سورة محمد، الآية 3
الجزء 26، الصفحة 507.
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱتَّبَعُوا۟ ٱلْبَـٰطِلَ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّبَعُوا۟ ٱلْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَـٰلَهُمْ ﴿٣﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة محمد
تفسير الآية
التفسير الميسر
ذلك الإضلال والهدى سببه أن الذين كفروا اتَّبَعوا الشيطان فأطاعوه، وأن الذين آمنوا اتَّبَعوا الرسول ﷺ وما جاء به من النور والهدى، كما بيَّن الله تعالى فِعْلَه بالفريقين أهل الكفر وأهل الإيمان بما يستحقان يضرب سبحانه للناس أمثالهم، فيُلْحق بكل قوم من الأمثال والأشكال ما يناسبه.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 3
وهي مدنية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الآية 1: هذه الآياتُ مشتملاتٌ على ذكرِ ثواب المؤمنين، وعقاب العاصين، والسببُ في ذلك، ودعوة الخلق إلى الاعتبار بذلك، فقال:{الذين كفروا وصدُّوا عن سبيل الله}: وهؤلاء رؤساءُ الكفر وأئمَّة الضلال، الذين جمعوا بين الكفر بالله وآياتِهِ والصدِّ لأنفسهم وغيرهم عن سبيل الله، التي هي الإيمانُ بما دعت إليه الرُّسل واتِّباعه؛ فهؤلاء {أضلَّ} الله {أعمالَهم}؛ أي: أبطلها وأشقاهم بسببها، وهذا يشمَلُ أعمالهم التي عملوها لِيَكيدوا بها الحقَّ وأولياء الله، إنَّ الله جَعَلَ كيدَهم في نحورهم، فلم يدرِكوا مما قصدوا شيئاً، وأعمالُهم التي يرجون أن يثابوا عليها؛ إنَّ الله سيُحْبِطُها عليهم، والسبب في ذلك أنَّهم اتَّبعوا الباطل، وهو كلُّ غايةٍ لا يُراد بها وجه الله من عبادة الأصنام والأوثان. والأعمال التي في نصر الباطل لما كانت باطلةً؛ كانت الأعمال لأجلها باطلة.
الآية 2: وأما {الذين آمنوا} بما أنزل اللهُ على رسلِهِ عموماً وعلى محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - خصوصاً، {وعملوا الصالحات}: بأن قاموا بما عليهم من حقوق الله وحقوق العباد الواجبة والمستحبَّة، {كفَّر الله عنهم سيئاتِهِم}: صغارها وكبارها، وإذا كُفِّرَتْ سيئاتُهم؛ نَجَوْا من عذاب الدُّنيا والآخرة، {وأصلح بالَهم}؛ أي: أصلح دينهم ودنياهم وقلوبهم وأعمالهم، وأصلَحَ ثوابَهم بتنميتِهِ وتزكيتِهِ، وأصلح جميع أحوالهم.
الآية 3: والسبب في ذلك أنهم اتَّبعوا الحقَّ الذي هو الصدق واليقين وما اشتمل عليه هذا القرآن العظيم الصادر من ربهم الذي ربَّاهم بنعمته ودبَّرهم بلطفه، فربَّاهم تعالى بالحقِّ، فاتَّبعوه، فصلحت أمورُهم، فلمَّا كانت الغايةُ المقصودة لهم متعلقةً بالحقِّ المنسوب إلى الله الباقي الحقِّ المبين؛ كانت الوسيلة صالحةً باقيةً، باقٍ ثوابها. {كذلك يضرِبُ الله للناس أمثالَهم}؛ حيث بيَّن لهم تعالى أهل الخير وأهل الشرِّ، وذكر لكلٍّ منهم صفةً يُعرفَون بها ويتميَّزون؛ لِيَهْلِكَ من هَلَكَ عن بيِّنة ويحيا من حَيَّ عن بينةٍ.
تفسير الجلالين
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ إضْلال الأَعْمال وتَكْفِير السَّيِّئات ﴿بِأَنَّ﴾ بِسَبَبِ أنَّ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِل﴾ الشَّيْطان ﴿وأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقّ﴾ القُرْآن ﴿مِن رَبّهمْ كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْل ذَلِك البَيان ﴿يَضْرِب اللَّه لِلنّاسِ أمْثالهمْ﴾ يُبَيِّن أحْوالهمْ أيْ فالكافِر يُحْبِط عَمَله والمُؤْمِن يَغْفِر لَهُ
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 3
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْقِتَالِ
[وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ] [[زيادة من ت، م، أ.]]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
* *
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: بِآيَاتِ اللَّهِ، ﴿وَصَدُّوا﴾ غَيْرَهُمْ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ أَيْ: أَبْطَلَهَا وَأَذْهَبَهَا، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا جَزَاءً وَلَا ثَوَابًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٢٣] .
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أَيْ: آمَنَتْ قُلُوبُهُمْ وَسَرَائِرُهُمْ، وَانْقَادَتْ جَوَارِحُهُمْ وَبَوَاطِنُهُمْ وَظَوَاهِرُهُمْ، ﴿وَآمَنُوا بِمَا نزلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ ، عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْإِيمَانِ بَعْدَ بِعْثَتِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ حَسَنَةٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ أَمْرَهُمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: شَأْنَهُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ: حَالَهُمْ. وَالْكُلُّ مُتَقَارِبٌ. وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ: "يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ" [[رواه أبو داود في السنن برقم (٥٠٣٨) والترمذي في السنن برقم (٢٧٣٩) وابن ماجه في السنن برقم (٣٧١٥) وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".]] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَبْطَلْنَا أَعْمَالَ الْكُفَّارِ، وَتَجَاوَزْنَا عَنْ سَيِّئَاتِ الأبرار، وأصلحنا شؤونهم؛ لِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ، أَيِ: اخْتَارُوا الْبَاطِلَ عَلَى الْحَقِّ، ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ أَيْ: يُبَيِّنُ لَهُمْ مَآلَ أَعْمَالِهِمْ، وَمَا يصيرون إليه في معادهم.
تفسير الطبري
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: هذا الذي فعلنا بهذين الفريقين من إضلالنا أعمال الكافرين، وتكفيرنا عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، جزاء منا لكلّ فريق منهم على فعله. أما الكافرون فأضللنا أعمالهم، وجعلناها على غير استقامة وهدى، بأنهم اتبعوا الشيطان فأطاعوه، وهو الباطل.
كما:-
⁕ حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، وعباس بن محمد، قالا ثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جُرَيج: أخبرني خالد أنه سمع مجاهدا يقول ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ﴾ قال: الباطل: الشيطان. وأما المؤمنون فكفّرنا عنهم سيئاتهم، وأصلحنا لهم حالهم بأنهم اتبعوا الحقّ الذي جاءهم من ربهم، وهو محمد ﷺ، وما جاءهم به من عند ربه من النور والبرهان ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ يقول عزّ وجلّ: كما بينت لكم أيها الناس فعلي بفريق الكفر والإيمان، كذلك نمثل للناس الأمثال، ونشبه لهم الأشباه، فنلحق بكل قوم من الأمثال أشكالا.