سورة القرآن surah-quran.com

سورة مريم

سورة مريم، الآية 55

الجزء 16، الصفحة 309.

وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرْضِيًّا ﴿٥٥﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

وكان يأمر أهله بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وكان عند ربه عز وجل مرضيًّا عنه.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 54 إلى 55

الآية 54: أي: واذكر في القرآن الكريم هذا النبيَّ العظيم، الذي خَرَجَ منه الشعبُ العربيُّ، أفضل الشعوب وأجلُّها، الذين منهم سيِّد ولد آدم. {إنَّه كان صادقَ الوعدِ}؛ أي: لا يَعِدُ وعداً إلاَّ وَفَّى به، وهذا شاملٌ للوعد الذي يعقده مع الله أو مع العباد، ولهذا لما وعد من نفسِهِ الصبرَ على ذبح أبيه له؛ قال:{سَتَجِدني إن شاءَ الله من الصابرين}: وفَّى بذلك، ومكَّن أباه من الذبح الذي هو أكبر مصيبةٍ تصيبُ الإنسان. ثم وَصَفَه بالرسالة والنبوَّة التي هي أكبر منن الله على عبده، وجعله من الطَّبقة العليا من الخلق.

الآية 55:{وكان يأمُرُ أهلَه بالصلاة والزكاة}؛ أي: كان مقيماً لأمر الله على أهله، فيأمرُهُم بالصلاة المتضمِّنة للإخلاص للمعبود، وبالزَّكاة المتضمِّنة للإحسان إلى العبيد؛ فكمَّل نفسه، وكمَّل غيره، وخصوصاً أخصَّ الناس عنده، وهم أهله؛ لأنَّهم أحقُّ بدعوته من غيرهم. {وكان عند ربِّه مَرۡضِيًّا}: وذلك بسبب امتثالِهِ لمراضي ربِّه واجتهادِهِ فيما يُرضيه؛ ارتضاه اللَّه وجَعَلَه من خواصِّ عباده وأوليائهِ المقرَّبين؛ فرضي الله عنه، ورضي هو عن ربِّه.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿وكانَ يَأْمُر أهْله﴾ أيْ قَوْمه ﴿بِالصَّلاةِ والزَّكاة وكانَ عِنْد رَبّه مَرْضِيًّا﴾ أصْله مَرْضُوّ وقُلِبَتْ الواوانِ ياءَيْنِ والضَّمَّة كَسْرَة.

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 54 إلى 55

هَذَا [[في أ: "وهذا".]] ثَنَاءٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَهُوَ وَالِدُ عَرَبِ الْحِجَازِ كُلِّهِمْ بِأَنَّهُ ﴿كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾

قَالَ [[في ت: "قالت".]] ابْنُ جُرَيْجٍ: لَمْ يَعدْ رَبَّهُ عِدَةً إِلَّا أَنْجَزَهَا، يَعْنِي: مَا الْتَزَمَ قَطُّ عِبَادَةً [[في ف، أ: "عبادة قط".]] بِنَذْرٍ إِلَّا قَامَ بِهَا، وَوَفَّاهَا حَقَّهَا.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ سَهْلَ بْنَ عَقِيلٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ إِسْمَاعِيلَ النَّبِيَّ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعَدَ رَجُلًا مَكَانًا أَنْ يَأْتِيَهُ، فَجَاءَ وَنَسِيَ الرَّجُلُ، فَظَلَّ بِهِ إِسْمَاعِيلُ وَبَاتَ حَتَّى جَاءَ الرَّجُلُ مِنَ الْغَدِ، فَقَالَ: مَا بَرِحْتَ مِنْ هَاهُنَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: إِنِّي نَسِيتُ. قَالَ: لَمْ أَكُنْ لِأَبْرَحَ حَتَّى تَأْتِيَنِي. فلذلك ﴿كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ .

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّهُ أَقَامَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ يَنْتَظِرُهُ حَوْلًا حَتَّى جَاءَهُ.

