سورة نوح، الآية 2
الجزء 29، الصفحة 570.
قَالَ يَـٰقَوْمِ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴿٢﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة نوح
تفسير الآية
التفسير الميسر
يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 4
إنا بعثنا نوحًا إلى قومه، وقلنا له: حذِّر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب موجع. قال نوح: يا قومي إني نذير لكم بيِّن الإنذار من عذاب الله إن عصيتموه، وإني رسول الله إليكم فاعبدوه وحده، وخافوا عقابه، وأطيعوني فيما آمركم به، وأنهاكم عنه، فإن أطعتموني واستجبتم لي، يصفح الله عن ذنوبكم ويغفر لكم، ويُمدد في أعماركم إلى وقت مقدر في علم الله تعالى، إن الموت إذا جاء لا يؤخر أبدًا، لو كنتم تعلمون ذلك لسارعتم إلى الإيمان والطاعة.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 28
وهي مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لم يذكر الله في هذه السورة إلاَّ قصَّة نوح وحدَها؛ لطول لَبْثِهِ في قومه وتكرار دعوته إلى التوحيد ونهيه عن الشرك:
الآية 1: فأخبر تعالى أنَّه أرسل نوحاً إلى قومه رحمةً بهم وإنذاراً [لهم] من عذاب أليم؛ خوفاً من استمرارهم على كفرهم، فيهلكهم [اللَّهُ] هلاكاً أبديًّا، ويعذِّبهم عذاباً سرمديًّا.
{2 ـ 4} فامتثل نوحٌ عليه السلام لذلك، وابتدر لأمر الله، فقال:{يا قوم إنِّي لكم نذيرٌ مبينٌ}؛ أي: واضح النذارة بينها، وذلك لتوضيحه ما أنذر به وما أنذر عنه، وبأيِّ شيءٍ تحصُلُ النجاة؛ بيَّن ذلك بياناً شافياً، فأخبرهم وأمرهم بأصل ذلك ، فقال:{أنِ اعبُدوا الله واتَّقوه}: وذلك بإفراده تعالى بالعبادة والتوحيد والبعد عن الشرك وطرقه ووسائله؛ فإنَّهم إذا اتَّقوا الله؛ غَفَرَ ذنوبهم؛ وإذا غفر ذنوبهم، حصل لهم النجاة من العذاب والفوز بالثواب، {ويؤخِّرۡكم إلى أجل مسمًّى}؛ أي: يمتِّعكم في هذه الدار ويدفع عنكم الهلاك إلى إجل مسمًّى؛ أي: مقدَّر البقاء في الدنيا بقضاء الله وقدره إلى وقتٍ محدودٍ، وليس المتاع أبداً؛ فإنَّ الموت لا بدَّ منه، ولهذا قال:{إنَّ أجَلَ الله إذا جاء لا يؤخَّرُ لو كنتُم تعلمون}: كما كفرتُم بالله وعاندتُم الحقَّ.
{5 ـ 7} فلم يجيبوا لدعوته، ولا انقادوا لأمره، فقال شاكياً لربِّه:{ربِّ إنِّي دعوتُ قومي ليلاً ونهاراً. فلم يزِدۡهم دعائي إلاَّ فراراً}؛ أي: نفوراً عن الحقِّ وإعراضاً، فلم يبق لذلك فائدةٌ؛ لأنَّ فائدة الدَّعوة أن يحصل جميع المقصود أو بعضه، {وإنِّي كلَّما دعوتُهم لتغفرَ لهم}؛ أي: لأجل أن يستجيبوا؛ فإذا استجابوا؛ غفرتَ لهم، وهذا محضُ مصلحتهم، ولكن أبوا إلاَّ تمادياً على باطلهم ونفوراً عن الحقِّ، {جعلوا أصابِعَهم في آذانهم}؛ حَذَرَ سماع ما يقول لهم نبيُّهم نوحٌ عليه السلام، {واستَغۡشَوا ثيابَهم}؛ أي: تغطوا بها غطاءً يغشاهم بعداً عن الحقِّ وبغضاً له، {وأصرُّوا}: على كفرهم وشرِّهم، {واستَكۡبَروا}: على الحقِّ {استِكۡباراً}: فشرهم ازداد وخيرهم بعد.
{8 ـ 9}{ثم إنِّي دعوتُهم جهاراً}؛ أي: بمسمع منهم كلهم، {ثم إنِّي أعلنتُ لهم وأسررتُ لهم إسراراً}: كل هذا حرصٌ ونصحٌ، وإتيانهم بكلِّ طريق يظنُّ به حصول المقصود.
