الطبري
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا (٥١) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ: واذكر يا محمد في كتابنا الذي أنزلناه إليك موسى بن عمران، واقصص على قومك أنه كان مخلصا.
واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: ﴿إنَّهُ كانَ مُخْلِصًا﴾ بكسر اللام من المُخْلِص، بمعنى: إنه كان يخلص لله العبادة، ويفرده بالألوهية، من غير أن يجعل له فيها شريكا، وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة خلا عاصم ﴿إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾ بفتح اللام من مُخْلَص، بمعنى: إن موسى كان الله قد أخلصه واصطفاه لرسالته، وحمله نبيا مرسلا.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي: أنه كان ﷺ مخلصا عبادة الله، مُخْلَصا للرسالة والنبوّة، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب.
﴿وَكَانَ رَسُولا﴾ يقول: وكان لله رسولا إلى قومه بني إسرائيل، ومن أرسله إليه نبيا.