وَقَالَ ابْنُ [[في ت: "أبو".]] شَوْذَب: بَلَغَنِي أَنَّهُ اتَّخَذَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ سَكَنًا.

وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخَرَائِطِيُّ فِي كِتَابِهِ "مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ" مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَان، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ [[في سنن أبي داود: "بديل".]] بْنِ مَيْسَرة، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ -يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقيق-عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْحَمْسَاءِ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ فَبَقِيَتْ لَهُ عَلَيَّ بَقِيَّةٌ، فَوَعَدْتُهُ أَنْ آتِيَهُ بِهَا فِي مَكَانِهِ ذَلِكَ، قَالَ: فَنَسِيتُ [[في ت: "نسيت".]] يَوْمِي وَالْغَدَ، فَأَتَيْتُهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَهُوَ فِي مَكَانِهِ ذَلِكَ، فَقَالَ لِي: "يَا فَتَى، لَقَدْ شَقَقْتَ [[في ت: "لو أشفقت".]] عَلَيَّ، أَنَا هَاهُنَا مُنْذُ ثَلَاثٍ أَنْتَظِرُكَ" لَفْظُ الْخَرَائِطِيِّ [[سنن أبي داود برقم (٤٩٩٦) ومكارم الأخلاق برقم (١٧٧) .]] ، وَسَاقَ آثَارًا حَسَنَةً فِي ذَلِكَ.

وَرَوَاهُ ابْنُ مَنْده أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي كِتَابِ "مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ"، بِإِسْنَادِهِ [[في ت، أ: "إنه بإسناده".]] عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَان، عَنْ بُدَيْل بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، بِهِ [[ورواه ابن الأثير في أسد الغابة (٣/١١٣) بإسناده إلى إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ مثله.]] .

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا قِيلَ لَهُ: ﴿صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ لِأَبِيهِ: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١٠٢] ، فَصَدَقَ فِي ذَلِكَ.

فَصِدْقُ الْوَعْدِ مِنَ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ، كَمَا أَنَّ خُلْفَه مِنَ الصِّفَاتِ الذَّمِيمَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصَّفِّ: ٢، ٣] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٣) ومسلم في صحيحه برقم (٥٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]

وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ صِفَاتُ الْمُنَافِقِينَ، كَانَ التَّلَبُّسُ بِضِدِّهَا مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلِهَذَا أَثْنَى اللَّهُ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ إِسْمَاعِيلَ بِصِدْقِ الْوَعْدِ، وَكَذَلِكَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَادِقَ الْوَعْدِ أَيْضًا، لَا يَعِدُ أَحَدًا شَيْئًا إِلَّا وَفَّى لَهُ بِهِ، وَقَدْ أَثْنَى عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ زَوْجِ ابْنَتِهِ زَيْنَبَ، فَقَالَ: "حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٧٢٩) ومسلم في صحيحه برقم (٢٤٤٩) من حديث المسور بن مخرمة رضي الله عنه.]] . وَلَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ الْخَلِيفَةُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عدَةٌ أَوْ دَيْن فَلْيَأْتِنِي أُنْجِزْ لَهُ، فَجَاءَهُ [[في أ: "فجاء".]] جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ قَالَ: "لَوْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا"، يَعْنِي: مِلْءَ كَفَّيْهِ، فَلَمَّا جَاءَ مَالُ الْبَحْرِينِ أَمَرَ الصِّدِّيقُ جَابِرًا، فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ مِنَ الْمَالِ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِعَدّه، فَإِذَا هُوَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَأَعْطَاهُ مِثْلَيْهَا مَعَهَا [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٢٦٨٣) ومسلم في صحيحه برقم (٢٣١٤) .]]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ فِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى شَرَفِ إِسْمَاعِيلَ عَلَى أَخِيهِ إِسْحَاقَ؛ لِأَنَّهُ إنما وُصِفَ [[في ف: "وصفه".]] بِالنُّبُوَّةِ فَقَطْ، وَإِسْمَاعِيلُ وُصِفَ [[في ف: "وصفه".]] بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ [[لفظه عند مسلم في صحيحه برقم (٢٢٧٦) : "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشا"، والله أعلم.]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ ... " وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ، فَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَاهُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ : هَذَا أَيْضًا مِنَ الثَّنَاءِ الْجَمِيلِ، وَالصِّفَةِ الْحَمِيدَةِ، وَالْخِلَّةِ السَّدِيدَةِ [[في ت: "الشديدة".]] ، حَيْثُ كَانَ مُثَابِرًا عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ آمِرًا بِهَا لِأَهْلِهِ [[في ف: "أهله".]] ، كَمَا قَالَ تَعَالَى لِرَسُولِهِ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ﴾ الْآيَةَ [التَّحْرِيمِ: ٦] أَيْ: مُرُوهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَانْهَوْهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَا تَدَعُوهُمْ هَمْلًا فَتَأْكُلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَح فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ، وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ [[في ت: "فنضحت".]] فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ [[سنن أبي داود برقم (١٤٥٠) وسنن ابن ماجه برقم (١٣٣٦) .]] .