{10 ـ 12}{فقلتُ استَغۡفِروا ربَّكم}؛ أي: اتركوا ما أنتم عليه من الذنوب واستغفروا الله منها؛ {إنَّه كان غفاراً}: كثير المغفرة لمن تاب واستغفر، فرغَّبهم بمغفرة الذُّنوب وما يترتب عليها من الثواب واندفاع العقاب، ورغَّبهم أيضاً بخير الدُّنيا العاجل، فقال:{يرسِلِ السماءَ عليكم مِدراراً}؛ أي: مطراً متتابعاً يروي الشعاب والوهاد، ويحيي البلاد والعباد، {ويُمۡدِدۡكُم بأموال وبنينَ}؛ أي: يكثر أموالكم التي تدركون بها ما تطلبون من الدُّنيا وأولادكم، {ويجعل لكم جناتٍ ويجعل لكم أنهاراً}: وهذا من أبلغ ما يكون من لَذَّاتِ الدُّنيا ومطالبها.
{13 ـ 14}{ما لكم لا ترجونَ لله وَقارا}؛ أي: لا تخافون لله عظمةً وليس لله عندكم قَدْرٌ، {وقد خَلَقَكم أطواراً}؛ أي: خلقاً من بعد خلقٍ في بطن الأمِّ ثم في الرَّضاع ثم في سنِّ الطفوليَّة ثم التمييز ثم الشباب ثم إلى آخر ما يصل إليه الخلق؛ فالذي انفردَ بالخَلْق والتَّدبير البديع متعيَّنٌ أن يُفْرَدَ بالعبادة والتوحيد، وفي ذكر ابتداء خلقهم تنبيهٌ لهم على المعاد ، وأنَّ الذي أنشأهم من العدم قادرٌ على أن يعيدَهم بعد موتهم.
{15 ـ 16} واستدلَّ أيضاً بخلقِ السماواتِ التي هي أكبر من خلق الناس، فقال:{ألم تَرَوۡا كيف خَلَقَ الله سبع سمواتٍ طباقاً}؛ أي: كلّ سماءٍ فوق الأخرى، {وجعل القمر فيهنَّ نوراً}: لأهل الأرض، {وجعل الشمسَ سِراجاً}: ففيه تنبيهٌ على عظم خلق هذه الأشياء، وكثرة المنافع في الشمس والقمر، الدالَّة على رحمة الله وسعة إحسانه؛ فالعظيم الرحيم يستحقُّ أن يعظَّم ويُحبَّ ويُخاف ويُرجى.
{17 ـ 18}{والله أنبتَكم من الأرض نباتاً}: حين خلق أباكم آدمَ وأنتم في صلبِهِ، {ثم يعيدُكم فيها}: عند الموت، {ويخرِجُكم إخراجاً}: للبعث والنشور؛ فهو الذي يملك الحياة والموت والنشور.
{19 ـ 20}{والله جعل لكم الأرض بساطاً}؛ أي: مبسوطةً مهيئة للانتفاع بها، {لِتَسۡلُكوا منها سُبُلاً فِجاجاً}: فلولا أنَّه بسطها؛ لما أمكن ذلك، بل ولا أمكنهم حرثها وغرسها وزرعها والبناء والسكون على ظهرها.
{21 ـ 24}{قال نوحٌ}: شاكياً لربِّه: إنَّ هذا الكلام والوعظ والتَّذكير ما نَجَعَ فيهم ولا أفاد: {إنَّهم عَصَوۡني}: فيما أمرتُهم به، {واتَّبعوا مَنۡ لم يَزِده مالُه وولدُه إلاَّ خساراً}؛ أي: عَصَوُا الرسول الناصح الدالَّ على الخير، واتَّبعوا الملأ والأشراف الذين لم تَزِدْهم أموالُهم ولا أولادُهم إلاَّ خساراً؛ أي: هلاكاً وتفويتاً للأرباح؛ فكيف بِمَنِ انقادَ لهم وأطاعهم؟! {ومكروا مَكۡراً كُبَّاراً}؛ أي: مكراً كبيراً بليغاً في معاندة الحقِّ. قالوا لهم داعين إلى الشرك مزينين له:{لا تَذَرُنَّ آلهتكم}: فدعوهم إلى التعصُّب على ما هم عليه من الشرك، وأن لا يَدَعوا ما عليه آباؤهم الأقدمون، ثم عيَّنوا آلهتهم، فقالوا:{ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعاً ولا يَغوثَ ويعوقَ ونَسۡراً}: وهذه أسماء رجال صالحين؛ لما ماتوا؛ زيَّن الشيطان لقومهم أن يصوِّروا صورهم؛ لينشطوا بزعمهم على الطاعةِ إذا رأوها، ثم طال الأمدُ، وجاء غير أولئك، فقال لهم الشيطانُ: إنَّ أسلافَكم يعبدونهم ويتوسَّلون بهم، وبهم يُسْقَوْن المطر، فعبدوهم، ولهذا وصَّى رؤساؤهم للتابعين لهم أن لا يَدَعوا عبادة هذه الأصنام ، {وقد أضلُّوا كثيراً}؛ أي: أضلَّ الكبار والرؤساء بدعوتهم كثيراً من الخلق. {ولا تزِدِ الظالمينَ إلاَّ ضلالاً}؛ أي: لو كان ضلالهم عند دعوتي إيَّاهم للحقِّ ؛ لكان مصلحةً، ولكن لا يزيدون بدعوة الرؤساء إلاَّ ضلالاً؛ أي: فلم يبق محلٌّ لنجاحهم وصلاحهم.
الآية 25: ولهذا ذكر الله عذابَهم وعقوبتهم الدنيويَّة والأخرويَّة، فقال:{ممَّا خطيئاتِهِم أغۡرِقوا}: في اليمِّ الذي أحاط بهم، {فأدۡخِلوا ناراً}: فذهبت أجسادُهم في الغرق وأرواحُهم للنار والحرق. وهذا كلُّه بسبب خطيئاتهم التي أتاهم نبيُّهم [نوح] ينذِرُهم عنها ويخبِرُهم بشؤمها ومغبَّتها، فرفضوا ما قال، حتى حلَّ بهم النَّكال، {فلم يجِدوا لهم من دونِ الله أنصاراً}: ينصُرونهم حين نزل بهم الأمرُ الأمرُّ، ولا أحد يقدر يعارِضُ القضاء والقدر.
{26 ـ 27}{وقال نوحٌ ربِّ لا تَذَرۡ على الأرضِ من الكافرين ديَّاراً}: يدور على وجه الأرض. وذكر السبب في ذلك، فقال:{إنَّك إن تَذَرۡهُم يُضِلُّوا عبادك ولا يَلِدوا إلاَّ فاجراً كفَّاراً}؛ أي: بقاؤهم مفسدةٌ محضةٌ لهم ولغيرهم، وإنَّما قال نوحٌ ذلك؛ لأنَّه مع كثرة مخالطته إيَّاهم ومزاولته لأخلاقهم؛ علم بذلك نتيجة أعمالهم؛ فلهذا استجاب الله له دعوته فأغرقهم أجمعين، ونجَّى نوحاً ومن معه من المؤمنين.
الآية 28:{ربِّ اغفِرۡ لي ولوالديَّ ولِمَنۡ دَخَلَ بيتي مؤمناً}: خصَّ المذكورين لتأكُّد حقِّهم وتقديم برِّهم، ثم عمَّم الدُّعاء، فقال:{وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزِدِ الظالمينَ إلا تَباراً}؛ أي: خساراً ودماراً وهلاكاً.
تم تفسير سورة نوح. والحمد لله.
* * *
تفسير الجلالين
﴿قالَ يا قَوْم إنِّي لَكُمْ نَذِير مُبِين﴾ بَيِّن الإنْذار
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 4
تَفْسِيرُ سُورَةِ نُوحٍ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
* *
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ أَرْسَلَهُ إِلَى قَوْمِهِ آمِرًا لَهُ أَنْ يُنْذِرَهُمْ بَأْسَ اللَّهِ قَبْلَ حُلُولِهِ بِهِمْ، فَإِنْ تَابُوا وَأَنَابُوا رَفْعَ عَنْهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أَيْ: بَيِّنُ النِّذَارَةِ، ظَاهِرُ الْأَمْرِ وَاضِحُهُ.
﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ أَيِ: اتْرُكُوا مَحَارِمَهُ وَاجْتَنِبُوا مَآثِمَهُ ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فِيمَا آمُرُكُمْ بِهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنْهُ.
﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ أَيْ: إِذَا فَعَلْتُمْ مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ وَصَدَّقْتُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ، غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ.
وَ " مِنْ " هَاهُنَا قِيلَ: إِنَّهَا زَائِدَةٌ. وَلَكِنَّ الْقَوْلَ بِزِيَادَتِهَا فِي الْإِثْبَاتِ قَلِيلٌ. وَمِنْهُ قَوْلُ بَعْضِ الْعَرَبِ: "قَدْ كَانَ مِنْ مَطَرٍ". وَقِيلَ: إِنَّهَا بِمَعْنَى "عَنْ" تَقْدِيرُهُ: يَصْفَحُ لَكُمْ عَنْ ذُنُوبِكُمْ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٩/٥٧) .]] وَقِيلَ: إِنَّهَا لِلتَّبْعِيضِ، أَيْ يَغْفِرُ لَكُمُ الذُّنُوبَ الْعِظَامَ الَّتِي وَعَدَكُمْ عَلَى ارْتِكَابِكُمْ إِيَّاهَا الِانْتِقَامَ.
﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أَيْ: يَمُدُّ فِي أَعْمَارِكُمْ وَيَدْرَأُ عَنْكُمُ الْعَذَابَ الَّذِي إِنْ لَمْ تَنْزَجِرُوا عَمَّا نَهَاكُمْ عَنْهُ، أَوْقَعَهُ بِكُمْ. [[في أ: "أو يعذبكم".]]
وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الطَّاعَةَ وَالْبِرَّ وَصِلَةَ الرَّحِمِ، يُزَادُ بِهَا فِي الْعُمْرِ حَقِيقَةً؛ كَمَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ: "صِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمْرِ".
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: بَادِرُوا بِالطَّاعَةِ قَبْلَ حُلُولِ النِّقْمَةِ، فَإِنَّهُ إِذَا أَمَرَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى بِكَوْنِ ذَلِكَ لَا يُرَدُّ وَلَا يُمَانَعُ، فَإِنَّهُ الْعَظِيمُ الَّذِي قَهَرَ كُلَّ شَيْءٍ، الْعَزِيزُ الَّذِي دَانَتْ لِعِزَّتِهِ جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ.
تفسير الطبري
يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 4
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ وهو نوح بن لمَكَ ﴿إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يقول: أرسلناه إليهم بأن أنذر قومك؛ فأن في موضع نصب في قول بعض أهل العربية، وفي موضع خفض في قول بعضهم.
وقد بيَّنت العلل لكلّ فريق منهم، والصواب عندنا من القول في ذلك فيما مضى من كتابنا هذا، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع، وهي في قراءة عبد الله [[هو عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل، مقرئ القرآن، ومعلم أهل الكوفة.]] فيما ذُكر ﴿إنَّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ أنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ بغير "أن"، وجاز ذلك لأن الإرسال بمعنى القول، فكأنه قيل: قلنا لنوح: أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم؛ وذلك العذاب الأليم هو الطوفان الذي غرّقهم الله به.
* *
وقوله: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
يقول تعالى ذكره: قال نوح لقومه: يا قوم إني لكم نذير مبين، أنذركم عذاب الله فاحذروه أن ينزل بكم على كفركم به ﴿مُبِينٌ﴾ يقول: قد أبنت لكم إنذاري إياكم.
* *
وقوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل نوح لقومه: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ بأن اعبدوا الله، يقول: إني لكم نذير أنذركم، وآمركم بعبادة الله ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ يقول: واتقوا عقابه بالإيمان به، والعمل بطاعته ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ يقول: وانتهوا إلى ما آمركم به، واقبلوا نصيحتي لكم.
⁕ وقد حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ قال: أرسل الله المرسلين بأن يُعْبَد اللهُ وحده، وأن تتقي محارمه، وأن يُطاع أمره.
* *
وقوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾
يقول: يغفر لكم ذنوبكم.
فإن قال قائل: أو ليست "من" دالة على البعض؟ قيل: إن لها معنيين وموضعين، فأما أحد الموضعين فهو الموضع الذي لا يصح فيه غيرها. وإذا كان ذلك كذلك لم تدلّ إلا على البعض، وذلك كقولك: اشتريت من مماليكك، فلا يصح في هذا الموضع غيرها، ومعناها: البعض، اشتريت بعض مماليكك، ومن مماليكك مملوكا. والموضع الآخر: هو الذي يصلح فيه مكانها عن فإذا، صلحت مكانها "عن" دلت على الجميع، وذلك كقولك: وجع بطني من طعام طعمته، فإن معنى ذلك: أوجع بطني طعام طعمته، وتصلح مكان "من" عن، وذلك أنك تضع موضعها "عن"، فيصلح الكلام فتقول: وجع بطني عن طعام طعمته، ومن طعام طعمته، فكذلك قوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ إنما هو: ويصفح لكم، ويعفو لكم عنها؛ وقد يحتمل أن يكون معناها يغفر لكم من ذنوبكم ما قد وعدكم العقوبة عليه. فأما ما لم يعدكم العقوبة عليه فقد تقدّم عفوه لكم عنها.
* *
وقوله: ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾
يقول: ويؤخِّر في آجالكم فلا يهلككم بالعذاب، لا بغَرَق ولا غيره ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يقول: إلى حين كتب أنه يبقيكم إليه، إن أنتم أطعتموه وعبدتموه، في أمّ الكتاب.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قال: ما قد خطّ من الأجل، فإذا جاء أجل الله لا يؤخَّر.
* *
وقوله: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: إن أجل الله الذي قد كتبه على خلقه في أمّ الكتاب إذا جاء عنده لا يؤخر عن ميقاته، فينظر بعده ﴿لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يقول: لو علمتم أن ذلك كذلك، لأنبتم إلى طاعة ربكم.