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا اسْتَيْقَظَ الرَّجُلُ مِنَ اللَّيْلِ وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ، كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَاللَّفْظُ لَهُ [[سنن أبي داود برقم (١٤٥١) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٤٠٦) وسنن ابن ماجه برقم (١٣٣٥) .]] .

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 55 إلى 57

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥) ﴾

يقول تعالى ذكره: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ﴾ بـ إقامة ﴿الصَّلاةِ و﴾ إيتاء ﴿وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ عمله، محمودا فيما كلفه ربه، غير مقصر في طاعته.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧) ﴾

يقول تعالى ذكره: واذكر يا محمد في كتابنا هذا إدريس ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا﴾ لا يقول الكذب، ﴿نَبِيًّا﴾ نوحي إليه من أمرنا ما نشاء. ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ يعني به إلى مكان ذي علوّ وارتفاع. وقال بعضهم: رُفع إلى السماء السادسة.

وقال آخرون: الرابعة.

ذكر الرواية بذلك: حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني جرير بن حازم، عن سليمان الأعمش، عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف، قال: سأل ابن عباس كعبا وأنا حاضر، فقال له: ما قول الله تعالى لإدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال كعب: أما إدريس، فإن الله أوحى إليه: إني رافع لك كلّ يوم مثل عمل جميع بني آدم، فأحبّ أن تزداد عملا فأتاه خليل له من الملائكة، فقال: إن الله أوحى إليّ كذا وكذا، فكلم لي ملك الموت، فليؤخرني حتى أزداد عملا فحمله بين جناحيه، ثم صعد به إلى السماء؛ فلما كان في السماء الرابعة، تلقاهم ملك الموت منحدرا، فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟ فقال: هو ذا على ظهري، قال ملك الموت: فالعجب بعثت أقبض روح إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض؟ فقبض روحه هناك، فذلك قول الله تبارك وتعالى ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ .

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال: إدريس رُفع فلم يمت، كما رُفع عيسى.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال: ولم يمت.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال: رفع إلى السماء السادسة، فمات فيها.

⁕ حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ إدريس أدركه الموت في السماء السادسة.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال: السماء الرابعة.

⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدريّ ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال: في السماء الرابعة.

⁕ حدثنا عليّ بن سهيل، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية الرياحي، عن أبي هريرة أو غيره " شكّ أبو جعفر الرازي " قال: لما أسري بالنبيّ ﷺ صعد به جبريل إلى السماء الرابعة، فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبرائيل، قالوا: ومن معه؟ قال: محمد، قالوا: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء، قال: فدخل فإذا هو برجل، قال: هذا إدريس رفعه الله مكانا عليا.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال: حدثنا أنس بن مالك أن نبيّ الله حدث أنه لما عرج به إلى السماء قال: أتيت على إدريس في السماء الرابعة.